الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

إلى أطفال سوريا ... مع كلّ الحبّ (1)


 

1- في المدارس السوريّة لا تسأل المعلّمة الآن إن كان التلميذ حاضرًا أو غائبًا، 
بل تسأل إن كان ميتًا أو نازحًا!

 2- لا أفهم كيف يقتنع بعض الناس بأنّ الأميركيّين والإسرائيليّين تخلّصوا من ياسر عرفات بالسمّ، بينما لا يمكن التخلّص من بشّار الأسد إلّا بتدمير سوريا وتهجير المسيحيّين وتفتيت المنطقة؟

 3- رأيت في ما يرى النائم آلاف الباصات والحافلات والسيّارات والشاحنات تحمل نساءً يزغردن، وأطفالًا يرفعون الألعاب والدمى، وعجائز تدمع عيونهم شوقًا وتتمتم شفاههم دعاء، ورجالًا يحملون كتبًا. وكلّهم في رحلة حجّ إلى معلولا. فخافت الطائرات وخجلت المدافع وهرب المسلّحون. ثمّ ظهرت تقلا على باب الدير وقالت لملايين الناس الذين اعتادوا زيارتها عامًا بعد عام: أنتم أيضًا قادرون على اجتراح العجائب.

 4- كلّما سمعت، أو قرأت، أحاديث الناس في تحليل سياسة المنطقة، قلت لذاتي: قد تكون الصلاة أجمل
وكلّما سمعت، أو قرأت، أحاديث الناس في تقرير دين الله، قلت لذاتي: قد يكون الحبّ أجمل
وكلّما سمعت، أو قرأت، أحاديث الناس في تحريم الحبّ وتحليله، قلت لذاتي: قد تكون الحرب العالميّة الثالثة أجمل 

5- ممنوع التدخين في منطقة القصف الكيميائيّ
ممنوع البناء غير المرخّص له في شارع فُجّرت بيوته
ممنوع شرب الكحول في بلاد الجنون
ممنوع أن تتناثر أشلاء الضحايا من دون لباس شرعيّ
ممنوع أن تربّوا الحمام لسماء استباحتها الطائرات الحربيّة
ممنوع أن تموتوا إلّا قتلًا
ممنوع أن تحبّوا إلّا برخصة أو فتوى

6- قبل التدخّل الأميركيّ العسكريّ في سوريا، 
وقبل إحراق كنيسة أخرى في مصر، 
أغتنم فرصة الهدوء النسبيّ بين تفجير وآخر في لبنان،
لأصارحك بأنّني أحببتك، 
وأنّني أخطأت في انتظار السلام العادل والشامل لأخبرك بذلك!

 7- الجوامع والكنائس المكتظّة بالمؤمنين باتت غير آمنة
الرجاء التوجّه إلى البارات 

8- التجّار الذين حقّقوا أرباحًا خياليّة من بيع الأعلام الأميركيّة والإسرائيليّة، يحرقها المتظاهرون في الدول العربيّة ويدوسون عليها... يتاجرون اليوم بالأكفان

9- حاولت المعلّمة أن تصرخ بتلامذتها الأطفال، في محاولة جديدة لضبط شيطانتهم الجميلة: 
القصير يوقف قدّام والطويل لورا
فهبّ الهواء الكيماويّ ولفح الوجوه وخنق الأصوات!
ولكنْ، أمام عدسات آلات التصوير، أصرّ الناجون على ترتيبهم في صفّ واحد، تحت حرامات تبرّعت بها جامعة الدول العربيّة!

السبت، 17 أغسطس 2013

إشارات حياة في خنادق الموت - 1



     اليوم رأيت الشجاعة في عيني "وركيش"، الصبيّة الأثيوبيّة التي تساعد عائلة خالي، على الاهتمام بخالي المصاب بجلطة دماغيّة. سمعتنا، وهي تجيد العربيّة فهمًا وتعبيرًا، ونحن نتحدّث عن تأزّم الوضع الأمنيّ واحتمال تدهور الحالة. لم تبدُ خائفة على نفسها في تلك اللحظة، بل قلقة من أن يوقع خالي فنجان القهوة من يده فيستبّب لنفسه بحروق. "وركيش"، صرخت الفتاة باكية في وجه الضيوف الذين يعودون خالي، حين اقترحوا على عائلته أن يضعوه في دار للعجزة، وقبل أن يتاح لأحد من أولاد خالي أن يجيب: بابا يبقى هون، ما في مستشفى. حرام.
     يجب ألّا نترك عيوننا تعتاد مشاهد الموت... فالحياة لا تزال هنا! 

الأربعاء، 3 أبريل 2013

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ" - بقلم ميشال مرقص


مع الأستاذ ميشال مرقص خلال ندوة حول كتاب "عودة النبيّ" للأستاذ إيلي صليبي

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ"
تتعب من مهمّة مصيرُها الاستشهاد
ميشال مرقص


تتحدّى الأديبة ماري القصّيفي ذاتها عندما تكتب. تتحدّانا عندما نقرأُ لها. تتركُ بصمتها في مساربِ الكلم. تحفرُ فوقَ شرايين الحرفِ نسمةَ دهشة. تختفي وتظهر في لباقةٍ تجمعُ أطرافَ الصورة.
كلّما أوشكتُ أن أكتبَ في "أحبَبْتُكَ فصرتُ الرسولة" (شعر – عن دار سائر المشرق -2012)- تلوحُ آفاقٌ جديدة – كتابتُها فجرٌ قُطبي- أو قلْ:"فجرٌ كونيٌّ يتوالدُ" كما أرادتْه رسولةُ الحبِّ.
وبما أنّها "رسولة"، تخترقُ حُجُبَ تُخفي حقائق الإنتماء. لا تُعرِّفُ عن نفسها بنمطٍ تقليدي. بل بنشيدِ انتماءٍ يتفجّرُ عاطفةً ويرتوي من شرايين الإنتما الحق:"أنا يا صديقي، لبنانية، مسيحيّة، مارونيّة... لكن – لا أنتمي إلى هذا الذي تراهُ وتسمعُ عنهُ في الوطن والطائفة" أعرف الفقر والمرض والموت و"لا أخضعُ له" – أنا الحرِّيَةُ الحقُ. أُعطي بلا حساب، وأتنازل بلا حدود "لأنّ مملكتي لم تكنْ ولنْ تكونَ من هذا العالم الذي يُحاولُ أن يخنُقَ حُرّيتي". (ص 2-3).

ومن منطلق هذه الحرّية. تنمو بذور الرسولة. رسولة حبٍّ ذي أبعادٍ لا تخضع لمقاييس عاديّة، بل هيَ متباعدة في قياساتِها أفقيًّا وعموديًّا، لا بل تتخذُ حجم الكُرة المتداخل في عدم النهاية. من يحمل الرسالة يلتزم بها، هكذا في الأديان، هكذا في المبادئ، هكذا في الفلسفة، ومع ماري القصيّفي هكذا في الحبّ في العشق. أبعدُ من حالةٍ تُدخلنا إلى ظاهرة متكاملة، لها جاذبيّةُ الانعتاق من الذاتِ بهدف الولادة من الآخر. وبمثلِ ما يتهيّأُ الرسولُ دائمًا بتعمّقه في مفاهيم رسالته، ويتغذّى بأفكارها، ويجترح المعاني والأفكار المُروّجة لها، تتهيّأُ القصيّفي في رسالتها. الدعوةُ هي الحبّ. الحبُّ المحرّض للوجود. من خلاله تعي حقيقةَ وجودها وتحملُ الطيبَ. هي المؤمنةُ بالحرّية، تلتزمْ بألاّ تلتزم. تبقى متفجّرة في أن تكونَ هي، لا أحدَ سواها. لكنّها امرأةٌ، يرتوي نسغُ الحبِّ من جمالها. هي رسولةٌ لحبٍّ يلازمها "كي أتذكّرَ الفرقَ بين أن أعيش وأن أحيا". فتَفْتحُ على إشكاليّةٍ تنخرُ جسم المجتمع، وتُفكّك الأُسَر. إشكالية "العيش" وإشكالية "الحياة"، إذ بات معظمُ الناسِ يكتفي بالقول :"عايشين"، ما يعني أجسامٌ تتحرّك في اللوحة الجبرانية، أمامَ العاصفة فتخالُ حياةً فيها.
والرسولةُ لا تُخفي تعمقها في لاهوت رسالتها. صحيح هي رسولةُ حبٍّ، لكن ليس أيَّ نوعٍ من الحبّ. 
تُخفي الأديبة ماري القصيّقي هواجسها الحياتية، وراء مرايا مصقولة تُريدُ منها أنْ تتشرّبِ الجمالات المنعكسة فيها. تُريدُها أن تُزهرَ في داخلها. تتفتح في شرايينها. تتنفّس عطرها. تُدركُ جوهرها. تُعتقُ جذورها من الالتصاق إلى الإلتصاق. 
وتقودُ إلى حيثُ الدهشة = السؤال. ما يُبقي سرَّ الأنثى على غُموض، يُبحرُ قريبًا من شواطئ اللمسِ ولا يستقرُّ في مرفأ.

"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة"، لوحاتٌ مطلّيةٌ بكلّيّةٍ عشقية. المعشوق صديق، عاشق مهووس بالحبيبة، مفكّر، فيلسوف، مشارك في أفكار الحبيبة، غائبٌ خارج حدود وطن، بعيدٌ في عمله اليومي، متوسّطٌ العمر أو عجوز... وفي هذه الحالات كلّها هو القريبُ الحنون الذي يمسحُ التعب عن جبينٍ أو يُغري بقبلة أو بابتسامةٍ من عينيه... لكنّ رسالتها هي أن تبقى الحبيبة المتولّهة...
الحالاتُ الواردة تَعكسُ مناجاة القصّيفي لحالاتٍ تُعبّرُ عنها. لا تتخذُ شكلاً تدريجيًّا، بل تواجدًا دائمَ الحضور في لوحاتها الشعرية من "الرسولة". ما يقي الأديبة من التهوّر في أوصافٍ "بورنوية" درجت في مؤلفّاتٍ أنثوية معاصرة. هي مشبعةٌ بالرغبات. طقوسيتُها مالئة خلايا الجسد. "أعرّيكَ من ثيابِكَ كي ألتصق بجلدكِ، وأخلعُ عنكَ جِلدَكَ كيْ أنصهرَ فيكَ، فحينَ يجنُّ بي التوق إليكَ، يصيرُ جسدكَ حاجزًا أرغبُ في اقتحام جماده ...- ص- 37". هو التوقُ الجامحُ، يتبلورُ في إيحاءاتٍ مثثقلة بعناقيد الرغبة. طيبُها حالاتُ شوقٍ من استعادة لوحةٍ في الخيال، أو ذكرى (أفلفشُ في أوراق ذاكرتي لعلني أستعيدك – 99)، أو تصويرٌ لحالة ضياعٍ لبعد الحبيب، أو قبلة متسلّلة من خلال فتحة قميصِ (ص– 81)، يفضحُ ذكرُ لونها، إلى مدى التعلّق به، بأسلوبٍ شاعري، أو قبلة العنق تمحو ما تركَ العمرُ من تجاعيد.... هي استرسالات ماري القصيفي في "رسالتها العشقية". وطالما أنها "اكتشفت سبب وجودها" فهي، بأسلوبٍ غير مباشر، تُشرّعُ أبواب هذا الوجود على مستلزامته كلّها، فيفيضُ النهرُ بالأشواقِ من دون تفاصيل. "أنا يا صديقي أعرفُ العشق حينَ ألتقي به ولا أهربُ منه... فجسدي ملكٌ لي - ص 3). وتتساءل حول حائرةً أمام جسد الرجل المعاند "هل أنتَ جلجامش الجديد".

الرسولة المتباهية بجَلالِ رسالتها العشقية، تتطلّع إلى أبعادٍ كونيّة في عشقها، "كطفلةٍ لا تُريد التوقف عن العبث في أغراض الكون، وهي مطمئنّة اطمئنان الجاهل لجهله إلى أن الكون كلّه يُباركُ لهوها – ص 32). وتبقى في هذا النزق العشقي المواكب للحالات المتجدّدة، إلى أن تغرقُ في صوفيّةٍ عميقة:"ما أعرفُهُ انني توحّدتُ بكَ حتى لم أعد أعرفُ كيف أميّزُ بين فرح قلبك وفرح قلبي، بين شوقكَ إليّ وشوقي إليكَ، بينكَ وبيني – ص -40".
ولدى الالتباس، والحلوليّة، أو الإشراق، لا يعودُ يهمّ من يكونُ أو لا ... ألم يرَ إبن العربي "الله تحتَ الجُبّة" – ورابعة العدوية :"إذا رأيتني رأيته وإذا رأيته رأيتنا". هي ماري القصيّفي تقولُ في ريبتها العشقية "أأنتَ هو؟":" ولأجلِ ذلكَ لم يعدْ يهمُّ أن تبقى أو ترحلَ، أن تحضرَ أو تغيبَ، فأنتَ لم تعدْ أنتَ، لأنّكَ صرتَ الحالة". وأيُّ حالةٍ تتكوّن في صيرورةِ عدم التلاقي، المغلولِ بمساحاتِ بُعدٍ لا يُجرّحُ وُدًّا ولا يذبحُ عشقًا ولا يُنبتُ قمحَ تواجدٍ. "أنتَ الآنَ تمشي في أرضٍ لا أعرفها، وأحسدُها لأنّها تعرفُكَ وتُرافقُ خطواتِكَ – ص - 107". التكامل بين كوكبين يتجاذبان القوّةَ ذاتِها، التوازن الدوراني ذاتَه، يُلقي نفسَ الرغبةِ في الافتراق..."نحنُ قوّتان تحتاجان إلى هذه الفسحة التي بيننا، نحتاجُ إلى رياحٍ تلعبُ بين أعمدة هياكلنا – ص-108".
ورغمَ أحلامِ طفلةٍ – أنثى تلهو بكياناتِ الحبّ، يبقى انسيابُها إلى حضن الحبيب وهي تفيقُ من "عزّ النوم"، لوحةً حنان يملأ العشقَ، لأن "أجملَ الصباحاتِ تلك التي فيها تفتحُ عينيكَ اللتين لهما لونَ الحبّ، وتراني أبتسمُ وأنا في غفوتي أحلمُ بكَ – ص 116". وتعيشُ حياتها في دقائقها، بعد أن تُدفقَ على لوحتها ألوانَ الحبّ، ألوان حياةٍ اكتشفتها فتضيفُ:"مرّاتٍ ترفرفُ شفتاكَ على لحن أغنيةٍ قديمة لفيروز قبلَ ان تحطّا على جبيني، ومرّاتٍ تحملان على أجنحتهما أريج القهوة التي أعددتُها لنشربها معًا، وتهمسَ لي من بعدها :قهوة دايمة ونضحك – ص 116".
وفي تجلّي الرسالة، إيحاءاتُ القصّيفي الأدبية، فالشفاه لا تُدندنُ أغنية بل "تُرفرفُ"، ليسَ من أجلِ الأغنية، بل من أجل قبلة على الجبين، حيثُ "تحطّان"... فتعيشُ لحظة العشق الصباحية معًا.
هذه الثنائية التبادلية في العشق لا تنفكُّ تتحدّثُ عنها الأديبة القصّيفي، وتراها في مجالات رسالتها العشقية كلّها...
تُتعب ماري القصّيفي في حدائقها المُعلّقة. أضاميمها في كلِّ مكان. تسمو بالحبِّ إلى مرتبة الرسالة. تشيلُ واقعَ الحبِّ إلى محطةِ الهوسِ والهذيانِ في مواقع. تأخذُ بالرجلِ إلى أسمى ما يحلو لها أن يكونَ ليستحقّها، فهو الرجلُ المتوافقُ مع خطوطٍ هندسيّة وألوان عاطفيّة سكبتها على عُريِ عشقها. "أيّها الرجلُ المولودُ من كلماتي...ها أنتَ تولدُ كلمةً من رحم انتظاري – ص 42". هذا الانتظار المضني، المسكوب بجفاف الحلق ويباس اللسان "من أين لي أن أعرفَ رجلاً مثلكَ- تتابع – أنا التي توقّفَ بها السعيُ عند محطّاتٍ لا يصلُها قطارٌ ولا يمرُّ بها مسافرٌ – كيفَ وصلتَ إلى غُرفتي – ص 42". كأنما تُقاربُ ملاكًا أو رجلاً اثيريًّا جاء في ليل العمر واختصرَ ما تُريده من رجلٍ عاشقٍ "أيُّها الرجلُ الغريبُ/ الحبيبُ/ الهادئُ/ المُطمئنُّ/المصغي/ الواثقُ/ العارفُ/ الشاعرُ/ العالمُ " هوذا أنتَ من أكوّنه في رحمِ شهوتي :"نم الليلةَ في فراشي ولنغفُ متعانقينِ آمنين. ودعنا لا نُفكّرُ في الغدِ – ص 43". 

أمّا الحالةُ الشعرية، فتقاربُها القصّيفي بعمق العاطفة. الجرسُ الموسيقي يتناغمُ في شفافيةٍ تعكسُ صِدقَ العاطفة، ويفتحُ على نوافذَ نحوَ مسافاتٍ من إبداعٍ يُدهِشُ. وهو إبداعٌ يتمايزُ في لوحتين: أولى تصلُ بالقارئ إلى دهشة، عبورٌ نحوَ حالاتٍ غيرِ متوقعة، قد تصدمُ. تقودُ ماري القصيّفي رسوليتها بتصاعدٍ عشقي، وعندما تبلغُ الذروة في المدِّ الارتدادي تكوّنُ حاجزًا، يُشبه ذلك التابو في أحلامِ اللذّة. يصعق. 
والإبداعُ الآخر في اختيار لوحاتها وسياقها الأدبي، وللمثال "كلماتُكَ القليلة نبيذٌ نادرٌ أمضى عمرهُ الطويل في أقبية قلبك – 74" – "ما نفعُ الجسدِ إنْ لمْ يكنْ ليفيضُ برغباتٍ صباحيّةٍ – ص 113".- "يُصغي الكونُ إلى لغتنا ولا يفهمُ منها شيئًا، لكنّه يقع تحتَ سحرها – ص 96" – "أكوي أفكاري التي جعلكها التقلّبُ على قلقِ الانتظار - في غيابِكِ يغيبُ كلُّ ما عداكِ – ص – 88". – "غيابُكَ الضبابيُّ يتسلَّلُ إليَّ من ثقوب الأبواب التي ظننتها صارت محصّنة ضدّ حضورِكِ – ص 86". -... هذه باقة فالانتينية من حدائق القصّيفي ...وأحيانًا تيأس – تستقيل – تُريد أن تنفضَ عنها الحبّ – أن تترك مفاتيح السماء التي تنقلنا إليها معها لنعودَ إلى الواقع.
"تعبتُ ...من الحبّ المجنون، الصاخبِ، المتطلّب،المتسائل، المُلحِّ، المُشاغبِ، العنيد،
من الحبِّ الذكي، المشاكس، الباحث، العاصي، العابث،
من الحبِّ الخالق، المختلف، المتخيّل، المتخايل،
تعبتُ من الحبّ " (ص -136...)

ومثل أيّة رسول أو رسولة، تتهدّدُ حياتُه أو تُكبّلُ حرّيتُهُ، أو يُقطعُ رأسه مثل يوحنا وبولس ... تخشى الرسولةُ من التهيّوء الدائم والخوف والخداع "تعبتُ من مهمّة رسوليّة مصيرُها الاستشهاد على حدود اللقاء ... " 
"خدعتني أيُّها الصديقُ العجوزُ،
بعدما أوهمتني بامتلاكك مفاتيح السماء،
وخرائط الأرض ولغة الكائنات" (ص – 137...)

××××
"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة" – ليسَ عنونًا لكتاب مستعار من عنوانٍ جزئيّ. هو رسالة تتماوجُ في مراحلها من الإعدادِ حتى اليأس، عبر النشوة الصوفية الخارقة للذات والعابرة إلى الإنصهار بالآخر، في ذاتِه وكونه وعالمه... في أرجوحةٍ ملوّنة بعشقٍ يحلمُ بالسماء ... ويُفاجئ كيفَ أنّ أجنحته تتعب.
قراءة سحريّة بامتياز ...

الاثنين، 18 مارس 2013

رأي لي عن الثقافة والمقهى في صحيفة القبس الكويتيّة مع الزميلة أنديرا مطر



المقاهي والمثقفون.. من حاضنة للثورة إلى «مقاهي تصريف الأعمار»

بيروت - أنديرا مطر
الاثنين 18 آذار / مارس 2013 - العدد 14295
العابر في شوارع بيروت والمتلصص على مقاهيها تلفته ظاهرة قديمة متجددة: شعراء، روائيون، فنانون، هجروا منازلهم واحتلوا مقعداً في مقهى، فصاروا جزءا منه وتعبيراً عن هويته. علاقة المثقف بالمقهى حميمة حيناً، ملتبسة حيناً آخر. بعضهم يقصده ليختلي بنفسه، آخرون يأتون للالتقاء بالأصدقاء، ولكل منهم طقوسه المكرسة التي لا تتبدل ولا تتحول ولو تغيّر المقهى.. في نهاية المطاف هي «مقاهي تصريف الأعمار».
قبل الحرب الأهلية برزت بيروت كملاذ للمثقفين العرب الهاربين من استبداد الأنظمة، وكانت إحدى سمات عصرها الذهبي تلك العلاقة التبادلية بين المثقف والمقهى.
وشكلت مقاهي بيروت حاضنة فعلية لحركات التغيير على جميع المستويات السياسية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وكانت رئة المدينة ومتنفسها إلى الخارج، لا سيما مقاهي الرصيف. الدينامية وحلقات النقاش لم تكن عبثية، وليس من المبالغة القول إن ثقافة المقاهي أحدثت انقلابا في مفاهيم السياسية والأدب والقضايا الاجتماعية السائدة حينذاك، ودفعت بالرئيس المصري جمال عبدالناصر لمهاجمة هذه المقاهي، كونها المنبت الشرعي للانقلابيين والمعارضين في العالم العربي.
اندثر هذا الزمان. مقاهي بيروت ما قبل الحرب هي غيرها ما بعدها أو ابانها. أقفلت معظم المقاهي التي لها علاقة بالثقافة والمعرفة، لتنبت مكانها مقاهي العولمة والأكل والشرب والتدخين. غيّب الموت أبرز روادها وصانعي مجدها، وساد نمط آخر ومزاج آخر. راح المثقف يبحث عن كرسي وطاولة في المقهى الذي يشبهه. بعضهم لم يجد له مكاناً، كتلك المجموعة من المثقفين التي كانت تجلس في «مثلث برمودا»، كما يطلق عليه الشاعر شوقي بزيع (أي مقاهي الويمبي وكافيه دو باري والمودكا).
القبس التقت مجموعة من «مثقفي المقاهي»، أباحوا بأسرار علاقتهم بالمقهى، طقوسهم، وخلاصة تجربتهم.

ضجرت من المثقفين
بإجابة مقتضبة وحاسمة يوجز الشاعر اسكندر حبش علاقته بالمقهى: «لم أعد أرتاد المقاهي بل الحانات الليلية. ضجرت من المثقفين وأعشق الآخرين الذين هم أكثر أصالة».

حياة وأكثر قليلاً
للكاتب والصحافي حسن عبدالله علاقة حميمة بالمقهى، فهو نزيل المقاهي ولا ينافسه أحد في هذا المجال. يصف العلاقة مع المقهى قائلاً: «هي حياة وأكثر قليلاً».
يضيف: «منذ ان صار لي أقدام سرت إلى المقهى.. منذ صيدا في السبعينات إلى بيروت في الثمانينات وباريس في التسعينات، حصدت المقاهي رصيفا رصيفا، كان ذلك انتماء إلى فضاء حر.
المقهى بالنسبة له أيضاً عزلة، وحين يريد أن يكتب أو يفكر أو يغضب، يعود بالذاكرة إلى باريس حيث كان يقيم في غرفة واحدة la chambre de bonne، وبسببها صار المقهى بيته ومكتبه ومكان دراسته وغرفة الاستقبال وساحة الاحتفال. «هناك كتبت أطروحتي للدبلوم ومارست الغربة والرغبة وما بينهما من حنين إلى مقاهي بيروت».
«أذكر أنني كنت أحيي الليل حتى الصباح في مقهى le depart ومعناه الانطلاق. كنت أنطلق وأراقب المشردين والعشاق، وأقرأ ضفاف نهر السين ورهبة كنيسة نوتردام دوباري الجليلة. الآن أسجل حضوري وعشقي للمقهى في بيروت، لكنه ما عاد ينطلي عليّ المناخ.. أحن إلى باريس، أريد أن أذهب لأرى ما حل بخيالي هناك. قيل لي إن المقاهي تئن. بعضها باق في انتظاري على ما أشتهي..».

علاقة ملتبسة
علاقة الشاعر الفلسطيني مازن معروف بمقاهي بيروت ملتبسة بل معقدة. بيروت لم تتح له الفرصة لتأسيس أو اكتشاف علاقة شخصية مع المقهى. يقول: «مودكا وويمبي اندثرا. وفي الجلسات القليلة التي أمضيتها في المقهيَيْن، كنت أشعر إما بالاختناق، أو بالملل. لا لم يكن مللاً جافاً، كان شيئاً معقداً، كأنت أشعر بأنني محكوم بمسار كتّاب أكبر سناً. أو كأنني داخل ماكينة لتعديل الشخصية بسرعة فائقة. في المقهى كنت أشعر بأنني داخل إطار ضيق جداً وضاج وواضح في آن، كفضيحة مقفلة على نفسها. كان بمقدور الجميع أن يراني من الخارج، وكنت أشعر بأن من واجبي الكتابة، وأن كل تلك العيون العابرة هي عيون مستفسرة ومنتظرة ما سأكتبه».
بعين الشاعر يلملم معروف تفاصيل المكان وعلاقاته بكل حيز فيه، «كان الجلوس على الكرسي البلاستيكي غير المريح، ورؤية بعض الكتاب الأكبر سناً والعظماء كعصام محفوظ مثلاً، ومن ثم سماع كل تلك الأحاديث اليسارية المتحمسة والقلقة والمتهكمة والحاذقة، يشعرني بالارتباك، وبأنني مجرد متمّم غير ضروري للمكان».
للشاعر تكتيك اعتمده لمواجهة إرباكه مع المكان ورواده «لم أكن أضع الأوراق في منتصف الطاولة، بل على طرفها، وأحياناً أطوي الورقة لتصبح بحجم مستطيل صغير أستطيع دفعه بحركة خفيفة تحت ذراعي الممددة على الطاولة. كانت ذراعي فخاً لتسوية أمر الأوراق، وذلك لأنني في الواقع لم أكن أكتب شيئاً. ولا كلمة واحدة. كنت أشْحَن لكنني لم أكن (أضيء)».

تحوّل حاسم
لا يعني المقهى شيئاً للكاتبة والمترجمة ماري القصيفي في غياب الكتابة.
في روايتها «كلّ الحقّ ع فرنسا» يحضر المقهى عنصراً أساساً، وكذلك في نصوصها الشعريّة ومقالاتها وقصصي القصيرة، حيث يبدو هذا المكان مسرحاً لكثير من مشاهد العشق والنقاش والشجار والانفصال، كأنّ العلاقة تولد فيه وفيه تنتهي.
مقاربة القصيفي للمقاهي الجديدة مختلفة، فهي من وجهة نظرها لم ترتبط بعد بأسماء وحوادث تستحقّ أن يكتب عنها، والندل فيها عابرون، من تلامذة الجامعات الذين يسعون لتحصيل مصروفهم، على عكس ما كان عليه الأمر قديماً، حين كان النادل فرداً من عائلة الكتابة.
تعترف بشعورها ببعض الغربة عن القراءة والكتابة في المقاهي الحديثة، حيث اللابتوب هو العنصر الأساس، في حين أنّ «ما بقي من قديمها يثير الحنين إلى زمن الورقة والقلم وخربشات تمهّد لكتابة داخليّة ولو أحاط بها ضجيج الخارج وحركة الناس».
علاقة القصيفي بأدباء المقاهي شهدت تحولاً حاسماً إثر ثورات الربيع العربي، التي لم يكن لمثقفي المقاهي أي دور فيها. تعبّر القصيفي عن هذا التحول بوضوح، وتقول: «لا أخفي أنّني، بعد ما سمّي بالثورات العربيّة، هاجمت في مقالاتي أدباء المقاهي ـــ ولا أستثني نفسي منهم ـــ معتبرة أنّهم كانوا يشربون القهوة خلف الزجاج أو على الرصيف، حين اجتاحت الثورة عرض الشارع، وتالياً لم يكن للكتّاب أيّ دور في انطلاقها أو التشجيع عليها أو توجيهها».

مطرح للإلهام
الحديث عن المقهى يعيد الكاتبة والصحافية ليلى عيد الى زمن بيروت الذهبي، «تحمل اللحظة هذه خيالي فتعيدني طفلة على أعتاب المراهقة، تتعلق بأذيال ثوب قريبتها الصحافية الأكبر سناً لتخبرها أي شيء عن لقاءاتها مع كتاب وشعراء مبدعين وفنانين نثروا عطر كلماتهم في فضاء بيروت وبقيت أطيافهم وسيرهم مزروعة ذاكرة وذكرى في مقاهي شارع الحمراء والروشة».
تلك ذكريات ليلى عيد عن مقاه كانت عنواناً دائماً لكثير من مبدعين عبروا. لا يعني اندثار هذه الاماكن انفراط العلاقة القائمة مع المقهى، الذي بقي ذلك المطرح الشاسع للإلهام وليس لتناول القهوة ولقاء الأصدقاء فقط.
اختيارها للمقهى حميمي خاص أينما وجد، قرب البحر أو في الجبل، فهو «ذلك المكان العابق برائحة البن وبخار الشاي وأنفاس الرواد، برجع الأصوات أو الصمت، بالسكينة أو الضجيج، وكل هذا يحملني في كثير من المرات على إغلاق الجريدة، التي بنيتي قراءتها، والانصراف الى التأمل والإصغاء إلى وشوشات الحياة وصرخاتها، بمعنى آخر أغلق الجريدة حتى أتصفح الكائنات والكون».

عناصر القصيدة الأولى
ما أن يخطر في بالك هذا الارتباط بين المثقف والمقهى حتى يقفز اسم الشاعر شوقي بزيع فوراً إلى الواجهة. هذا شاعر لكأنه ولد في مقهى، ببساطة متناهية يقول: «لم أكتب قصيدة واحدة في بيتي على الإطلاق، فالكتابة متصلة بالمقهى».
المقاهي بالنسبة له، لا سيما في المدن التي تمتلك مشاريع لها علاقة بالحياة المتصلة بالوعد الإنساني والمتجددة، هي أماكن لإنتاج المعرفة وللتفاعل الثقافي، بحيث يصبح الاختلاط داخل المقهى اختباراً حقيقياً لأفكار ورؤى جديدة كما حدث في مدن الغرب، حيث إن الثقافة الغربية نشأت في مقاهي باريس وأمستردام وبرلين.
يرى بزيع أن المدن التي تخلو من المقاهي هي مدن منغلقة على نفسها، يصفها بأنها «مدن من دون شرفات هي كالقلاع تنغلق على نفسها ولا تستقبل أي وافد جديد».
للشاعر طقوس خاصة فيما يتعلق بالكتابة، يعترف بأنها طقوس عجائبية. فهو على امتداد أكثر من عشرين سنة يكتب على الطاولة عينها ويجلس على الكرسي عينه ما دفع أصحاب المقهى إلى الإبقاء على طاولته وكرسيه حتى عندما حولوا وجهته إلى مطعم.
اختيار بزيع لمقهاه لا يخضع لمعايير المثقفين التقليدية: المقهى الذي أختاره ليس بالضرورة أن يطل على البحر، بل لأنه خال من المثقفين، مجرد الإحساس بأن المثقفين ينظرون إليّ يربكني. الناس العاديون من خارج الوسط الثقافي لا يؤثرون على كتابتي ولا يعطلون قدرتي على التركيز لأن كل شيء خارج طاولتي يتحول إلى سديم مطلق، تسدل الستائر من حولي بالكامل ولا تضاء إلا هذه البقعة «الورقة البيضاء».

بعيداً عن الفضاء العائلي
يذكر الروائي جبور الدويهي أن انتقاله من الكتابة بقلم الرصاص على دفاتر مدرسية إلى الكمبيوتر المحمول سهّل عليه من الناحية التقنية كتابة رواياته. ويؤكد أنه بحاجة إلى الخروج من منزله ليجلس في مقهى ويبدأ يومه بالكتابة، حتى وإن كان مكان المقهى في المبنى نفسه حيث يسكن. يرتاد المقهى كما يقول ليرتاح جالساً على كرسي «وبشكل عام أكون أكثر إنتاجية نسبياً كلما ابتعدت عن غرفتي وعن الفضاء العائلي بشكل عام والابتعاد عن أماكن موضوع الرواية»
ويضيف: «أفضِّل الكتابة في المقاهي، حتى وإن كانت تعج بالضجيج».
يفرض الروائي على نفسه نظاماً صارماً، ولكن السؤال هو من أين يبدأ؟ فضاء المكان بالنسبة إليه لا بد أن يكون مناسباً ومريحاً وفعالاً في آن، «بعد أن أجد المكان المناسب أحسّه وأتحكم به، وأحياناً ألتقط له بعض الصور أو حتى أقوم برسمه على أن أمحو ما رسمته أثناء الصياغة، كما يفعل الطفل في قصيدة جاك بريفير عندما يرسم قفصاً ثم يقوم بمحوه ليطلق حرية العصفور».

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.