من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 29 أبريل، 2017

الحصاد التربويّ (2009)

هل نربّي على الحقّ والخير والجمال؟

ما لم تستقم أمور التربية والتعليم في بلادنا فعبثًا نكتب ونخطب ونصرّح ونطالب! القضيّة كلّها تبدأ من على مقاعد الدراسة حيث يتمّ إعداد الصبيان والبنات ليكونوا رجال الغد ونساءه. ولكنّ نظرة سريعة على ما نعلّمه في مدارسنا تظهر طبيعة التناقض الذي يقع فيه التلاميذ.
نعلّم التلاميذ مثلاً الغزل ونعرّفهم تحديدًا على مدرستين في هذا الفنّ انطلقتا في العصر الأمويّ، فنقول لهم إنّ هناك نوعين من الغزل: العذريّ أو البدويّ أو العفيف، والإباحيّ أو الحضريّ أو العُمَريّ، ونعطيهم نصوصًا لجميل بن معمر زعيم المدرسة الأولى، وعمر بن أبي ربيعة زعيم المدرسة الثانية. ماذا يستنتج التلاميذ بعد هذين الدرسين المهمّين إن لم يجرؤ المعلّم على فتح آفاق جديدة؟ أن لا خيار ثالثًا في الحبّ، فإمّا أن تكون - كجميل - هائمًا في الأرض، مهووسًا بامرأة أصبحت لسواك، مريضًا ومرذولاً وهاربًا من أحكام المجتمع آنذاك، أو أن تكون – كعمر – "نسونجيًّا" تتنقّل من امرأة إلى أخرى وتهوى المغامرات الليليّة والتنكّر في ثياب النساء للهرب من منزل إحداهنّ، وتستغلّ المناسبات الدينيّة لاصطياد الفتيات والمتزوّجات. عظيم! كلّ هذا موجود ومن طبيعة الحياة، ولكن ماذا عن الخيار الثالث؟ ماذا عن الحبّ "الطبيعيّ"، ماذا عن احترام المرأة وعدم التشهير بها وعدم استغلالها وعدم خيانتها؟ ماذا عن النظر إليها ككائن حرّ ومستقلّ يرفض أن يعبد ويوضع على منصّة عالية حيث لا تطاله أيدي البشر، أو أداة متعة ومصدر وحيّ؟ وهل نعتب بعد ذلك على تلاميذنا إن بحثوا عن أنواع الحبّ الأخرى في أماكن أخرى وعند حضارات أخرى؟
ونطلب من تلاميذنا أن يعبّروا عن آرائهم ويدافعوا عنها بتقديم البراهين والأمثلة والحجج، ونحثّهم على الكتابة في مواضيع الإنشاء عن آمالهم وطموحهم ومشاريعهم، ونحاسبهم بحسم علامات إن قصّروا في ذلك. ولكن عندما يكبرون ويحاولون أن يعبّروا بالأسلوب البرهانيّ نفسه عن آرائهم وأفكارهم كممنا أفواههم وزججنا بهم في السجون، وأدرنا عليهم خراطيم المياه لتبديد شملهم وتبريد عزائمهم. فكيف سينظر التلميذ بعد ذلك إلى معلّمه الذي كان يطرح عليه في درس الأدب والتعبير السؤال نفسه: ما رأيك في هذا القول؟
ونطالب تلاميذنا بالتقدّم من الشهادات الأجنبيّة الفرنسيّة أو الأميركيّة أو العالميّة لما تفتحه من آفاق أمامهم ولما تقدّمه لهم من معلومات حديثة ومنهجيّة علميّة، ولكنّنا في الوقت نفسه نعمل في حصّة الدين على محاربة ما تعلّموه في حصّة العلوم والفلسفة، وفي ساعة التاريخ العربيّ على تصحيح ما تعلّموه في حصّة التاريخ العالميّ، ونعلّمهم كيف يكتبون في الشهادات الأجنبيّة ما يلائم هذه الشهادات، وفي الشهادات المحليّة الوطنيّة ما يلائم واقع الحال المحليّ. أيّ خبث هذا؟ وأيّ كذب؟ وأيّ استهتار بعقول المراهقين؟
وندعو تلاميذنا إلى تنمية قدراتهم الفنيّة والرياضيّة ونقنعهم أن لا صحّة بتاتًا لمقولة: موادّ أساسيّة وموادّ ثانويّة، وأنّ الإنسان كائن متكامل وعليه أن يولي الآداب والعلوم والفنون والرياضة الأهميّة نفسها، ولكنّنا عند حسم الأمور في آخر العامّ الدراسيّ، نهنّئ من نجح في الموادّ العلميّة ونرفّعه صفًّا، ونطرد الفنّان لأنّه مزاجيّ، والرياضيّ لأنّه لا يكفّ عن الحركة، والأديب لأنّه ليس بارعًا في الحساب.
والأدهى من كلّ ذلك أنّنا نثور لأنّ الخبث سيّد المواقف، ولأنّ الناس يكذبون ويتحايلون ولأنّ أوطاننا من دول العالم الثالث وما دون، ولأنّ تلاميذنا لا يملكون حسًّا نقديًّا ولا يعرفون حتّى أن يحلّلوا نتائج "ستار أكاديمي" و"سوبر ستار".
نحصد ما نزرع ولذلك فلن نحصد من مناهجنا التعليميّة الحاليّة إلاّ الغباء والاجترار والجبن.

ليست هناك تعليقات: