من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 12 يوليو، 2017

أن تكون مارونيًّا في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء (2011)



أن تكون مارونيّاً في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء لا يعني أنّك مرشّح دائم لرئاسة الجمهوريّة كما كان يخطر للبنانييّن كلّما دار الحديث عن الموارنة، فتغيّرات الأزمة وتقلّبات الدهر وأنانيّة أولي الأمر والصراع المارونيّ المارونيّ أدّت كلّها الى تعريف جديد للانتماء المارونيّ، لا يليق ويا للأسف الشديد بتاريخ هذه الطائفة ودورها في الصعد الحضاريّة المختلفة إن في لبنان أو في العالم العربيّ أو في العالم الغربيّ.
فأن تكون مارونيّاً اليوم يعني أنّك ستبيع أرضًا ورثتها عن والدك لتقيم عرسًا فخمًا لابنك، وأنّك ستتزوّج وتطلّق بعد أشهر ولن تنجب أولادًا في هذا البلد "الخربان"، وأنّك لن تجرؤ على كتابة رواية واحدة من تاريخ طائفتك لأنّك تخشى من أن تتّهم بإثارة النعرات الطائفيّة، وأنّك الآن تحزم حقائبك للهجرة لأنّك لا تريد أن تعلق وسط صراعات إقليميّة وأصوليّة ودوليّة وداخليّة.
أن تكون مارونيّاً اليوم يعني أنّك محكوم بأن تختار جهة مارونيّة واحدة من جهتين لا ثالث لهما، فأنت مجبر على الاختيار بين الدكتور سمير جعجع وكلّ ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل، وبين العماد ميشال عون وكلّ ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل.(الآن وعند هذه الكلمة ثمّة تساؤلات عند عدد من الموارنة الذين يقرأون هذا النص تدور حول الجهة التي أنتمي أنا اليها، فمجرّد وضع اسم من اسميّ الزعيمين المارونيين قبل الآخر قد يُفهم عند هذه الفئة وتلك بطريقة لن تخطر إلّا على بال موارنة هذا الزمن).
أن تكون مارونيّاً اليوم يعني أنّك محكوم منذ لحظة تكوّنك في أحشاء أمّك باتخاذ منحى سياسي يحدّده الطبيب المولّد الذي اختاره والدك ولأيّة جهة سياسيّة ينتمي، ثم هناك مدير المدرسة، والكنيسة التي تذهب اليها يوم الأحد ومن سيلقي العظة الأسبوعيّة فيها، والأغنية التي ستسمعها، والجامعة التي ستذهب إليها، والمحطّتان التلفزيونيّة والإذاعيّة اللتان تقولان الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.
فعيد العلم الذي سنحتفل به قريبًا (تشرين الثاني) ليس هو نفسه في مدرسة مارونيّة رئيسها عونيّ أو قواتيّ، ففي الأولى سيصدح صوت "جوليا بطرس" بأغنياتها الوطنيّة، وفي الثانية ستكون "ماجدة الرومي" نجمة الاحتفال. وفي خضمّ الخطب وهزج التلاميذ، ستقع الأعلام اللبنانية التي وزّعتها البلديّات السخيّة على الأرض فيدوسها الجميع ولن تجد من يرفعها أعلى من صوت المطربتين.وفي عيد الميلاد، ستجد المسيح مدفونًا تحت مئات المصابيح ووسائل الزينة ذات الألوان السياسيّة التي تعلن مع سابق الإصرار والتصميم على أنّ الموارنة في هذا البيت الكريم مع الحكيم أو مع الجنرال، "واللي مش عاجبو ما يجي لعنا عالعيد، حتّى ولو كان المسيح نفسه".
لا يمكنك ان تكون بلا لون إذا كنت مارونيّاً، لا تستطيع أن تكون محايدًا أو غاضبًا من الجميع، أو أن تختار خطًا ثالثًا لا علاقة له بالخطّين المتوازيين اللذين لن يلتقيا إلّا خارج مقاييس هذا الزمن الرديء، لأنّ ذلك يعني أنّك لست مارونيّاً، أو أنّك جبان لا تجرؤ على التعبير عن رأيك، أو أنّك خبيث لا تريد أن تفصح عن ميولك، أو أنّك خائن لا تعنيك مصلحة الطائفة ومصير المسيحيّين في الشرق وصولًا الى العالم كلّه.
لا يمكنك أن تكون مع 14 آذار وتحتفل بعرسك عند الخوري سليم أو كميل أو عصام (طبعًا هي أسماء وهميّة، فالكهنة الموارنة يحملون حكمًا أسماء قدّيسين)، ولا يمكنك أن تكون مع 8 آذار وتقرأ صحيفة "النهار" أو تفتح مواقعها على الإنترنت كي لا ترتفع في إحصاءات الجريدة نسبة الإقبال عليها. لا يمكنك أن تكون مارونيّاً على سنّة الحكيم وتنتقد البطريرك المارونيّ (نشر هذا النصّ في صحيفة النهار عهدَ الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير)، وكذلك لا يمكنك أن تكون مارونيّاً تتشيع للجنرال وتنتقد السيد حسن نصرالله.
فأن تكون مارونيّاً إذاً يعني أنّ ثمّة أمورًا كثيرة عليك أن تأخذها في الاعتبار (التي بليت بالعمى في هذه الطائفة) ولا تستطيع أن تتصرّف كما يحلو لك أو كأنّ الدنيا فالتة. ولذلك فأنت مجبر على اتّخاذ جانب الحيطة والحذر في كلّ ما تفعله، فالجميع يراقبون تصرّفاتك ليعلموا من ستنتخب في رابطة المعلّمين (وستّين سنة على التربية)، وعن أيّ دار نشر سيصدر كتابك (رحم الله الثقافة)، وفي أيّ جريدة تنشر مقالاتك (مسكينة حريّة التعبير).
أنت ستحسب على أحد مهما فعلت، ولن تنجو كمارونيّ من تهمة الانحياز، ولا تحاول التهرّب بالقول أنا مع مار مارون، فقد يقول لك أحد العونيّين: أنت معنا لأنّ مار مارون أتى من سوريا، ولا تتذاكى وتقول أنا مع الكنيسة لأنّ أحد القواتيّين سيقول لك: أنت معنا إذاً لأنّ الكنيسة في رأيه مع الحكيم. ورجاء لا تحاول الدخول في بحث تاريخيّ تحليليّ نقديّ لكلا القولين لأنّك ستكون كمن يغنّي في الطاحون.لو كانت في لبنان إحصاءات علميّة دقيقة وشفّافة، لاكتشف الزعماء الموارنة المنقسمون بين الجنرال والحكيم، ولاكتشف رجال الدين المنقسمون بين 14 و8 آذار، أنّ نسبة الإدمان على مهدئات الأعصاب والمخدّرات مرتفعة بين أتباعهم وابنائهم، وكذلك الانتحار والهجرة والطلاق والهجر وتدهور المستوى المعيشيّ والعنف المنزليّ وتدنّي المستوى الدراسيّ وكلّ ذلك بسبب القلق على المصير، والخوف من المستقبل، والغموض في الرؤيا، والتخبّط في الصراعات الداخليّة، وانهيار المؤسّسات الاستشفائيّة والتربويّة والاجتماعيّة بسبب الفساد والفضائح الاخلاقيّة والإداريّة والسرقات والهدر وسوء التخطيط.
هل هذه هي المارونيّة النسكيّة التي انطلقت من أودية لبنان لتسمو على قممه؟ هل هذه هي رسالة الموارنة في هذا العالم: عهر واقتتال وفساد ومصالح فرديّة وعمالة وسطحيّة وجهل؟ وكيف يجرؤ الزعماء الموارنة على تناول القربان المقدّس على مائدة خلاصيّة واحدة وما من أحد منهم صالح أخاه قبل التقدّم من مذبح الرب؟ وهل يجرؤ الكاهن الذي يؤنب مراهقة ترتدي ملابس متحرّرة أمام جموع المصلّين على النظر في عيون هواة الحرب والمناصب؟ هل هذه هي المارونيّة المشرقيّة التي تتنازل عن روحانيّتها من أجل أسواق الأعلام والإعلان وتحاربك لأنّك لا تفهم لغة "السوق"؟ وهل هذه هي المارونيّة المتنوّرة المتحرّرة التي تتبرّأ من عقلها وتضطهدك لأنّك تفكّر؟اذا كانت هذه هي المارونيّة الجديدة، واذا كان لا كيان لي ولا وجود ولا رأي إلّا إذا كنت "محسوبة" على فريق (سياسيّ أو طائفيّ أو مذهبيّ أو إقليميّ أو حزبيّ أو عائليّ أو مناطقيّ أو بلديّ أو صحافيّ أو أدبيّ أو ثقافيّ)، فأنا إذاً أنزل الحرم الكنسيّ بنفسي لأنقذ هذه الطائفة منّي...


هناك 5 تعليقات:

جمال السيد يقول...

في كتابه "مناوشات" تحت عنوان "المعضلة المارونية" ص 105، كتب شيخ الأدباء يقول:(" لم يبق لهذه الملّة المناضلة أقل سمة تعرف بها، ولا علامة فارقة في بطاقة هويتها، فقد امّحت شرقيتها وطمست معالم استقلالها.
تبرنط اكليروسها، وستأتي ساعة يلبسون فيها الشورت، ولا يبقى لهم علامة تميزهم غير "سكسوكة"،لعلها علامة التذكير التي أشار بها ابن الرومي على البحتري.")
ــــ صدق مارون. ما عاد قومك يقرأون يا مريم.

ماري القصيفي يقول...

أنت تعرف عن الموارنة وفكرهم وتراثهم الأدبيّ أكثر ممّا يعرف أكثر موارنة اليوم. دمت يا صديقي شاعرًا وناقدًا ومثقّفًا جامعًا، لا ينسى هويّته ولا يقفل فكره أمام هويّات الآخرين

Maroun يقول...

El meshkleh 3end ghayrna mesh 3enna, wel hadaf tay2isna ta nfakker metel manno maktoub fo2... tzakkaro: Abwab al ja7im lan takwa 3alayna.

Tarek Chidiac يقول...

أعادني هذا المقال إلى ما تختزنه الذاكرة عن أحوال الموارنة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن. تعلمين ولا شكّ، أنّهم رفعوا لواء النهضة في هذا المشرق فطالبوا بكلّ ما ندعوه الآن "حقوق الإنسان" وأساسها الحرّية. الأهمّ أنّهم ما طالبوا بها، تلك الحقوق، لهم وحدهم أو لطائفتهم، بل طالبوا بها للجميع. ولأنّها مطلب حقّ أنسانيّ بامتياز يوصل إلى الترقّي العام قبلته كلّ الطوائف، لتصبح الحرّية سمة من سمات هذا الوطن – الرسالة. (رحم الله يوحنّا بولس الثاني). وتعلمين بلا شكّ، أنّ ما درسناه عن قدرة الفلاّح اللبناني على تطويع الصخر لابتداع "الجلالي" في عمليّة استصلاحه لأراضيه الزراعيّة، إنّما كان درس عن قدرة الفلاّح الماروني لهذا الأمر. فليس في الساحل "جلالي"، لا ولا في السهل.
ولكن ...
نظرة هادئة لتلك الفترة وحتى الآن تجعلنا ندرك أنّ الموارنة هم دائماً في ظلّ ثنائيّة سياسيّة. هلا تذكّرنا، يوسف بك كرم والمير ... أبي اللمع، أو حبيب باشا السعد وداود عمّون، أو إميل إدّة وبشارة الخوري، أو كميل شمعون وفؤاد شهاب، أو بيار الجميّل وريمون إدّه، او حتى بشير الجميّل وطوني فرنجيّة (رحمه الله) ولو لفترة قصيرة، وصولاً إلى ميشال عون وسمير جعجع؟ ومع هذا ما منعت هذه الثنائيّة النهضة من أن تقوم، وما منع الأمر الفلاّح الماروني من أن يدع ليديه أن تبدع ثقافة عمليّة. والواقع الآني المرير الذي أجدتِ في وصفه لم يمنعكِ مثلاً من كتابة "للجبل عندنا خمسة فصول"، كتابك الرائع، التاريخي، الثقافي، الإنساني بامتياز.
يخيّل إليّ أنّ "دولاب" الحياة الذي لا ينفكّ عن الدوران، سيعيد الموارنة إلى دورهم في هذا المشرق. أمّا متى وكيف؟ ... فالجواب، تعلمين، بحاجة إلى أكثر من هذه العجالة.

ماري القصيفي يقول...

أستاذي طارق شدياق
اشكر لك وقتك ورسالتك، وأشكر لك رأيك في روايتي الجديدة، وأملي هو أملك في أن يعود الموارنة إلى دورهم في هذا المشرق... وكلّ الدعاء ألّا تتأخّر دورة التاريخ في إتمام مسيرتها

أكرّر شكري على مداخلتك المختصرة ولكن المفيدة... عسانا نحظى بالمزيد منها
تحيّاتي