الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 7 سبتمبر 2014

بين الغناء والغنى الثقافيّ

رياض شرارة

مقدّمتا برامج ناجحتان من عصرين ذهبيّين للإعلام المرئيّ في لبنانالمصريّة ليلى رستم واللبنانيّة غابي لطيف


  علّمنا تاريخ العرب أنّ الغناء كان إنتاجًا ثقافيًّا شاملاً، وأنّ الذين احترفوا الغناء من الرجال والنساء كانوا يجيدون الشعر والرقص والعزف وأصول المنادمة والمسامرة وحسن التصرّف واللياقة وآداب المائدة، ويحفظون التاريخ والسِيَر والحكايات وأخبار الأقدمين. ولقد اختلط الجِدّ بالهزل في حياتهم، وكذلك المجون بالعشق، والسياسة بالشعر، والدين بالسلطة، حتّى صارت أخبارهم مادة تتداولها الألسن وتتناقلها الشفاه فأرّختها كتب التراث حتّى وصلت إلينا.
     وحين ننظر إلى ماضينا القريب لن نعدم وجود نجوم من أهل الغناء يمتلكون هذه الصفات الثقافيّة الجامعة التي أشرنا إليها، حتّى أنّ بعضهم استطاع أن يكوّن حوله حلقة من المثقّفين أو أن يكون على الأقلّ فردًا من مجموعة ثقافيّة تجتمع للتداول في أمور الغناء والشعر والمسرح ولا بأس من تطعيم كلّ ذلك ببعض المؤامرات والدسائس، أو على الأقلّ ببعض النميمة والكثير من اللهو. ولكنّ ثمّة أمورًا شفعت لمغنّي العصور القديمة ولأولئك الأقرب إلينا في الزمن وهي حسن ثقافتهم وظرفهم وامتلاكهم أبسط شروط المعرفة باللغة والجمال والذوق الفنيّ.
     ولذلك لا بدّ من التساؤل الأقرب إلى الاستهجان عن أسباب هذه القطيعة شبه النهائيّة بين مغنّي هذا العصر وثقافته، كي لا نقول فكر من سبقهم، وإنجازات أسلافهم، وتاريخ الفنّ والأدب والعلم، فذلك مطلب عسير لا نسمح لأنفسنا بالتفكير فيه. فحين نسمع حديثًا لمغنٍّ أو نقرأ مقابلة مع مغنيّة لا نستطيع إلاّ أن نتوقّف عند الجهل الفاضح في الأسئلة التي تطرح وفي الأجوبة التي تقدّم، ما يدفعنا إلى الشعور بالأسى على الهواء الذي لوّث بالغباء ليصل إلى أسماعنا فيؤذيها، وعلى الأشجار التي قطعت لتصير ورقًا يحمل إلينا هذه السخافات. فإذا كان المطلوب في هذا العصر أن يكون المغنّي بارعًا في الغناء لا فيلسوفًا أو عالمًا أو شاعرًا فليلتزم بدوره إذًا وليتوقّف عن إطلاق النظريّات في التربية والدين والسياسة والاقتصاد، وإذا كان من الواجب أن يكون له رأي في كلّ شأن من شؤون الحياة فليتفضّل ويتعلّم أبسط قواعد الكتابة والقراءة والحوار والمنطق والتهذيب قبل أن يتنطّح لتقديم حلول لمشاكل مجتمعنا.
     لا تغيب عن بالي وأنا أكتب هذه الكلمات فكرة أن لا مجال إلاّ لاستقبال هؤلاء المغنين والمغنيّات لأنّ الجمهور يحبّهم، ولأنّ التلفزيون لم يعد منذ زمن بعيد أداة تثقيفيّة ولا يمكن بالتالي إلاّ أن يكون هؤلاء الضيوف نجوم سهراتنا البيتيّة. فضلاً عن ذلك من قال إنّ الصحافيّ يريد أن يضع نفسه في مواجهة فنّان ذكيّ ومثقّف يفضح ما آل إليه مستوى الإعلام على كلّ اختلاف أنواعه. ولا ننسى أنّ طبيعة الإنسان المعاصر أسيرة مبدأ التفوّق، ولذلك يرغب الصحافيّ المضيف في إظهار الفنّان الضيف في موقف العاجز الجاهل، وفي المقابل يرغب الفنّان في التأكيد على أنّه أكثر من مغنٍّ وأنّه يفهم في كلّ الأمور. وهكذا يتحوّل الحوار معرضًا للعضلات لا يسجّل فيه الصحافيّ انتصاره إلاّ إن أحرج ضيفه وأخرجه عن هدوء أعصابه، فإذا كان الضيف رجلاً غضب وثار وإذا كان امرأة سالت الدموع غزيرة.
     كانت المقابلات الصحافيّة مع المطربين والمطربات غنيّة بالمواضيع، فصارت تفيض بالفضائح، وكانت ترشح باللطف فأصبحت تُزكِم من نتن الشتائم، وكانت تنشر التهذيب فأضحت وسيلة لنشر عرض الناس ومختلف أنواع الغسيل الوسخ وكلّ ذلك تحت عنوان الجرأة وحريّة التعبير وتلفزيون الواقع. وإذا كانت وزارات الإعلام في الدول العربيّة تفرض وضع علامة تحذير على الأفلام والمسلسلات بحجة تضمنّها مشاهد عنيفة أو مخلّة بالآداب فمن الواجب عليها الآن أن تأمر بوضع تلك العلامة التحذيريّة على البرامج الحواريّة التي تجرى مع بعض المغنّين والمغنيّات لأنّها تتضمّن جميع أنواع العنف والإخلال بالآداب.
     ومع ذلك لم تستطع عواصف الغبار التي يثيرها هؤلاء المغنّون والمغنيّات كلّما غنّوا أو تكلّموا أن تخفي إشعاعات الفكر والشعر التي يصدرها غيرهم ممن هم على علاقة وثيقة بالشعر والموسيقى والمسرح، وبالأصالة والحداثة في الوقت نفسه، وأسمح لنفسي بذكر بعض اللبنانيّين على سبيل المثال: مارسيل خليفة وجاهدة وهبي وأميمة الخليل وغسّان صليبا، فنتذكّر الحوارات الغنيّة مع عاصي ومنصور الرحباني وفيروز وأم كلثوم ومحمّد عبدالوهاب وعبد الحليم حافظ وهيام يونس، الذين كنّا نشعر معهم بأنّنا في حضرة الشعر.
***

   من حوار مع مغنيّة جماهيريّة مثيرة منذ أعوام نقله إليّ قارئ نهِم:
سألها الصحافيّ: ما هي هواياتك؟ أجابت: المطالعة
سألها: ماذا تقرأين الآن؟ أجابت: كتاب النبيّ لجبران
...
بعد أعوام من النجاح والتألّق وجمع الثروة، وفي مقابلة حديثة للمغنيّة نفسها:
سألها صحافيّ آخر: ما هي هواياتك؟ أجابت: المطالعة
سألها: ماذا تقرأين الآن؟ أجابت: كتاب النبي لجبران


ومن قال إنّ كتاب النبيّ كتاب سهل؟

ليست هناك تعليقات: