الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 9 يناير 2015

من حكايات جدّي عن الخوري يوسف

شربل، ناسك قدّيس تحتاج الطائفة المارونيّة إلى من يشبهه 

من كتابي "الموارنة مرّوا من هنا" بـ"ألم" ماري القصّيفي


*****
إلى فؤاد كنعان


     تابع جدّي وهو يحاول أن يكتم ضحكته البريئة التي تظهر فمه الخالي من الأسنان:

     وصل المزيد من أخبار الخوري يوسف إلى سيّدنا المطران وهذه المرّة عبر المختار الذي قصد دار المطرانيّة قبل صياح الديك، وأيقظ المطران من نومه ليقول له: بونا يوسف يبقى نائمًا والأولاد تحت "السنديانة" لم يتعلّموا حرفًا منذ عينتموه خادمًا لرعيّتنا. وأضاف المختار بصوت غاضب جعل رقبة المطران تنتفخ من شدّة الانفعال كما يحصل معه في كلّ مرّة يتخطّى فيها أحدهم آداب التصرّف: صار كلّ ولد من ولادنا قدّ الحمار وبعدو ما بيعرف يفكّ الحرف لأنّو خوريكن بيضلّو غافي وبس يوعى بيعلّمن شكال واخبار ما إلا علاقة لا بالدين ولا بالأخلاق. وإذا كانت الخوريّة ما بتعرف وين بيكون بسهراتو وبتخبّر إنّو بيقضّي الليل ساجد قدّام القربان، نحنا مش مهابيل. وأنا إذا كنت ساكت عن سياسته وحياته الخاصّة والروحيّة مش رح إسكت بس توصل القصّة لولادنا.

     طبعًا تردّد المطران في تصديق اتهامات المختار لأنّه كان على علم بالعلاقة المتوتّرة بين زعيمَي الضيعة. ولكنّه في الوقت نفسه كان على علم بأخبار الخوري من مصادر مختلفة ولم يكن فيها ما يسرّ القلب أو يطمئن الروح أو يبشّر بالخير. وكان الناس يتناقلون الأخبار قائلين إنّ المطران ندم على تعيين هذا الخوري في تلك الضيعة بالذات لأنّه كان على اطّلاع على المشاحنات والدسائس والمؤامرات فيها. ولكنّها كلّها كانت كالجمر تحت الرماد حتّى وصل الخوري يوسف كعاصفة أشعلت ما كان كامنًا في الصدور، وبدل أن يلقي سلامًا في كلّ قلب وبيت زعزع ما كان شبه مستقر إن على صعيد النزاعات داخل العائلة الواحدة أو بين العائلات المتنافسة وحين كان يسأل عن موقفه من أيّ طرف كان يجيب بابتسامة اشتهر بها لما فيها من سخرية ممزوجة ببراءة مزيّفة: أنا يا إخوتي مش مع حدا ضدّ حدا، أنا مع حزب الله المجد لَ إسمو، ولازم نكون كلّنا عائلة واحدة بتعمل بفرح ومحبّة.

     وبما أنّ الظروف العامّة في البلد لا تسمح للمطران بالانشغال طويلاً في هذه الأمر واستقبال المزيد من المراجعات والشكاوى قرّر أن يتأكّد من الأمر بنفسه خشية أن تصل الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.

     وهذا ما فعله حين وصل إلى القرية من دون سابق إنذار، فلم ترشّ الطريق الترابيّة بالمياه، ولم ينظّف المختار طربوشه الأحمر ولم تحتر الخوريّة في اختيار ثوب من أثوابها الأنيقة الكثيرة، ولم ترفع رايات الترحيب ولم "يصفّ" الخوري تلاميذه "الما بيعرفو يفكّوا الحرف" على جانبي الطريق. وبالفعل، كان الخوري يوسف يغطّ في نوم عميق، في فيء شجرة السنديان الباسقة، وصوت شخيره يلهي العصافير عن صيد الديدان ويزعج النسيم المنعش وهو يمرّ من بين أغصان الشجرة. أمّا الأولاد فكانوا يلعبون ويصخبون بلا رقيب أو حسيب ثمّ اختفوا كأنّ أحدًا أنذرهم بضرورة الانسحاب من مسرح الجريمة. نكز المطران الخوري بعصاه، فاستيقظ المسكين ناقمًا وقبل أن يتأكّد من هويّة الواقف إلى جانبه بدأ يلعن الخوريّة ويشتم الأولاد والمختار الذين لا يتركون أحدًا يرتاح.

     كبت المطران غضبًا كاد ينسيه التعقّل الذي عرف به، وقال للخوري الذي هبّ واقفًا بعدما تأكّد له أنّه تسرّع في الكلام: الظاهر يا بونا يوسف أنّك أخذت من شفيعك ميله إلى النوم، فهل كنت تنتظر ملاك الربّ جبرائيل لكي يملي عليك ما يجب أن تقوم به؟
ارتبك الخوري يوسف وتلعثم وحاول أن يبحث عن الجواب المناسب دفاعًا عن نفسه طبعًا، لا عن مار يوسف، غير أنّ المطران اللبق أنقذه من موقفه وتابع كلامه: يعطيك العافية يا خوري واضح إنّك عم تتعب: العائلة والرعيّة وتعليم الأولاد والتبشير في القرى المجاورة، انتبه لصحتك يا بونا، ما فيك تربح كلّ شي، رح نشوف كيف فينا نريّحك!

     وقبل أن يجد الخوري يوسف الكلمات الملائمة، كان المطران قد نزل إلى حيث ينتظره مرافقه، ثمّ التفت إلى الخوري الناقم على هذه المفاجأة، وأضاف كأنّه تذكّر شيئًا مهمًّا أو كأنّه كان يتردّد في قول ما خطر على باله: مار يوسف كان نجّارًا يا خوري، وربّما كان هو من علّم المسيح نشر الأخشاب التي صارت بطريقة ما صليب الخلاص إلاّ أنّه بالتأكيد لم يكن ينجّر ما يهين الناس، وفهمك كفاية. وبعد أن ابتعد بضع خطوات عاد والتفت حين سمع وقع خطوات الخوري يوسف وهو يحاول اللحاق به، فرفع عصاه ووضع طرفها الأسفل على صدر الخوري مانعًا إيّاه عن مزيد من التقدّم وقال له: يا خوري هذه العصا ليست عكّازًا وليست للزينة، إنّها الحاجز الذي يُسأل عنده الكهنة عن النفوس التي خلّصوها.

     وينهي جدّي الحكاية التي ظلّ طوال حياته يردّدها وهو يضحك بالطريقة نفسها: وما كان كلام سيّدنا ليصل إلينا لولا أنّ ولدًا من تلاميذ الخوري كان يلعب بين أغصان الشجرة فوق رأس معلّمه وتسمّر في مكانه لحظة وصول المطران، وسمع الكلمات التي لم يكن من اللائق أن يسمعها أحد. ولو لم يسأل هذا الولد الفضوليّ والدته عمّا كان يقصده المطران لما كانت الأمّ نقلت الحديث إلى زوجها، ولو لم يكن زوجها هو المختار لكان الخوري انتقل مع عائلته إلى منصبه الجديد في قرية بعيدة والناس مقتنعون بأنّ ذلك حصل بناء على وحي أتاه أخيرًا في المنام، نصحه فيه الملاك جبرائيل بأخذ عائلته إلى مكان آخر في انتظار قرار سماويّ جديد يستلم فيه مسؤوليّات أكثر أهميّة للطائفة.

     على فكرة، جدّي لم يكن يذهب إلى الكنيسة، ولكنّه قتل في حرب الجبل وهو يحاول إنقاذ كأس القربان والصليب من تحت الأنقاض، ولا نعلم حتّى الآن أين دفن لكي نضع زهرة حبّ على قبره، ولذلك أخذنا عهدًا على أنفسنا، نحن أحفاده، بأن نزرع كلمات الحقّ في كلّ مكان تخليدًا لذكراه.

ليست هناك تعليقات: