الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 1 فبراير، 2017

ساحات البلدات في موسم الشتاء (2009)



بحمدون - تصوير يارا الهبر

لا أعرف إن كان أحد منكم زار ساحات البلدات في مواسم الشتاء والأمطار والعواصف وتنزّه في فراغ الأمكنة التي خلت من ازدحام الناس وصخب الحفلات وصراخ الأولاد. فراغٌ ممتلئٌ نعمةَ الخيال، هو ذلك الفراغُ المخادع الذي يبدو لغير الرائين خاليًا وميتًا وباردًا.
ساحات دير القمر وبحمدون وعاليه وإهدن وبشرّي وبعلبكّ وبرمّانا وجزّين، تركها زائروها وأهلها والعابرون في ساحاتها الميادين، وخلّفوا وراءهم أغنيات الأعياد والمهرجانات ونكهات الأراكيل وطلبات الزبائن وأصوات الباعة ووجوه الصبايا الموعودات بالعشق والجنون. ومع ذلك لا يزال كلّ شيء هنا لمن يحسن الإصغاء والتقاط ما علق في الهواء من تنهّدات وما انطبع في الذاكرة/ المصيدة من ملامح.
لذلك يحلو لي في الشتاء، حين يرحل الجميع، كلّ إلى بلده ودفء مكانه، أن أزور هذه الأمكنة، أن أستغلّ خلوّها من الناس لأقترب من الأمكنة والناس، كأنّ الأمكنة التي وجدت للناس تفقد صفاءها متى كثُر الناس، وكأنّ الناس متى ملأوا الأمكنة فقدوا خصوصيّةً هي ملك لكلّ واحد منهم.
يتغيّر الناس متى التقوا بالناس، يضعون أقنعة تخفي حقائقهم ليصيروا كلّهم أشخاصًا آخرين لا يعرفون أنفسهم، وهكذا تسكن الغربة في ثرثرة لا بدّ منها أو في فرحة مصطنعة لا بدّ من ادّعائها في ساحات البلدات خلال صيف يأتي فيه الجميع لينسوا أنفسهم.
في تلك البلدات حيث أوراق الأشجار ترقص رقصتها المجنونة على إيقاع الريح، يقيم في الشتاء الصمت ودخان المواقد. وفي البيوت التي تركها أصحابها من العرب أو اللبنانيّين يحلو لي أن أُسكن الناس الذين لا منازل لهم. أو أن أرسم نفسي حارسة البيوت فأتنقّل من واحد منها إلى آخر لأعبث بأدراج الخزانات وأجلس على المقاعد الباردة وأقف إلى النوافذ لأرى مِن خلف الستائر المسدلة ما لن يراه أصحاب البيوت في الصيف. خيالات الذين كانوا هنا لا تزال هنا، تنتظر شمسًا وصيفًا ونهارات طويلة من الكسل.
أين ذهبت طاولات المقاهي من الساحات وأين خبّئت المظلاّت الكبيرة البيضاء؟ قال لي صاحب مقهى في دير القمر: في الشتاء نرحل إلى أميركا. كان ذلك في أواخر الصيف حين لم يبق إلّا أصناف قليلة تُقدّم لزبائن قليلين مع الاعتذار بأنّ الصيف انتهى. كنت وصديقي العابر زائرين ثقيلين لا نريد أميركا ولا نريد أن يرحل أصحاب المكان كي يبقى لنا المكان مفتوحًا ورحبًا لا تحكمه الفصول ولا تغلق أبوابه رفوف الناس الراحلين. ومع ذلك، نامت المقاهي الجبليّة في انتظار قبلة الشمس، وعادت الساحات ميادين للكلمات، يزورها الشعراء والفنّانون ويتنزّهون في فراغ ليس فراغًا إلاّ لمن لا يعرف. يحنون رؤوسهم تحت قبّعات صوفيّة، يغرقون أيديهم في جيوبهم الخالية إلّا من كمشة أحلام، ويمشون وهم يبحثون عن خطوات تركوها من الشتاء الماضي ويخشون أن تكون اختفت تحت ركام الفرح العابر وبقايا المواعيد المخذولة.
يعرف هؤلاء أنّ الأمكنة اشتاقت إليهم، ومن هذا الاشتياق تمتلئ صدورهم هواءً باردًا ونظيفًا وطاهرًا ومنعشًا يشبه ما عرفه العالم لحظة التكوين الأولى، ولا يشبهه.
ومن هناك، يبدأ الشعر.

ليست هناك تعليقات: