الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2016

التربية هي الوزارة السياديّة الوحيدة



كلّ ما علّمته المدارس، وكلّ ما حاول المربّون شرحه عن موضوع المساواة ما بين الموادّ الدراسيّة، وعن أنّ العلوم والآداب والفنون تتساوى وتتكامل وأن لا فضل لمادّة دراسيّة على أخرى إلاّ بما تقدّمه للبشريّة، كلّ هذا طار في مهبّ الرياح حين سمع تلامذة لبنان أنّ ثمّة وزارات سياديّة وأخرى غير سياديّة. فمن يستطيع أن يقنع التلامذة بعد اليوم بأنّ اللغة العربيّة لها قيمة الإنكليزيّة، وبأنّ الرياضة مهمّة كالرياضيّات، وبأنّ دراسة التاريخ والجغرافيا ضروريّة ولها الفائدة التي تقدّمها دراسة العلوم الكيميائيّة والفيزيائيّة؟ فحين تطرح على أعلى المستويات قضيّة الوزارات السياديّة التي تتهافت عليها التيّارات الحزبيّة كلّها، يبدو من السذاجة أن نتكلّم مثلاً عن وزارات الخدمات والتنمية. ويغيب عن بال الجميع أنّ التربية تحديداً هي الوزارة السياديّة الوحيدة، إن أردنا أن نبني دولة حقيقيّة لا أن نحصر همّنا بتأمين مقاعد نيابيّة وحقائب وزاريّة.
فمن خلال التربية، نحصّن الدفاع الوطنيّ ونزرع المواطنيّة ونصحّح مفهوم المقاومة ونقوّي حسّ الانتماء والاهتمام بالمجتمع والإنسان، فلا يعود يهمّ بعد ذلك من يصل إلى الوزارات "السياديّة" وغير "السياديّة"، لأنّ كلّ من يعمل فيها من القاعدة إلى رأس الهرم مسؤول عن أمن الوطن ومنعته وجماله. فما فائدة وزارة الداخليّة إن كان المواطن فاسدًا؟ وما دور وزير الخارجيّة إن كانت دول الخارج كلّها في الداخل؟ وكيف نحافظ على صحّة الناس إن كان الأطبّاء لا يريدون العمل إلاّ في السياسة؟ ولماذا وزارة العمل إذا كان العمّال الذين يبنون الوطن وينظّفونه ليسوا لبنانيّين، وإذا كانت مكاتب استقدام العمّال الأجانب أكثر من المكتبات العامّة؟ ولماذا وزارتا المال والاقتصاد إذا كانت الأمثال الشعبيّة هي التي تحكم سياستنا الماليّة: إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، أو: خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود؟ وما دور وزارة البيئة في بلد جباله موزّعة بين الحفّارين وأصحاب المنتجعات السياحيّة الخاصّة، وأنهاره مجمّع للمياه المبتذلة والنفايات، وشاطئه سائب يعلم التجّار الصغار سرقة الرمل والتجّار الكبار تبليط البحر؟ ولماذا وزارة العدل في بلد قانونه البندقيّة وواضعو قوانينه خيّاطون يفصّلون البنود على قياس الطوائف والملل؟ ولماذا وزارة المهجّرين في بلد يشتري الناس بيوتًا في كلّ جزء منه استعدادًا للهرب من مكان إلى آخر؟ وماذا تفعل وزارة الأشغال في بلد أرصفته مواقف للسيّارات وشوارعه وديان وتلال وأنفاقه ملاعب الجرذ ومأوى المدمنين والمشرّدين؟ وهل من دور لوزارة السياحة في بلد تختلط فيه المهرجانات الفنيّة بالتهريج السياسيّ، وأسواق النخاسة بأسواق الطيّبات؟ وهل تجيد وزارة النفط سوى إحصاء عدد صفائح البنزين؟ وكيف يكون لوزارة الإعلام دور وطنيّ في وطن تعيش وسائل إعلامه من بيع إعلانات الحفاضات والمواقف القوميّة؟ وما الحاجة إلى وزارة الزراعة في أرض مزروعة حشيشاً وقصورًا وملاهي ليليّة؟ وهل يملك وزير الطاقة والمياه طاقة على ضخّ الطاقّة الكهربائيّة وتقنين المياه الذاهبة هدراً إلى البحر؟ وماذا يمكن وزير الشؤون الاجتماعيّة أن يفعل في بلد لا يفهم سكّانه من شؤون علم الاجتماع إلاّ التدخّل في شؤون بعضهم خلال العشاء القرويّ على "طرق نفس" الأركيلة؟ وهل ثمّة عمل لوزارة الصناعة ونحن لا نجيد سوى تصنيع الكعك وفق وصفات مذهبيّة: كعك الروم، كعك الشعانين، كعك بسمسم، كعك الأضحى...؟ وكيف يمكن التفكير في وزارة الشباب والرياضة، والشباب مهاجرون والرياضيّون الوحيدون هم المسنّون المتنزّهون على كورنيش المنارة، أو الكهول المهرولون خلف لقمة الخبز أو الأطفال المتسوّلون على الطرق يلاحقون السيّارات ويهربون من رجال الدرك؟
وزارة التربية (التعليم العالي تلقائيّاً) هي الوزارة السياديّة، أيّها السادة الساسة، تملأ العقول لا الجيوب وتبيّض الوجوه لا الأموال وتغسل العقول والقلوب لا الأيدي الملوّثة بدماء الأبرياء وتربّي الأمل في الرؤوس والنفوس. هذا إن كنّا نريد فعلاً أن نبني وطنًا لا ماخوراً فاخراً.
صحيفة النهار - الثلاثاء 25 آب 2009

ليست هناك تعليقات: