الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 24 أبريل 2016

بابوج الأرمنيّ ولا طربوش التركيّ


الصور عن صفحة الصديق
https://www.facebook.com/garabet.tahmajian





   * البابوج، كلمة فارسيّة تعني الخفّ أو الحذاء الذي يُنتعل في البيت، والطربوش كلمة تركيّة تعني غطاء الرأس... 
***
     معيبٌ أن نحافظ في لبنان على ألقاب وهبها العثمانيّون الأتراك لرجال قدّموا خدمات، لن نعرف الكثير عن نوعها وأهدافها وخفاياها في ظلّ التعتيم التأريخيّ الذي تفرضه توازنات البلد الطائفيّة والمذهبيّة.
    فأن يفتخر بعض اللبنانيّين بأنّهم من الأمراء أو البكاوات أو الباشوات، أو أن يصرّ أصحاب الوظائف الكبرى في البلد على تصدير أسمائهم بألقاب مثل "فخامة" و"سعادة" و"عطوفة" و"معالي"، أمران يشيران، في ما يشيران، إلى ما فعله الحكم العثمانيّ بالشخصيّة اللبنانيّة وهويّتها، قبل أن يكمل الانتداب الفرنسيّ والعولمة الأميركيّة على ما تبقّى.
     في فرنسا نفسها تمّ التعامل مع عملاء ألمانيا، بعد الحرب الثانية، كخونة يجب تجريدهم من حقّ المواطنيّة، بينما نحن في لبنان، ابن فرنسا الحنون بالنسبة إلى كثيرين، نجد للخيانة تبريرات ونبحث لها عن تفسيرات. ومن شاهد حلقة "تحقيق" التي عرضتها قناة الـMTV عن مجاعة الحرب العالميّة الأولى عرف كيف أنّ الذين ساهموا في تجويع الناس هم بعض تجّار البلد عهدذاك، وهم الذين يملك أحفادهم اليوم ثروات غنموها من حاجة الناس إلى الطعام. ولو كنّا شعبًا يحسن المحاسبة لكنّا طالبنا بمحكمة دوليّة لمعرفة من جوّع شعبنا وتتكتّم الوثائق على نشر هويّته (هويّاتهم).
    *****
    الأرمن فعلوا ما لم يفعله اللبنانيّون وسواهم من ضحايا الإبادة التركيّة، ولا ما فعله الفلسطينيّون حين أجبروا على ترك بلدهم.
    الأرمن لم يتناسوا كما فعل اللبنانيّون، ولم يحملوا السلاح كما فعل الفلسطينيّون... الأرمن عملوا بصمت مدوٍّ، وها هو العالم اليوم يعترف بالإبادة ويعلن معهم الحداد على مليون ونصف شهيد أرمنيّ... مليون ونصف قدّيس أرمنيّ... بينما فلسطين لا تزال معلّقةً على صليب اليهود، واللبنانيّون ضائعين في صراعات المنطقة التي لن تنتهي.
    في ذاكرتنا، عمل الأرمن في صناعة الأحذية والذهب وفي التصوير الفوتوغرافيّ ... كأنّهم منذ أجبروا على ترك أرضهم حفاة عراة، قرّروا أن يصنعوا لأقدامهم ما يساعدها على العودة، ولجيوبهم ما يملأها مالًا يقيهم شرّ العوز والحاجة، ولعيونهم أن تسجّل وجوه الناس وتاريخ الأرض في صورٍ تقضّ مضجع الذاكرة. تقوقعوا على أنفسهم خشية وريبة، وحين خرجوا إلى المجتمع الواسع اكتشف اللبنانيّون أنّ ثمّة شعبًا يخاف ولا يخيف. يخاف على لغته وتاريخه وشهدائه، ولا يخيف إلّا من لا يفهم خوفهم. كرهوا اللغة العربيّة بداية لأنّها، كما أوضح لي أحد الأصدقاء، تعني بالنسبة إلى الجيل الأوّل المسلمين، والمسلم يعني التركيّ، والتركيّ يعني من أراد إبادتهم. مع الوقت، بدأت الأجيال اللاحقة تتعرّف على المسيحيّين العرب، وعلى العرب المسلمين غير العنصريّين، وقرّرت أن تشرح القضيّة الأرمنيّة للعالم باللغات كلّها، والعربيّة من ضمنها.
    *****
    في طفولتنا، كانت المخيّمات الفلسطينيّة مخيفة (حواجز مسلّحة، وجوه واجمة، ملابس عسكريّة...) لم يخطر لنا أن نرى فيهم ضحايا... وبرج حمّود، معقل الأرمن، كان مجموعة متاجر يجلس على أبوابها عجائز يشبهون جدّاتنا وأجدادنا، وفتيات جميلات يبعن الحليّ والملابس والأحذية... لم يخطر لنا أن نسأل عمّا خلف الواجهة...في المخيّمات الفلسطينيّة لغة عربيّة تخيفنا لأنّنا نفهمها، وفي الكانتون الأرمنيّ لغة لا نفهمها لكنّها لم تكن تخيفنا وإن كنّا نجهل سبب التكلّم بها أمامنا.
    المخيّمات الفلسطينيّة كانت فقيرة معدمة بائسة صاخبة، بينما المساعدات تصبّ في مصارف العالم وأرصدة القادة. برج حمّود كان نظيفًا ومرتّبًا ولم يشر أحد أمامنا إلى مساعدات تُطلب أو إعانات تصل، أو حكومات عربيّة وعالميّة وجنوب أميركيّة ويساريّة تساعد... كان الأرمن وحدهم في مواجهة العالم.
    أقليّات أخرى هجّرها الأتراك (سريان، أشوريّون، كلدان)، الأرمن وحدهم من بينها فرضوا أنفسهم على الساحة الدوليّة وأجبرونا على تعلّم دروس الهويّة والانتماء والعزيمة والإصرار.
     لعلّنا اليوم، وفي وقت تقضّ ضمائرنا مشاهد العنف في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا، لا نحتاج إلى مزيد من صور الضحايا، فالجائع حين يصير جلدًا وعظامًا يشبه جائعي الأرض، والميت حين تتناشه الذئاب يشبه الموتى في كلّ مكان، والطفل الباحث عن يد أبيه واحدٌ مهما كانت لغته أو أرضه، والمرأة المغتصبة امرأة واحدة لا تزال الذكورة المريضة تعتدي عليها منذ أوّل حرب.
     لا نحتاج إلى صور أخرى عن بشاعة الإنسان وما قد يفعله الإنسان بنفسه وبالآخر وبالكائنات والطبيعة والجوّ والسماء والأرض...، بل نحتاج إلى مرايا، مرايا كثيرة، ننظر إلى وجوهنا فيها، فقد نرى، في ومضة ألوهة، أنّ سماءنا تبدأ هنا، وجحيمنا أيضًا... فإمّا أن ننتعل بابوج الأرمنيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) ونمشي نحو الحريّة، أو نعتمر طربوش التركيّ (بما يحمله المعنى من دلالات أبعد من الحَرف) وفي رقابنا حبل المشنقة...  
     

هناك 3 تعليقات:

ميشال مرقص يقول...



باختصار: رائعة - محرّكة للمشاعر والوجدان - منصفة - مثيرة للشعور الوطني والخجل من الذات ...

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لك أستاذ ميشال على محبّتك وتقديرك لما أكتبه... دمت بخير دائمًا وفي عطاء متواصل

Garabet Tahmajian يقول...

قرأت و قرأت و قرأت ...
وكل كلمة وجدتها تنتظر أن تُقرأ تاليتها
فقط أريد أن أقرأ
لأن كل كلمة تقول "تعال لأخبرك القصة...!