الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 18 أبريل، 2012

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (1)


زياد الرحباني - فيلم أميركيّ طويل

الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(1)
يقولون: في كلّ قرية مجنون "أخوت"، وساذج بسيط القلب، يلوّنان أيّامها بالغرابة والبراءة. يقولان ما لا يقوله الآخرون. يسبحان عكس التيّار. يتكاملان ويتناقضان. ليل ونهار في لحظة واحدة ومكان واحد، يتواجهان مع أنّ قد قيل أنّه لا يمكن للمرء أن يرى مؤخّرة رأسه، ويهرب أحدهما من الآخر مثلما يهرب المجرم من ضميره، والمشوّه من المرآة، والأعرج من ظلّه ترمي به الشمس في طريقه.
     مجنون يرى ما لا يُرى. وساذج ينظر ولا يرى. مجنون لا يصدّق ما يقال، وساذج يصدّق كلّ ما يُقال. مجنون لا يفعل شيئًا ولا يقدّم خدمة لأحد، وساذج يكلون إليه كلّ الأعمال ولا يرفض. مجنون غاضب كبحر شتويّ لا يتوقّف عن الحكي، وساذج هادئ صامت كبئر عميقة لا قرار لها. مجنون وقح، وساذج خجول. مجنون يعرّي الناس بنظراته، وساذج تعرّيه نظرات الناس. مجنون يركض وسط الشارع ويخيف الآخرين، وساذج يمشي مع الحائط ويخاف الآخرين. مجنون تخشاه النساء، وساذج لا يشعرن بوجوده.
     ولكنّ للأولاد رأيًا آخر. هم يحبّون كليهما، ويلحقون بكليهما: الأوّل يثير مخيّلتهم وشيطناتهم، والثاني يحرّك عواطفهم وبراءتهم. يلحقون بالأوّل ليستفزّوه، ويلحق بهم الثاني لعلّه يجد رفاقًا يلعب معهم.
     وباهتة القرية التي تخلو دروبها وأزقّتها من وجودهما، وقاحلة المدينة التي أسرتهما في مستشفياتها وأبعدتهما عن صورتها الملمّعة القابلة للتصدير والرافضة لكلّ ما لم يدخل في تصميمها المدروس.
     إنّ الجنون والبساطة مصطلحان يختلف تحديدهما بين إنسان وآخر أو بين منطقة وأخرى. ومن الصعب وضع مفهوم واحد لكلّ من هاتين الكلمتين. ولكنْ ثمّة اتّفاق مضمر بين أهل بلدة ما على النظر بطريقة مختلفة إلى إنسان معيّن ويقرّرون أنّ هذا مجنون وذاك بسيط ساذج. والغريب أنّ هؤلاء الناس أنفسهم يتجنّبون الإشارة، في أحاديثهم المتداولة خلال السهرات والأمسيات الطويلة، إلى النساء اللواتي يوضعن تحت هذا العنوان أو ذاك، وكأنّه من غير اللائق أن تعلن حياة هذه المرأة خارج حيطان منزلها، أو كأنّ وجودها الأنثويّ سريع العطب أصلًا، ومن دون هاتين العاهتين، فكيف تكون الحال معهما؟ وهكذا صارت طرق القرى ملعبًا لا تطأه إلّا أقدام رجال محكومين بتسميات وألقاب ما أن يحملوها ويوسموا بها حتّى تلتصق بجلودهم، فيعاملون كحيوانات شاردة، وتبقى هذه الأسماء إلى ما بعد موتهم، فيذكرون بها ولا يعرفون من دون هذه الصفة أو ذاك النعت. أمّا النساء فينسى الناس وجودهنّ إذ يؤسرن داخل الجدران الصمّاء، خوفًا عليهنّ من استغلال جنسيّ وهنّ اللواتي لا يعرفن ولا يفهمن ولا يقاومن. وخوف العار يتحوّل حبسًا كبيرًا مؤبّدًا، لا تخرج منه "المجنونة" الأسيرة أو "الساذجة" الخادمة إلّا إلى القبر.
     ومع ذلك فإنّ إميلي نصرالله تحكي لنا عن "روزينا" المجنونة في رواية "الإقلاع عكس الزمن". تقول الكاتبة إنّ هذه المرأة جاءت لتودّع "رضوان" المسافر إلى كندا، وفي يدها صرّة. ينظر إليها الرجل مستغربًا مجيئها ويتذكّر كم "تعمّد مداعبتها ليسمع منها الكلام اللامعقول. وأحيانًا الشتائم تنصبّ فوق رأسه ورؤوس الذين يزيدون العيار على المرأة فيخرجونها عن صمتها ليدخلوا معها في حوار طريف" (ص36). ولكنّ "روزينا" المجنونة – هكذا ينادونها – "المقيمة متوحّدة متوحّشة في كوخ يشبه الصومعة، معتزلة العالم وسكّانه" لا تخرج إلى العالم إلّا "لتخضّ هدوءه، وتبذر فيه بذور القلق والغرابة. وهي حين أتت مودّعة الرجل العجوز كانت تحمل حفنة تراب من أرض القرية هديّة لأولاده المغتربين وتقول له: "الشباب بيكونوا اشتاقوا لرائحة تراب "الجورة" (اسم القرية). ويكتشف "رضوان" أنّ التي صنّفوها من زمان في خانة الخارجين على كلّ عقل ومنطق فيها من الحكمة ما يفوق حكمة العقلاء.
(يتبع)

ليست هناك تعليقات: