من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 29 نوفمبر، 2014

عن صباح وسعيد عقل و"الرأي العام البغل"



          رحيل صباح وبعدها سعيد عقل موتٌ حقيقيّ للبنان، أعلنتْ عنه بفجاجة وصفاقة مقالاتٌ صحافيّة وتعليقات وتغريدات وصور مركّبة. موتٌ لفكرة لبنان وتأكيدٌ لطائفيّة صار من الغباء تجاهلها.
          فصباح وسعيد عقل المارونيّان لن تُغفر لهما أخطاؤهما، مهما كان نوعها، فقط لأّنّهما مارونيّان. لا أكثر ولا أقلّ. مارونيّان حرّان وعنيدان صنعا نفسيهما وفرضا وجودهما في عالم إسلاميّ عربيّ.
          امرأة تحدّت التقاليد والمجتمع وصنميّة الدين، ورجل جعل لغة القرآن طوع بنانه، فانصاعت له.
          امرأة قالت: لن أعشق في السرّ، يريدون الزواج فلأتزوّج. ألم يفعل أنبياء كثر ذلك وتزوّجوا مرّة بعد مرّة بعد مرّة. ألم تتزوج تحية كاريوكا 14 مرّة؟ ورجلٌ قال: من الذي قرّر أنّ لغة الصحراء لن ترتوي من ثلج الجبل اللبنانيّ فتشمخ معه وترتفع، بل وتحلّق لغةً جديدة؟
          امرأة مارونيّة جدّها كاهن، ورجل مارونيّ يعشق العذراء، لم تغنِّ من أغنياته ولم يكتب لها قصيدة، على الأرجح لم يكن يعجبها كرجل وكانت هي نقيض صورة أمّه الملاك، ومع ذلك استطاعا، بصوتها وبشعره، أن يثيرا بحياتهما وموتهما عاصفة تزيل عن هذا المجتمع أقنعة خبثه وسخافاته وانقساماته وعهره.
          يرفض صباح من يرفض الأناقة والجمال والحريّة والشغف، ويرفض سعيد عقل من لا يعرف كيف يكتب سطرًا واحدًا بلا خطأ نحويّ أو إملائيّ... والنتيجة أنّ الشحرورة وسعيد عقل سيبقيان في ذاكرة الأدب، بينما ستعبر كلّ التعليقات والمقالات الساخرة والهازئة والشامتة في أحاديث الناس "المؤركلين" ولن يسجّلها كتاب ولن يحفظها فكر سويّ.
          قيل: كان على صباح أن توفّر ثمن فساتينها لمساعدة الفقراء (؟؟)، تخيّلوا أن يُطلب ذلك من فنّانة، لا من الدولة ولا من وزراء الدولة ولا من زعماء الدولة ولا من نوّاب الأمّة... ولا من نسائهم الرافلات بالأثواب الفاخرة والمزيّنات بالجواهر... بل من صباح!!!
          قيل: كان على سعيد عقل أن يعتذر عن علاقته بالإسرائيليّين. ولكن لماذا لا يُطلب مثل ذلك من غير الموارنة؟ لماذا على المسيحيّين أن يعتذروا دومًا عن علاقات أجبرتهم الظروف على عقدها، مرّة مع سوريا التي استدعوها لحمايتهم من الفلسطينيّين (ألم تكن علاقة الشاعر جوزف حرب بسوريا موضع شبهة ونقد واعتراض؟) ومرّة مع إسرائيل، وقبل ذلك مع فرنسا؟ ألم يدعُ أبو أيّاد إلى اعتبار جونيه طريقًا إلى القدس؟ ألم يخطئ الفلسطينيّون والسوريّون والمصريّون؟ ألم يسخر وليد جنبلاط من العلَم اللبنانيّ؟ ألم يتغيّب رفيق الحريري عن أعياد الاستقلال والجيش؟ ألم يهيمن نبيه برّي على المجلس النيابيّ؟ ألم يقتل حزب الله الشيوعيّين؟ 
          بدا واضحًا خلال هذين اليومين إلى أيّ درك وصل اللبنانيّون في لاأخلاقهم وقسوة قلوبهم وجحودهم وجهلهم، لا فرق في ذلك بين أميّ ومثقّف. نسي الجميع انقطاع الكهرباء وشحّ المياه وأسر العسكريّين وتهديد داعش والنازحين السوريّين واللاجئين الفلسطينيّين... وصارت الأزمة محصورة في مدفن صباح وثوب رحيلها الأبيض، وفي موقف أعلنه سعيد عقل في حربٍ قيل تحت هول ما جرى فيها الكثير الكثير، وارتُكب تحت ليل عنفها جرائم تخجل الإنسانيّة من مجرّد ذكرها.
          فمن كان لأحدكم، اليومَ، زعيم لم يسرق ولم يقتل فليسخر من فقر صباح ومن كبرياء سعيد عقل! ومن كان لأحدكم زعيمٌ زوجته مثال العفّة والشرف وهو عنوان الوفاء فليسخر من زيجات صباح وترمّل سعيد عقل! ومن كان لأحدكم زعيم يدفع عنه أقساط أولاده في المدرسة والجامعة فليشهّر بصباح وسعيد عقل اللذين ساعدا الناس (هي بسخائها وهو بجائزته) ولم يطلبا مساعدة أحد!
          ومن لا يعجبه كلامي، كلامي أنا التي كتبتْ كتابًا تنتقد فيه ممارسات الموارنة الذين أخطأوا ويخطئون، وأنا التي تعرف - وتعترف - أنّ أوّل شهيد لبنانيّ سوريّ مسيحيّ، دفع ثمن وقوفه في وجه تفتيت المنطقة وشرذمة الأقليّات فيها، هو أنطون سعادة العلمانيّ، فليعرف، ذاك الذي لا يعجبه كلامي، أنّني لم أستجدِ يومًا ثناء من جماعة ولا تقديرًا من طائفة ولا دعمًا من حزب، ولا قارئًا يشتري كتابي أو متابعًا يغدق عليّ كلمات الإعجاب، ولم أساوم على موقف، ولم أخف على منصب أو وظيفة، ولم أخشَ عزلةً ترتاح إليها نفسي ففضّلتها على ازدحام أضيّع فيه بوصلتي الداخليّة... ازدحام وصفه سعيد تقي الدين يومًا بالرأي العام البغل. رأي عام لا يعرف كيف يفصل بين الدولة والدين، ولا بين الفنّ والحياة والخاصّة، ولا بين الشعر والموقف السياسيّ، ولا بين النقد والتشهير، ولا بين اللغة والدين...رأي عام بغل فيه من كلّ الطوائف والمذاهب والبيئات الاجتماعيّة...
          صار العمر أغلى من أن أهدره على قراءة تفاهات وشتائم، أو رؤية صور العنف والقتل، أو متابعة تعليقات تسخر من المرضى والمعوّقين والمشوّهين، لم يعد العمر يتّسع إلّا لقصيدة وقبلة وكأس نبيذ... والمدعوون إلى وليمة الخلاص لن يكون بينهم يهوذا!   

هناك 4 تعليقات:

Ziad Hamze يقول...

انا لبناني مسلم...ليس لي كيان دون موارنة لبنان...من مارشربل..مرورا بجبران خليل جبران حتى صباح
كلامك واقعي ويصف اللبناني في الصميم
شكرا لجرأتك التي اخذتيها من صباح وسعيد عقل

Sam Akl يقول...

Dear Marie
Thank you for saying it as it should be said.
I totally support your message and its contents as well as the response from Ziad was Fabulous.
God Bless

غير معرف يقول...

ما هم صباح و سعيد عقل من كلام ناس .... فقد عبروا الي تاريخ ..... ولا شيء يستطيع تغير هذا الواقع.... فلا خوف عليهم من نباح الكلاب فلن تعضهم .....

غسان طانوس الحاج-مونتريال-كيبيك-كندا يقول...

سيدتي المحترمة
انا لبناني وادين بلبنان وبكل الاديان بعد لبنان
اهناك. على صراحتك واعدك بانني من الان وصاعدا
سوف اتتبع مقالاتك وان كل كتبك لان جراتك في طرح هذا الموضوع وبهذه الطريقة جعلتنني اتطلع
واتشوق لمعرفة ولتتبع كل ما تقولينه وما تدونيه.
اما بالنسبة للشحروره صباح التي اعتبرها وساعتبرها دايما شمس لبنان الساطعه وبالنسبة لفيلسوف وشاعر لبنان والعرب سعيد عقل فهوا لبنان ضمن لبنان.
ومرة اخرى سيدتي شكرا لك