من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 24 نوفمبر، 2016

أناشيد الهزيمة

don-quijote-de-la-mancha
jesus-nicolas-castanon

في لحظة الهزيمة، يخلو لك المكان، ويسود الهدوء. 
يلحق المشاهدون بالمنتصر، وتمتلئ ساحته بأهازيج النصر، فتبقى وحدك، تنحني فتلامس جبهتُك جذورَك، تبكي فتروي دموعُك تربتك، وحينها تنجلي الصورة أمامك، فتصفو نفسك، وتعود إليك سكينة تاقت إليها روحك التي طال صراعها مع الحياة...
***
في لحظة الهزيمة، ترى ما لا يرى، وتسمع ما لا يُسمع، فالحجب زالت، والضباب انقشع، وغبار المعارك استراح، وصرتَ تعرف ما لم تكن تعرفه. 
تعود إليك حقيقتك، وتعود إلى حقيقتك. تكتشف كيف صمّت أذنيك أصواتُ الابتهاج تصدح في الحفلات والمهرجانات، وكيف دنّست صفوَك عجقةُ الناس على دروب حياتك، وكيف تهت عن ذاتك، وصرت الكائن الغريب الذي لا يمت إليك بصلة، ولا يشبهك...
***
في لحظة الهزيمة، لا انكسار ولا فشل، بل انطواء على جوهر الأمور، وعودة إلى الينبوع، إلى الرحم، إلى مياهك الجوفيّة، إلى عتمتك الداخليّة حيث لا أضواء باهرة ولا أناشيد نصر، بل هدوء ما قبل الإنسان، وما قبل الكائنات، وما قبل الكلمات.
***
تهزّك هزيمتك، تصفعك، تدعوك كي لا تكون عكّازًا إلّا لذاتك، كي لا تكون خيالًا إلّا لعبورك، كي لا تكون مرآة إلّا لأحلامك. وأحلامك قليلة وجميلة، وعبورك خفيف وبريء، وذاتك مسكونة بهاجس واحد لا غير: أن تحدث الفرق الذي تعرف أنّ سواك عاجز عنه...
***
هزيمتك تهزّك فتقع أوراقك اليابسة الميتة عند قدميك لتغذّيك بما حملته من شمس وهواء وتغاريد عصافير. وتبقى أغصانك عارية إلّا من التوق لشمس جديدة، وريح جديدة، وعصافير لم تعبر قبل الآن. وحين يعود إليك الربيع منتصرًا مزهوًّا، تعرف في قرارة نفسك أنّ الربيع أيضًا عابر وزائل، ولن يخدعك زهوه وانتصاره....
***
في الهزيمة، لا أجراس تُقرع فرحًا، ولا كؤوس تُرفع منتشية، ولا أكاليل غار تتباهى، ولا كلمات تُلقى من فوق المنابر، ولا تطلق النار ابتهاجًا، ولا زغاريد تردّدها الهضاب المحيطة بالقرى... لا شيء من هذا، بل صمت يطبق على صدر الكون، فيبدو كلّ شيء سائرًا نحو نهايته وأفوله....
***
في الهزيمة، أنت وحيد وكثير، أنت وحدك ومعك شعوب مهزومة، وأرواح هائمة، وأحلام خائبة، وأفكار مغدور بها. يدك لا تجد من يمسك بها، عينك لا تجد من يمسح دمعها، رأسك لا يجد من يداعب شعره، ومع ذلك تجد في نفسك صفاء لا تعرف مصدره، فتبارك اليد التي هزمتك، والعين التي عاينت وجعك، والرأس الذي يعانق بانتصاره عليك وجه السماء. ثم تغرق في نوم تؤمن في قرارتك أنّ ما بعده لن يشبه ما قبله...
***
تعيدُك الهزيمة إلى التراب، التراب نفسه الذي سيعود إليه المنتصر المتوَّج بالذهبِ... الذهبِ ابن التراب. 
***
تطمئنك الهزيمة إلى أنّك كنت شجاعًا فواجهت، ومصمّمًا فلم تتراجع، ومقدامًا فلم تجبن، ومحقًّا فلم تهرب، وعارفًا فلم تفشل، وقويًّا فلم يغلبك خوفك...
***
الهزيمة تكسر شوكتك ولا تكسرك، تجرّدك من سلاحك لا من ذاتك، تلغي مشروعك لا كينونتك، تؤجّل انتصارك إلى زمنٍ على قياس طموحك وآمالك...
***
هزيمة الأرض انزياح التربة عن عين من عيونها كي تفيض منها مياه رَواء... كنِ الأرض المهزومة بسكّة الفلّاح، وضربة المعول، ينفجرْ عطاؤك بالشكل الذي لم يكن ليخطر لك وجوده فيك...

***
ليلة آلامه قال المسيح لأبيه: تعبت، فخذني إليك! 
ليلة آلامه، شعر يسوع بالهزيمة، فقرّر أن يسلم نفسه. وفي لحظة الهزيمة انتصر المسيح الذي فيه. لم ينكسر، لم يخضع، بل استسلم فارتاح...

هناك تعليق واحد:

ميشال مرقص يقول...


غذاءٌ فكري وإنساني عميق ذو أبعادٍ فلسفية...
يُبقي على ثُنائية بين انهزام ونهوض...
حبّةُ قمحٍ تموتُ لتأتي بثمارٍ كثيرة...

إبهارٌ في الثروة الفكرية والعطاء...