من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 26 نوفمبر، 2016

«للجبل عندنا خمسة فصول»: سيرة ذاتيّة للوطن بين العقلنة والجنون - بقلم الدكتور جوزيف ياغي الجميّل



  "للجبل عندنا خمسة فصول" رواية للكاتبة ماري القصيفي، صادرة عن دار سائر المشرق، من دون تحديد تاريخ واضح للنشر. ولكنّنا نفهم من خلال الإهداء أنها صدرت سنة 2013، «في الذكرى الثلاثين لحرب الجبل 1983-2013». فما هي الصفة التي يمكن إطلاقها على هذه الرواية؟ أهي سيرة ذاتيّة أم تأريخ اجتماعيّ لحقبة من عمر المجتمع اللبنانيّ، في الشوف وعاليه، بين سنتي 1983 و1990؟

   لن أبدأ بالعنوان، كما درجت عليه الدراسات الأكاديميّة، أو بدلالاته وإيحاءاته، في مختلف المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة. سأخالف منطق البحث وأبدأ من نهاية الكتاب.

نظرة سوداويّة
   تقول الكاتبة في الصفحة الأخيرة من الرواية: «إنتهى الصيف ولم تنتهِ حكايات التهجير يا أبو جورج! فأجابني انّ لكلّ مهجّر حكاية ولكل عائد قصّة ولكلّ مفقود ومَيْت رواية، فكيف لشخص واحد أن يجمع كلّ ذلك في كتاب واحد؟» (ص 213).
   ونتساءل: أيعني هذا الكلام تعبيراً عن الإحباط أم هو نظرة واقعيّة بعين روائيّة أدركت زيف انتهاء الحرب والتهجير؟ وكأنها تقول: أصبح التهجير في لبنان من ثوابته، فصلاً من فصوله.
   هو فصل الشيخوخة والهرم، فصل الموت والغربة داخل الوطن. وهذا ما يؤكّده قولها: «إنتهى الصيف». والصيف رمز الشباب والنشاط والازدهار. الفصل الخامس هو فصل البحث عن الأمان والاستقرار في وطن المتغيّرات، في وطن غَدا المواطن فيه يبحث عن وطن يهاجر إليه ولا يُهَجّر منه. (ص 212)
   هي حقاً نظرة سوداوية أعلنتها الكاتبة القصيفي في روايتها هذه. نظرة إنسان حاصَره الإحباط والموت واللاإستقرار. وتتمثّل هذه الحال في صورة شخصيتين تعتبران أساس الرواية: شخصية سلوى وشقيقها سليم. سلوى العاقلة التي تحاول أن تتجاوز جنون التهجير لتجد متنفّساً لكبتها، وتدّعي لأخيها أنها تعيد بناء بيتها في الجبل.
   هي المجنونة الحقيقية لا شقيقها سليم، لأنها تبحث عن سلواها في الكتابة. واسم سلوى ليس اختياره عبثيّاً في الرواية. أمّا سليم الذي احتضنه الدير، فهو صورة واقعيّة عن النصف الثاني من الشعب اللبناني، الذي أصابته الحرب بجنون مآسيها، ولم تترك له متنفّساً إلّا الحلم.

مجنون المكان
   صحيح أنّ أيام التهجير حوّلت الإنسان اللبناني، أو من لم يستطع السفر من بلاده، إلى مجنون المكان والكيان. وسلوى التي حاولت توثيق التهجير في رواية، لا تقلّ جنوناً عن أخيها سليم، من باب تسمية الشخص بضدّه. وجنونها ليس وليد اللحظة، بل هو مرتبط بتاريخ من المجازر التي ارتكبت بحق طائفة من اللبنانيين، سنة 1860. أمّا أسباب تلك المجازر وذاك التهجير فهي سياسية تعود إلى وعد بلفور خدمة لليهود في فلسطين.
   فتساوى الشعبان اللبناني والفلسطيني في المأساة، ربما بسبب التخاذل، تقول الكاتبة: «هذا ما نبرع فيه نحن: الهجرة ثمّ الهجرة ثمّ الهجرة! وإقامة النصب والمزارات!»(ص 190)، أو بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الجميع، بلا استثناء، فغدا الجنون ذريعة للتهرّب من المسؤوليّة، إنطلاقاً من مبدأ: ليس على المجنون حرج.

عذراء الجبل
   عودة إلى مجريات فصول الرواية، فإننا نرى فيها عامل الادّعاء هو الكلمة المفتاح الطاغي في النصوص. فعذراء الجبل، أي سلوى، اعتبرت عاهرة الجبل طوال الحرب، بعدما ادّعى أحد المقاتلين زوراً أنه نال وطره منها، في حين أنه كان عاجزاً جنسياً لأسباب نفسيّة. وسلوى ادّعت لأخيها انها ترمّم بيت الجبل في حين انها كانت تكتب روايتها.
   والجميع ادّعوا انّ التهجير انتهى ولكنّ الكاتبة كانت تدرك أنّ الأمر غير صحيح. والمنزل العائليّ الذي ما زال مدمّراً في عين يوسف يثبت هذا الأمر. فالمهجِّرون (بكسر الجيم) والمسؤول المُزوِّر المُدّعي (المختار) هم الذين قبضوا التعويضات، لا الشعب المهجَّر المسكين.
   وكأنّ لعنة أزليّة هي المسؤولة عمّا جرى. لعنة حوّلت صيف الجبل الهانئ إلى فصل جنون. وكانت النتيجة أن تحوّلت بطلة الرواية نفسها، في الفصل الأخير إلى لعنة. فأمضت سلوى ثلاثين عاماً في دير الصليب.
   وكأنّ الكاتبة تعلن بذلك أنّ الوطن نفسه كان ضحيّة الإصابة بالجنون، في مصحّ عقلي. بل أكثر من هذا كان مصاباً بالسرطان القاتل. فخرجت الرواية من نوعها الأدبي المعروف لتصبح سيرة ذاتيّة، لا للكاتبة، بل للوطن.
    قيل الكثير عن حرب الجبل، في كتب التاريخ، وحتى في الرواية، ومن بينها رواية «ضيعة الله» للأديب الدكتور وليم الخازن. ولكنّ اللافت، في رواية ماري القصيفي، أنها أسيرة الواقعيّة المفرطة في الالتزام، فغدت شخصيّاتها رموزاً حيّة لواقع يطغى عليه التشاؤم والقلق.
    صورة عن الإنسان اللبنانيّ الذي تحوّل تهجيره في الحرب اللبنانيّة إلى لعنة أشبه بلعنة سيزيف في الأساطير اليونانية القديمة. وكم كنّا نطمح إلى شعاع شمس يخترق حجب ظلام الواقع، إلى استشراف أمل يدعو إلى إخراج القارئ من عالم الموت/اللعنة، إلى الحياة/ النعمة، بعيداً من الأحلام.