من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 4 أغسطس، 2015

مهرجان الشمندور بضيعة "بَيْتَين وتنّور"




استيقظ مختار قرية "بيتين وتنّور"، ولم يجد ركوة القهوة إلى جانب سريره. انشغل باله على المختارة، فنفض عنه اللحاف وقام ليبحث عنها. وجدها إلى طاولة المطبخ، منكبّة على الكتابة وتختيم الأوراق بختمه الرسميّ.
الطنجرة فوق النار، والصحون نظيفة، وكلّ شيء في مكانه، فالمختارة إذًا بخير.
سألها حين لم تعره اهتمامًا: شو عم تعملي مختارة؟ شو فيه؟
أجابت من دون أن تلتفت إليه: قرّرت أعمل مهرجان بالضيعة!
اضطرب المختار وقال في نفسه: جنّت المختارة. ثمّ ملأ الركوة ماء ووضعها على النار، وهو يسألها بلهجة محايدة كي لا يثير حفيظتها: مهرجان شو من غير شرّ؟
مهرجان الشمندور! أجابت المختارة بكلّ جدّ ووقار.
أفلت المختار قهقهة مدويّة، فتركت المختارة ما كانت تفعله ونظرت إليه مليًّا قبل أن تجيب: شوف مختار! تمسخر قدّ ما بدّك. أنا اخترتك ومخترتك، بس خلصنا! من وقت ما استلمت الختم، ما عملت شي ينفع الضيعة، والبلد كلّو مليان مهرجانات، وما في مرتْ مسؤول إلّا ما عملت مهرجان وتريّشت وتريّست. وبما إنّو ما حدا أحسن من حدا، رح أعمل مهرجان تكريم لبقرتنا "عيّوقة" ورح يكون إسمو مهرجان الشمندور.
     ارتمى المختار على الكرسي المواجه، وفي باله فكرة واحدة: ماذا يفعل أمام حالة زوجته العصبيّة؟ لكنّه تماسك وقال وهو يقلّب عينيه بين الأوراق التي تعلن فيها المختارة عن مشروعها:
-      يا مرا شو صرلك؟ بدّك تضحّكي الناس علينا؟ حدا عاقل بيعمل مهرجان بضيعة آخر الجرد وما فيا غير بيتين وتنّور؟
قاطعته المختارة: لو كنت مختار شاطر كان صار التنّور معلم أثريّ بيجيب السوّاح...
بهت الرجل، لكنّه تابع: بلا جنون دخيل ربّك عند هالصبح. مهرجان قال، مهرجان الشمندور كمان... ليش مين رح يفهم شو يعني الشمندور أصلًا؟ تخيّلي مذيعات التلفزيون عم يتحزّروا شو يعني الشمندور... اعملي قهوة وبلا هالمسخرة...
صرخت به زوجته: بعد ناقصني إعتل همّ مذيعات التلفزيون! ليش هنّي بشو بيفهموا أصلًا... بعدين واجباتنا نعلّم الناس التراث، والشمندور من التراث...
حاول الرجل أن يكتم غيظه، وقال مسايرًا: طيّب. فيي إفهم منين طلعتلك هالفكرة؟
استقرّت المرأة في كرسيها وهي تطمئن نفسها إلى أنّ زوجها بدأ يقتنع بالفكرة:
-      نسوان الزعما من وقت زلفا شمعون بيعملوا مهرجانات، وأنا مش ناقصني شي ت أعمل مهرجان غير شكل، يحكي عنّو البلد، ونعرّف الناس ع ضيعتنا، حتّى نحرّك العجلة الاقتصاديّة فيا.
-      هلأ، بقرتنا "عيوقة" يللي بالكاد فيا تحرّك إجريا، صار مطلوب منها تحرّك العجلة الاقتصاديّة؟ وضيعتنا يللي كلّ ولادها نزحوا عنها، وأوّلن ولادنا، بدّك ياها تصير حديث الناس؟ شو جنّيتي؟ بعدين يا مرا عم تحكي عن زلفا شمعون إنتي؟ ما نحنا عم نتمسخر ع نسوان النوّاب والزعما المفكّرين رجالن متل كميل شمعون يللي بني المدينة الرياضيّة بنصّ بيروت مش بضيعتو، ومرتو عملت معهد للعميان متل ما عملت مهرجانات بعلبك...
-      والله مختار ما بها شي معلوماتك!!! مش هيّن حضرتك!!! بس بكون مجنونه إذا بتركك تغيرلي مشروعي. ما رح ردّ عليك.
-      طيّب ليش ما بتعملي شي تاني ما خصّو بالمهرجانات وهالمسخرة، اعملي شي عن الزباله، ما البلد كمان مليان زباله مش بس مهرجانات...
-      ومين قلّك ما فكّرت؟ رح أعمل مهرجان الصيصان للأولاد...
-      شو؟ وشو خصّ الصيصان بالزباله والأولاد؟
-      الله يساعدني عليك، بدّي ضلّ إشرحلك... منعلّم الولاد إنو الصيصان بياكلو الزباله العضويّة، وهيك منعمل بطاقة الدخول كيس زباله من بقايا الأكل..
هبّ المختار عن كرسيه هبّة عنيفة، فوقعت كرسي المخترة. وصرخ بزوجته:
-      نشّفتي دمي ونشّفت المي بالركوة، قومي اعملي قهوة، هيدا يللي بينفعك هلأ. بلا مهرجانات بلا بلّوط. ورح إحكي ولادك يجوا ياخدوك عند شي حكيم... بعد ناقصني بهالآخرة إحكي كلمة بمهرجان الشمندور والصيصان!!
-      غلطان مختار! إنت ما رح تحكي شي! أنا المشرفة ع المهرجان، وأنا يللي رح وصّي ع فستان وإطلع إحكي، ليش يللي عم يطلعوا يحكوا أحسن منّي... شوف نسوان المخاتير حوالينا مْرات وحيد ومْرات سعيد ومرات سليم ومْرات نبيل،  كلّن عملوا مهرجانات وكلّن ربيوا ع الشمندور، وليك اسم الله وين صاروا، وين الغلط نذكّرن بطفولتن؟... بعدين متل ما في مهرجان للكرز والتفّاح والزهور والجنارك، لازم يكون في مهرجان للشمندور! هيك قرّرت...
-      وأكيد بدّك تنقّي مطربه تغنّي بالمهرجان، مين من غير شرّ اخترتي؟
-      نسيت إسما، هيدي يللي نافخه حالا وما بتعرف تغنّي بس بتجيب ناس!
-      حلو كتير! يعني "عيّوقة" وإنتي والمطربه، وولاد حاملين زباله وعم يغنّوا للصيصان، مش ناقص غير حمار متلي ينعزم ع العرس!
-      إيه مختار! بس مش أيّا حمار! حمار بختم رسميّ! بتفرِق منيح...

هناك تعليقان (2):

ميشال مرقص يقول...


الله الله !

وراء كل كلمة هدف مباشر لمن يعرف أن يقرأ ...

وأنتِ "صيّادو" ماهرة / تختبئين وراء الكلمة

وتستهدفين بوجع و"توجيع"...

وأعتقد أنها لوحة من رواية جديدة


أنتظر جديدك

وفقك الله

ماري القصيفي يقول...

تحيّاتي أستاذ ميشال وشكرًا لك... أثق بأنّّك تقرأ ما بين سطوري كذلك