الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 25 يونيو 2012

في ذلك الصيف! (النصّ الثالث والثلاثون من كتابي رسائل العبور - 2005)


Marc Chagall


كان صيف، وكان ليل، وكان مسرح ...
عندما دعاني إلى حضور تلك المسرحيّة الغنائيّة، في ليل المهرجانات التي "تنعجق" بها القرى والبلدات، في صيفٍ قدّر له أن يكون خاصًّا وعميق الأثرـ اكتشفت قمرًا ليس ككلّ الأقمار. كان البدر فوق خشبة المسرح بطلًا يعرف ماذا يريد أن يقول ولا يقول: ولكنّه تسمّر في مكانه أو هكذا خيّل إليّ، يراقبني وأراقبه، مبتسمين وعارفين وساكتين.
كان العمل المسرحيّ الآتي من عالم آخر يسعى جاهدًا لكي ينقلني إلى عالمه؛ وكنت متمسّكة بعالمي الجديد هذا، أكتشفه لا بل أتحسّسه وأسجّل لحظاته، كأنّي كنت أحدس بعدم ديمومته وباستعداده للزوال مع انتهاء الصيف. كانت رائحة عطره، والحركات العفويّة التي قد يقوم بها أيّ إنسان كان يمكن أن يجلس على هذا الكرسيّ، تحت هذا البدر، أمام هذا المسرح، بين هذه الحشود، كافية لجعل المشهد الذي أنا في قلبه شيئًا آخر لا أعرف كيف أصفه. ولكنّ العطر المتولّد منه، والحركة العفويّة التي يعبّر بواسطتها جسدُه عن ضيقه بالمكان، أو عن تفاعله مع ما كان يجري على الخشبة، أو عن تبرّمه من مشهد طويل وعاديّ، كلّها كانت مشاهد من نوع آخر، من فصل مسرحيّ دراميّ قدّر له أن يكون يتيمًا ووحيدًا وذا مشاهِدة واحدة هي أنا.
هو لم يكن يعرف بالطبع. هو لم يكن إلّا صاحب الدعوة التي أتت منتصف الصيف الذي سيكون عابرًا مهما طال. دعوة أثارت فيّ القلق والترقّب، كأنّي في امتحان أعرف صعوبة التفوّق فيه، إنّما لم يكن من الممكن عدم الخضوع له، عن رغبة أو عن تهيّب، ليس هذا هو السؤال، السؤال هو هل من الممكن ألّا أخضع نفسي التوّاقة إلى مثل هذه الليلة، لامتحان يثبت لي أوّلًا أنّني أستحقّ هذه الدعوة.
لم نكن وحيدين، ولكنّ ذلك لم يعنِ لي شيئًا. لم نكن اثنين خرجا في موعد، وهذا أيضًا ليس مهمًّا، المهمّ أنّني دُعيت ولبّيت الدعوة، والباقي ليس من شأن أحد، وليس من شأنه هو بالتأكيد.
ليلة المسرح: البلدة الصاخبة بالقادمين إليها لا يعنيها أن يكون الناس من المهتّمين فعلًا بالحركة المسرحيّة أو من الطارئين عليها. ما يعنيها هو أن تسجّل في ذاكرتها العميقة، لا حيث تسجّل الأحداث المهمّة التي لا يعرف التاريخ سواها، بل في العميق من الداخل الذي لا تطاله إلّا المشاعر العميقة والرغبات الصادقة، ما يعنيها هو أن تسجّل لقاءات مماثلة للذي عشتُه صيفذاك الذي لن يعود ولن أعرف ما يشبهه.
ليلة المسرح: والطرقات التي لا تلتقي بهذه الخيالات إلّا مرّة في السنة، لن يعنيها سوى أن يتجاور خيالان ويتداخل ظلّاهما إلى درجة الامّحاء واختفاء أحدهما في قلب الآخر. ولكنّها ستحفظ مرورنا وإن كان ظلّ كلّ منّا بقي بعيدًا عن الآخر، ستحفظ مرورنا فوق صفحتها وإن كان المرور الأخير في عرض لن يتكرّر.
كان كلّ شء مختلفًا. وجوه الناس في ليلة المسرح بدت أكثر إثارة، حتّى أولئك الذين جلسوا في المطاعم والمقاهي ينتظرون من يأكلونه قبل بدء العرض لم يزعجني وجودهم. بدا الأمر احتفاليًّا على نحو مثير. رائحة الطعام لم تبدُ في غير مكانها، وكذلك أصوات الباعة، وزمامير السيّارات المتسارعة للبحث عن موقف تركن إليه قبل سواها، بدا كلّ ذلك طبيعيًّا ويدهشني الآن كيف استعدتها كلّها مع أنّي كنت أعتقد ليلتذاك أنّي لا أنظر إلى شيء ولا أراقب أحدًا سواه. لكنّي أكتشف الآن أنّ المشهد كلّه كان على تكامل غريب حتّى أني كنت مضطرّة إلى التمسّك بكلّ تفاصيله وجزئيّاته، كأنّما غياب جزء منها تشويه كامل يطال اللوحة كلّها.

ليست هناك تعليقات: