الخميس، 6 فبراير 2020

كتاب مفتوح إلى مار مارون - صحيفة النهار - الثلاثاء 8 شباط 2011 (من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)






في مرحلة تكثر فيها الكتب المفتوحة إلى الزعماء والقادة، وتتلاحق الرسائل الملغومة والمفضوحة ما بين الموالين والمعارضين، وفي أيّام تشهد تغيّرات جذريّة تذكّر بما كانت عليه الأمور منذ أكثر من 1600 عام (تفكّك وتشكيك واضطهاد وبِدع)، أحببت أن أراسلك أيّها الناسك العزيز.

لكن اسمح لي أولاً أن أنبّهك إلى أنّني سأخاطبك بغير اللغة التي ستسمعها خلال هذا الشهر الذي يبدأ بعيدك في التاسع منه أي غدًا وينتهي برفع تمثالك في عاصمة الكثلكة. ولا أكتمك، أنّ رفع الكلفة ما بيننا يغريني، فكونك سابقاً للطائفة التي تحمل اسمك جعلك تنجو من لوثة الغرور وادّعاء المعرفة والتفرّد بالرأي، ولن يزعجك أو يحطّ من قدرك أن تسمع نصيحة أو أن يشير إليك أحدهم برأي، في حين غرق أكثر أتباعك في كلّ ذلك وفي ما هو أخطر منه.
سأحدّثك أيّها الناسك اللطيف عن الحقائب، وأنت الذي عاش بلا بيت أو حقيبة أو حرّاس، لأخبرك كيف أنّ أبناء شعبك موزّعون ما بين الذين يبتاعون حقائب الهجرة وأولئك الذين يتهافتون على الحقائب الوزاريّة. وسأحدّثك، يا من زهدت بالدنيا وافترشت التراب والتحفت عباءة النسك، عن الكراسي التي يتقاتل حاملو اسمك للحصول على أعظمها وأفخمها. لكن دعني بداية أعتذر بالنيابة عن القادة الموارنة المهمومين، وأطلب منك ألاّ تؤاخذهم إن صدعوا رأسك بالطلبات والتمنيّات التي لن تكون إلاّ على مستوى الدرك الذي انحطّوا إليه. غير أنّ القليل الذي أعرفه عنك والكثير الذي أعرفه عن موارنة اليوم يسمحان لي بالاعتقاد بأنّك لن تفاجأ بصلواتهم التي تثقل كاهلك وتتعب قلبك وتؤلم روحك، وإن كان لا ألم ولا تعب ولا عبء حيث أنت.
أيّها الناسك القدّيس،
كلّ سياسيّ مارونيّ يطلب منك اليوم منصبًا رسميًّا يرضي طموح والديه ويشبع رغبات حرمه المصون ويميت المارونيّ الآخر غيظاً، وكلّ صاحب سيادة من المطارنة يراهن عليك كي توصله إلى سدّة البطريركيّة المارونيّة ليستقرّ سعيداً على كرسي إنطاكية وسائر المشرق، وكلّ كاهن يحلم بعصا المطرانيّة، وكلّ علمانيّ يأمل في أن يكون من المنعَم عليهم في العهد الجديد المنتظر في آذار. وكلّ ذلك بشفاعتك ومن أجل الطائفة التي تحمل اسمك.
غير أنّ هذا الوضع لا يعني أنّ الموارنة لم يحقّقوا إنجازات سجّلها لهم التاريخ، فهم رغم اختلافاتهم وخلافاتهم، توصّلوا، وانسجامًا مع تاريخهم في المحافظة على اللغة والتواصل، إلى وضع معجم حديث للكلمات والمصطلحات التي تعلّمها زعماء الطوائف الأخرى واستخدموها وقاسوا عليها بحسب ما تقتضيه الظروف، حتى تفوّقوا على الموارنة. وإليك بعض الأمثلة كي لا تكون غريبًا عن لغة أبنائك: الحريّة صارت تعني الانفلات الأخلاقيّ، والمأسسة تعني تأمين مصالح ذوي القربى، والكهنوت وظيفة تؤمّن الدخل المحترم للمحترم، والرهبنة أسرع طريقة للشهرة، والمدرسة شركة مساهمة في نشر الجهل، والجامعة مزراب ذهب، والدير ثكنة عسكريّة ثمّ خليّة حزبيّة ثمّ محطّة للسياحة الدينيّة، والمغتربون ورقة ضغط تستعمل عند الحاجة، ومحاكم الطلاق خلايا نحل، وتحوّل العلمانيّ من حجر بناء إلى حجر رشق وتكسير، أمّا التطوّر فانتقال من الصومعة إلى الفندق، ومن العمل في الأرض إلى المتاجرة بها، ومن الكنيسة إلى الملهى، ومن تحت السنديانة إلى الصحراء. ولن أحدّثك عن المارونيّة السياسيّة لأنّ الشيعيّة السياسيّة تخطّتها بأشواط في مجال تهميش الآخرين، والسنيّة السياسيّة سبقتها بكثير في مجال سوء الرؤيا، والدرزيّة السياسية سجّلت عليها نقاطًا كثيرة في مجال التقوقع والتقلّب، وهكذا سائر المذاهب.
غداً يا أبانا مارون يحتفل الزعماء الموارنة بعيدك، ويطلبون من الله بشفاعتك سلامًا على قياس رغبات كلّ منهم، وأن يقبل بمحبّته وحنانه الذبيحة المقدّسة التي قدّموها وأن يجعل بها:
للخطأة (هم طبعا ليسوا منهم) غفراناً، وللمرضى (الذين أهملوهم لانشغالهم بمصالحهم) شفاء، ولمنكسري القلوب (زعاماتهم لا تصل إليها أصوات الأنين) رجاء، وللحزانى (الذين تسبّبوا بفقرهم) عزاء، وللموتى (الذين قتلوهم) راحة، وللأسرى (الذين لا يجرؤون على فتح ملفّاتهم) خلاصًا، وللمسافرين (الذين هجّروهم بحروبهم) رفيقا، وللبعيدين (الذين أبعدوهم بجشعهم) مرشداً، وللقريبين (الغارقين في اليأس) حافظًا، وللحكّام المؤمنين (كلٌّ منهم يؤمن بنفسه) نصرًا.

غداً، يا صاحب العيد، لا تأت إلى العيد، فثيابك الرثّة لا تليق بالعباءات المطرّزة والبذلات الأنيقة، ولحيتك الكثّة ستسرق الأضواء عن الذقون الناعمة، ونحول جسمك سيفضح ترهّل الأجساد.
غداً أيّها السيّد الصغير لا تأت إلى العيد لأنّ مرافقي السادة الكبار لن يسمحوا لك بالدخول إلى حيث الاحتفال بك راحلاً وتاركا لهم ما يتنعّمون به ويعيشون من خيره. ولكنْ في بيتك يا مارون منازل كثيرة، وعشرة صالحون يستحقّون شفاعتك وصلاتك. فلأجل هؤلاء أنقذ الموارنة ممّا هم فيه، وعلّمهم أن يتاجروا بالوزنات التي أعطيت لكلّ منهم لا بالوطن الذي بنوه، وأن يشعلوا المصابيح وينتظروا الخلاص لا أن يحرقوا الأرض ويتخلّصوا من بعضهم بعضاً، وأن يكونوا أصحاب دور حضاريّ لا أصحاب طموح آنيّ، وأن يتحالفوا مع السماء لا مع الشيطان، وأن يفهموا النسك طريقًا للآخر وملجأ له لا انعزالا عنه وهربًا منه، وأن يعرفوا أنّ الحريّة بمعناها الحقيقيّ هي رسالتهم أينما وجدوا، وأن يفهموا أنّها لا تكون من دون ثلاثة: الشجاعة لكي تُمارَس، والمحبّة لكي لا تكون على حساب الآخر، والوعي لكي لا تكون غرائزيّة هوجاء.
فهلاّ تشفع للموارنة يا مارون ليستعيدوا المجد الذي كان لهم؟
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 8 شباط 2011



الأربعاء، 5 فبراير 2020

أين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟ (2010 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)


قطعُ الأشجار في وادي قنّوبين... اقتلاع تاريخ




* صحيفة النهار - الثلاثاء 4 أيّار 2010

     بعيداً عمّا إذا كانت المقارنة تصحّ بين الموارنة والأرمن باعتبار الاختلاف بين أن تكون المارونيّة مذهبًا لا قوميّة، وبين ما إذا كانت مسيرة الأرمن التاريخيّة محكومة بكونهم أبناء مذهب مسيحيّ أو بكونهم شعبًا لوطن له اسم وكيان وتاريخ. بعيدًا عن كلّ هذا، يمكننا أن ننظر إلى الشعبين كأقلّيتين مسيحيّتين تعرّضتا للاضطهاد أو المجازر، فتعاملت كلّ منهما مع الأمر بأساليب مختلفة، وكانت النتيجة أنّ الأرمن يحقّقون رغبتهم في الحصول على اعتراف بقضيّتهم وبالمجازر التي تعرّضوا لها ونجحوا في فرض وجودهم في دولة خاصّة بهم أو في مناصب رسميّة واجتماعيّة في الدول التي حلّوا فيها، في حين يتعرّض الموارنة لخيبة تلو أخرى. فأين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟

     1 - العامل الأوّل الذي جعل الأرمن ينجحون هو تكتّلهم في وحدة متراصة متضامنة. فعدا عن تجمّعهم في أماكن خاصّة بهم، شبه مغلقة من غير أن تكون منغلقة، حياديّة من غير أن تكون منعزلة، بقيت صلاتهم بعضهم ببعض قويّة مهما بعدت المسافات بين النازحين والمقيمين، وبين المهاجرين إلى الغرب والمتشبّثين بأرض الشرق. لذلك نراهم يتعاضدون ويتبادلون الخدمات مهما اختلفت آراؤهم في معالجة قضيّتهم الجوهريّة. وهذا ما لم يستطع الموارنة تحقيقه، فلا قضية واحدة تجمعهم، ولا تضامن بينهم، ولا صلات وصل قويّة وفاعلة بين المقيمين منهم في لبنان وبين المستقرّين في بلاد الانتشار. وفي حين يجذب الأرمنيّ سائر الأرمن الذين يعرفهم إلى حيث يعمل أو يقيم، نرى المارونيّ يهرب من الموارنة بذريعة الانفتاح ورفضًا لتهمة الانعزال، فكان الزواج من الأجانب وعدم السعي الى حمل الجنسيّة اللبنانيّة وبيع الأراضي.

     2 - العامل الثاني هو اللغة. فلقد اعتبر الشعب الأرمنيّ أنّ اللغة هي الرابط بين تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهي الجسر الآمن بينهم مهما تفرّق شملهم. وهذه اللغة تحمل حكاياتهم وأحلامهم وحضارتهم، ومن دونها لا بقاء لهم. في المقابل لا يملك المارونيّ لغة خاصّة به: فمن الآراميّة إلى السريانيّة إلى العربيّة إلى الفرنسيّة ثمّ الإنكليزيّة، تنقّل اللسان المارونيّ غير قادر على حسم أمر انتمائه. لذلك، يبدو من الطبيعيّ أن تطالب فئة من الموارنة بإعادة تدريس السريانيّة في المدارس المارونيّة لحفظ لغة الأسلاف، ويبدو من الطبيعي كذلك أن تنظر فئة مارونيّة أخرى إلى هذا الطلب متسائلة عن جدواه في وقت تكاد اللغة العربيّة نفسها تنقرض أمام هجمات اللغات الأجنبيّة أكانت غربيّة أم آتية من أقصى الشرق. ويرتبط باللغة حكمًا كلّ ما له علاقة بالتاريخ والتراث والفنون، ما يجعل الأرمني في ذلك قادرًا على استحضار ماضيه بكلّ ما فيه من خيبات وإنجازات، ويعجز المارونيّ عن تحديد هويّته الحضاريّة.

     3 - العامل الثالث هو العمل: فلقد فهم الأرمنيّ مذ طاولته يد الإجرام أن عليه أن يعلّم أولاده الناجين حبّ البقاء، في انتظار العودة إلى أرمينيا. لذلك، كان العمل هدفًا أساسًا لم يأنف الأرمني من السعي إليه مهما تدنّى مستواه أو ضؤل أجره. فعمل الشعب الأرمنيّ في كلّ المجالات، ولا يذكر أحد أنّه يعرف متسوّلاً أرمنيًّا. وهذا الإصرار على العمل بنشاط جعل الأرمن ينجحون في مجالات لا يمكن حصرها، حتى بات بعض الحرف والمهن حكرًا عليهم، وصولاً إلى مراتب عالية في الوظائف والإدارات. وهذا ما لم يفعله الموارنة الذين خرجوا من الوظائف الحكوميّة والإداريّة وتعالَوا عن الانضمام إلى الجيش وتخلّوا عن العمل في الأرض والحِرف، واكتفوا عمومًا بقطاع الخدمات حيث ينصاع الإنسان لأوامر من يدفع له أكثر، مما انعكس سلبًا على نفسيّاتهم التي صارت أسيرة مقيّدة بعدما كانت حرّة طليقة.

     فَهِم الأرمن بعد المجازر الرهيبة أنّهم ضحايا مؤامرات دوليّة وأنّهم أقليّة تعرّضت للإبادة أمام صمت العالم كلّه، ولذلك عليهم الاتّكال على قدراتهم والرهان على الوقت. أمّا الموارنة فآمنوا بأنّهم محور الأرض وأنّ سياسات الدول تبنى على قياس رغباتهم وأنّ السماء لن تتخلّى عنهم وأنّهم حاصلون على خبزهم لأكثر من يومهم ولو لم يعملوا أيّ شيء. وبنتيجة هذين الاقتناعين، تقترب المسألة الأرمنيّة من فرض نفسها في كلّ مكان وعلى كلّ الناس حتّى في تركيا نفسها وعلى المثقّفين الأتراك في الدرجة الأولى، بينما يفقد المثقّفون الموارنة الثقة يومًا بعد يوم بأهليّة زعمائهم وقادتهم الزمنيّين والروحيّين، ويجدون أنفسهم في دفاع سخيف عن قضيّة لا يعرفون ما هي في الحقيقة ولا كيف يقنعون غيرهم بها. وإن لم تكن هذه الحال نهاية الموارنة فثمّة خوف مشروع في أن تكون النهاية أقرب بكثير مما يظنّ المتعامون عن الحقائق والأرقام، والمتجاهلون واقع المجتمع.


الثلاثاء، 4 فبراير 2020

المسيحيّون اللبنانيّون بين معتقل العيب وحريّة المحبّة - 2018(من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

القدّيس مارون بريشة الفنّان مارون الحكيم


العائلات المسيحيّة، المؤسّسات المسيحيّة، المناسبات الاجتماعيّة المسيحيّة، محكومة، ما عدا استثناءات نادرة، بتلافي العيب لا بمعانقة المحبّة.
عيب أن يسمع الجيران أصواتنا، عيب ألّا ننتخب فلانًا، عيب ألّا نشارك في مأتم أو عرس، عيب ألّا يكون بيتنا على مستوى الزائرين، عيب أن تكون سيّارتنا قديمة الطراز، عيب أن يتخصّص أولادنا في المجال المهنيّ، عيب أن نرتدي الثوب نفسه مرّتين...عيب ألّا نأتي بخادمة... عيب أن أضع والدي في بيت العجزة، عيب ألّا يكون على المائدة مئة صنف من المازة، ...
عيب وشو رح يقولوا الناس، وجرصة، ومش ناقصنا حكي، استرونا،...خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح، وغيرها من العبارات والكلمات التي تفضح طبيعة قائليها وخلاصتها أنّ الخوف من كلام الناس هو الذي يدير شؤون حياتنا، فلا محبّتنا لهم تجعلنا نهتم بهم، ولا محبّتهم لنا تطمئننا إلى أحكامهم، وبالتأكيد لا علاقة لله بكل ذلك.
ولكن الكارثة هي حين تغيب المحبّة ويتغاضى الإنسان عن العيب، عند ذلك نصير على ما نحن عليه الآن: لا حدود للعهر والخبث والكذب، ولا ضوابط للأخلاق، ولا موانع تقف سدًّا أمام الفساد والشرّ.
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يكره سياسيّ مسيحيّ سياسيًّا آخر ثم يتناولان القربان المقدّس نفسه؟ أين هي المحبّة المسيحيّة حين تضرب حاملة شهادة اللاهوت أباها وتطرده من البيت، وحين يتقاتل الأشقّاء على الإرث، وحين لا يتخاطب اثنان وهما خارجان من القدّاس نفسه، وحين يغار كاهن من آخر ويحقد عليه، وحين يرتشي الموظّف ثمّ يذهب إلى الكنيسة كأنّ شيئًا لم يكن؟
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يعمّ الفساد في المستشفيات والمدارس والجامعات؟ وحين تسرق أموال الفقراء في المؤسّسات الخيريّة الإنسانيّة؟ وحين تهدر أموال الكنيسة على ما لا يضمن بقاء المسيحيّين؟ وحين يُقتل الشهداء مرّة بعد مرّة؟
أين هي المحبّة المسيحيّة، جوهر الإنجيل، والموضوع المفضّل في عظات الكهنة من كلّ ذلك؟
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت حين تلجأ إلى كاهن شاكيًا أمرًا أو طالبًا خدمة يحوّلك إلى الصليب الأحمر أو الطبيب النفسيّ أو القوى الأمنيّة؟ فهو ليس حلّال مشاكل ولا حائط مبكى! ويللي مش عاجبو مع السلامة...
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت إن نظرت إلى معلّم مسيحيّ رأيت النقمة، وإلى طبيب مسيحيّ رأيت الغرور، وإلى مهندس مسيحيّ رأيت الزعبرة، وإلى محام مسيحيّ رأيت السمسرة، وإلى قاض مسيحيّ رأيت الظلم، وإلى موظّف مسيحيّ رأيت الرشوة، وإلى مصرفيّ مسيحيّ رأيت الجشع، وإلى رجل أمن مسيحيّ رأيت الغضب، وإلى إعلاميّ مسيحيّ رأيت الزحفطونيّة، وإلى عامل مسيحيّ رأيت الكسل، وإلى طالب جامعيّ مسيحيّ رأيت طلب هجرة؟
***
لا يحتاج المسيحيّون اليوم إلى مجامع لاهوتيّة تقرّب وجهات النظر، أو مؤتمرات تأسيسيّة تدرس الهيكليّة التنظيميّة، أو حركات تصحيحيّة تبعد فلانًا وتعيد فلانًا، أو مساءلة في روما وتحقيق. وبالتأكيد لم يعودوا في حاجة إلى أحزاب وعقائد وتيّارات، بعدما أثبتت كلّها فشلها في حلّ الأزمات أو على الأقلّ إدارتها.
مسيحيّو لبنان في أمسّ الحاجة اليوم إلى لقاء روحيّ لا فضل فيه، إلّا بالتقوى، لرجال الدين على علمانيّين مشهودٍ لهم بالحريّة والشجاعة والالتزام، بهدف العودة إلى جوهر المسيحيّة؛ وإلى خلوة فلسفيّة فكريّة اجتماعيّة تنظّف المسيحيّ من أدران الحروب وتبعات الشرذمة؛ وإلى انتفاضة تأريخيّة تعيد النظر في مفاهيم البطولة والقداسة والشهادة، فتنفض الغبار عن الفكر المضطَهد وتعتذر عن الأخطاء/ الخطايا.
مسيحيّو لبنان اليوم في حاجة ماسّة اليوم إلى مؤسّسة رسوليّة جامعة تنشر الكتب وتكرّم الشعراء والروائيّين والصحافيّين، إلى رجال اقتصاد يوزّعون فرص العمل ويعالجون البطالة ويستفيدون من ممتلكات الكنيسة لما فيه خير الجميع، إلى وسائل إعلام تستضيف نساء ورجالًا يملكون مواهب وأفكارًا تحرّك المياه الراكدة في مستنقعات الحياة.
هل هو كلام طائفيّ محدود النطاق؟ لا، بل هي دعوة لطائفة أعرف تاريخها ومزاياها بقدر ما أعرف أخطاء كثيرين من مسؤوليها وأتباعها لكي ينظّف أبناؤها حياتهم الروحيّة وبيوتهم الروحيّة ومؤسّساتهم الروحيّة ليستطيعوا بعد ذلك أن يطلبوا من الآخرين أن يحذوا حذوهم، فيلتقي الجميع في بوتقة المواطنيّة.
فهذا التكوين اللبنانيّ القائم على التقويم الطائفيّ لن يحلّ أزماتِه المغرقة في التاريخ والجغرافيا زواجٌ مدنيّ، أو تحسم أموره ثورة نعلم كلّنا أنّها لن تجتمع على هدف. ولعلّنا مدعوون إلى حركة تحرّر داخليّة، تعيد ما لله لله كي نستطيع في مرحة لاحقة أن نعطي القيصر ما له.
وإلّا، وبعدما تحوّلت المحبّة تهمة سذاجة، وبعدما صار العيب موضة بائدة، على المسيحيّين أن يكفّوا عن الشكوى والنقّ، وعلى زعمائهم السياسيّين أن يخجلوا من الحديث عن بطولات وهميّة، وعلى قادتهم الروحيّين أن يتوقّفوا عن التطلّع إلى سماء لا تنحصر اهتماماتها بالهمّ المسيحيّ اللبنانيّ!  

الاثنين، 3 فبراير 2020

استقالة مارونيّة شبه جماعيّة (2018)



الموارنة – ما عدا قلّة منهم تقاوم حتّى الشهادة كي تبقى الخميرة الروحيّة والخمرة الجيّدة – مستقيلون من دورهم، دورهم الوحيد المطلوب منهم بلا حصريّة أو تقوقع: أن يكونوا جماعة نسك وحريّة وعِلم.
أساقفتهم وكهنتهم وراهباتهم مستقيلون: يريدون كلّ شي وهم يردّدون أنّهم لا يريدون شيئًا: يريدون الرسالة والوظيفة والشهادة والسفر والحياة الاجتماعيّة وتأمين العائلة فلا يجدون وقتًا لحوار لا يؤمنون مسبقًا بأنّهم منتصرون فيه. مشغولون دائمًا بألف همّ وهمّ، ما يوتّر أعصابهم ويبعدهم عن سكينة لا تستقيم حياة روحيّة من دونها. مهتمّون بأمور كثيرة والمطلوب واحد. يعطون لقيصر ما له حين يكون القيصر من حزبهم، ويقاسمونه حين لا يناسب تطلّعاتهم. مدّعو معرفة وفَهم كأنّهم وحدهم يملكون الحقيقة. لا وقت عندهم لحلّ مشكلة عائليّة، ينأون عن حاجات الناس، يحكمون كدكتاتوريّين على أساس أنّهم غير منتخبين ولا رأي للجماعة في أدائهم إن في الرعيّة أو المدرسة أو الجامعة أو المستشفى... نفّذ ثمّ اعترض ... وفي أكثر الأحيان لن تجد مجيبًا مهما اعترضت. إن بان عليك تعب أو قلق أحالوك إلى طبيب أمراض عصبيّة، إن تشاجر أخوان يوجّهونهما إلى القوى الأمنيّة، إن كنت فقيرًا وجّهوك إلى وزارة الشؤون الاجتماعيّة، إن كنت ثريًّا أجلسوك في صدور مجالسهم، إن طالبتهم بحقوقك قالوا لك: لا تكنزوا في الأرض، ولا يهمّكم ما تأكلون وتشربون، وإن زايدت عليهم في الترفّع عن الأمور الماديّة قالوا لك: القانون لا يحمي الأغبياء، وكونوا حكماء كالحيّات. على مزاجهم أنت ابن الدولة، وعلى مزاجهم أنت ابن الكنيسة. مؤسّساتهم الإعلاميّة تجذب العجزة والمرضى ولا تطلق ثورة. كنائسهم صالونات فسيحة لا هويّة واحدة لها. 
أمّهاتهم وآباؤهم مستقيلون: الفقراء ينجبون ويرمون على طرقات الغربة، والأثرياء ينجبون ويرمون في المدارس. خذوهم عنّا، هي عبارتهم الأثيرة، وردّوهم إلينا حملة شهادات. كان ينقصهم الهواتف الخلويّة، والنوادي الرياضيّة والرحلات السياحيّة ومن يؤمّن لهم الخدمة المنزليّة، كي يكتمل اغترابهم عن أولادهم وأرضهم. لغتهم هجينة، تصرّفاتهم مستوردة، صلواتهم واجب بين الترويقة والغدا... يَصِلون إلى القدّاس متأخّرين، يتأفّفون إن لم يجدوا مقعدًا يعجبهم، يستعجلون الانصراف، وفي خلال كلّ ذلك أولاد يصخبون ويلعبون والحجّة أنّ المسيح قال: دعوا الأطفال يأتون إليّ. عبارة وحيدة يحفظونها من غير فهم ومن خارج السياق. غير ملتزمين بأرض أو هويّة أو وطن، متنكّرون لتاريخهم وتراثهم وأهلهم، متسكّعون بين المتاجر، كانوا يربّون الماعز ويتخلّقون بأخلاقها العنيدة الأبيّة صاروا يربّون الكلاب ويكرّمونها وينظّفون قذارتها. أسنانهم أكثر بياضًا من قلوبهم، سيّاراتهم أكثر حداثة من أفكارهم، ملابسهم أكثر أناقة من أخلاقهم. أولادهم مدمنون، طائرون في سيّارات، مثليّون من باب التجريب والتحدّي والموضة، لا قيمة عندهم لكتاب أو شجرة أو التزام. صناعاتهم وحرفهم إلى زوال، حقولهم دائمًا مطروحة للبيع، زراعاتهم موضة بائدة قديمة، مدارسهم وجامعاتهم تجارة، فنّانوهم الأصيلون مهمّشون، والمزيّفون مغنّون في بلاطات الأثرياء، مفكّروهم منسيّون، أحرارهم مضطهدون، شهداؤهم يموتون كلّ يوم، أحلامهم هجرة، وآمالهم ثروة سريعة، وطموحهم وظيفة في دولة عربيّة غنيّة، أعراسهم ومآتمهم تجارة وثنيّة، يثرثرون أكثر ممّا يقرأون، بيوتهم من زجاج، نساؤهم من سيليكون، أطفالهم من كوكا كولا، رجالهم من تَنْبك.
وما سياسيّوهم سوى انعكاس أصيل لهذا المجتمع الهجين.
وكلّ من يرى غير ذلك متعامٍ عن الحقيقة، ينظر ولا يرى، يسمع ولا يصغي... يعيش على بقايا تاريخ من القداسة والانتصارات، يستعيدها يومًا بعد يوم، وعظة بعد عظة، لعجزه عن إحداث ثورة روحيّة فكريّة ثقافيّة حضاريّة.
والآتي أخطر...

الأحد، 2 فبراير 2020

ترانيم الآلام في الطقس المارونيّ تؤرّخ مسيرة الاضطهاد (2 شباط 2020)



    يسيطر الشجن والأسى على الترانيم والتراتيل المارونيّة السريانيّة، ولا يكفي أن يحتفل المؤمنون بالميلاد أو الفصح أو يصلّون للعذراء كي تخفّ نبرة الشكوى. فلا الترنيمة الميلاديّة "أرسل الله ابنه الوحيد" تصدح بالفرح، ولا طلبة الفصح التي تبدأ بمريم كفّي البكاء تكفي لمحو آلام الجمعة العظيمة، ولا ترنيمة "إليك الورد يا مريم" تبعدنا عن واقع مأساوي بكلمات مثل: على الأبواب أطفال/ لهم في العمر آمال/ يذوب القلب إن قالوا/ جودوا علينا/ فإنّ الجوع يضنينا...
    ومع ظهور قدّيسين جدد كشربل ورفقا والحرديني وغيرهم، نظمت لهم ترانيم وتراتيل، على ألحان تراثيّة معروفة، حزينة الإيقاع، شجيّة النغم، وكلّها تشي بحال الأسى وانتظار الخلاص وطلب المساعدة، كأنّ المسيح لمّا يأتِ بعد، ولبنان لم يكن يومًا ملجأ أمينًا.
    لذلك تبدو هذه الصلوات صوت جماعة متواضعة الثقافة لا فلسفة ولاهوت يعيقان فهمها، تصدر عن حرقة ولوعة لا عن عظمة وانتصار ولا عن مجد يُفترض أنّه للبنان وأعطي لهذه الطائفة.
     وأرى أنّ دراسة هذه الترانيم والتراتيل، بكلماتها وألحانها، وبغض النظر عن تأثيرات مشرقيّة مختلفة، أو لاتينية متنوّعة المصادر، سيوضح كيف أنّها، أي هذه الترانيم والتراتيل، إنّما هي صورة عن الواقع المارونيّ ببعده السياسيّ المأزوم دومًا، والاجتماعيّ المنطلق من بيئات زراعيّة فقيرة. ولافت كيف أن بعض الترانيم المستوردة بألحانها "تمورن" أي صار مارونيًّا، أي حزينًا، بطيء الإيقاع، مقطوع النفس، كأنّ من يؤدّيه عانى الأمرّين.
    وللدلالة على ذلك، ليس كترانيم الآلام المارونيّة العتيقة التراثيّة، بكلماتها البسيطة ولحنها الشجيّ، ما يصلح لوصف الوضع المارونيّ ماضيًا وحاضرًا وأكاد أقول مستقبلًا.
    فحين أسمع "يا شعبي وصحبي" تصل إليّ من خلال كلماتها أصوات جماعة مضطهدة تهرب في وادي قنّوبين من مغارة إلى أخرى. وإذا بحثتُ عن صوت المصلوب فيها فلا أسمعه سوى من خلال حزنه على مصير هؤلاء الناس أكثر من حزنه على مصيره.
    وحين ينطلق الصوت بعبارة "أنا الأم الحزينة"، لا تطالعني صورة مريم عند الصليب، بل لوحات للأمّهات المارونيّات يندبن، جيلًا بعد جيل، أولادهنّ المأخوذين أسرى، الممزّقين بين أحزاب وفئات ومناطق وتيّارات، الباحثين عن بلدان بعيدة عن هذه الأرض تأويهم وتحميهم...
    وحين تنادي الأمّ الحزينة "وا حبيبي"، أسمع أصداء الحزن في أجراس الكنائس، تتردّد في الأودية المهدّدة في كلّ زمن بغاصب أو مجتاح أو محتلّ... أو فاسد يبيعها أو يشوّهها!
    وحين يعلن المرنّمون أنْ "مات المسيح معذّبًا" قبل أن يقولوا "قامت مريم تندب ابنها"، تجيب الجبال بأسى: أما من نهاية لهذا الندب؟ أما من حظيرة آمنة لهذا القطيع التائه؟
    ما أعرفه عن تراتيل الآلام عند غير الموارنة – ولا أدّعي الإحاطة بها – لا تثير الشجن والحزن اللذين تنضح بهما رتبة الآلام عند الموارنة. فهل هو تاريخ هذه الطائفة يضع نقاط الدم فوق حروف المعاناة، أم هي لوعة البسطاء تفيض دمعًا في كلمات تعبّر عن سوء حظّهم بزعمائهم ورعاتهم عبر تاريخهم الطويل؟
    لقد باءت بالفشل محاولات كثيرة قامت بها الكنيسة لتجديد كلمات رتبة الآلام، والتذكير بأنّها آلام خلاصيّة تنتهي بالقيامة. وفي حين استطاعت بعض الترانيم اختراق الموروث، بقيت الذاكرة  الشعبيّة الجماعيّة حريصة على استعادة دربِ صليب مشته الطائفة مرغمة بين معابر الجغرافية ودروب التاريخ، بحثًا عن وطن لا يزال مفقودًا.
    ولكن الترانيم الجديدة كذلك لم تنجُ، لكونها لصيقة بالموسيقى المتوارثة أو مستوحاة منها، من تأثير وجعٍ يعصر القلب، ويتّخذ من موت المسيح مناسبة للتفجّع على الأحوال، وإن بكلمات شعريّة مختارة ومضمون أكثر انسجامًا مع اللاهوت.
    ولكي تكتمل صورة الفجيعة، تزدحم الكنائس بالناس. حتّى أولئك الذين يغيبون عادة عن الاحتفالات الدينيّة، يحضرون للمشاركة في مأتمٍ تَدفن فيه هذه الطائفةُ أملها بالخلاص، وترتدي النساء أثواب الحداد، اعترافًا بموت جماعة يُخشى ألّا تكون بعده قيامة.
    نعم، ثمّة حزن طاغٍ يتعارض مع أبسط شروط الإيمان بقيامة تمّت لحظة الصلب. ولكن متى وضعنا حزن هذه الترانيم في إطار الجماعة المضطَهدة عبر العصور فهمنا سبب هذا الندب والعويل والعتب والتساؤل عن مصير ظالم غير مبرَّر، يبدو فيها المسيح ناطقًا باسم جماعة تدفع ثمن انتمائها إليه.
    وأرجّح أن تبقى هذه الترانيم لصيقة بالوجدان المارونيّ لا من باب المحافظة على التراث، والتراث عرضة للزوال والتشويه، بل لأنّ الواقع يزداد مرارة، ودرب الصليب تطول وتصعب، في حين تسهل دروب الهجرة وتنفتح مشرعةً أبوابُ اليأس.

السبت، 1 فبراير 2020

الموارنة بين قنديل الكاز وبئر النفط (2014 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

من أقدم الصور لمزار السيّدة العذراء في  حريصا - لبنان


قبل وزارة الزراعة، كان الموارنة يروّضون الوعر ويحوّلون الجبال جلولًا...

قبل وزارة الصحّة، كان الموارنة يلجأون إلى الرهبان والراهبات القديّسين والقدّيسات طالبين  الشفاء...

قبل وزارة التربية، كان الموارنة يتحدّون العثمانيّين ويهرّبون إلى الشرق أوّل مطبعة، ويعلّمون الفتيات والصبيان القراءة والكتابة...

قبل وزارة العمل، كان الموارنة يعملون في المعامل والمصانع وتجارة الحرير وتجارة الكشّة...
قبل وزارة الدفاع، كان الموارنة مقاومين مقدامين...

قبل وزارة الخارجيّة كان الموارنة يتمثّلون في الخارج بالأدباء والشعراء والمفكّرين...

قبل وزارة الطاقة كان الموارنة يدرسون ويسهرون على قنديل كاز نمرو 4...

موارنة اليوم يزرعون الريح، ويتعالجون على نفقة زعيم المحلّة، ويربّون أولادهم على الحلم بالهجرة، ويأنفون العمل اليدويّ، ويشجّعون على الهجرة... 

فهل صار النفط طاقة الأمل الوحيدة في ليل فكرهم، ونحن شهود على ما أنتجته "حضارة" الذهب الأسود وملحقاته؟

موضوعات ذات صلة:

الجمعة، 31 يناير 2020

الموارنة والإعلام (2014)


رسالة أولى إلى مار مارون - عن الإعلام (1 من 9 حلقات)

     أنا المارونيّة العنيدة – وبحسب فهمي لدور الموارنة في المشرق والعالم - لا أجد وسيلة إعلام تمثّلني، ولا أرى في أيّ إعلان ما يثير اهتمامي.
     اليوم الأحد مثلًا، في نشرة أخبار LBCI، تقرير بالتفاصيل المعيبة عن تحرّش المخرج الهوليوديّ وودي آلان بابنته بالتبنّي. والداي العجوزان كانا في حال صدمة واشمئزاز، وهما يسمعان ما لا يفهمان أهميته في حياتهما اللبنانيّة المرتبطة بالتهديد بالسيّارات المفخّخة، والخوف على مصير أولادهما وأحفادهما، وشحّ المياه، وتقنين الكهرباء، وغياب ضمان الشيخوخة، وكلفة الوصفات الطبيّة لأمراضهما، وغير ذلك من أعباء الحياة.
     فكيف أشرح لوالديّ أنّ الـ LBC و MTVو OTVمحطّات تلفزيونيّة لا علاقة لها بمارونيّتهما واهتمامهما وهمومهما؟ كيف أشرح لنفسي أن لا وجه شبه بيني وبين هذه المؤسّسات التي تصرّ على أنّها ناطقة باسم المسيحيّين؟ وكيف أشرح لبنات أختي الشابّات أنّ تيلي لوميير ليست لأعمارهنّ، بل للمرضى في المستشفيات، وللعجزة في دور المسنّين، وللعاجزين عن السهر خارج المنزل أو فهم ما يجري على المحطّات الأخرى؟
     لا تمثّلني محطّات لا علاقة لها بالفكر والحريّة، ولا تمثّلني صحف لا تفتح صفحاتها إلّا للعهر السياسيّ والسمسرة والتحريض، ولا تمثّلني إذاعات تلوّث الهواء بالثرثرة العقيمة أو الوعظ المملّ.
     ولا علاقة لي بوسائل إعلام وإعلان رأسمالها سيقان، ورصيدها صدور، وموهبتها اجترار، ونقاط قوّتها نكران جميل المؤسّسين وتجاهل المثقّفين، وبضاعتها مآسي الناس وفضائح الجنس، وأهدافها غسيل الأموال والعقول، وخطّة عملها إبعاد المبدعين وتقريب مدّعي القراءة والكتابة.
     لا تمثّلني وسائل إعلام عملها التشهير والشهرة، وإثارة الغرائز الدنيا، وتشويه الجمال، والإضاءة على العهر، والتعتيم على الفكر، والترويج للصراخ والشتائم والتضارب، وإطلاق النكات البذيئة، والسخرية من كلّ شيء وأحد.
     لا تمثّلني وسائل إعلام لا لغة معروفة لها، ولا هويّة، ولا رسالة، ولا أفق، ولا بُعد نظر، ولا سياسة واضحة...
     لا تمثّلني وسائل إعلام تُعلمني بما أعرفه، وتخفي عنّي ما يجب أن أطّلع عليه...
     لا تمثّلني وسائل إعلام هي مسيحيّة قبل الظهر، وعلمانيّة بعد الظهر، وملحدة في المساء...
     لا تمثّلني وسائل إعلام تنتظر الجريمة بلهفة الحيوانات آكلة الجيف، وتلاحق الضحيّة، وتتسابق في عرض مشاهد العنف والموت...
     لا تمثّلني وسائل تمنع العقل عن الحمل، وتعقّم الخيال، وتقتل العاطفة...
     لا تمثّلني وسائل تمثّل بالمشاهد والقارئ والمستمع وتمثّل على الجميع...
    فيا أيّها الناسك مارون، يا من تاجر هؤلاء بك، واستغلّوا اسمك، وادّعوا أنّهم أبناؤك، لاحظ معي أنّهم لن يذكروك قبل الأحد المقبل، حين يحتفلون بعيدك (9 شباط) على شاشاتهم المخادعة، وفي مقالاتهم المستعادة، قبل أن يعيدوك إلى كتب التاريخ المنسي في مغارة نسكك...
وغدًا أخبرك عن التربية... 

كان يجب أن يكون ترامب (2016)


كان يجب أن يكون ترامب...
كلّ ما حدث ويحدث يقود إلى أن يكون دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدّة الأميركيّة.
كلّ ما تعرّضنا له، على الصعيدين الشخصيّ والعامّ، كان ينذر بوصول شخص على مثال ترامب إلى سدّة الرئاسة في إحدى أقوى الدول وأكثرها تلاعبًا بشؤون الأمم والشعوب.
كلّنا أوصلنا ترامب إلى حيث هو لنصل معه إلى أعلى درجات الجنون، وننحدر معه إلى أدنى دركات الانحطاط، وما بين الصعود والهبوط تأرجح يودي بالحضارة.
فتلال النفايات المرتفعة والجبال الخضراء المكسّرة... أوصلتنا إلى ترامب.
والإعلام الغبيّ... ابن ترامب.
وبرامج "المسخرة" والاستهزاء... صنيعة ترامب.
والصحافة التي تطرد صحافيّها لينعم مؤسّسوها وورثتهم بالترف... ربيبة ترامب.
والمعلّم الذي يعطي ساعات من الدروس الخصوصيّة تفوق حصص التعليم في الصفّ... لا شيء يميّزه عن ترامب.
والأمّ التي لا وقت لديها لتجلس مع أولادها وهم يدرسون... تربّي أشباه ترامب
والشاعر الذي استدان المال بحجّة أمّه المريضة، ثمّ ذهب إلى قبرص للزواج من صديقته اللاجئة... قادنا إلى ترامب.
وحمَلة الشهادات الذين ينزلون إلى الشارع ليصفّقوا لزعيم لم ينظّف بلدهم من النفايات... نزلوا بنا إلى مستوى ترامب.
والكتب المتروكة على رفوف المكتبات طعامًا للغبار والرطوبة والعفن... تنبّأت بوصول أمثال ترامب.
والآباء الذين يأكلون حصرمًا قبل أن يصير عنبًا حلوًا يأكله الأبناء... هم آباء ترامب وأجداده.
والأشقاء الذين يرون في الأخوّة شراكة إرث... هم إخوة ترامب بالرضاعة من ثدي الجشع.
وعائلات الزعماء وأتباعهم، مكتسحو القصور والوظائف... هم أشباه ترامب.
والمؤسّسات التربويّة بواجهاتها التجاريّة الفاخرة... تخرّج دفعات من تلامذة يسيرون على خطى ترامب.
والمستشفيات التي يموت الفقراء على أبوابها... كان أمثال ترامب يولدون في أجنحتها الخاصّة.
ورجال الدين الذين يغتصبون الأطفال والرواتب والعقول... تركوا ربّهم وعبدوا من هم على صورة ترامب ومثاله.
نعم! كلّ ما حصل ويحصل كان يجب أن يعلمنا بأن لا بدّ من الوصول إلى قعر القاع
أن يحكم العالمَ مجانين لا شعراء
أن يقود الناسَ أغبياء لا أتقياء
أن يعمّ الخراب الفكريّ، والخواء الروحيّ
نعم، كان يجب أن يكون ترامب رئيسًا في هذه المرحلة... كي تؤمن بأنّك محقّ في يأسك وقرفك!
نعم، كان يجب أن تكون هيلاري كلينتون منافسته في هذه المرحلة... كي تؤمن بأنّ سبب غثيانك ليس أمرًا عضويًّا!

الأحد، 8 ديسمبر 2019

وأنا أيضًا معارضة - جريدة النهار - الاثنين 7 نيسان 2005



بلى، أنا أيضًا معارضة ورافضة وثائرة.
أنا أعارض الفوضى والغوغائيّة وانعدام الرؤية،
وأرفض لغة الشارع والخطابات الهوجاء وإثارة الغرائز،
وأثور على الادّعاء والكذب والخبث،
أنا أعارض الكسل والاتّكاليّة والتراخي،
وأرفض حرمان المرء من أبسط حقوقه، والتعدّي عليه بالكلمة والنظرة واللمسة،
وأثور على المنادين بالمثَلَين القائلَين: الفاجر بياكل مال التاجر، والشاطر بشطارتو،
أنا أعارض الوقاحة والدعارة والفحش،
وأرفض حديث العاهرات في التربية والأخلاق، وكلام السياسيّين في نظافة الكفّ، وعظات رجال الدين عن الصبر والحرمان،
وأثور على سارقي الأفكار، ومغتصبي المناصب، ومستغلّي السلطة،
أنا أعارض التغيّب عن العمل تكاسلًا وتمارضًا،
وأرفض غياب الثواب والعقاب،
وأثور عندما يموت الضمير المهنيّ،
أنا أعارض أن تبثّ الشاشات كلّ شيء بحجّة إرضاء كلّ الأذواق، وأرفض أن يتساوى الغثّ والسمين،
وأثور عندما يموت فنّان جائعًا ومريضًا ومحرومًا من أبسط حقوقه كإنسان مبدع،
أنا أعارض الاحتلال والاعتداء على السيادة،
وأرفض غياب التخطيط،
وأثور عندما يذهب "الشبعان" ويأتي "الجوعان"،
بلى، أنا معارضة ورافضة وثائرة... وخائفة.
أخاف من موجات التفاؤل التي أراها حولي، وأخشى الأحلام والوعود، وأموت رعبًا من احتمال التغيير لأنّه قد يكون نحو الأسوأ.
وأخاف من الشعارات الكبيرة لأنّها تشبه موجات التسونامي السيّئة الذكر، تجرف معها كلّ شيء، ولا تنفع أمامها سدود الفكر أو حدود المنطق.

السبت، 7 ديسمبر 2019

من سيشتري كتابًا عن الفقراء؟ الجمعة 19 كانون الأول 2008



حين دعا أنسي الحاج إلى الحريّة الجنسيّة، فهم الناس كلامه خطأً، وانطلقت ثورة هي أقرب إلى العهر منها إلى المصالحة مع الجسد، فتحرّرت النساء من ملابسهنّ وتخلّص الرجال من رجولتهم، وبدأ عصر الأجساد العارية في أماكن، والمحجّبة في أماكن أخرى. أمّا الحريّة الحقيقيّة، أكانت في الفكر أم السياسة أم الجنس أم الدين، فلا تزال تبحث عن مكان لها في عالم اعتاد استيراد الأفكار وترجمة الشعر ونسخ الروايات وتقزيم الله.
منذ أن كان في صحيفة «النهار»، وأنسي الحاج يدعو إلى الكتابة عن الفقر، وحين كنت لا أزال أعمل في المجال التربويّ، استفدت من هذه الكتابات واستعنت بما اختاره من أقوال عن الفقر، وصنعت منها لوحة جداريّة كبيرة مع صور عن الفقراء في لبنان والعالم، وعلقتها على أحد جدران المدرسة كي يراها التلاميذ. فما كان من المرشد الروحيّ في تلك المدرسة الكاثوليكيّة وهو كاهن لم يسمع باسم أنسي الحاج ولا بسواه من الشعراء والأدباء إلا أن طلب نزعها لأنّها تؤلم النفوس البريئة وتسرق منها فرح الأعياد. 
ما أخشاه من دعوة أنسي الحاج إلى كتابة روايات عن الفقر تحوّل الأمر إلى عكس ما أراده، فتبدأ المتاجرة بآلام الناس وأوجاعهم وأمراضهم وفقرهم، ويتحوّل الفقراء إلى سلعة في مزاد علنيّ كبير يتنافس الشعراء والأدباء في تسجيل أعلى نسبة ربح فيه.
أليس هذا ما حصل مع موضة الحريّة الجنسيّة، فصارت الروايات مشرحة ملأى بالأعضاء الجنسيّة بلا جمال أو حياة؟
أوليس هذا ما حصل مع موضة الأغاني الوطنيّة حين كتب الشعراء للبنان وعن لبنان كميات من القصائد والأغنيات يفوق عددها عدد سكّان لبنان؟ 
أوليس هذا ما حصل للجنوب المسكين حين انهالت عليه الأناشيد والتحيّات والدواوين والروايات حتّى فاق عددها عدد القنابل التي رمتها إسرائيل على ترابه؟وفلسطين، ألم يحوّلها بعض تجّار الكلمة إلى موضة على الجميع ارتداء كوفيّتها وإلا كانوا أعداء العروبة والقضيّة؟
الحرب اللبنانيّة نفسها لم تستفزّ الشعراء والأدباء بعد لكي يكتبوا عنها من الناحية الإنسانيّة العميقة بدل تلك اليوميّات والمذكّرات والبيانات الحزبيّة، وكلّها يشير إلى مواقف متّخذة سلفاً من ذلك الحزب أو تلك الطائفة، ولا تقبل النقاش أو النقد أو وجهة النظر الأخرى.
منذ فترة وأنا أحاول «إهداء» مجموعة نصوص تصلح للغناء وتدور حول مواضيع الفقر والأمراض والوحدة والطفولة المشرّدة والهجرة، ولم تجد هذه النصوص أذناً صاغية، ولو كانت تقدمة منّي ولا تبغي ربحاً سوى الانتقال بالأغنية إلى مكان آخر غير الذي صارت إليه اليوم.
من سيشتري كتاباً عن الفقراء يا أستاذ أنسي؟ الأغنياء؟ بالطبع لا. الفقراء؟سيفضّلون عليه الرغيف. الفقر لا يجذب الأموال أو الشهرة أو الترجمة إلى لغات الأرض، السياسة قد تفعل والجنس بالتأكيد يفعل، والاقتتال الطائفيّ موضوع مربح، أمّا الفقر فلا يجلب إلاّ الفقر كما المال يجرّ المال.
في مقالة لي في صحيفة «البلاد» البحرينيّة، تحدّثت عن الفقر في بلاد لا أعرف إن كان فيها متسوّلون أو فقراء، وقلت تحت عنوان «من ليس له يطلب منه» ما معناه أنّ وسائل الإعلام تطلب من الفقراء احترام البيئة وعدم الهدر في المياه والطاقة الكهربائيّة. ولكن الفقراء لا يقرأون الصحف، والكتابة عن الفقر للمرتاحين إلى أوضاعهم وفي أوضاعهم، قد تجعل صاحب المؤسسة يقول لك: توقّف عن هذا «النقّ»، الجمهور مش عايز كده، وإن لم تصدّقني تذكّر كيف ماتت ليلى كرم.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.