من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 11 يناير، 2011

الدويلات الخمس للبنان الجديد


السائرون في نومهم
Phedro Thomas

     صار لا بدّ من تقسيم لبنان.
     فما نحن فيه غير عادل وغير إنسانيّ، ولا يجوز أن تبقى الأمور على حالها. وعلى عكس كلّ المشاريع التقسيميّة التي طرحت خلال تاريخ هذا البلد غير المتفق على تاريخه وجغرافيّته، وبصرف النظر عن مختلف القوانين المقترحة والرامية إلى منع الفرز الطائفيّ، هناك مجال لتقسيم إنسانيّ عادل وغير طائفيّ أو مذهبيّ، يؤمّن ديمومة هذه الدويلات ويضمن حركتها الاقتصاديّة في شكل غير مسبوق.
     دويلة مرضى السرطان كيان قائم في حدّ ذاته وعدد سكّانه إلى تزايد واضح فضلاً عن الذين سيطلبون الانضمام إليه وحمل جنسيّته من الأطباء والممرضين والصيادلة والمعالجين وأصحاب دكاكين الأعشاب ومتاجر الشَعر المستعار وتجّار الأدويّة. هي دويلة هادئة، مواطنوها معلّقون بأنبوب مصل وأمل حياة، لا يعنيهم أمر رئاسة دويلتهم أو حكومتها أو وزرائها أو جيشها، فحديثهم يدور حول الصحّة والألم والخوف والرجاء، ولا يحلمون إلاّ بعلاج طال انتظاره.
     ودويلة المدمنين كيان آخر هادئ، فيه مواطنون من مختلف الطوائف والمذاهب والأعمار، وتدور حركته الاقتصاديّة حول الكحول والمخدّرات، ويتعايش فيه التاجر مع المدمن، اللذين لن يؤذيهما أن تقوم بينهما مؤسّسات إنسانيّة تحلم بمعالجة حالات الإدمان. وستنضمّ إلى هذا الكيان بطبيعة الحال مجموعات المرضى النفسيّين والمحبطين وذوي النزعات الانتحاريّة.
     أمّا دويلة ذوي المخطوفين فكيان حزين صامت في غالب الوقت، تنطلق منه في مناسبات معيّنة أصوات تطالب بجلاء الأمور في هذا الملّف. فوق منازل مواطنيها أعلام تحمل صور الغائبين المعلّقين بين الحياة والموت، المنتظرين الحياة أو الموت. هي دويلة تستقطب المنجّمين والمبصّرين الذين يرون المستقبل بكلّ وضوح ويعجزون عن تحديد مصير مخطوف واحد. ولكنّهم في الدويلة الناشئة سيتبارون في كشف مصائر لا يريد أحد في دولة لبنان الموحّد أن يذكّرهم أحد بها. قد تبدو هذه الدويلة إلى زوال مع موت الأهالي الذين تقدّم بهم العمر ولا يجدون من يرثهم في حمل مسؤوليّة هذا الملفّ الإنسانيّ. ولكن إن فكّرنا في أنّ الخاطفين يجدون دومًا أسبابًا للخطف اطمأنّ بالنا إلى أنّ هذا الكيان وطن نهائيّ لكلّ ذوي المخطوفين في العالم.
     الدويلة الرابعة للمعوقّين، وأبناؤها خليط من ضحايا الحرب والأمراض والخلل التكوينيّ، وتجارتها أدوية ومهدّئات وأطراف اصطناعيّة ومقاعد متنقّلة ومؤسّسات تحاول أن تجعل الحياة سهلة لمواطنين لا تلحظ دولة لبنان العظيم الموحّد وجودهم في سياستها أو برامجها.
     الدويلة الخامسة دويلة الأراكيل وهي ملجأ المعنيّين والمعنيّات (لا صلة قرابة مع الأمير المعنيّ فخر الدين) بالغناء الخفيف والرقص الهستيريّ والفيديو كليب التجاريّ والسهر الذي لا علاقة له بالعُلى أو بتأنيب الضمير. هي دويلة تحتاج إلى مختلف العاملين في مجال تأمين الأطعمة والأراكيل إلى البيوت ولا تستغني عن نُدُل المطاعم والمقاهي والعاملين في مواقف السيّارات، ولا عن رجال المواكبة والحراسة وعاملات التجميل ومزيّني الشعر. هي دويلة الخدمات السريعة والربح الصافي و"البخشيش" الأكيد نظراً الى الكرم اللبنانيّ المشهود له.
والجميل في موضوع هذه الدويلات غير الطائفيّة أنّ رجال الدين سيجدون مجالات أرحب لنشر دور عبادتـ(هم)، ففي الدويلات الأربع الأولى صلوات مدفوعة للشفاء والصبر والرجاء، وفي الدويلة الخامسة انتشار كثيف يهدف إلى محاربة الخطيئة وإنقاذ النفوس التي أعماها دخان الأراكيل وأفقدها السكر الاتجاه الصحيح.
     ويبقى موضوع الرئاسة في كلّ دويلة: ففي الأولى للحالة السرطانيّة المستعصية كي تخلو الكرسي سريعًا، وفي الثانية لأكثر المواطنين إدمانًا واستعداداً للجرعة الزائدة كي لا يبقى طويلاً في مركزه، وفي الثالثة للأمّ التي يميتها الهمّ والانتظار، وفي دويلة المعوّقين توزيع للصلاحيّات: فكرسي رئاسيّ لكلّ مُقعد، وعصا قياديّ لكلّ أعمى. أمّا دولة الأراكيل السعيدة فيرأسها صاحب أقصر نفَس لكي يكون حتماً صاحب أقصر ولاية.
     قد يعترض بعضكم على أنّ هذا المشروع التقسيميّ لا يلحظ مكاناً لأهل الفكر والفنّ والأدب. والجواب عن ذلك أنّ هذا المشروع يفتح أبواب العمل لهذه الشريحة من الناس: أناشيد وطنيّة للكيانات الناشئة، أغنيات شعبيّة وأفلام سينمائيّة، برامج الواقع اللئيم التي تنقل مباشرة معاناة الناس وسهراتهم، كلمات رثاء لرؤساء الكيانات الراحلين سريعاً، كتابة تاريخ جديد، مدارس لتعليم ركن السيّارات وتأمين الطلبات إلى المنازل، منحوتات ولوحات لشهداء من نوع آخر، ندوات فكريّة لمناقشة أهميّة التوزيع الجديد للشعب اللبنانيّ العنيد. أمّا من يجد منكم أنّه لا ينتمي بطريقة أو بأخرى إلى إحدى هذه الدويلات فعليه أن يخجل من نفسه لأنّه بالتأكيد ليس من أبناء شعبنا العظيم.
***
جريدة النهار - الثلاثاء 11 كانون الثاني 2011

هناك 6 تعليقات:

Ramy يقول...

تقسيم عادل لكُل دولنا العربية

و لو فكرنا تانى هنلاقى تقسيمات تانى كتير

دولنا تُعطيعنا روح الأبداع فى ذلك

مش عارف ليه كل ما اجى اعلق على بوست زى اللى فات ملحقش

مش عارف ):

بس هعلق اكيد

تحياتى

وادي المعرفة يقول...

Your Sheikh has chosen me husband
Well darling do it for England

ماري القصيفي يقول...

رامي

يمكن تقسيم بلداننا إلى أجزاء صغيرة إذ إن كلّ مواطن عربيّ صار وطنًا لنفسه بعدما فقد الوطن الكبير. لك تحيّاتي

وادي المعرفة

فعلنا أكثر من ذلك لبلداننا

وادي المعرفة يقول...

عملك كمدرسة علمك المحبة والأمومة والصبر، وجعلك حادة في الحق ، ومثابرة على الجد والصدق لبلوغ "المثال".. وأنت في كتاباتك "لبنانية" من الطراز الأول، بقية من القوم الأُوَل فكراً ومحبة ووطنية. حماك الله وحمى لك ولنا لبنان مجد الشرق ونوره.

ماري القصيفي يقول...

وادي المعرفة

لو تعرف حال لبنان الليلة: الناس خائفون، المحلاّت التجاريّة ملأى بالذين يتبضّعون مؤنًا خشية تطوّرات لا أحد يعرف كيف تبدأ وأين وكيف تنتهي!
الناس الليلة في حال ترقّب وانتظار

olga يقول...

BONSOIR MARIE
بالأمس كتبت تعليقا ً موسعا ً لكن عطلاً مفاجئاً حال دون وصوله إليك ...لك عين صقر ,قلم مارد و روءية واضحة ليت ملوكنا يتحلون بها لوفروا علينا كل تلك الأزمات و دمت إلى قراءك ...