الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 1 أغسطس، 2011

الحريّة أوّلاً أم المعرفة؟


تعليم ثمّ تحرير


ارتبطت التحرّكات الشعبيّة العربيّة من اللحظة الأولى بالفقر والجوع والمرض، لا بحريّة الرأي والتعبير وممارسة العمل السياسيّ والنقابيّ. فحين أضرم محمّد بو عزيزي النار في جسمه بعدما صادرت البلديّة عربة الخضار التي كان يعتاش منها، لم يكن يحلم بقصيدة أو كتاب بل برغيف ودواء، وهذا ما يتناساه المثقّفون حين يكتبون عن "ثورات" العالم العربيّ، فيشكّلون بذلك الخطر الأوّل على هذه التحرّكات، الخطر الذي يكاد يوازي خطر السلطة السياسيّة، لأنّه يشبهها في تعاميه وتعاليه عن الحدّ الأدنى والأبسط من حاجات الناس الأساسيّة. لقد شاهدنا كلّنا الناس في شوارع تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ورأينا الأفواه التي فقدت أسنانها وأضراسها، والأجساد التي تخبّئ جوعها تحت الأطمار البالية، والأيدي المرتفعة أمام الكاميرات بأظافرها المتّسخة. هؤلاء، على اختلاف أعمارهم وثقافتهم، ناقمون على العوز والفقر وغاضبون لأنّ الأنظمة سرقت اللقمة من أفواه أولادهم والمستقبل الآمن من أحلامهم. غير أنّ ما نقرأه في صحافة العالم العربيّ وما نسمعه عبر وسائل الإعلام يبيّن الأمر كأنّ الشعوب العربيّة الأميّة الفقيرة الجاهلة المظلومة المريضة الجائعة لا همّ لها سوى قانون الأحزاب وحريّة العمل السياسيّ والانتخابات النزيهة. لا يعني هذا الكلام أنّ الحريّة أمر ثانويّ لا يستحقّ الثورة من أجله، لكنّ الإنسان منذ لحظة تكوّنه يحتاج إلى من يؤمّن له حقّه في الحصول على الطعام والشراب والعلاج قبل التعبير، لذلك يتنفّس ويتغذّى قبل أن يتكلّم ويمشي، فمن الترف الحديث عن حريّة الفكر أمام انتشار الفقر والمرض، ومن المعيب التباحث في مفهوم الديمقراطيّة أمام الفقراء والمرضى.
مشكلة الثقافة العربيّة نأيها عن الإحصائيّات، فأمور كثيرة تتغيّر في مقاربتنا مختلف الموضوعات إن عرفنا مثلاً عدد الذين قتلتهم إسرائيل منذ قيامها في مقابل عدد الذين قتلتهم أنظمة الصمود والتصدّي، أو كمية المبالغ التي صرفت على تسلّح الجيوش العربيّة في مقابل ميزانيّات التربية والاستشفاء والزراعة، أو إن علمنا كم تبلغ نسبة الشعراء والروائيّين الذين ماتوا معوزين مرضى متروكين من دون اهتمام شعبيّ أو حكوميّ في مقابل المستفيدين من الأنظمة، أو عدد المهاجرين الهاربين من القمع في مقابل عدد المهاجرين طلبًا للرزق، والرقم الأكثر تعبيرًا عن حقيقة الوضع سيكون عدد الأثرياء أو على الأقلّ الميسورين الذين شاركوا في التحرّكات الشعبيّة. ويكفي أن ننسب التحرّكات إلى الشعب كي نستنتج أنّ الأهداف في الدرجة الأولى هي تحصيل الحدّ الأدنى من المطالب المعيشيّة، أمّا الحريّة فلا يأتي على ذكرها إلّا نوعان من المطالبين: الذين هم مشاريع شهداء وهؤلاء قلّة، والذين يعرفون أنّ كلامهم عن الحريّة لن يقدّم ولن يؤخّر ولن يسبّب لهم خطرًا، وهم الكثرة طبعًا.
تعيد فضيحة التنصّت الأخيرة في بريطانيا طرح الأسئلة العميقة، فإذا كانت أعرق الديمقراطيّات السياسيّة والصحافيّة غرقت في الفساد وأساءت إلى الناس وشوّهت مفهوم الحريّة، فكيف ننتظر من الحريّة أن تنقذ العالم العربيّ الغارق اليوم في الأميّة والجهل والتعصّب والفقر؟ وهل علينا أن نحرّر المجتمع ثمّ نعلّمه أم يجب أن تسبق المعرفة الحريّة وتمهّد لها؟ وهل تكفي البراعة في استخدام وسائل الاتصال الحديثة التي تنقل المعلومات بسرعة لا تسمح بالتحليل والتفكير للقيام بثورات؟ وكيف يطالب الناس أنفسهم بالتحرّر من سلطة الديكتاتور ويرفضون في الوقت نفسه التحرّر من أحكام مسبقة تطال الدين والمذهب والعرق واللون والمرتبة الاجتماعيّة؟ وهل الحريّة هدف نسعى إليه ونضحّي من أجله أم هي وسيلة نصل من خلالها إلى حياة كريمة لائقة؟
تعامل المثقّفون العرب مع الحريّة كهدف، لذلك لم يضعوا مخطّطات لما بعدها، كأنّ تحقيقها هو الغاية التي ما بعدها غاية ومن أجلها تبرّر الوسائل مهما كان نوعها وأسلوبها، أو كأنّ هذه الحريّة هي الجواب الوحيد على كلّ الأسئلة والحلّ الفريد لكلّ المشكلات. في حين أثبتت التجارب في كلّ المجتمعات أنّ الإنسان الحرّ هو الغاية، لا الحريّة، وللإنسان الحرّ جسد يجب أن يتنفّس ويأكل ويشرب وينام، وعقل يحتاج إلى غذاء وحوافز ومكافآت، وروح عليها أن تستمتع وتسعد وتطمئنّ، وكما لا يجوز أن يعطى الإنسان غير المؤهّل، جسدًا وعقلاً وروحًا، حريّته كي لا يؤذي نفسه والآخرين، كذلك لا يبدو من الصائب أن توضع حريّة المجتمعات مطلبًا يسبق أبسط شروط الإنسانيّة في مجتمع مدنيّ متمدّن حديث. فسكّان الغابات البدائيّون أحرار ولكنّ حريّتهم تنقاد إلى غريزة تجعلهم يبحثون عن الطعام والماء والتناسل والأمان، وشعوب البلدان الشيوعيّة وعدوا بتأمين العدالة الاجتماعيّة ولو على حساب حريّتهم الشخصيّة، وشعوب البلاد الاسكندنافيّة تنعم بكلّ ما يحتاج إليه إنسان هذا العصر فضلاً عن حريّة شخصيّة لا حدود لها، ومع ذلك فكلّ هذه المجتمعات لا تزال تبحث عمّا ينقصها. ما يعني أنّ الحريّة المطالب بها هي تلك التي ترتقي حضاريًّا إلى ما هو أسمى من حريّة الإنسان الغريزيّة من دون أن تتحقّق على حساب حاجاته البدائيّة. وهنا يكمن جوهر المشكلة، إذ كيف يمكن إيجاد نظام جديد فيه من الحزم ما "يفرض" على الناس التعلّم والرقيّ والتمدّن والفكر الواعي والثقافة المنفتحة، و"يربّيهم" في الوقت نفسه على الحريّة المسؤولة، ولا يغرقهم في ترف الحياة فيفقدون متعة التحدّي والمثابرة والسعي.
لقد ارتبطت الحريّة مع المثقّفين العرب حتّى الآن بعناوين بارزة هي حريّة التعبير وحريّة المرأة والحريّة الجنسيّة، فصارت موضوعات أثيرة في مختلف أنواع الفنون. حتّى القضيّة الفلسطينيّة لم تستطع على أهميّتها وخطورتها أن ترتقي بالحريّة إلى مستوى أكثر شمولاً يطال عمق الإنسان ودوره في الحياة. وها هي تحرّكات الشعب العربيّ تثبت أن لا قمع المفكّرين حرّكهم (قضيّة نصر حامد أبو زيد مثلاً)، ولا جرائم الشرف أخرجت الناس إلى الشارع للاعتراض، ولا أنساهم الكبت الجنسيّ حاجتهم إلى الرغيف، حتّى فلسطين نفسها، وهي أرض مقدّسة عند المسيحيّين والمسلمين، لم يدفعهم اغتصابها وتغيير معالمها إلى الثورة العارمة. ولعلّ السؤال المعضلة الآن هو: هل الحريّة التي يطالب بها المثقّفون العرب من المحيط إلى الخليج لها السمات نفسها على اختلاف تواريخ هذه الشعوب وأديانها ومستوياتها الثقافيّة والحضاريّة والاجتماعيّة؟ الخشية في أن يحمل الجواب اتفاقًا على مبدأ الحريّة من دون الدخول التفاصيل، وفي التفاصيل يكمن شيطان الشرذمة والتفتيت.

ليست هناك تعليقات: