من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 27 نوفمبر، 2014

الشحرورة صباح وأبلغ درس في الفنّ


          في المقابلة التي بثّها تلفزيون المستقبل يوم رحيل صباح، وأجراها الإعلاميّ زافين قيومجيان، أعطت الشحرورة، وبغير دراية أو قصد، أبلغ درس في الفنّ، أكاد أجزم أنّ كثيرين من الفنّانين، حتّى الكبار منهم، لم يصلوا إلى جوهره.
          قالت الشحرورة الأسطورة في جوابها على سؤال عن زيجاتها الكثيرة إنّها لم تكن تحزن على فشل زواجها، وإنّها كانت تشعر كأنّها تؤدّي دورًا في فيلم، وها هو الفيلم ينتهي... 
          بدا واضحًا أنّ تلك المرأة لم تعرف الحبّ، فلم تعشق سوى فنّها حتّى أنّها حوّلت حياتها كلّها عملًا فنيًّا متكاملًا، تجتمع فيه عناصر الجمال شكلًا ومضمونًا، ولو ضحّت بكلّ شيء في سبيل ذلك. من هنا نفهم قولها الدائم إنّها ظلمت ولديها وما كان يجب أن تنجب.
          هذه العلاقة الملتبسة بين الخاصّ والعامّ جعلت من صباح امرأة غير مفهومة، سابقة عصرها، ومقيمة في مجتمع غير مؤهّل لتقبّل جموحها الفنيّ اللامحدود. وإذا كانت فيروز خلاصة تجربة فنيّة تضافر لنجاحها رجال كثر بإدارة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، فإنّ صباح العصيّة على الترويض والأسر والقولبة والتنظيم بفعلٍ خارج عنها، روّضت نفسها على الصدق والصراحة، وأسرت نفسها في قفص الفنّ الذهبيّ، وقولبت حياتها في إطار صارم من الانضباط والدقّة، ونظّمت شؤونها على أساس أنّها وحدها سيّدة مصيرها و"رجل" أعمالها.
          حين قالت صباح إنّ خيانات أزواجها لها لم تحزنها، فضحت حزنها من الحياة التي بدأت بحكاية أمّها التي أحبّت غير زوجها... ولأنّ هذه القسوة أصعب من أن يحتملها كائن معجون بالإحساس والإبداع، تحوّلت الحياة كلّها أغنية، أو فيلمًا، أو مسرحيّة... أي صارت الحياة لعبة فنيّة إن جاز التعبير، بمعنى أن لا أحد مسؤول عمّا يحدث، وأن لا ضحايا بالفعل، وأن لا خيانة سوى للذات ولا أذى مقصودًا ولا حزن قاتلًا...
          أليس هذا هو الفنّ؟ الفنّ الصافي الراقي المجنون الثائر العصيّ الجامح المنطلق... أليس هذا جوهر الإبداع الذي يحرق كلّ شيء حوله بنيران قلب حامله؟ لذلك يصح على صباح ما كتبه الأخوان رحباني وغنّته فيروز: أنا بحبّ الحبّ... فصباح "المتّهمة" بتعدّد الزيجات، كانت تبحث عن الحبّ، وصباح الموصوفة بالفرح كانت عشيرة الحزن، وصباح المحاطة بالناس كانت وحيدة... لماذا؟ لأنّها اختارت الفنّ لتعالج به واقعًا لا قدرة لها على تغيّيره فعملت على تجميله لغيرها على الأقلّ. ومن يختر الفنّ فمملكته ليست من هذا العالم...
         لا أعتقد أنّ الشعر والرسم والنحت والغناء والرقص وسائر أنواع الفنون إلّا سعي دؤوب لجعل العالم مكانًا أجمل... وهذا ما كانت صباح تقوم به كلّ يوم!

ليست هناك تعليقات: