من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 6 سبتمبر، 2012

القلق الأحمر (النصّ التاسع من كتابي رسائل العبور - 2005)

Jack Vettriano


يقف صديقي اليوم إلى الجهة المقابلة، وها هي المسافات تمتدّ بيننا قلقًا أحمر، وبرودة رماديّة، وكلامًا كالحجارة المسنونة. عرفت منذ زمن أنّه سيكون دائمًا في الجهة الأخرى، يحيط به عشرات من مريديه الذين يصفّقون له إذا قال كلمة، ويقهقون إذا روى طرفة، ويوافقون إذا وافق، ويثورون إذا ثار. فلمَ لا يبقى معهم؟
أنظر إلى صديقي المرتفع في كبرياء فوق غيوم بيضاء لن تبقى غيومًا ولن تتحوّل مطرًا، وأخاف عليه من السقوط العظيم متى هبّت رياح تبدّد الغيوم والأوهام.
كنت أعرف أنّ لحظة العبور آتية مهما تأخّر الوقت، لكن فاجأني أنّه لم يعبر فعلًا. حصل الأمر كما لو في مشهد من فيلم سوريالي: كنّا نقف جنبًا إلى جنب، ثمّ بدأت الأرض تتحرّك ونحن جامدان في موقعينا. وشيئًا فشيئًا تمدّدت الأرض بيننا، وأخذ يبتعد كسائح في فندق يترك للسلّم الكهربائيّ مسؤوليّة الانتقال به.
كانت المسافة التي تفصل بيننا تزداد، وهو يلهو باللحظة، ويستمتع بها وينظر إلى الجهة المقابلة متشوّقًا إلى الوصول، كطفل ينتظر أن تقوده يد أمّه في مدينة الملاهي إلى حيث اللعبة الأكثر إثارة.
في الواقع، توقّف عن النظر إليّ مذ بدأت الأرض تتحرّك تحته. والغريب أنّه لم يكن خائفًا أو مضطربًا أو رافضًا. بل تعامل مع الأمر في عفويّة واطمئنان وقبول، كأنّه كان ينتظره، وكأنّ الوقت طال وهو في مكانه إلى جانبي، وصار ملحًّا أن يرحل، من غير أن يجد نفسه ملزمًا باتّخاذ القرار، وثمّة الآن من فعل ذلك وأبعده إلى الجهة الأخرى.
إنّه هناك الآن، يشعر بوخز طفيف في زاوية قلبه لأنّه لم يسعَ فعلًا إلى البقاء. لكنّ الاستمتاع بالوقت يمرّ بلا تساؤل أو سؤال أنساه ذلك الألم العابر.
إنّه هناك الآن، ينظر إلى حيث أقف ويقول في نفسه: إنّي الآن في موقع جيّد، بعيد ما يكفي كي لا أسمع، وقريب ما يكفي كي أرى ما يجري حولي.
وأنا هنا، أترك الأرض تمتدّ بيننا مسافات من القلق والبرودة والصمت وأقول في نفسي: إنّي الآن في موقع جيّد: بعيدة ما يكفي كي لا أزعجه، وقريبة ما يكفي كي أسرع إليه.
كيف وصل بنا الأمر إلى هذه الحالة؟ إنّه الصديق الذي انتظرت وصوله كما انتظرت الشعوب تحقيق وعد الخلاص، ولكنّ النجمة ترتجف في سمائها بردًا وتردّدًا، وأخشى عليها من العتمة قبل أن يصل ملوك الأزمنة إلى المكان! ألم تأتِ ساعة الولادة بعد؟ ألذلك كتبت له منذ زمن نصوص العبور؟ ألا يصحّ الذي قلته عنه منذ صيف وشتاء على ما نحن فيه الآن؟

ليست هناك تعليقات: