الخميس، 8 يناير 2026

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

 

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة،  في هذه التتمّة عن صورة الباب في المسرح الرحباني اخترت ثمانية عشر عملًا بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977. حاولت فيها أن أقرأ مفهوم الباب وكل ما يتعلّق به أو يشير إليه. في الجزء الأوّل( كافيين دوت برس ( 11/10 تناولت القراءة ثلاث مسرحيّات هي "موسم العزّ" وحكاية الإسوارة" و"جسر القمر"، في الجزء الثاني(12/10 (  الليل والقنديل" و"بيّاع الخواتم" و"دواليب الهوا" و"إيّام فخر الدين". أمّا في هذا الجزء وهو الثالث، فسوف ألقي الضوء على رمزيّة الباب والبوّابة في مسرحيّات  "الشخص" و"جبال الصوّان" و"يعيش يعيش" و"صحّ النوم".

9- الشخص (1968)

المكان كالعادة في المسرح الرحبانيّ هو الساحة، وهنا هو سوق البيّاعين الذين يغنّون: "واسع بابك واسع/ شمس المطالع باب الواسع" في إشارة إلى عطايا السماء. ثمّ نسمع الشاويش (وليم حسواني) يقول: "الناس البسطا القاعدين ع البواب" كأّن الأبواب هي وسيلتهم الوحيدة لإقامة علاقة مع العالم الخارجيّ. وتغنّي بيّاعة البندورة (فيروز): وعلى باب السهرة تبكي المواويل" في إشارة إلى نوع الغناء الذي نسمعه من هذه الطبقة الشعبيّة الفقيرة. ويعود الباب ليظهر عندما يُحكم على البنت البيّاعة التي غنّت أمام "الشخص" (أنطوان كرباج) وخربطت الاحتفال: "على باب المحكمة واقف حارس". لكنّ البنت البيّاعة تدعو إلى الثورة على الظلم: "واللي ع البواب يطلعوا من النوم/ يكسّروا البواب ويتهبّط النوم". الفكر الرحباني يتطرّف هنا في النظرة إلى الانتظار على الباب ويدعو إلى الانتفاضة عليه والاستفاقة من غيبوبة الترّقب. وهذا ما يؤكّد عليه موقف البيّاعة حين تواجه الظلم الذي اعتبر أن الناسَ أساس الملك وعليه تحمّل ثقل البناء: "ولا بدّ هالأساس ما يشلّع التراب/ ويزعزع البناية/ والحيطان والبواب". وعندما يصدر الحكم ببيع عربيّة البندورة بالمزاد العلنيّ، تودّعها البنت قائلة: "إنتي وأنا درنا ع كلّ البواب" لتصير الأبواب هنا مصدر رزق وحياة برغم التعب والقهر. 

تبقى ثلاث مشاهد تحضر فيها الأبواب في هذه المسرحيّة، واحد في مشهد الكنّاسين حين يغنّي وكيلهم عن مغامرات عملهم على الطرقات ويصف الصبيّة التي كانوا يراقبونها، وتعود فيه للباب وظيفة التواصل مع الخارج والآخر: "تبقى تكنّس قدّام الباب/ وتضحك ضحكة حلوة/ وهيي بتكنّس قدّام الباب/ وتحكي قصّة لحالا/ وإتذكّر الحلوة على باب الدار". والثاني في قول المتصرّف (نصري شمس الدين) وهنا الباب حاجز: "أنا باب. باب سميك بيقعدوا خلفي وبيصيروا يسكّروني بوجّ الناس". أمّا الثالث ففي أصوات الناس مع بدء جلسة المحاكمة حين يقولون: "مولانا القاضي نجمة باب الودايع/ سيف الحقّ المسنون" (علامة على انصياع الناس وخضوعهم للسلطة). 

 

10- جبال الصوّان (1969) 

في الفكر الرحباني برتبط الباب عمومًا بالمنزل، وإذا ذُكرت البوّابة فللدلالة على مدخل الحديقة أو مكان العبور إلى الدار الكبيرة. أمّا في "جبال الصوّان" فهي بوّابة الوطن. هي الحدود الفاصلة بين العدل والظلم وعلى هذه البوّابة قُتل مدلج قيدوم جبال الصوّان، وعليها ستُقتل ابنته غربة (فيروز) بعدما حرّرت الناس من الخوف فانتصروا على فاتك المتسلّط (أنطوان كرباج). بدءًا من المشهد الأوّل نرى الهزيمة مرتبطة بهذا الرمز "ووصل الهاجم ع البوّابة"، يصرخ الرجال. ويعلن فاتك انتصاره قائلًا لمدلج وهو يمعن في إذلاله: "ما عاد فيك تقاوم... افتح البوّابة بإيدك، واعزمنا نفوت". ويأتي دليل الهزيمة حين يخبر سعد (محمّد السرّاج) زعيمه مدلج: "واللي هرب هرب وترك بوابو مفتوحة" (علامة الخوف والسرعة في الهرب). لكنّ مدلج لا يهرب ويتحدّى فاتك المتسلّط: "مش رح إترك البوّابة". وبعد أعوام على  حكم فاتك، يتذكّر شهوان (إيلي شويري) الذي صار مخبرًا للعهد: "مدلج قِتل ع البوّابة وأخدو العشب". فتجيبه حنّة الساحلانية (نوال الكّك): "أهلي إجو لهون، وسكنوا هالأرض، وحاربو مع أهل مدلج. جدّو الأوّلاني مات ع البوّابة. وبيّو لمدلج مات ع البوّابة. ومدلج... تكي راسو ع البوّابة". وتتابع نقلًا عن الرعيان: "قال إنّو سليلة مدلج مندورة للبوّابة". 

مع عودة غربة من الغربة، تتجدّد قصّة النذر وتعلن حنّة مؤكّدة هويّة البنت العائدة: "مكتوب ع جبينا قصّة البوّابة". وتأكيدًا على هويّة الفتاة يخرج سعد من منزله الذي لم يغادره منذ قُتل مدلج، "عشر سنين بلياليها مسكّر شبابيكو" (هنا تصير الشبابيك المقفلة علامة الحزن والحداد). ويقول عبدو الروندي (نصري شمس الدين) لغربة: كنت ناطرك طول هالسنين ت إفتح الباب وإضهر لاقيكي" (رمزًا لانتظار فجر الأمل). فيهتف الجميع: "انفتحت البواب لما رجعت غربه. تشرّعوا شبابيكنا وانفتحت البواب" (تحقيق الحلم وعودة الأمل). ويعمّ الفرح وتغنّي غربة: "يا جبال يلّي الهوا شبّاكك العالي" (رمز المجد والسموّ) و"جايي جايي/ وتكي ع الباب/ يحكي عتبو للأحباب" (رمز لقاء الأحبة). وفي أغنية وطني تقول غربه: "أنا على بابك قصيدة كتبتها الريح العنيدة"، و"جيراني بالقنطرة تذكّروني" (القنطرة أمام باب البيت تظلله وتحميه من الشمس والمطر).

يعلم فاتك بعودة غربة. يقول لها القائد الختيار: "جدّك الكاسر كان. ضربة سيفو تقدّ الصخر. وانتهى ع البوّابة"، ويضيف ديبو (جوزف ناصيف): بيّك... وانتهى ع البوّابة". لكنّ غربة لا تخاف وتعلن انطلاق عيد العنب وتغنّي فيه: "ورجعت ع القناطر نجمة العشّاق" (علامة الفرح والأمل بحياة جديدة)، و"قناطر مضويه وبراج عم بتميل" (الضوء علامة النور والفرح). ومع عودة الأعياد والفرح، نقل شهوان (إيلي شويري) لفاتك صورة عن الوضع الجديد: "وعيوا يا مولانا... كانوا مسكّرين، فجأة وصلت، فتحوا بوابن. وعيوا وعيوا"، فالأبواب المفتوحة علامة وعي ومواجهة.

ولأنّ غربه تعرف ما ينتظرها تبتهل في أغنية "يا نبع الينابيع": "وعيون المقهورين سهرانه ع البواب"، وتطلب أن تكون "قصّة الموعودين/ قنديل التعبانين"، وفي أول عرس يقام بعد عودتها تغنّي: بطلب تضلّك سعيده/ معزّزة يا دار/ وبوابك مشرّعة/ والحب راعيكي". نلاحظ هنا كيف تغيّر مفهوم الأبواب المفتوحة بين أوّل المسرحيّة حين هرب الناس وتركوا بيوتهم، وكيف شرّعوا الأبواب الآن للفرح والحبّ. ثمّ تغنّي غربة للعروسين: "تتبارك حجار البيت/ تتبارك العتبة"، فحين يتبارك الحجر والباب تحلّ البركة في البيت كلّه.

ومع احتدام الأمور، وأمام خوف الأهالي من فاتك، تحاول غربة تشجيعهم فتسأل سعد (محمّد السرّاج): "بهاك الليلة، هوّي وبيي ع البوّابة، والسيف قبال عيونو. خاف؟". ثمّ تدبّ الحماسة في قلوب الناس ويعلنون: "لغسل الشماتة عن وجّ البواب، ولأجل البيوت، وتراب البيوت، قرّرنا نموت". وعند لقائها بفاتك الذي يهدّدها تقول له عن الناس: "فتحوا شبابيكن/ شمسن ما عادت تغيب". وحين يهدّدها بالحرب والموت تجيب: "أنا غربه بنت مدلج، مطرح ما وقف بيي، بوقف ع البوّابة حتّى أوفي الندر". 

من الواضح أنّ مفهوم الباب في هذه المسرحيّة أكثر وضوحًا ممّا هو عليه في سواها، ومردّ ذلك إلى موضوعها الوطنيّ الذي جعل البوّابة أكبر من مجرّد باب لبيت، أو بوّابة لحديقة. صارت حدود أرض يتقرّر عندها مصير الوطن ومستقبل أبنائه.

 

يعيش يعيش

11- يعيش يعيش (1970)

لافت ومتوقّع غياب الباب في مسرحيّة "يعيش يعيش". فالمكان هو الدكّان المفتوح على الساحة، وشخصيّات المسرحيّة مهرّبون لا يلجأون إلى البيوت، وإمبراطور لاجئ إلى دكّان لا يقفل أبوابه في وجه أحد، تعمل فيه هيفا (فيروز) مع جدّها بو ديب (نصري شمس الدين). ومع ذلك تجلس هيفا أمام الدكّان وتغنّي كأنّها تصف نفسها: "يا رايح ع كفرحالا/ امرق بسوق العنّاب/ فيه بنت بتنسى حالا/ هيي وعلى هاك الباب"، الباب الذي صار محطّة انتظار لحلم يحملها إلى حيث الحبّ وهي المرتبطة بحكايات الجدّ والعجائز والمهرّبين غير المستقرّة حياتهم.

صح النوم

12- صحّ النوم (1971)

في انتظار أن يصحو الوالي (أنطوان كرباج) من نومه مع اكتمال البدر، تقف قرنفل (فيروز) أمام القصر مع المنتظرين حاملة المظلّة كبديل عن سقف بيتها الذي سقط. وبسقوطه غاب دور الباب، إذ صار السقف هو القضيّة والمطلب. وحين تغنّي: "ع الباب اللي ما إلو باب/ قالو انطروا انطرنا" (أغنية مين ما كان بيتمرجل علينا) نرى مجرّد إطار لباب ولكن بلا "درفتين"، ومع ذلك لا يمكن تجاوزه كأنّ هيبته كافية لفرض وجوده. 

ويعود الباب ليأخذ دور التواصل مع الخارج والحلم بالحبّ مع أسعد (جوزف ناصيف) حين ينهي أغنيته (يا مدللة) قائلًا: "ع بابك الزنبق عِلي/ قومي افتلي واتْشكّلي". ثمّ يتحوّل بشقوقه وسيلة تسلّل إلى قصر الوالي لتحقيق العدالة، حين تقرّر قرنفل الدخول إلى غرفة الوالي النائم لختم عريضة ليلى (هدى حدّاد): "بطلع ع القصر من بين شقوق البواب بفوت. متل الليل بفوت. متل الهوا بفوت". وينتهي الفصل الأوّل من المسرحيّة بأغنية لفيروز تصف فيها خوفها من عاقبة سرقتها الختم وكيف أنّ الناس يراقبونها شاكّين بأمرها، وفي الأغنية:  "وعينيهن شمس/ غابت الشمس/ نزلوا على الليل/ فاتوا ع البيوت/ سكّروا البواب/ وعينيهن شمس/ وأنا مرميّه ع الزمن الغريب". فيأخذ الباب هنا معنى الأمان والحماية في حين هي البلا سقف أو بيت مرميّة حيث التيه والضياع.

وفي الفصل الثاني من المسرحيّة، وبعدما ختمت قرنفل معاملات الناس و"عمرت المدينة" تتحوّل الأبواب المفتوحة علامة بهجة، فيغنّي الوزير زيدون (نصري شمس الدين): ويا بواب المدينة/ خديني وجيبيني/ وسألنا شو القصّة قال/ سيف الفرح جايي".

(يتبع جزء رابع وأخير) 

https://www.cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-3

 

الأربعاء، 7 يناير 2026

"بواب العتيقة": مفهوم "الباب" في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (2)

 


كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة، أتابع في الجزء الثاني من هذه القراءة (الجزء الأوّل نشر البارحة) الإضاءة على صورة "الباب" في المسرح الرحبانيّ من خلال ثمانية عشر عملًا، بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977. 

لا بدّ من التذكير بأنّ فكرة الباب جزء أساس من المكان المسرحيّ - ولو لم ترد الكلمة في حدّ ذاتها - إن بمعناها الحقيقيّ أو المجازيّ. فللبيوت أبواب وأسطح ونوافذ وشبابيك وقناطر وطُوَق وأدراج وسلالم وعتبات... وكذلك للحبّ والسهر والليل والسفر والفرح والظلم والعدل... وفي كلّ ذلك يبقى الباب المفتوح مفتوحًا على كلّ الاحتمالات، والمقفل رمزًا للبحث عن الأمان إن نظرنا إليه من الداخل، وللخطر والرحيل إن نظرنا إليه من الخارج.

في الجزء الأوّل قرأت رمز الباب في مسرحيّات أربع هي "موسم العزّ" و"حكاية الإسوارة" و"جسر القمر" و"الليل والقنديل". وفي هذا الجزء أفتح الباب على الباب الرحبانيّ في مسرحيّات "بيّاع الخواتم" و"دواليب الهوا" و"إيّام فخر الدين" و"هالة والملك"، على أن أتتّبع، في جزئين آخرين، رموز "الباب" في مسرحيّات أخرى. 

بيّاع الخواتم

5- بيّاع الخواتم (1964)

يظهر الباب مع بداية مسرحيّة "بيّاع الخواتم" في أغنية ريما (فيروز): "ع عتاب البواب/ الإبّر عم بتحيّك/ تحيّك تكّاية/ وتحيّك حكاية" (ارتباط الحياكة بالحكاية). صورة المرأة غازلة الصوف أو حائكته، وكذلك تلك التي تكنس أمام الباب، تكثر في الفكر الرحباني. وهي في جلوسها أو عملها على العتبة تعرف أنّها ستكون عرضة للأعين والأقاويل، بمثل ما تكون على تواصل مع الجيران والحبيب، لذلك تتابع في الأغنية: "والإبر مسنونة/ والعيون مسنونة" لأنّ "الحسد ع الطريق/ الحسد عم بيزهّر".

يتجدّد ارتباط البوّابة بالحب مع الاستعداد لعيد العزّابة: "ولو جانا متلك عريس/ ما منفتحلو البوّابة"، البوّابة نفسها التي تحضر مباشرة في أغنية "إمي نامت ع بكّير": "وسكّر بيي البوابة/ وأنا هربت من الشبّاك/ وجيت لعيد العزّابة". فتسكير البوابة بهدف الحماية لم يمنع الفتاة الحالمة بالحبّ من الهرب من الشبّاك للمشاركة في العيد بالغابة، حيث يغنّي المشاركون: "ويا قفاص المحبّة/ رح بتصيري بيوت/ تشعشع المحبّة/ ع بوابك وتفوت". وبقدر ما تشعشع المحبة على الأبواب، قد تصير هذه الأخيرة متنفّسًا للرجال حين تقع المشاكل الزوجيّة: "ونتقاتل مع النسوان/ ونلمّ علينا الجيران/ ونولّع سيكارة/ بضهر السيكارة/ ونقعد على الباب نقول: يا ريت ما تزوّجنا".

وفي أغنية يا حجل صنين، وصف للباب المشرف على العالم: "بيتهن ع مطلّ هاك القاطع/ ع الدني بيهلّ بابو واسع". وفي أغنية "الشغّيلة" عن شقّ الطرقات: "بدنا الطرقات نفتحها/ واسعة باب مشرّع" (الطريق باب واسع)، وتستعيد ريما ابنة أخت المختار (نصري شمس الدين) العبارة نفسها في أغنية "صحّة وصحتين وعوافي": بدنا الطرقات نفتحها/ واسعة باب مشرّع". 

في الفصل الثاني، وفي سهرة الضيعة، يغنّي الشاويش (وليم حسواني) ل مَي (هدى حدّاد): "إنتي أكبر سرّاقة: لمّا شفتك بالطاقة/ شلحتي اللفته الحرّاقة/ وسرقتي قلب الشاويش" (الطاقة وهي نافذة صغيرة تؤمّن التواصل الخجول). وتغنّي ريما عن "دراج الحكي" ويصف راجح (جوزف عازار) أهل الضيعة قائلًا: شبابيكن حيطان/ وبوابن حيطان" (علامة الصمت والكتمان والخوف من الغريب).

 

صباح ودواليب الهوا

6- دواليب الهوا (1965)

يغيب الباب في الفصل الأوّل من مسرحيّة "دواليب الهوا" وكانت بطلتها صباح، ويحضر في الفصل الثاني، "منضلّ ع بواب الليالي نلتقي" (في صورة مجازيّة) و"ون حيّدو علينا يا حلو/ وكنّا على الشبّاك ملهيين/يا خوفنا إنن يقوموا يسألوا/ مع مين طوّلتو الحكي مع مين؟" (يلعب الشبّاك دور الباب فيصير ملتقى العشّاق).

وتقول نجمة (سهام شمّاس) لفهد العابور (نصري شمس الدين) عن الفتاة/الحلم: "بتكون ع بابك الزهرة مولدنه/ بتمدّ إيدك ما بيطلعلك جَني/ وصدفة بيمرق حدّها واحد غريب/ بتلحقو ع آخر شطوط الدني". 

وحين يقرّر بيّاع دواليب الهوا (إيلي شويري) متابعة السفر على الطرقات يبرّر قراره قائلًا: "اشتقت لدني شبابيكها جديدة". أمّا مخّول (منصور الرحباني) فيتحوّل الباب معه حاجزًا: "حبسوني بهالسراج/ متل القاعد بكاراج/ ما إلو بواب ولا دراج". وتعود صورة الباب المجازية المرتبطة بالليل مع فهد العابور: "نحنا ع باب الليل سهرانين"، ثمّ يغنّي: "بيتك طالل قدّامي/ وما بستهدي ع بابك".

إيّام فخر الدين

7- إيّام فخر الدين (1966)

تبثّ عودة الأمير فخر الدين إلى لبنان فرحًا وتفاؤلًا، فيغنّي الناس: "علّوا البواب الوسيعة/ الدار جيناها" ما يجعل الأبواب العالية المفتوحة (أبواب المدن) رمزًا للأمان. ففي ذلك الزمن كانت الأبواب الجانبيّة الصغيرة الواطئة دليل خوف وطلب حماية إذ لا يمكن للفرسان الدخول عبرها. ثمّ تغنّي عطر الليل (فيروز) أغنية دبكة لبنان وفيها: "خطروا الأصايل يرمحوا/ وصلوا ع باب الساحة.../ طلّ من غياب وتطلّع/ وارتجّ الباب وتشرّع". وفي تشريع الأبواب على الساحة تأكيد على جو الأمن والسلام الذي أشاعته عودة الأمير فخر الدين (نصري شمس الدين) الذي يصف والد عطر الليل العسكريّ عبّاس بقوله: "وعطر الليل بنت العسكريّ عبّاس/ اللي ناطر ع باب الليل". وهي صورة مجازيّة تتكرّر وتصوّر هنا دور الحراسة والسهر على الأمن في محيط يعادي الأمير، ولا يعرف العسكريّ الحارس ما ينتظره خلف الباب وخلف الليل. 

أمّا عطر الليل التي نذرت نفسها لخدمة الوطن، فتقول لأمّها معلنة تلبيتها الواجب: "يا إمّي لا تنطري قدّام البوّابة"، ثمّ تؤكّد على إيمانها بقضيّة يعمل من أجلها الأمير: لروح بين الشمس والفيّه/ وبواب حلوة تشرق عليي" في تصوير لفرح الأبواب والبيوت وأهل البيوت بزمن حريّة آت، وانتشار أواني الزهر أمام الأبواب دليل حياة وأمل. وبدل بوّابة البيت صار لعطر الليل أبواب كثيرة تنتظرها كي توصل إلى أهلها البشرى بوطن جديد مستقلّ. 

      

هالة والملك
8- هالة والملك (1967)

من جديد يحضر الباب في المسرح الرحبانيّ، حتّى ليظنّ المتتّبع أنّ الأمر ليس عفويًّا وإن بدا كذلك. وليس الأمر بغريب إن راقبنا ورود كلمة الباب في الأمثال الشعبيّة. ففي مسرحيّة "هالة والملك" يأخذ الباب معاني مجازيّة لافتة فضلًا عن معناه الحقيقيّ، ففي عيد الوجوه المستعارة، تقول أمينة الخزنة (سهام شمّاس) عن الفأرة التي تتتكّر بوجهها: "بتتزّه بين اللعب/ بتنام بقفل الباب"، ويصرخ الجميع وهم في انتظار الأميرة التي تنبّأت النجوم بوصولها: "انطروا ع بواب المدينة/ العروس اللي جايي". وحين تصل هالة (فيروز) التي يُظنّ أنّها العروس المنتظرة، تقول: "حرّاس المدينة/ قالوا صار غياب/ هدموا قصر الزينة/ سكّروا ميّة باب". أمّا سهريّة (هدى حدّاد) التي أحبّت هالة واستقبلتها في بيتها فقالت واصفة وصول هذه الغريبة: "من بواب الليل/ بيجوا الغربا". 

وحين تصف هالة بيتها تقول: "بيتنا بوابو/ مشقّقها الزمان" (من جديد يرتبط مرور الزمن بالأبواب). أمّا أهل الحيّ الشعبيّ: "نحنا بيوتنا/ بوابها واطيه... لا الشمس ولا القمر بيفوتوا يزورونا" (انخفاض الأبواب رمز الفقر). ثمّ تتابع هالة وصف حياتها في بيتها بقريتها "درج الورد": "مسمّرة ع خشبة الشبّاك / عيني على الشبّاك" (الشبّاك بديل الباب محطّة انتظار وحلم). ويتجدّد ارتباط الطبقة الاجتماعيّة الدنيا بحجم الأبواب عندما تسأل سهريه المستشار: "حضرة مستشار الملك/ قدّام هالباب الزغير؟"

ترفض هالة خداع الملك ولا تقبل أن تكون عروسه، وتسأل الناس والحاشية وكلّهم يحاول إقناعها بلعب دور الأميرة: "والحبّ يا ناس...ما إلو بيت بسيلينا؟ مش عايش ع شي باب؟" (من جديد الباب مكان لانتظار الحبّ)، لذلك تقول في أغنية شايف البحر شو كبير: "يا مصوّر ع بابي/ ومصوّر بقلبي"

وحين يريد الملك (نصري شمس الدين) معرفة حقيقة ما يجري يتبادل الثياب مع الشحاد (وليم حسواني) الذي يقول له في تعبير جميل يصف تعاسة الحكّام: "بس الملك ما إلو مستقبل/ واقف ع الباب الأخير/ ع الباب المسكّر". وعندما  تلتقي هالة بالملك وهو في ثياب الشحاد تذكّره بفقر الناس عبر وصف أبوابهم المنخفضة: "الملك ما بيعرف شو فيه بالبيوت الفقيرة، بوابها واطيه والملك ع راسو تاج ما بيقدر يوطّي راسو". وتنتهي المسرحيّة بعودة هالة إلى قريتها وهي تغنّي: "بكرا بقعد ع بابي وبحكي القصّة لــ صحابي" (الباب مكان التواصل مع الخارج، مع ارتباطه بالحكاية).

https://cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-2

 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.