الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 21 يوليو، 2011

أزمة نقد أم نهاية مرحلة؟



هل كانت الثقافة العربيّة تنتظر سقوط الأنظمة الديكتاتوريّة كي تصفّي حسابات قديمة مع أسماء صارت، والبعض يتّهم التبعيّة الفكريّة والنقد الاستنسابيّ بأنّهما هما اللذان صيّراها، رموزًا لا يُسمح إلّا للأتباع والمريدين بالاقتراب من حرمها المقدّس؟ سؤال يفرض نفسه على متابعي الصفحات الثقافيّة الحافلة هذه الأيّام بمقالات "نقديّة" – متناقضة – لا توفّر أحدًا من سلاطة قول وقسوة موقف، وغالبًا من دون تبرير منطقيّ يقنع القارئ بصوابيّة هذا الرأي أو خطأ ذاك. ولعلّ النموذج اللبنانيّ يعطي فكرة عن هذا الواقع في كونه يختصر الحالة العربيّة ويعبّر عن متغيّراتها.
البداية مع الأخوين رحباني. فبعد وفاة منصور الرحباني، بدا كأنّ مجد عاصي ومنصور فقد هالته وسمح بأن تتناول الأقلام إنتاجهم نقدًا لا يتّكئ أغلبه على خلفيّة موسيقيّة أو فكريّة أو شعريّة. صحيح أنّ العائلة الرحبانيّة حرّكت منذ البداية أقلامًا تطنب في الإعجاب الساذج لمجرّد ركوب الموجة أو تجنح نحو الإساءة المجّانيّة خوفًا من تيّار شعريّ وموسيقيّ جديد، لكنّ انفصال زياد عن العائلة ثمّ انفصال فيروز عن عاصي ووفاة هذا الأخير، جعلت العالم الرحباني مادة مغرية للتداول، عدا تسريبات من هنا وهناك أطلقها صحافيّون وشعراء أصدقاء للعائلة تؤكّد مساهماتهم في كتابة نصوص أو الإيحاء بأفكار. غير أنّ وجود منصور منع استفحال هذا المنحى في مقاربة إنتاج الأخوين، وخصوصًا حين راح كثيرون يسعون إلى تمييز ما لعاصي وما لمنصور . وأتت مرحلة ما بعد الأخوين لتفتح سجلّات اختلط فيها الخاصّ بالعامّ (نسب ابن دلال طليقة زياد، توزيع الميراث الرحباني، حصّة فيروز، قيمة أعمال أولاد منصور، انتماءاتهم السياسيّة)، من دون اعتبار للإرث الفنّي الكبير وإيصاله إلى الأجيال الجديدة للتعلّم منه لا لعرضه في متحف أو رفعه على منصات التبخير.
صحيح أنّ من طبيعة النقد أن يتمتّع بمساحة واسعة من الحريّة تسمح له بعرض الإنتاج الإبداعيّ على العقل لكن العرض لا يعنّي التعرّض الانفعاليّ لأمور لا تمتّ للعمل بصلة أو تحويل العمل مناسبة لتصفية حسابات. ولنأخذ مثلاً رأيين نقديّين يختصران المسألة. ففي مقالة عبده وازن عن مسرحية "دون كيشوت" للأخوة رحباني (الحياة، 3/7/2011) نقد عارضه تمامًا رأي صفوان حيدر (السفير، 9/7/ 2011)، فكيف يعرف قارئ النصّ إن كانت المسرحيّة فاشلة (بحسب وازن) أو ناجحة (بتأكيد حيدر)؟ فعن هبة طوجي بطلة العمل رأى وازن أنّها عجزت "عن إعطاء شخصية دولسينايا ملامحها الحقيقية، المأسوية والكوميدية، وبدت تمثل بصوتها الصارخ، إضافة الى غنائها الصارخ الذي جعلها تبدو عاجزة أيضاً عن استخدام طاقة هذا الصوت، الذي قال عنه مرّة أسامة أنّه سيبدأ مرحلة جديدة من الغناء". ثمّ تابع "ولعلّ من الواجب على هبة أن تلتحق بمعهد للغناء تتعلم فيه أصول الغناء والأداء الغنائي، فقوة الصوت (السوبرانو) لا تكفي لتصنع منها مغنية ناجحة". أمّا حيدر فكتب في ما يشبه الردّ: "جاء صوتها البديع وأداؤها المسرحي الرشيق ترسيخاً وتأكيداً لهذا التألّق"، فبدت "كتلة مشتعلة بالحيوية الكلامية والجسدية والغنائية. وقد أدّت هبة دورها بنجاح كبير وجاء صوتها باهراً ومدهشاً بتعدد طبقاته وارتفاعاته وانخفاضاته". وعن أداء رفيق علي أحمد كتب وازن: "وكانت هذه اللعبة «التضخيــــمية» تليـــــق بدون كيشوت نفسه الذي أدّاه – ويا للأسف – الممثل الكبير رفيق علي أحمد، في أسلوب خطابي حتى كاد صراخه يذكر بصراخ أنطوان كرباج في المسرح الرحباني. ورفيق علي أحمد يعلم جيداً أنّ هذا ليس أسلوبه وهذه الإطلالة ليست إطلالته، هو الممثل الذي طوّع الأساليب ونجح في توظيفها لا سيما في أعماله المونودرامية و "الحكواتية"، فجاء ردّ حيدر: "أما أداء رفيق علي أحمد ففيه قد اكتملت معالم الشخصية الأحمدية التمثيلية منذ ثلاثة عقود وتوضحت مظاهرها المميزة الساخرة والمتهكمة التي كانت مستترة في بعض جوانبها في مسرحياته السابقة". والأمر نفسه يصحّ على الكوريغرافيا التي كانت بحسب عبده وازن "شبه مدرسية، عادية جداً ولا جديد فيها، لا تخييلاً ولا حركة ولا رقصاً ولا دلالات. وبدا الراقصون على عادتهم في رؤية مروان، يقفزون و «ينطنطون» أكثر مما يرقصون"، أمّا بحسب صفوان حيدر فالكوريغرافيا والرقص يأخذان "بألباب عيوننا وقلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وإيقاعات تصفيقنا". وفي الختام هل أخفق أبناء منصور كما رأى وازن مؤكّدًا على "الركاكة والهشاشة اللتين وقعوا فيهما" أم نجحوا كما يصرّ حيدر "في تجديد مسرحة هذا العمل على صعيد الشكل والمضمون. إنها الرؤية الاخراجية الجديدة قلباً وقالباً والانتاج المثقف والمسرحة والتأليف الدرامي والغنائي والموسيقي التجديدي والمتألق والباهر، تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً وغناء"؟
بعد الرحابنة، أتى دور سعيد عقل المحتفل بأعوامه المئة على وقع كلمات ترفعه إلى مستوى مجد لبنان أو تنزل به إلى دركات الجحيم المتهاوي إليه الوطن المشرذم. فعبّاس بيضون سخر من تاريخ سعيد عقل (السياسيّ والنفسيّ) ومن طريقة الاحتفاء به (السفير الثقافيّ 8 تمّوز 2011) وجاء في ختام مقالته: "سعيد عقل وصل إلى المئة. صعد الدرجات كلها ووصل منهوكا. لقد وصل ونال جائزته قداساً. ما أشق الطريق ما أخفّ الجائزة". أمّا محمّد علي فرحات فله رأي أقلّ حدّة (الحياة، 9 تمّوز 2011): "القداس يتعدّى البعد الديني، على أهميته، الى إعلان علاقة بين الكنيسة المارونية وشعر سعيد عقل المنذور لمجد لبنان". وفي الحالين، ما علاقة القدّاس التكريميّ وهو شأن دينيّ بحت وخاصّ في الحكم على تجربة سعيد عقل الشعريّة؟ وهل القدّاس إن كان موضوعًا يستحقّ الكتابة عنه (أشار إليه أنسي الحاج وعبد وازن كذلك) هو جائزة خفيفة بحسب تعبير بيضون ما استدعى اعتراض المركز الكاثوليكيّ للإعلام أم مهمّة بحسب فرحات؟ وهل شعر سعيد عقل جميل كما وصفه فرحات في قوله" كلمة سعيد عقل الشعرية معلنة الجمال، المتهادية، المفاخرة بنفسها، المعلّمة من حيث هي نموذج، المكتفية بذاتها، لا تحتاج منافسة مثيلاتها في العالم"؟ أم لن يبقى من آثاره إلّا عبارة واحدة استشهد بها بيضون في كلامه على عقل (القاتل لشدّة هيامه بنفسه كما ورد في النصّ) وهي أنّ على كلّ لبنانيّ أن يقتل فلسطينيًّا؟ في رأي يشبه الردّ على أنسي الحاج (جريدة الأخبار) في قوله: "سعيد عقل عنصري؟ نعم، إذا كان العنصري هو الفاقد أمانه في محيطٍ ساحق لا يشبهه. إذا كان في نظر المختلف هو عنهم يشكّل "خطراً...عنصريّة المغبون، عنصريّة فرديّة دفاعيّة ولّدتها عنصريّة الأكثريّة". أمّا عبده وازن فيرى أنّ شعر سعيد عقل "العربي الفصيح هو الذي صنع مجده، لا شعره العامي ولا أفكاره التوهيمية ولا ادعاءاته التي لا حد لها" وأنّه "كان ولا يزال الشاعر الاقل مبيعاً في لبنان والعالم العربي"، ولكن أليس التساؤل مشروعًا عن فائدة هذا المجد العربيّ إن كانت النهاية في أحضان الطائفة، وهو أمر يذكّر بنهاية أحمد فارس الشدياق المختلف في شأنها، وهل تمنّع العرب عن شراء مؤلّفاته سببه لبنانيّة عقل المتطرّفة أم مستوى لغته الأنيقة ومعانيه الصعبة، علمًا أنّ الجمهور نفسه يستمع إلى قصائده الفصيحة المغنّاة وكلماته اللبنانيّة الشعبيّة ولا يعرف على الأرجح أنّ سعيد عقل هو صاحب قصيدة "شام يا ذا السيف"، وأغنية "مشوار جينا عالدني مشوار".
أنسي الحاج، اسم آخر مهدّد بنزع نصبه من الساحات الثقافيّة، وبعيدًا عمّا إذا كان رأيه صائبًا أم متجنيًّا في كتاب عقل العويط "وثيقة ولادة"، لا يمكن تجاهل أنّ المقالات النقديّة التي دافعت عن "شعر" العويط كانت تردّ على ما كتبه الحاج ولو لم تشر إليه بالاسم أكثر ممّا كانت تعرض ما جاء في الكتاب ومنها: مقالات لعبده وازن (الحياة) ومحمدّ علي شمس الدين (السفير) وإيلي عبدو (الأخبار)، وذلك طبعًا بعد مقالة عقل العويط في ردّ مباشر وواضح (النهار). ولذلك كان التركيز في " المقالات/الردود" على شعريّة النصّ الذي كتبه العويط، في رفض أكيد لما وصف به الحاج الكتاب: الإكثار من صيغة قول الشيء وعكسه وما بينهما، عدم المعادلة بين التكثيف والإلهام، الثرثرة التي تسيء إلى البلاغة. ففي مقالة عبده وزان إصرار على أنّ عقل العويط "يشعرن" سيرته، فوردت كلمات: شعر وشاعر وقصيدة 37 مرّة في نصّه، وفي مقالة محمد علي شمس الدين: 16 مرّة، وفي مقالة إيلي عبدو: 18مرّة بينها استعادة لعبارة "يشعرن سيرته" الواردة قبل ذلك في نصّ عبده وازن، كما يؤكّد إيلي عبدو على "التكثيف" في نصّ عقل العويط، ليردّ تهمة عدم التكثيف التي وصف بها أنسي الحاج لغة صاحب "وثيقة ولادة".
لم ينج أدونيس كذلك من وضع حدّ لسلطته الثقافيّة بعدما "تأخّر" بحسب البعض في مواكبة الثورة السورية، أو "أخطأ" في رأي آخرين في المراهنة على شخصيّة الرئيس السوريّ. وتوزّعت الردود على رسالته التي نشرتها "السفير" بين رافض لمبدأ الخوف على الثورة من الإسلام (اسكندر حبش/السفير، خالد صاغية/ الأخبار، رضوان السيّد/ الحياة) ومعترض على الإساءة إلى الديمقراطيّة (نصري الصايغ/ السفير) أو اختزال المثقّفين السوريّين بأدونيس (حسام عيتاني/ الحياة)، ومتحفّظ على مكتوم أو "لامقال" في الرسالة (جان عزيز/ الأخبار)، ومقتنع بأنّ الرسالة "لم تكن أفضل إبداعات أدونيس ولن تُضاف إلى أعماله الكاملة" (ساطع نور الدين/ السفير).
ما الخلاصة من كلّ ذلك؟ النقد ضروريّ ولا جدال في الأمر خصوصًا في هذه المرحلة الانتقاليّة للشعوب العربيّة. غير أنّ المخاوف على النقد (وهو علم قبل كلّ شيء، ووسيلة لا غاية) يجب أن تسبق القلق على الإنتاج الفكريّ والأدبيّ والفنّي، بسبب تعامل أكثر النقّاد في الصحف من خلال معطيين: الأوّل أنّ المتلقّي العادي لا يقرأ إلّا صحيفة واحدة وبالتالي لن يقارن بين نصّ نقديّ وآخر، والثاني أنّ المقالة النقديّة تتوجّه إلى اثنين لا ثالث لهما: صاحب العمل الإبداعيّ والناقد في الصحيفة المنافسة.

ليست هناك تعليقات: