الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 4 يونيو 2012

لا بدّ من نهاية كي تصير الحكاية حكاية!



(Harold Knight (1874- 1961
قالت المرأة للمرآة:
النهايات! لا بدّ منها كي تكون ثمّة بدايات جديدة. النطفة تنهي رحلتها ليبدأ دور الجنين، والجنين ينتهي ليولد الطفل، والطفل ينتهي ليصير رجلاً، والرجل ينتهي عندما يزرع نطفة جديدة تنتظر موعد نهايتها. ولولا النهايات لما ابتدأ شيء جديد. أمّا قصص الحبّ، وحكايات العائلات، وروابط الدمّ، ومشاعر الصداقة، فكلّها مرصودة للنهايات التي لا بدّ آتية لتذكّر كلّ واحد منّا بأنْ: باطل الأباطيل وكلّ شيء باطل، وكلّ شيء زائل في الشكل الذي نعرفه ليتحوّل ويصير شيئًا جديدًا ينتظر تحوّلاته. أمّا الديمومة فعدوّة الطبيعة: هي الجمود الذي يولّد المستنقعات، والموت الذي لا حياة فيه إلاّ للحشرات والأوبئة والأمراض. فالديمومة إن لم تكن نابعة من غير هذا العالم حيث لا أزمنة ولا أمكنة ليست إلاّ التشبّث بزمان ومكان أقنعنا أنفسنا بأن لا حياة لنا خارجهما. الديمومة عدوّة الحياة المتجدّدة ما لم تكن لوجه الدائم السرمديّ.

يجب أن ينتهي الكاتب من كتابة الرواية مهما كثرت تفاصيلها وإلاّ قتلته شخصيّاتها، ويجب أن يضع الفنّان اللمسات الأخيرة على لوحته أو منحوتته أو معزوفته وإلاّ جنّ وهو يحاول أن يتوقّف عند مرحلة ما ويعجز. الأحلام إن لم تنته صارت كوابيس، والعرس إن لم ينته فلا ليلة حبّ، والمأتم إن لم ينته بالدفن هرب الناس من منظر الجثّة ونتنها، والعمل إن لم ينته فما من يوم سابع نستمتع فيه بما فعلناه. المشاعر نفسها يجب أن تنتهي ولو لم تنته فعلاً. فكلّ ما لا يتحوّل إلى ما هو أكثر جمالاً وحياة وإبداعًا يختنق في شرنقته لأنّه لم يتحوّل فراشة.

كنت دائمًا أكره من الأشكال الهندسيّة الدوائر والمثلّثات ولا أعرف لماذا. كنت أشعر بأنّ الدائرة لا نهاية لها وهذا ليس بالأمر السليم والطبيعيّ، فضّلت دائمًا المربّعات والمستطيلات التي كنت أجدها واضحة محدّدة ومتعادلة في الربط بين زوجين من النقاط. الدائرة تدور حول نقطة واحدة ولا تستطيع التفلّت منها، وفي المثلّث عنصر زائد يعوق الاثنين عن أن يكونا اثنين فقط ويقحم نفسه في ثبات علاقتهما. الدائرة حبل مشنقة والمثلث هرم الموت.

الموت نهاية لا بدّ منها، موت إنسان، نهاية مرحلة، خاتمة عهد، نسيان، تغيّر، تبدّل، تطوّر، كلّها مفردات وتعابير عاجزة عن جعل النهايات مرحلة أساسيّة لا بدّ منها ولكنّنا لا نحتفل بها ولا نعطيها حقّها من الاهتمام ولا ننتظرها. محمود درويش يقول: لا أريد من الحبّ غير البداية. ولكنّ البدايات لا تترك حكايات. وحدها النهايات تفعل. وحين كانت جدّاتنا ينهين الحكايات قائلات: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّكن خبّيتها كنّ يعرفن أنّ حكايات جديدة ستبدأ مع هذه الخاتمة، ولو لم تنه الجدّات كلامهنّ لما ابتدأت الأحلام في مداعبة مخيّلاتنا منطلقة من عبّ عواطفهنّ حيث خبّأت الجدّات الحكايات كما كنّ يخبّئن المال والمجوهرات ومفاتيح البيوت.

وأنا تعلّمت باكرًا جدًّا أن أنتظر كلمة النهاية في حكاية كي يبدأ مشواري الخاص مع حكايتي الخاصّة. وانسحب الأمر على علاقات كثيرة نسجها العمر حولي وكانت تتشابه كحكايات الجدّات ووحدها كلمة النهاية هي التي كانت تفتح الباب واسعًا على حكايات لا يعرف بأمرها أحد ولا يحسن فهمها سواي. لذلك كنت أستعجل نهاية العلاقة كما كنت أستعجل الجدّة كي تخبّئ الحكاية في عبّ صدري حيث تنمو في دفء قلبي وتصل أغصانها إلى عقلي المتوثّب الباحث عن سرّ الأشياء وخفايا الأمور.

هل حان وقت كلمة السرّ؟ هل ستقول جدّتي الحياة العجوز: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّك خبّيتها لأنصرف بعدها إلى استعادة الكلمات والمشاعر وصوغها في حكاية تنتهي ولا تموت نقيض ما يحدث في الواقع وكما كان يحصل دائمًا؟ أم هي حكاية مختلفة لا تشبه سواها، لأنّها تكتبني بقدر ما أكتبها؟

من الواضح أنّني كبرت على تصديق النهايات السعيدة غير أنّني لسبب لا أعرفه أشعر بسكينة غريبة وعميقة وحقيقيّة كأن لا شيء جديدا ومفاجئا في كلّ ما يحصل، أو كأنّني صرت مؤمنة بأن لا شيء ينتهي بل كلّ شيء يتحوّل.

صحيفة "النهار" - الثلاثاء 5 كانون الثاني 2010

هناك 4 تعليقات:

YaSmine Akram يقول...

أستاذة مارى ، دايماً يتفتحيلى شباك سحرى على عالم جميل ، واقعيته مش بتنقص من جماله و يمكن جماله أنه حقيقى و ملموس ، كل ما بحس باليأس و الأفكار السوداوية بتحاصرنى من كل ناحية بقرالك ، و برجع للطريق الصحيح تانى ، أنا بحبك جداً !! =))))

ماري القصيفي يقول...

ياسمين! أفتح شبّاكي لأطلّ على من مثلك: شركائي في الفكر والأمل والجمال.
كلامك يسعد قلبي فشكرًا لك، وأبعد الله عنك اليأس والحزن! محبّتي ودعائي لك بالخير!

sahara يقول...


عن أنسي الحاج:
البدايات دائما هي ضرب من جنون ليس غير النهايات عاقلا
.
فلا نعرف الا في عتبات النهايات هل ما اقترفناه كان ذنوبا ام اباطيل ام اوهام انسقنا ورائها
الحياة لا يتيح لنا فرصة و فرضية اعادة التدوير كي نتعمق بحذر في التفاصيل لحكاية مقبلة


يشهد الله اني اقرا لك كثيرا و انتعش و انتشي
برغم اني لا اقترف اليك ردودا التي تمنيت ان تكون على طاولتك الصباحية ورودا
تقدير لك سيدتي

ماري القصيفي يقول...

sahara

الورود تذوي والكلمات تبقى، وفي كلتا الحالين عطر عابر يترك ذكرى، ومرور أنيق يعد بالشعر!!
شكرًا لكلماتك الجميلة وأنت العاشق الشاعر الذي يعرف قيمة الحرف واللون والنغمة!
دمت بخير أستاذي الكريم!