الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 1 ديسمبر 2017

كيف يثور شعب هذه أمثاله الشعبيّة؟ (2011)




"جدّتي كانت فعلاً على حقّ"(Ma grand-mère avait bien Raison!) عنوان كتاب صادر في فرنسا (دار فيرست – 2011) تعيد فيه المحلّلة النفسيّة "Béatrice Millêtre" قراءة بعض الأمثال الشعبيّة وأقوال الأجداد المأثورة في ضوء معطيات علم النفس، وتصل فيه إلى النتيجة التي يختصرها عنوان الكتاب، أي أنّ الأسلاف كانوا محقّين في ما توصّلوا إليه بالخبرة والتجربة، واختصروه في خواطر وحكم وأمثال تركوها للخلف الذي غالبًا ما اعتبرها موضة قديمة أو آراء عفا عليها الزمان ولم تعد تصلح للمجتمع الحديث. ومن خلال أكثر من خمسين مثلًا شعبيًّا أولتها المحلّلة النفسيّة دراسة نقديّة علميّة موضوعيّة نقع على كثير ممّا نتداوله نحن في بلداننا العربيّة، إن بتأثير التجربة الإنسانيّة الواحدة بغض النظر عن التاريخ والجغرافية، أو بتأثير الترجمة والتبادل الحضاريّ. وهناك في طبيعة الحال الأمثال ذات الخصوصيّة البيئيّة أي المرتبطة بمكانها ولكن لها ما يشبهها في أمثالنا الشعبيّة. فالمثل الفرنسيّ الذي يقول: نقطة الماء التي طفح بها الكوب، يقابله مثل عربيّ يقول: القشّة التي قصمت ظهر البعير...

ولكن إن تخطّينا مضمون الكتاب واستعنّا بهدفه ومنهجيّته في قراءة أمثالنا الشعبيّة، سنجد، خصوصًا في الظروف التي تمرّ بها البلدان العربيّة، أنّ الأجداد لم يشجّعونا على الثورة بل دعتنا أقوالهم المتناقلة جيلاً بعد جيل إلى الصبر على الظلم، والاتّكال على السماء لتخلّصنا من الحاكم الظالم، عملًا بالمثل القائل: "اللي ما فيك ليه دير الله عليه"، وفي انتظار تحقّق ذلك علينا القبول بالواقع، والخضوع لأولي الأمر ومسايرتهم انطلاقًا من مبدأ التقيّة.
فأن نكبر على أمثال تعلّمنا: "إيد اللي ما فيك تطالها بوسها وادعي عليها بالكسر" أو "العين ما بتعلى عالحاجب" أو "أبعد عن الشرّ وغنّيلو" أو "عند تغيير الدول احفظ راسك"، فذلك يعني أنّ الثورة ممنوعة حتّى في أحلامنا، وأنّنا محكومون بالذلّ منذ نعومة أظفارنا وحتّى قساوتها التي لن تنفعنا في تمزيق وجه المعتدي بل في حكّ جلدنا تطبيقا للمثل القائل: ما بيحكّ جلدك غير ضفرك".
وأن يعلّمنا أهلونا أنّ "كلب المير مير" وأنّ "اللي بياكل من خبز السلطان بيضرب بسيفو" وأنّ الحلّ المناسب هو "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" و"إذا بدّك تستريح قول عن كلّ شي مليح" و"جدّف مع الريح واستريح" فذلك يعني أنّنا تشرّبنا الخضوع والخنوع ولن يسهل علينا أن نتخطّى مخاوفنا من السلطة مهما كان شكلها وشأنها ومستواها، وفي هذا قال قدماؤنا: "بأس الأسد بانيابو وإبن الحكومة بتيابو"، و"حاميها حراميها"، فكانت الدعوة إلى "العضّ على الجرح" وكتم المعاناة، و"خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح"، فهل يعضّ أحدنا الكلب الذي عضّه أو يبتعد عنه ويحتمي منه؟
من الواضح أنّ عهود الاستعمار والاحتلال الطويلة علّمت العربيّ أنّ الانحناء للعاصفة أفضل من مواجهتها، فكانت الدعوة "الحكيمة" إلى "المشي مع الحيط ويا ربّ توصّلني عالبيت"، أو الحذر من الفاجر لأنّه "يأكل" مال التاجر، والتنبّه إلى أنّ المجتمع "مع الواقف" أي صاحب السلطان الذي تأخذه أوهام السلطة بعيدًا عن الناس لأنّ "الكرسي بتنسّي".
إنّ شعبًا هذه أمثاله "الشعبيّة" لن تجرؤ أجياله على الخروج من المنزل إلّا للترفيه عن النفس على اعتبار أنّ "أحلى دوا شمّ الهوا" و"اللي ما بيسكر وبيسهر لشو حياتو؟" أمّا الخروج إلى الشارع في ربيع لبنانيّ وعلى أرض "أدونيس" فذلك يعني سلسلة حكم وأمثال من مثل: "خربت عمرت، نزلت طلعت، حادت عند ضهري بسيطة"، "شو بدنا بهالشغلة"؟ "بدنا السترة!"، "ما في شي رح يتغيّر: دنب الكلب بقي بالقالب أربعين سنة وبقي أعوج"، "فالج لا تعالج"، "ما متت ما شفت مين مات؟"، "ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو"... وعلى هذا فنحن خير سلف لخير خلف! 

هناك تعليقان (2):

جمال السيد يقول...

واللي ما بيسكر وبيسهر لشو (بالله) حياته .. ـــ نعم ، والمرء على ما عوّده أبوه

ماري القصيفي يقول...

على أمل أن نترك للأجيال الجديدة إرثًا يجمع بين اللهو والجدّ، وفيك البركة، أبًا ومعلّمًا وكاتبًا