الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 11 فبراير، 2017

لا أجد الكلمات ( النص الثالث والعشرون من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


الكلمات ليست عاجزة، لكنّه اشتياقي الذي تخطّاها. هو الشوق الذي يفوق وجع الجسد، هي الرغبة التي يحكمها الانتظار، هو الحبّ الذي قادني إليك من دون أن يقيّدني. الكلمات ليست عاجزة. أنا العاجزة عن إيجادها في غمرة حاجتي إلى الاستسلام إلى أمان ما نحن فيه، وفي خضمّ ترتيب عواطفي التي شتّتها التطلّع لرؤيتك واصلًا ما بين غيابك والحضور. والجسد ليس عاجزًا، لكنّه الحبّ الذي يفوق قدرة الجسد، أيّ جسد، على الاحتمال. لعلّ القدّيسين والنسّاك فهموا ذلك أكثر من المنغمسين في الشهوات والرغبات، فحوّلوا عشقهم إلى حيث يجدون من يساعدهم على احتماله، وإلّا راح العاشق والمعشوق ضحيّتَي ما يشعران به.
الحبّ شأن إلهيّ، لا يحتمل كثافته ورقّته سوى إله لا يُعجزه جسد أو يسربله زمن. نحن ندّعي الحبّ، نمثّل أدوار العشق. فما من إنسان قادر على حمل صليب الحبّ، أو احتمال توقه إلى الحبيب، إلّا متى توقّف كلاهما عن الحلم بالمستحيل، وهو أن يصير الواحد منهما هو الآخر وأن يبقى هو.
***
لماذا أكتب هذا الكلام، وأنا حين أرى إلى غصن من غصون الياسمينة يلتفّ حول جذع شجرة الرمّان أرى ذاتي ملتفّة حول ذاتك؟ لماذا أفقد ثقتي فجأة في ما نملكه، وفي ما نحن فيه، كأنّني أدرك من دون تخطيط مسبق أنّ حبًّا متكاملًا كهذا الذي نختبره لا يحتمله كائنان هشّان مثلنا، يعرفان أنّ العبور لا بدّ منه، وأنّ البشريّة تنوء بآلام لا علاج لها، وأنّ الزمن ليس زمنهما.
غيابك المفروض يعيد عقارب الوقت إلى أوكارها، لتلسع نفسها انتقامًا من انتظار لم تختره. غيابك المفروض يهدّدني باحتمال تفتّتٍ، كنتُ فيه قبل أن تجمع أجزائي التي تشظّت من الخيبة. فنحن، يا صديقي المعجون بمياه العمر وخميرة الخيبة، محكومان بهموم سوانا، ومشغولان بآلام غيرنا، ومنهمكان في البحث عن عشبة الحياة، يشرب خلاصَتها كلُّ الآخرين، إلّانا. ومع ذلك، مع كلّ هذا الحبّ الموجع، نعرف أنّ ما نحن فيه ليس لعنة أنزلها بنا إله غاضب أو حاسد، بل جريمة اقترفناها، عن سابق تصوّر وتصميم، في حقّ الوحدة والعمر والمسافة، ونعرف عقوبتها.
***
لا أجد الكلمات. عيناي اللتان تبحثان عن وجهك أضاعتا رغبتهما في معانقة الصفحات، والتمدّد فوق الأسطر، والتمرّغ في الأحرف. صار التوق إليك لغتي الجديدة التي لا ترجمة لها سوى اللقاء، اللقاء الذي لا يكتفي ولا يشبع ولا يرتوي إلّا ليكتشف متعة الطلب والجوع والعطش، من جديد، كلّ مرة من جديد، كلّ مرّة المرّةُ الأولى، كلّ مرّة اللهفةُ الأولى، والشهقةُ الأولى، والدمعة الأولى يذرفها الجسد ولا يخجل.
***
لا أجد الكلمات. عيناي اللتان تنتظران عينيك أرهقهما التطلّع إليك آتيًا بلا موعد، سحابةً فوق صحراء، زهرة ربيع في تشرين، هديّة بلا مناسبة أو عيد. عيناي هاتان ما عادتا تريدان البحث عنك في الكتب والمعاجم، والكتابة إليك عنك، ولا أن تفتّشا عنك في البحر والسماء والغيوم والنجوم، هما تريدانك رجلًا من وجع وشوق ورغبة وغضب وضحك وبكاء، تريدان شفتيك تطبعان قبلة فوق الجفنين التعبين، ولن يكون فراق، لأنّك هو، لأنّك أنت، لأنّنا انتظرنا، لأنّنا حين ننظر نرى، وحين نسمع نصغي، ولأنّنا لا نملك سوى أسئلة، نعرف أن لا أجوبة عليها، ومع ذلك فهي ثروتنا التي لا يعرف مقدارها أحد، ولا يعرف قيمتها أحد.
***

إبتسم أرجوك، واترك لعينيّ اللتين أتعبهما التفتيش عن الكلمات أن تغفوا في حضن ابتسامتك، وتحلما بلغة جديدة لا ترجمة لها سوى اللقاء.

ليست هناك تعليقات: