السبت، 2 مايو 2020

الموت في زمن الكورونا (عن رحيل بطرس بو نادر)




مات اليوم بو عبدو، عمّو بطرس بو نادر، إشبين والدي ورفيق عمره، وعرّابنا نحن الأولاد الخمسة. مات في تسعينات عمره، كما يفترض بالإنسان أن يموت. مات بعد صراع طويل مع المرض وصعوبات الحياة وآلام الفقد، كما هي حال أكثر الناس في هذا العصر، مات وحيدًا في غرفة العناية الفائقة كما يجري عادة حين تتدهور حال المريض.
لكنّ الرجل الطيّب، ذوّاقة الزجل ونبع الحكايات، لم يكن وحيدًا كما تظنّون. فمن سلمت له ذاكرته كما أتيح له لا يموت وحيدًا، ومن لم يتأخّر عن واجب عزاء أو عيادة مريض، لا يموت غريبًا بين الغرباء، ومن يهرع عارضًا خدماته حين تلمّ بأحدهم مصيبة لا يمكن أن يبقى بمفرده ولو حوصر الناس في بيوتهم.
وغدًا، في مأتمه، لن يستطيع من سلّفهم محبّة وسؤالًا وزيارة أن يردّوا له الدَّين ويشاركوا في وداعه، لكنّهم سيقولون دائمًا حين يتذكّرونه: مات ودفن في زمن الكورونا، حين كنّا نموت مئة مرّة في اليوم.
لكنّ عمّو بطرس الذي مات في اليوم الأوّل من الشهر المريميّ عرف قيمة الحياة، واختبر حلوها ومرّها (يكفيه فقدُ حفيدين صغيرين في حادث سير مروّع وقع منذ أعوام). لكنّه تعلّم كيف يقاوم اليأس (لا الحزن) وكيف يتحدّى المرض ولو بربع رئة، وربع أمعاء، وربع نَظر، لكأنّ الربع الرابع منه وقد جُبل بالإيمان هو الذي أنقذه، أضف إليه حكايات قديمة عن صيد السمك سكّنت أوجاع روحه، وقصائد زجل يحفظها مغربلًا السخيف منها والسطحيّ، محتفظًا بالقيّم الدسم.
مات جسده مرارًا وتكرارًا، عمّو بطرس، مات مع موت شقيقيه، وابن شقيقه شهيدًا في الحرب، وزوجته، وحفيديه، لكنّ تفصيلًا واحدًا من تفاصيل العمر لم يغب عن باله، فما أخطأ في تذكّر اسم، أو تردّد في استرجاع بيت شعر، أو تلعثم عند سرد حكاية. وكنت أسأل نفسي وأنا أصغي إليه إن كانت الذاكرة تؤلم صاحبها إن احتفظ فيها بكلّ مجريات حياة ناهزت التسعين. ولماذا لا يستسلم هذا الرجل ويسأم كما فعل صاحبنا زهير بن أبي سلمى؟
أعتقد أنّ عمّو بطرس قاوم النسيان والموت من أجل وحيده عبدو ومن أجل ابنتيه نجلا ونهلا وأولادهما. صحيح أنّه كان يستمدّ منهم القوّة والعزيمة، وكان وجودهم سنده وعكّازه بعدما صاروا هم أولياء أمره، لكنّه في الوقت نفسه كان يشعر، على الرغم من أمراضه وشيخوخته، أنّه لا يزال مسؤولًا عنهم، ويخشى أن يتركهم بعدما تركتهم أمّهم باكرًا.
لكن ليس ذلك فقط ما أردت قوله عن رحيل عرّابي، أردت الكتابة عن حزن والديّ على إشبينهما، عن غضبهما علينا لأنّنا نحن أولادهما نمنعهما عن المشاركة في مأتمه: والدي يخبّئ دمعة ويصمت، والدتي تقول: كان يحمل قنينة الأوكسجين ويأتي لزيارتنا، إنّه إشبيننا! ولكن كيف نقنع زوجين عجوزين مريضين بأنّ جائحة الكورونا غيّرت نمط حياتنا ونسفت تقاليدنا الاجتماعيّة من أساسها، وحرّمت علينا الفرح والحزن، ولم تترك لنا سوى الخوف من الموتى والأحياء على حدّ سواء.
حزن والديّ العجوزين، وهما يطفئان التلفزيون بعد نشرة الأخبار، ثمّ ينزويان في غرفتهما، يختزل حزن العالم كلّه، لا لأنّهما يبكيان رجلًا تسعينيًّا في زمن صار فيه الموت مشهدًا يوميًّا أبطاله كبار وصغار، بل لأنّهما يحصيان في صمتهما الراحلين من الأهل والأصحاب والجيران، ويسترجعان زمنًا كان فيه للموت قيمة، ويخافان: يخافان علينا، على نفسيهما، على البلد، على الحياة وقد صار الجميع يستعجل إتمام مراسم الدفن استعدادًا لرحيل آخر. هو خوف من نوع آخر لم يعرفاه قبل اليوم، ولم يخبرهما عنه أحد، إذ لم يسمعا قبل اليوم عن عجائز تؤخذ منهم آلات الأوكسجين لتعطى لمن هم أصغر سنًّا. خوف مشروع لا علاقة له بالعمر أو الخبرة أو تراكم التجارب لأنّه خوف على مصير الناس كلّهم، وقد ارتبط بمأتم رجل لم يره أحد إلّا مبتسمًا وحنونًا، ومع ذلك مات في زمن الكورونا (لا بسببها)، فلماذا عليه أن يدفع الثمن فيدفن بصمت وكأنّه قد ارتكب ذنبًا؟
عمّو بطرس، إشبين والدي وعديله (كما كنت تحبّ أن تناديه) وعرّابي: لقد أحببتَ كثيرًا فادخل إلى فرح سيّدك القائم من الموت، ولا تتوقّف عند تفصيل صغير اسمه مأتم... فالمسيح قبلك دفن على عجل قبل أن يبدأ يوم السبت، ولا تخف على والديّ من حزنهما، لقد تركت عندنا إرثًا من الفرح، وثروة من الحكايات، وتاريخًا من الذكريات، بها نقاوم الوباء والحَجْر والفراق، ولا تخف على أولادك وأحفادك، إذ يكفيهم فخرًا أنّك لوّنت أيامهم بالأمل، ورويت أمسياتهم بالشعر فلم يعرفوا الملل، وزرعت فيهم الوفاء فوزّعوه خيرًا ومحبّة.
#ماري_القصّيفي






ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.