من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

المطربة وداد ووحياة عيوني بتندم

وداد ووديع الصافي

وحياة عيوني بتندم

 ثمّة مطربات خلّدهنّ التاريخ مع أنّهنّ لم يعشن طويلاً ولم يقدمن أعمالاً فنيّة كثيرة كما هي الحال مع أسمهان مثلاً التي استطاعت على رغم عمرها القصير أن تكون مطربة كبيرة، غير أنّ هناك فئة من المطربات الكبيرات اللواتي تركن أغنيات قليلة بالنسبة إلى سواهنّ، أو ارتبطت أسماؤهنّ بأعمال محدّدة أو بمرحلة زمنيّة معيّنة قبل أن ينسحبن إلى عتمة النسيان، ومع ذلك تركن بصمات خالدة على الفنّ العربيّ. والمطربة "وداد" التي رحلت منذ أيّام واحدة منهنّ.
     عندما نقرأ أنّ مبدعًا رحل، نتذكّر تلقائيًّا آخرين كانوا لا يزالون أحياء يرزقون غير أنّنا في غمرة البهرجة الإعلاميّة لسواهم أضعناهم أو غيّبت عنّا أخبارهم، وما عدنا نعرف أنّهم كانوا على قيد الحياة لولا خبر انتقالهم إلى الحياة الثانية. وهناك من ظلمته حياته الفنيّة التي كانت مجحفة في حقّه، أو من ظلمه الإعلام، أو من خانته الصحّة والحرب، أو من قيّدت حركته الالتزامات العائليّة ومتطلّبات الحياة، أو من لم يتعلّم لعبة التسويق في عصر قائم على العرض والطلب وسرعة الحركة واحتفال الأضواء والألوان وهم لا يزالون يعيشون في زمن جميل وهادئ محصور بالأبيض والأسود. نور الهدى،لور دكّاش، زكيّة حمدان، فدوى عبيد، سعاد محمّد، هيام يونس، سعادالهاشم (أوّل مطربة غنّت لزكي ناصيف) وماري عطايا (سيّدة الأغاني البلديّة)، هنّ بعض اللواتي عبرت نجوميّتهنّ (مقارنة مع سواهنّ) كالشهب في ليل الأمنيات، وسعيد من أتيح له أن تلتقط مرورهنّ أذناه قبل عينيه. كلّ واحدة منهنّ مدرسة في حدّ ذاتها، في أدائها ونوع أغنياتها وشخصيّتها وحضورها وعبورها إن إلى الصمت أو إلى الغياب. و"وداد" من هذا الرعيل الفنيّ، وما زال كثر حتّى اليوم يردّدون عبارات من أغنياتها ولا يعرفون لمن هي، وخصوصًا تلك اللازمة الشهيرة "وحياة عيوني بتندم/ بدّك تقهرني؟/طيّب/ غِبلك شي غيبة وجرّب/ ولما بترجع يا حبيّب/ يا حبيّب شو بدّك تندم"، والتي صارت تهديدًا تستعمله العاشقات في كلّ مرّة يرغبن في الردّ على الهجر والصدّ.
     كانت "وداد" زوجة الشاعر عبد الجليل وهبي مؤلّف أغنية: جنّات ع مدّ النظر، ثمّ ارتبطت بالموسيقار توفيق الباشاوعند خلافها معه كتب لها الشاعر سامي الصيداوي أغنية "بتندم" ولحّنها لها، فصارت أغنية كلّ عاشقين متخاصمين. وهي والدة عازف البيانو العالميّ عبد الرحمن الباشا، فضلاً عن أنّها من المطربات اللواتي بدأن حياتهنّ في مرحلة مبكرة جدًّا (في التاسعة من عمرها) وتابعن المشوار الفنيّ مع عمالقة الطرب كوديع الصافي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، وهي صاحبة ستة آلاف أغنية موزّعة على الإذاعات العربيّة، وبينها ما تبثّه الإذاعات من غير إشارة إلى صاحبتها، وفيها من الجمال ما يجعلها تعلق في الذاكرة والقلب وتتردّد على اللسان في كلّ سهولة من دون أن تسقط في الإسفاف أو الخفّة، كأغنية "ألف وردة وردة" التي تغنّيها "وداد" بصوتها الدافئ ذي البحّة الآسرة قائلة" يا ريت في عندي شي ألف وردة وردة/ بقدّمهن هديّة/ بعيدك يا عينيّ/ يا ريت يا ريت". وأغنية "تصوّر وابعتلي صورة" وتقول: تصوّر وابعتلي صورة/ أنا عندي صورة زغيّورة/ وحدة بعلّقها بالدار/ ووحدة بقلبي محفورة"، وأغنية "صبّحته ما ردّ" التي يقول مطلعها: "صبّحته ما ردّ/ مسيّته ما ردّ/ تاري الأخ كتير يا با آخدها عن جدّ/ والله".
     تذكّرني هذه الأغنيات لـ"وداد" بأنّ ذوقنا الفنيّ يستطيع متى اعتاد الفنّ الأصيل أن يترك فيه فسحة للطرب والدلال، للصلاة والغناء، للصعوبة والسهولة، للرجولة والأنوثة، من دون أن تجنح واحدة من هذه الاتجاهات نحو الخطأ أو الأصوليّة أو المبالغة ومن دون أن يلغي أحد أحدًا، ومن دون أن يهيمن نوع على نوع ما دام الأمر ضمن إطار الفنّ الصحيح والجميل. ولعلّ البرامج الفنيّة عبر الإذاعات وعلى التلفزيونات المحليّة والفضائيّة (وستار أكاديمي واحد منها مهما كان رأينا فيه) ملزمة بإيلاء هذه الجوانب كلّها الاهتمام الضروريّ، في حملة تنظيف هائلة تطهّر أذواق الناس وعيونهم وآذانهم من البشاعة والضجيج والغريب القبيح.

جريدة البلاد البحرينيّة - الثلاثاء 24 شباط 2009