من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 28 أبريل، 2017

رواتب آخر الشهر تقتل الشعر (2009)



1 - كان حكّام الأزمنة الغابرة يفهمون الشعر ويحبّونه فازدهر الشعر، ويوم أغلقت أبواب البلاطات أمام الشعراء وشرّعت أمام الكاميرات دون سواها تراجع الشعر، وصارت الأقلام معاول تحفر فتحات للنور والهواء والطعام في نفق الحياة الضيّق.
*****

2 - يعرف الشعراء اليوم أنّهم، في الوقت الذي قد يصرفونه على نظم القصيدة وتنقيحها وتصحيحها وتوسّل زاوية لنشرها، يكتبون عشرات المقالات للصحيفة، أو يقدّمون عشرات الحلقات التلفزيونيّة أو الإذاعيّة، أو يصحّحون مئات الأوراق لمئات التلامذة، أو يخلّصون معاملات آلاف المواطنين، وكلّ ذلك في سبيل تأمين رواتب آخر الشهر. فإذا كان السيّد المسيح قال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فذلك لا يعني أنّ الشعر وحده يفعل.
*****

3 - من بين الشعراء المعاصرين، ارتبط اسم الشاعر سعيد عقل في شكل واضح وصريح بالإصرار على حقّ الشاعر في أن يعيش محفوظ الكرامة من ريع كتاباته والمقابلات التي تجرى معه. وقد نقلت عنه مواقف وآراء، قد يكون فيها شيء من المبالغة، تعلن أنّه لا يرضى بالكتابة مجّاناً ولو سطراً واحداً ولا بالظهور في أيّ برنامج ما لم ينل حقّه الماديّ كاملاً، غير أنّ الناس يتناسون جائزته الشهريّة التي كان يقدّمها من جيبه الخاصّ لمبدعين في شتّى المجالات. ولكنّ الآخرين ليسوا هو، وبالتالي لم يستطيعوا أن يفرضوا أنفسهم كما فعل، فكان عليهم أن يبقوا في وظائفهم أو أن يبحثوا عن عمل يؤمّن لهم راتباً يقيهم العوز، أو على الأقلّ كان عليهم أن يجاهدوا طويلاً، ويخسروا الكثير قبل أن يصلوا إلى المرحلة التي يقرّرون فيها متى وأين يكتبون وماذا يريدون مقابل إبداعهم.
*****

4 - لا تنفع المهرجانات في رفع شأن الشعر، ولا تستطيع الجوائز السنويّة أن تفي الشاعر حقّه، ولا يقنع أحداً القولُ إنّ المعاناة هي التي تحرّك قرائح الشعراء. الحريّة وحدها هي التي تنتج شعراً، وحين يتحرّر الشعر تتحرّر تلقائيّاً الفنون كلّها والإبداعات كلّها. الحريّة هي التي تجعل الشعر يثمر ويعطي ولا يختنق في أدراج سريّة. ومن دونها، من دون التحرّر من كلّ رقابة أو سلطة أو حاجة أو عوز أو دَين، لا يمكن أن يولد شعراء كبار، وعلى الأكثر سيكون عندنا موظّفون يكتبون مقالاتهم بطريقة شاعريّة.
*****


5 - خَلاصُ الشعر في أن تفهم السلطة ما يقوله الشعراء، لا أن يرضوا عمّا يقولونه أو يوافقوا على ما فيه. وأكاد أجزم أنّ الأنظمة التي تضطهد الشعراء هي الأنظمة التي لا تفهم ما يقوله الشعراء لا تلك التي تعترض على ما يقولونه. فالسلطة تفضّل إسكات الشعراء كي لا يفضحوا جهلها معاني الشعر، وصور الشعر، وموسيقى الشعر، ومضامين الشعر، ورموز الشعر. فقتل الشعراء أسهل من فهمهم.
*****

6 - ألا يخجل الشاعر من المطالبة بحريّة الوطن وهو عاجز عن تحرير نفسه من متطلّبات مديره في العمل؟
*****

7 - تعلّم الشعراء أنّ رواتب آخر الشهر موعدها آخر الشهر، ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بموعد الوحي أو ساعة الإلهام. فالشعراء الذين كانوا من حملة الأقلام وأكثر الناس جهلاً بعلم الأرقام صاروا موظّفين من حملة الآلات الحاسبة ودفاتر الحسابات المصرفيّة.
*****

8 - بعض أصحاب الصحف يقول للشعراء: ادفعوا لنا كي ننشر قصائدكم لأنّنا نقدّم لكم فرصة نادرة للظهور في زمن استقالة الشعر من قيادة العالم. ومعظم الشعراء يقبل.
*****

9 - لا تتوقّعوا جائزة نوبل أيّها المبدعون العرب قبل أن تستحقّوا جائزة النبل.
*****

10 - تعدّدت اللغات والمضمون واحد.
*****

11 - ما نفع الشاعر إن كان في رأسه أكثر من بيت وليس فوق رأسه سقف واحد؟
*****

12 - قالت المرأة لزوجها الشاعر وهي تطلب منه الطلاق: خذ كلّ بيت كتبتَه وأنا آخذ هذا البيت!
*****

13 - حين وقّعتُ عقد العمل في المؤسّسة علمت أنّني لن أوقّع كتاباً جديداً.
***

* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 17 تشرين الثاني 2009

هناك 7 تعليقات:

SyrianGavroche يقول...

ما نفع الشاعر إن كان في رأسه أكثر من بيت وليس فوق رأسه سقف واحد؟


كل النقاط هادفة و مصيبة... لكن هذه بشكل خاص نالت إعجابي جداً !


تحية

ماري القصيفي يقول...

أتمنّى أن يكون في رأسك الكثير من الأبيات وأن تملك على الأقلّ بيتًا واحدًا تقيم فيه، لك تحيّاتي/ ماري

SyrianGavroche يقول...

شكراً :)

الحقيقة أن الشعر أكبر بكثير من مقدرتي على تطويع الحرف.. بالكاد أتجرأ مع بعض الخواطر أحياناً عندما أهرب من المقالة

ماري القصيفي يقول...

من يتذوّق الشعر شاعر أكثر بما لا يقاس من شخص بارع في تطويع اللغة ومتلاعب في ألفاظها وتعابيرها وأوزانها/ معلّمو أوزان الشعر ليسوا بالضرورة شعراء/ في نصوصك الكثير من الشعر/ يكفي أنّك قادر على التقاط المشهد أو الشعور أو اللحظة والتمسّك بذلك بجماليّة وصدق وشفافيّة

SyrianGavroche يقول...

شكراً جزيلاً على كلامك, و يسعدني أن أعرف أنك اطّلعتِ على بعض نصوصي .



تحية

عابدالقادر الفيتوري يقول...

ألا يخجل الشاعر من المطالبة بحريّة الوطن وهو عاجز عن تحرير نفسه من متطلّبات مديره في العمل؟ .. فما عسى ان نقول عن ادباء مخضرمين ندروا اقلامهم لتزين وجه الطغاة .. صحف ومنابر اعلامية .. ولا يوجد منبر بلا هدف وقضية .. وخطوط حمراء .. دمت رائعة .. جواهر الكلم

ماري القصيفي يقول...

يا هلا بالصديق عابدالقادر
يسعدني مرورك ويشرّفني رأيك
لا حريّة مع الأسف، التجارة سيّدة الموقف