‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابي رسائل العبور - 2005. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابي رسائل العبور - 2005. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018

المقيم فيّ (النصّ العاشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


Emile Vernon
1919 - 1872

خرج الرجل من تحت جلدي في ما يشبه الولادة المتعسّرة: في ألم وأمل!
ولكن حين امتلك هذا الكائن خصوصيّته، علمت أنّ الحبّ وحده لن يكفي للتعامل معه. بل تحتاج العلاقة إلى كثير من الحكمة والحريّة والمسافة، والقسوة أحيانًا. وعرفت، من دون أن أعرف كيف، أنّ ذاك الذي أسميته العابر احترامًا لكينونته وقدره هو المقيم المقيم. وهو الذي أدركت وجوده قبل أن يوجد. وهو الذي يجب أن أستعدّ دائمًا لمزاجيّة تحوّلاته.
ولعلّ أكثر ما يزعجني في مثل هذه التحوّلات عجزه عن الكلام حين تكون هذه اللغة هي الوحيدة المتاحة. ليس الكلام في المعنى الحرفيّ للكلمة، فنحن قد نثرثر لساعات، متناولَين تفاصيل اليوم، ومتبادلَين أحداث النهار وبدايات الليل، كلّ في مكان عمله، مع الطارئين على الحياة أو الثابتين فيها. ولكن ما أقصده هو الكلام النابع من الداخل والمعبّر عن مشاعر أو أفكار أو حاجات حميمة. كأنّما المر يحتاج إلى مزيد من الثقة بالآخر الذي هو أنا، أنا التي تشعر مرّات كثيرة أنّها الدخيلة الغريبة البعيدة المؤقّتة الهامشيّة العابرة. وهذا ما أتأكّد منه كلّما أصابه الندم بعد كلمة عميقة تفلت منه، أو عندما يطلق تعليقًا يزيل الحجب عن مكامن القلق فيه، أو عندما ينقل خبرًا كان من الأفضل ألّا يشير إليه، مع أنّ هذا الخبر يكون في أكثر الأحيان بسيطًا، عاديًّا، طبيعيًّا، متوقّعًا ومعروفًا. يصيبني عندئذ حزن غريب عمره آلاف السنين وأشعر بأنّي صغيرة وعاجزة ووحيدة، فتنكسر الأشياء والأصوات، ويغرق العالم في صمت ما قبل الصلب.
ومع ذلك فلا أعتقد أنّ هناك من هو أكثر وحدة من صديقي، هذا الذي يحبّ أن يصوّر نفسه وكأنّه أكثر الرجال شعبيّة، وقدرة على التواصل، وموهبة في التعاطي بالشأن العامّ، وذو براعة اجتماعيّة تخوّله الانسجام مع أصعب أنواع الناس.
وهذا كلّه صحيح، فلا أعتقد أنّ ساعات النهار والليل تكفي لينهي واجباته العائليّة، أو ليلبّي الدعوات الاجتماعيّة، أو ليشارك في المتاح أمامه من نشاطات فكريّة وثقافيّة. ولكنّ ذلك كلّه لم يقنعني بأنّه ليس إنسانًا وحيدًا وحزينًا. ألا يمكن أن يكون الأمر كلّه مجرّد رغبة منّي في أن أراه هكذا، كي أجد حاجة ماسّة إلى وجودي في حياة ممتلئة أساسًا بناس كثر، حتّى أنّي أتساءل إن كان غيابي أو حضوري سيشكّلان فرقًا.
منذ زمن بعيد وأنا اشعر بأنّ ثمّة رجلًا يقيم تحت جلدي ولا يشبه رجلًا آخر. وعندما التقيت صديقي وجهًا لوجه وأحببته كما هو، اكتشفت أنّه يشبه الرجل الذي أحبّ أن أكونه.

الاثنين، 16 أبريل 2018

إلهة المدن البحريّة (النصّ الثالث من كتابي رسائل العبور - 2005)

Monet


      أنا إلهة المدن البحريّة، أتنقّل منذ ملايين السنين بين المرافئ الحزينة، ولا منزل لي غير الضباب.
     فساتيني أشرعة بيضاء تسكن فيها الريح، وزينة شعري أصداف يقدّمها لي أولاد مسكونون بهدير الأعماق، وأيقونتي مرساة أهدانيها أوّل بحّار رسا عند مرفأي.
    قدماي الحافيتان تغتسلان بمياه متناثرة عن أجساد البحّارة فوق أرصفة المرافئ، وذراعاي العاريتان تمتدّان وسادة لكلّ الغرباء.
    أزواجي رجال من ملح تنثرهم الرياح فوق البحار السبعة، وأحشائي لم تخل يومًا من أطفال لا أسماء لهم ولا آباء.
    أنا ربّة المنازل المنصوبة عند مرافئ الانتظار، أقف عند شواطئ الرحيل، والهواء يمدّ خصلات شعري الأسود شباكًا نحو أفق فارغ إلاّ من الاحتمال. أقف طويلاً والأفق يمتدّ بعيدًا، فنؤلّف معًا صليبًا تُعلّق فوقه آمال اللقاء المطعونة.
     أمشي على رمال لا تحفظ آثاري، وأقفز فوق صخور لا تشعر بمروري.
    وتحت مطر يحمل رائحة الغائبين، وشمس جامدة كزمن الحزن، وليل منخور مشوّه، أنتظر سفنًا تعود من غياب دام أعوامًا ولم تتعب من السفر، سفنًا ذات أشرعة كفراشات تعشق المغامرة، ورجال رائحتهم بحر عميق وعرقهم ملح عتيق.
    أغتسل بالرمل الذي فتّته العشق،
    بالزبد الذي ولّده الجنون،
    بالرياح الهوجاء،
    بالضوء المجروح،
    بدموع الرجال،
    بالمياه المتناثرة عن أجساد بحّارة عراة لا يملكون إلاّ الرغبة في السفر والحبّ والكلام.
   أنتظر رجالاً لن يبقوا طويلاً، ولن أكون لهم طويلاً، يزرعون حكاياتهم على جسدي، وينثرون أحلامهم على صدري، ويتركون أولادهم في حضني ويرحلون مزوّدين حكاية بلا كلمات. وحين ترتفع يدي ملوّحة لهم تلاحقها نظراتهم كما تلاحق عيون الأطفال الطائرات الورقيّة الملوّنة، ولا ينتبهون إلى السفينة التي ولّدها رحم الأفق من رحم المغامرة، وعليها رجال يبحثون عن امرأة تنتظر حكايات جديدة وأحلامًا مجنونة وأولادًا لا يعرفون عن آبائهم إلاّ أنّهم رجال من ملح ذاب في البحر.
    أنا سيّدة الشواطئ.
    لي أجنحة النوارس، والخطوات البلا اقدام، وهدير اللجّة.
    عمري ملايين السنين ولم أمت لأنّني أعشق الرحيل.
    ولم أتعب لأنّني أنتظر الحكاية.
    ولم أضجر لأنّني ابنة الحلم.
    أنا ابنة المدن الغافية على فراش الهدير، والمبلّلة برذاذ الموج، والمغتسلة برغوة الرغبة.
   لا أجيد الكلام لكنّني أحفظ حكايات غريبة رواها رجال غرباء بلغات غريبة. ولا أحفظ الأسماء لكنّني أذكر وجوه أصحابها في حنين وبكاء. ولا أنظر في العيون لكنّني أعرف ما الذي يختبئ خلفها. ولا أنتظر واحدًا أحدًا لكنّني أفرح عند وصول العابرين. أتبع نداء لا يسمعه سواي، وألحق بأصداء تتردّد خلف ستائر المدى.
    لا أملك شيئًا وكلّ الأشياء ملك لي. حين أغمض عينيّ أحصل على ما أريد. وعندما أفتح يدي وأبسط أصابعي في وجه الريح، يتطاير العالم بكلّ ما فيه كحبيبات رمل في هواء المغيب. ولا يبقى شيء. ولا آسف على شيء. ولا أشعر بالحزن على شيء يرحل بل بالحنين لكلّ ما سوف يأتي.
أنا الغريبة الصامتة المنتظرة العابرة.
    أرقص على إيقاع الريح التي لم تهبّ بعد، وأصغي إلى أصوات رجال لم يصلوا بعد، وأتنشّق روائح العشق من أجساد لم تمارس الحبّ بعد، وأبكي على خيبات لم أسمع حكاياتها بعد.
   أعيش القَبْل والبعد، وأقيم في الدهشة حين أشهد تكوّن الأشياء، وأشكر السماء التي جعلتني أمينة على هبوب الريح، وتساقط المطر، وبكاء الرجال، ورغبة الجسد، ورحيل المراكب، وخروج الأطفال من رحم المياه ليلعبوا إلى جانب مياه أنجبت آباءهم.
    لا أغفو إلى جانب رجل، بل أرحل حين يغرق في بحر النوم بعدما تعب من البحر والحبّ والكلام.
    ولا أعطي ثديي لطفل، بل أرحل حين يطلق صرخته الأولى القويّة الشبيهة بغضب الموج. وأمضي إلى مرفأ جديد. رحمي ينزف دمًا بلون المرجان، وصدري يقطر حليبًا يتحوّل لآلئ.
   لا أنظر إلى الوراء ولا أصير عمود ملح بل أتبع خطوات رجال من ملح خرجوا من البحر وإليه يعودون.
   أنا المرأة التي أغمضت عينيها ورأت...
   لابسة الشراع الأبيض.
   الواقفة عند الشواطئ كالمنارات العتيقة.
   السائرة نحو البحر الرماديّ، نحو الأفق النحيل.
   ومن الهواء الرطب تعود لتحضن جسمي الداكن رائحة أوّل بحّار نزل عند مرفأ انتظاري ثمّ رحل...

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017

يعبر ملكًا (النصّ الثاني من كتابي رسائل العبور - 2005)



كملك يعبر شوارع مملكته في يوبيله الذهبيّ ثمّ يعود إلى قصر البُعد والارتفاع. هكذا يعبر صديقي الآن. أنظر إليه وألوّح له كسائحة وُجدت صدفة بين رعايا مملكته، ولا تستحقّ أكثر من نظرة ملكيّة عابرة.
وحين يعود صديقي إلى قصره، لن يتذكّر سوى الجموع التي كانت تتدافع على جانبي الطريق، ولكنّه، لن يستطيع، مهما حاول، أن يتذكّر وجهًا واحدًا منها.
والصديق العابر كملك، لا يُظهر اهتمامه بمشاكل الرعيّة. وحين ينزل عن عرشه ويزور الناس يبدو راغبًا فقط في الاستماع إلى ما يقولونه عنه، وكيف يصفون حدائقه الجميلة المحيطة بقصره، والشوارع الفسيحة التي تكاد لا تتّسع لموكبه، والعربة المذهّبة التي لا تليق إلاّ بأمثاله. وعندما يبدأ أبناء المملكة بالحديث عن أنفسهم يضجر الملك ويتثاءب ويدخل إلى قصر نومه كبطل في مسرحيّة انتهت عروضها مع نهاية الموسم. ولكن يحلو لي أن أؤمن بأنّ صديقي، الذي يعبر كملك، ينهار خلف الستائر المسدلة على مسرح حياته، ويكتم تعب الأيّام تحت قناع الصمت، ويخبّئ حزن الأمكنة وراء لامبالاته بمن حضر وبمن غاب عن احتفالات تنصيبه.
أعرف أنّ صديقي لا يعرف ما أعرفه. وإن عرفه فلن يعترف به. ولن يقبل أن تصدر صحف المعارضة في مملكته لتشير إلى خلل في رؤياه المستقبليّة، سببه تفسّخ في جدران قصره القائم على أسس الماضي الواهية. ولكنّي أحبّ صديقي الذي يعبر الآن إلى قصر غيابه. ولأنّني أحبّه أحاول أن أومئ له لأشير إلى المتربّصين بعرشه، إلى التشقّقات في سقف مملكته، والحُفر أمام عربته، ولكنّه دائمًا كان يظنّ أنّني ألوّح له كسائحة غريبة عن تقاليد مملكته فيردّ عليها متسامحًا ويمضي.
أحبّ صديقي الذي يهيّئ الآن احتفالات عبوره. ولأنّني أحبّه سأتركه يرحل إلى حيث يريد، وسأشهق بالبكاء كمراهقة أمام موكب نجم عالميّ، وسأكتفي مثلها بذكرى اللقاء العابر أخبر عنه الأيّام الآتية. وسأكتب على الجدران كالمقاتلين الذين يتركون على حيطان متاريسهم آخر كلماتهم: صديقي مرّ من هنا، ومضى. وعندما يحلّ السلام، وتُمحى كلمات المعارك من ذاكرة البيوت التي عاد إليها أصحابها، سأتذكّر أنا، آخر المقاتلين، أنّ صديقي الذي مرّ من هنا ومضى إلى مجد طموحه، كان ذكيًّا فترك ساحة المعركة قبل أن تمزّقه أمّ المعارك وأشرسها، تلك التي يواجه فيها الإنسان نفسه.
يدخل صديقي العابر ضباب الذكرى وهو لا يزال هنا، أنظر إليه وهو أمامي مباشرة، على مسافة أصابع، وأقنع نفسي بأنّه ليس هنا، وبأنّ الذي أراه ليس إلاّ طيفه يعود إلى حيث كنّا نلتقي.
أترك المسافة بين الواقع والآتي. أحاول أن أفيد من الجرعة الأخيرة من دواء مفقود، من القطرات الأخيرة من العطر الهديّة، من لمسات الشمس الأخيرة قبل موسم البرد، من مرور نيزك في لحظة نادرة من ليل أسود.
أرغب في أن أمسك الآن يد صديقي العابر، المشغول حتّى الاحتفال بلحظات عبوره الملوّنة بألوان رغباته المتناقضة. ولكنّ يده مشغولة بالتلويح للجماهير المجتمعة حول عربته الذهبيّة، وهو يمرّ كملك جميل آت من حكاية قديمة، ليعبر إلى مخيّلة طفلة، أخبرتها جدّتها بأنّ الحلم هو الحياة.


الخميس، 9 نوفمبر 2017

مواجهة الحياة (النصّ الرابع والثلاثون من كتابي رسائل العبور - 2005)


مع بداية كلّ نهار، تسأل نفسها عن سرّ رغبتها في البقاء والاستمرار.
تستيقظ تعبة وتكاد لا تجد القوّة الكافية لتغادر السرير. وعندما تفعل ذلك أخيرًا وتجلس منحنية مهزومة تكتشف أنّ سلسلة الأعمال التي عليها القيام بها في هذا اليوم تلتفّ حولها وتكبّل حركتها وتخنقها.
تعرف أنّها بعد قليل ستواجه وجهها في المرآة وستكتشف أنّ يومًا آخر ينتظر كي يمتصّ ما تبقّى من طاقتها وشبابها. وبعد ذلك يكمن لها أفراد عائلتها مسلّحين بطلباتهم المختلفة، عارضين عليها شؤونهم وشجونهم، صارخين غاضبين محتجّين، كمجموعة من المعارضين المتظاهرين لا يريدون إلّا تحقيق مطالبهم. ثمّ ستخرج إلى الشارع حيث تحاصرها زحمة السير وتصمّ أذنيها أصوات الباعة وأبواق السيّارات، قبل أن تصل إلى عملها مرهقة يائسة حزينة. تنظر إلى الساعة، إنّها الثامنة والربع صباحًا. فجأة يصفعها السؤال المخيف: كيف ستنجح في العبور إلى الضفّة المسائيّة لهذا اليوم الطويل؟
ومع نهاية كلّ نهار، تكتشف أنّها نجحت في البقاء والاستمرار، واستطاعت أن تحتمل التعب والركض والمنافسة والخبث، والحرّ الخانق والبرد الشديد، والأزمة الاقتصاديّة والتصريحات السياسيّة، وبقيت على قيد الحياة في انتظار يوم جديد من دون أن تعرف كيف، ومن دون أن تعرف لماذا.
لا تعرف أيّ إيمان يدفعها إلى الحياة. أهو الإيمان بالله الذي تظنّ أحيانًا أنّه لا يريد ان يسمعها؟ أم إيمان بالإنسان مع أنّها تعجز عن التواصل معه؟ أم إيمان بالوطن الذي يخذلها مرّة بعد مرّة ويدفعها دفعًا إلى التفكير في هجره؟ أم هو الإيمان بقدرتها على مقاومة كلّ هذه الشكوك لأنّ ثمّة من يحتاج إليها؟
بدأت تعتقد أنّ الذين يقرّرون الرحيل أو الغياب أو العبور إلى الأماكن الأخرى هم المقتنعون بأنْ لا حاجة إلى وجودهم/ هنا/ الآن/ في هذا المكان/ وفي هذه اللحظة، وبأنّ الآخرين يستطيعون إكمال حياتهم من دون الاستعانة بهم أو التبرّك بوجودهم أو الاغتناء بحكمتهم أو التفاؤل برؤيتهم أو الفرح بلقائهم، فاتّخذوا قرار العبور حين اكتشفوا فجأة أنّ بقاءهم ورحيلهم متساويان في القيمة والهدف، وأنّ الشمس ستشرق وتغيب سواء وجدوا أو غابوا، وعندئذ يستسلمون لرياح الرحيل تحملهم إلى حيث تشاء.
حاجتهم إليها! حاجتهم إلى وجودها! المسؤوليّات التي اختارت أن تحملها، الأهداف التي رسمتها، الوجوه التي تحبّها ضاحكة، الأشخاص الذين تريدهم معافين وأصحّاء وأقوياء، كلّ ذلك يدفعها إلى الاستمرار والبقاء، فتغادر تعبها صباحًا، وتخلع نعاسها، وتغسل وجهها وجسمها من آثار الهزيمة، وترتدي ثوب الحياة الجديدة لتستقبل نهارًا آخر بعدما غاب، ولو إلى حين، ليل القلق والشكّ، ثمّ تفكّر في المساكين الذين لا يحتاج أحد إلى وجودهم، وينتظرون في لهفة شمس الاهتمام لتشرق عليهم.

الجمعة، 21 أبريل 2017

بحيرة الدموع الزجاجيّة (النصّ الثاني والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)

(Pierre Auguste Cot (17 February 1837 – 2 August 1883


    اخترعتك لأنّني في حاجة إليك، وقبل ذلك لم يكن لوجودك وجود.


     أيّها العابر بين الحلم واليقظة وبين النعاس والنوم، ها أنا الليلة مشوار عبورك وأريحك من همّ السفر فوق الأسطر المنتظرة وطء الكلمات يرسمها مرورك الضبابيّ. وأقلب القلم رأسًا على عقب لأمحو صورتك المصنوعة من وهم احتفالي بك وشوقي إلى احتمال انبثاقك من بين جفنَي الانتظار.
    أيّها المصنوع من ندى صيفيّ وبروق شتائيّة، أمزّق الليلة الورقة الأخيرة من روزنامة الفصول وأسدل الستائر على الشبابيك المنتظرة وجهك، وأعلن نهاية الرواية.
    أيّها الرجل المتنزّه على صراخ الألم، والمتفرّج على انتحار اللذّة، والساخر لحظة يبكي الحنين! دعني أصدّق الليلة أنّي قادرة على الاغتسال ببكائك النهائيّ، وعلى الإقامة ولو للمرّة الأخيرة في بحيرة عينيك الآمنة كالرحم، وعلى أن ألبس دموعك ولو للمرّة الأولى جلدًا مائيًّا كغلالة عروس.
   لم أكن أعرف حين أنجبَتك رغبتي فيك أنّك قادر على البكاء، أنت الرجل الذي أغمض عينيه كي لا يراني لأنّه يخاف أن يرى، والذي كان يتكلّم كي لا يترك لي الفرصة للكلام لأنّه يخاف أن يسمع ما أرغب في البوح به، والذي كان يخبّئ يديه كي لا أرى رعشة الاشتياق في أصابعه.
   وحين فاجأتني وبكيت بدا العالم جميلاً ونظيفًا كأنّه يغتسل بماء المطر الأوّل، وبدت الدموع قادرة على محو الآلام والأحزان، كأنّك تبكي عن كلّ المتألّمين، وعن كلّ التائبين، وعن كلّ العشّاق، وعن كلّ المتروكين. بيد أنّ لحظات قليلة كانت كافية ليتبدّد كلّ ذاك الذي بدا للحظة حزينًا وحنونًا وحقيقيًّا، وإذا بعينيك الجافّتين المصنوعتين من الزجاج الملوّن الجميل تجودان بدمع غريب يحرق لكنّه أضعف من أن يشفي، يهمي لكنّه أبخل من أن يروي، يغسل لكنّه أعجز من أن يطّهر.
    أيّها المصنوع من أحلام طفلة وأوهام عجوز، حكتكَ من خيوط الكلمات التي لن تغفر لي خطيئة صنعك، لأنّ جنون كبريائك جعلك تتعالى عليها هي التي تباهت بك منذ لحظة تكوينك.
    فلتُمحَ إذًا الكتابة التي جعلت الرجال يحسدونك، ولتُمزّق الصفحات التي تمدّدتَ فوق بياضها ملكًا لا انتهاء لملكه، ولتتحطّم العناوين التي وضعتك عنوانًا لكلّ كتابة. ولتُغفر خطيئتي لأنّي جدّفت على الكلمة حين آمنت في صدق أنّ اللقاء بك أجمل ممّا أكتبه.
(نشر في صحيفة النهار عام 2003)

الجمعة، 10 مارس 2017

بهاء الولادة (النصّ الثالث والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)



...وصديقي الذي يعبر الآن إلى مجد أيّامه جميل كلحظة الولادة التي تكتشف نفسها مع مرور الساعات، والتي تفرض وجودها كلّما ازدادت تشبّثًا بالحياة.
هو نفسه لم ينتبه إلى هذا الجانب من شخصيّته إلّا مع تقدّمه في العمر، كأنّما الأعوام التي مضت شغلته عن النظر إلى شكله الخارجيّ. وعندما امتلأ داخله بالغنى الذي يجب أن يكون فيه، التفت إلى المرآة ورأى ما كان يراه في عيون الآخرين.
الآخرون هم الذين هتفوا بجماله، أو أشاروا إليه في حياء، فلم يصدّقهم. وظنّ أنّ الأمر كلّه مجرّد انفعال صارخ أو مجاملة مهذّبة. ومن أجل هذا الظنّ فقط تقبّل كلامهم بمحبّة وتواضع. ولكن مع مرور الوقت، بدأ الداخل الذي نضج ينضح أكثر فأكثر إلى الخارج، وظهر على وجهه ما يشبه الفرح ولكنّه ليس فرحًا، أو ما يشبه السكينة ولكنّه ليس هي، أو ما يشبه المحبّة ولكنّه ليس منها فقط. كأنّ ما على وجهه مزيج من هذه كلّها، فيشعرنا، نحن الناظرين إليه، بفيض من الحنان والدفء، كاللذين تمنحنا إيّاهما لحظة صلاة عميقة، أو لقاء حبّ صادق.
كان الجمال الذي فيه ممزوجًا بالذكاء والكرم وخفّة الظلّ والتهذيب والخجل والجرأة. ولم يكن من السهل أن نفصل بين عناصر هذا المزيج، كأنّ جماله لا يكتمل إلّا بذوبانها بعضها في البعض الآخر، من دون أن يفقد أي عنصر منها كينونته وخصوصيّته.
ومع ذلك، فإنّ هذا الرجل الذي لم يكتشف صورة الإله فيه بعد، يؤمن إيمانًا ثابتًا بعدم اكتماله. وهكذا عرفنا، نحن الذين نراقب بهاءه المتوهّج كقصيدة، أنّ السعي نحو الكمال هو الجمال كلّه.

الخميس، 9 مارس 2017

صديقي اسمه الحزن (النصّ الثاني والخمسون من كتابي رسائل العبور 2005)



"كلّ مين طوي شراعو
وراح بهالمدى
ولدين وضاعو
ع جسر المدى"

***
كشعور الأعمى حين تصف له منظرًا لا صوت له ولا شكل ملموسًا.
كشعور المقعد حين تحدّثه عن متعة تسلّق الجبال.
كشعور الأصمّ حين تطرب أمامه وتتفاعل قسمات وجهك وأعضاء جسمك مع الموسيقى.
هكذا أشعر حين يخطّط صديقي العابر لمشاريع ومواعيد نعرف أنّنا لن تقوم بها معًا.
يسبح قلبي عند ذلك في بحيرة كبيرة من الحزن العميق والأليف أعجز عن الخروج منها، لا، بل أعرف أنّي لن أغرق فيها ولن أغادر مياهها الرماديّة.
ويرافقني ذلك الحزن لفترة طويلة ولا ينتهي، بل يتجدّد مع مشاريع أخرى ومواعيد جديدة أسمعها ولا أستطيع إلّا الحلم بتحقّقها يومًا.
أشعر بعجز مخيف. يداي مقيّدتان كيدَي كاتب يجلس الرقيب الشرس على فتر من قلمه. وأوراقي البيضاء لا أكتب عليها إلّا ما سبق وكتبته.
يحدّثني صديقي عن أماكن زارها، عن بلدان وفنادق ومتاحف، ويدعوني إلى موافاته إليها ليرى إن كانت ستثير فيّ انطباعات تشبه التي عنده. يحدّثني عن أشخاص التقى بهم، عن وجوههم وأسمائهم وشخصيّاتهم، ويسألني إن كنت أقبل بالتعرّف إليهم ليعرف رأيي فيهم. يحدّثني عن نزهات ومشاوير ووسائل لهو، ويطلب منّي أن أكون شريكته فيها، لأنّه يحبّ أن يراقبني وأنا أراقب ما يجري حولي.
غير أنّ مسافات بعيدة تفصلني عنه. بحار وجبال ووديان، وساعات من السفر، وأكوام من الغيوم، وتلال من النجوم، تقف بيننا. فأعتذر عن تلبية الدعوة وأبقى اسيرة التراب الذي أعرفه.
منذ زمن وأنا أعرف أنّ صديقي غيمة عابرة وأنا شجرة مقيمة.
منذ زمن لا أعرف بداياته وأنا أنظر إليه وأنتظر رحيل المواعيد وذبول الوعود.
منذ زمن وأنا أنتظر كالمحكومين بالإعدام أن تتحوّل الدعوة إلى فنجان قهوة صباحيّ حفلة وداع حزينة.
لماذا يخبرني صديقي الذي عبر إلى مجد طموحه عن أمور وأشياء لن أكون شريكة فيها؟ لماذا يدعوني وهو يعرف أنّي عاجزة عن تلبية الدعوة؟ هل هو واجب العلاقة يدعوه إلى ذلك؟ أم هي الرغبة تضجّ في داخله، فتجعله يحلم مثلي بلقاءات لا نعرف متى ستتمّ؟
حين غادر هذا الرجل علاقتنا وابتعد، ترك لي حزنًا كالذي يصيب الإنسان عندما يخيب أمله، أو عندما يرسب في امتحان نهائيّ حاسم، أو عندما يتمزّق ثوب له ذكريات وتاريخ، أو عندما يفقد ألبوم صور الطفولة.
لم يكن حزنًا مفاجئًا بل تسلّل على مهل كضباب خريفيّ. ولم يكن حزنًا عاصفًا بل كان رقيقًا كبرقع عروس، ولم يكن حزنًا بغيضًا بل بدا كأنّه صديق حميم انتبهت فجأة إلى وجوده منذ زمن لا أعرف بدايته.
وصار الحزن صديقي فعلًا.
ليس الحزن المتشائم، ولا الحزن المدمّر، بل هو أقرب ما يكون إلى حالة عميقة من الشوق والحنين إلى أزمنة مضت، إلى براءة ولّت، إلى طفولة انقضت، إلى أمكنة موجودة فقط في الذاكرة أو في صور عتيقة بالأبيض والأسود.
ولذلك فلم يكن من الممكن أن يكتشف الآخرون حزني الصديق لولا حديثي عنه. كأنّي أخبّئ علاقتي به، كأنّي لا أريد أن يكتشف أحد هذا النوع من الحزن النادر، فلا يظهر على وجهي ولا يفضحه صوتي ولا تهلن عنه تصرّفاتي.
ولذلك أيضًا، أكتب عنه. كأنّ الكلام الذي تنطق به الشفتان لن يكون معبّرًا وكافيًّا ولا تليق به إلّا الكتابة، إلّا الحفر في هيكل الروح، لا الدموع ولا استعادة الذكريات ولا التحسّر على ما كان يمكن أن يكون، بل كتابة نابعة من عمق الأعماق تتحدّث عن رجل لم يمحُ ما قبله من الرجال، ولن يمحو ما بعده منهم، عن رجل يعرفهم ويعرف عنهم لأنّه يعرفني جيّدًا.
أمشي في دروب الحياة اليوم، وفي رأسي أمور لم نقم بها. أقرأ الكتب بعينيّ وعينيه، قائلة في نفسي: هذا يشبهه، وهذه فكرة سبق أن قالها، وهذا كلام لا يعجبه، وهذه جملة لا شكّ في أنّها ستعلق في ذاكرته.
أسمّيه العابر، وكلّ الآخرين عابرون إلّاه.
أمشي وحيدة في شوارع المدينة التي يحبّها، فيطلع عليّ من بين جدرانها الحديثة تاريخها القديم، وأقول في نفسي هذه مدينة لا تحسن الاحتفاظ بأبنائها.
أنظر إلى الناس في الشوارع وأتساءل: هل بينكم من يشبهه؟ غير أنّي أعلم في قرارة نفسي أنّ صديقي الذي ترك المسافات تمتدّ بيننا، لا يشبه إلّا الرجل الذي أكتب عنه.
قد يظنّ البعض أنّ اشتياقي إليه هو اشتياق الجسد للجسد، المرأة إلى الرجل. لا شكّ أنّ فيه ذلك. غير أنّ فيه أيضًا الشوق إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع العلاقات الكبيرة. الشوق إلى مشهد يديه الجميلتين على مقود السيّارة، الشوق إلى أصابعه تلاعب شعري الأسود الطويل، إلى نظراتنا الخبيثة حين نلتقط في اللحظة ذاتها مشهدًا أو عبارة سيكونان بعد قليل موضوعًا لتعليقاتنا، إلى الهدايا التي أحبّ أن أفاجئه بها بلا موعد أو مناسبة، إلى الصمت حين نستمع إلى الموسيقى، إلى الغناء حين تحرّكنا الكلمات، إلى رغبتي في العبث بأغراض مكتبه وخزانته، إلى مداعبة شعيرات صدره من فتحة القميص، إلى أن أسمع من جديد حكايات عن طفولته ومراهقته.
الشوق إلى كلّ تفصيل من تلك اللوحة الرائعة التي كان اسمها "نحن الاثنان".

السبت، 25 فبراير 2017

من نصّ "عبور الجسد" من كتابي رسائل العبور بترجمة الصديق روجر تقلا

الصديق روجر تقلا
يشاكسني في عيد ميلادي

مشيرًا إلى صاحب القميص الأزرق
شكرًا لك صديقي وزميلي

Had you perceived my body as a safe crossing above a roaring, deafening river, you would have reached to a heaven dotted prairie.
Had you regarded my body as a mysterious, magical pass, you could have reached the land of selfless giving and enjoyed the crossing. But you expected my body to be your hellish corpse and the redemption to your sexual fantasies and lustfull dreams.
You lost me.
You lost it.
In the crowd of consuming bodies, my body did not find a place of it's own. I hated it for it seemed incapable. I grudged because it looked foul.
The breasts and thighs and chests hemmed you in and nodded whorishly and screeched asserting their hunger and thirst - presenting themselves so that you quell your hunger and quench your thirst.
And as you surrendered to their hissing calls, my voice died out. In your chase after their battling flesh, you pushed me to the floor.
You were preying for sex. I was looking for love.
I wanted you to clasp my hand so that I can feel you, but you headed my hand to your body so that you can know you exist. I wanted your lips to press a kiss against my own and let the two be lost in merging transcendence, but I find them burrowing over my body speckled and tinted marks declaring your heroic crossing.
I wanted you to pierce me with the insanity of passion and the serenity of tenderness, but you penetrated as one late for a meeting would and left me as one that escapes an unwelcomed guest.
Marie Kossaifi رسائل عبور
Translated by Roger Takla


لو نظرت إلى جسدي كجسر آمن فوق نهر هادر لأمكنك أن تصل عبره إلى حدائقي الغنّاء.
لو نظرت إلى جسدي كمعبر سحريّ غامض لاستطعت، وأنت تستمتع بعبورك من خلاله، أن تصل إلى أرضي المعطاء.
لكنّك انتظرت من جسدي أن يكون آلتك الجهنميّة، وخلاصة أوهامك الجنسيّة وأحلامك الشبقة.
فخسرتني وخسرته!
في عجقة الأجساد المحيطة بك، لم يجد جسدي مكانًا له، فكرهته لأنّه بدا لي عاجزًا، وحقدت عليه لأنّه ظهر لي بشعًا.
كانت الأثداء والأفخاذ والبطون تحاصرك وتومئ إليك بعهر وتصرخ معلنة جوعها وعطشها، مقدمة نفسها لتسدّ جوعك وتروي عطشك.
وعند استسلامك لفحيح أصواتها غاب صوتي، وفي انجرافك وراء تدافع أعضائها وعناصرها أوقعتني أرضًا.
كنت تسعى إلى الجنس وكنت أسعى إلى الحبّ.
أردتُ أن تمسك بيدي لأشعر بوجودك، غير أنّك اقتدت يدي إلى جسدك لتشعر بوجودك.
أردتُ من شفتيك أن تطبعا قبلة على شفتيّ لا نميّز فيها بين أحدنا والآخر، فإذا بهما تحفران فوق جسدي بقعًا مختلفة الألوان وتعلنان مرورك البطوليّ.
أردتُ أن تدخل فيّ بقوّة العشق وهدوء الحنان، فإذا بك تقتحمني كمن تأخّر على موعد، وتغادرني كمن يتهرّب من ضيف ثقيل.
انتظرتَ منّي الكلمات التي تثير الشهوة، وتحرّك الغريزة، وتضعك على أهبة الفعل ... بلا خيال ولا حلم.
وانتظرتُ منك الكلمات الطالعة من عمق ذاكرتك، والممزوجة بدفق شهوتك والمملوءة بسحر اللحظة.
اكتفيتَ بلقاء جسدين، وكنت أريد، أريد فعلًا، أن يلتقي جسدانا ليلتقي كلّ ما فينا من ماضٍ وحاضر ومستقبل، ليلتقي عبرنا المكان بالزمان، الرجل بالمرأة، الأرض بالسماء، الواقع بالحلم.
كنت تأكل جسدي في سرعةِ من يتناول طعامًا خفيفًا بين اجتماعَي عمل، وكنت أريد أن ترى في جسدي وليمتك الاحتفاليّة التي جرى لها الإعداد لها بكياسة وذوق وترف.
حاولتُ أن أفهمك أنّ الجنس بلا خيال وعشق دعارة، فأخذت تحدّثني عن مشاكلي النفسيّة وعقد الطفولة.
سألتك لماذا تتشابه لقاءاتنا كما تتشابه نقاط المطر فوق رأس متسوّل لم يترك له الجوع وقتًا للشعر، فأدرت ظهرك لي ونمت.
أعلنت أمامك أنّني متشوّقة إلى الذهاب معك بعيدًا في احتفال الجسد وطقوسه وألعابه وخفاياه وسحره ورموزه، شرط أن تذهب معي بعيدًا في احتفال الروح وطقوسها وألعابها وخفاياها وسحرها ورموزها. غير أنّك كنت مصابًا بعجز روحيّ مزمن لا ترضى بالاعتراف به.
أيّها الرجل الباحث عن امرأة جريئة تمارس معها الجنس، ما أسهل خلع الملابس عن الجسد أمام من لا يجرؤ على الحديث عن مكنونات النفس!

الخميس، 9 فبراير 2017

عبور الجسد – 1 (الجزء الأوّل من النصّ التاسع والأربعين من كتابي رسائل العبور - 2005)





لو نظرت إلى جسدي كجسر آمن فوق نهر هادر لأمكنك أن تصل عبره إلى حدائقي الغنّاء.
لو نظرت إلى جسدي كمعبر سحريّ غامض لاستطعت، وأنت تستمتع بعبورك من خلاله، أن تصل إلى أرضي المعطاء.
لكنّك انتظرت من جسدي أن يكون آلتك الجهنميّة، وخلاصة أوهامك الجنسيّة وأحلامك الشبقة.
فخسرتني وخسرته!
في عجقة الأجساد المحيطة بك، لم يجد جسدي مكانًا له، فكرهته لأنّه بدا لي عاجزًا، وحقدت عليه لأنّه ظهر لي بشعًا.
كانت الأثداء والأفخاذ والبطون تحاصرك وتومئ إليك بعهر وتصرخ معلنة جوعها وعطشها، مقدمة نفسها لتسدّ جوعك وتروي عطشك.
وعند استسلامك لفحيح أصواتها غاب صوتي، وفي انجرافك وراء تدافع أعضائها وعناصرها أوقعتني أرضًا.
كنت تسعى إلى الجنس وكنت أسعى إلى الحبّ.
أردتُ أن تمسك بيدي لأشعر بوجودك، غير أنّك اقتدت يدي إلى جسدك لتشعر بوجودك.
أردتُ من شفتيك أن تطبعا قبلة على شفتيّ لا نميّز فيها بين أحدنا والآخر، فإذا بهما تحفران فوق جسدي بقعًا مختلفة الألوان وتعلنان مرورك البطوليّ.
أردتُ أن تدخل فيّ بقوّة العشق وهدوء الحنان، فإذا بك تقتحمني كمن تأخّر على موعد، وتغادرني كمن يتهرّب من ضيف ثقيل.
انتظرتَ منّي الكلمات التي تثير الشهوة، وتحرّك الغريزة، وتضعك على أهبة الفعل ... بلا خيال ولا حلم.
وانتظرتُ منك الكلمات الطالعة من عمق ذاكرتك، والممزوجة بدفق شهوتك والمملوءة بسحر اللحظة.
اكتفيتَ بلقاء جسدين، وكنت أريد، أريد فعلًا، أن يلتقي جسدانا ليلتقي كلّ ما فينا من ماضٍ وحاضر ومستقبل، ليلتقي عبرنا المكان بالزمان، الرجل بالمرأة، الأرض بالسماء، الواقع بالحلم.
كنت تأكل جسدي في سرعةِ من يتناول طعامًا خفيفًا بين اجتماعَي عمل، وكنت أريد أن ترى في جسدي وليمتك الاحتفاليّة التي جرى لها الإعداد لها بكياسة وذوق وترف.
حاولتُ أن أفهمك أنّ الجنس بلا خيال وعشق دعارة، فأخذت تحدّثني عن مشاكلي النفسيّة وعقد الطفولة.
سألتك لماذا تتشابه لقاءاتنا كما تتشابه نقاط المطر فوق رأس متسوّل لم يترك له الجوع وقتًا للشعر، فأدرت ظهرك لي ونمت.
أعلنت أمامك أنّني متشوّقة إلى الذهاب معك بعيدًا في احتفال الجسد وطقوسه وألعابه وخفاياه وسحره ورموزه، شرط أن تذهب معي بعيدًا في احتفال الروح وطقوسها وألعابها وخفاياها وسحرها ورموزها. غير أنّك كنت مصابًا بعجز روحيّ مزمن لا ترضى بالاعتراف به.
أيّها الرجل الباحث عن امرأة جريئة تمارس معها الجنس، ما أسهل خلع الملابس عن الجسد أمام من لا يجرؤ على الحديث عن مكنونات النفس!

عبور الجسد -2 (الجزء الثاني من النصّ التاسع والأربعين من كتابي رسائل العبور - 2005)


William Claxton

تحدّثني عن الجنس وأنت تقصد المضاجعة أو المجامعة.
لأنّ الجنس لقاء لا تعرفه لأنّك لا تعرف الآخر.
المضاجعة تمرين، رياضة، إفراغ لاحتقان، تخلّص من قلق، أمّا الجنس الذي لا تعرفه فمغامرة واكتشاف وامتلاء وخيال وتبادل أدوار.
في المضاجعة مُطالِب ومطالَب، وفي الجنس تُعطى قبل أن تطلب، وتعطي قبل أن تسأل.
في المضاجعة مقايضة، وفي الجنس مشاركة.
لا تحتاج المضاجعة إلى سحر ولا إلى غموض ولا إلى كلام، ولا إلى همس، ولا إلى تحدٍّ. أمّا الجنس، وجه الحبّ الآخر، فلا يكون إلّا حيث يكون إبداع وشعر وحريّة.
ولا تحتاج المضاجعة إلى حواسك مجتمعة في لحظة واحدة ولا تتطلّب ولا تعترض، أمّا الجنس، مغامرة الإنسان اللامحدودة، فانتقائيّ، مرفّه، صاحب ذوق ومزاج، لا يتنازل عن كبريائه، ولا يقبل بالمتاح الموجود، ولا يساوم على مستواه.
المضاجعة لا تفرض عليك إلّا جهدًا جسديًّا عابرًا وآنيًّا لا يدوم إلّا دقائق. أمّا الجنس/ مرآة العشق ومحيطه الهادر، فيهزّ كيانك كلّه، منذ لحظة التفكير فيه، إلى الاستعداد له، إلى الانصراف إليه، إلى الاستسلام لأهوائه ورغباته، إلى الوصول إلى عوالمه الداخليّة، ولن أقول الانتهاء منه، لأنّه يسكنك ولا يغادرك.
المضاجعة تسيطر عليك وتفرض مواعيدها وقوانينها، في حين يحرّر الجنس روحك من قيودها ويسير معك في دروب الحياة غير المطروقة، ويرافقك إلى قمم الاكتشاف التي لم يصل إليها أحد قبلك، ويطلق جناحيك لتحلّق فوق الرغبات الصغيرة العابرة.
في المضاجعة أنتَ مع امرأة، وفي الجنس أنتَ مع المرأة.
في المضاجعة غربة ومسافة وحدود، وفي الجنس صداقة وعِشرة وانفتاح.
في المضاجعة الشخص الآخر محطّة أو وسيلة سفر، وفي الجنس الشخص الآخر غاية وصولك ورفيق الطريق.
في المضاجعة رائحة، وفي الجنس عطر.
في المضاجعة نظر، وفي الجنس رؤيا.
في المضاجعة أنت كائن والآخر كائن، وفي الجنس أنت ملاك وشيطان، والآخر ملاك وشيطان.
تحدّثني يا صديقي عن الجنس وأنت تقصد المضاجعة، وأحدّثك عن الجنس وأنا أقصد الحبّ.
وكم تبدو الكلمات عاجزة، وكم نبدو على طرفَي نقيض، "نتعايش" في علاقة لا اسم لها، ولا غد، ولا لغة.

السبت، 16 يوليو 2016

المرأة الوحيدة تتذكّر (النصّ السابع والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)


Edward Manet
بين يوم نزيفك الأول ويوم نزيفك الأخير أهدرت عمرك وأنت تنتظرين. والانسان المنتظر لا يغادر مكانه بل يبقى علامة فارقة على مفترق الطرق لعلّ المنتظَر يصل.
يوم آلامك الأولى وعدوك بحياة جديدة، فصدّقتهم وانطلقت: درست وأحببت وعملت وتزوجت وأنجبت ونجحت، وحين توقّف هدر الدم اكتشفت انك كنت وحدك طوال الوقت. كتبك المصفوفة على الرفوف مغطاة بغبار الوقت، والرجال الذين عشقتهم تغيم وجوههم في ذاكرتك، وزوجك مشغول عنك بنجاحات وانتصارات، وأولادك موزّعون على مدن وبلاد وحيوات لا مكان لك فيها، ونجاحك وسام نائم على مخدة. اما انت فمركونة كسيارة ذات طراز نادر.
أمضيت عمرك تنزفين دماً وترشحين ماء وتتصبّبين عرقاً وتتقطّرين دمعاً حتى صرت جافّة كقطعة غسيل منسية تحت شمس الصيف. ومع ذلك وجدت الوقت لتحقّقي ما وعدت نفسك به وما ظننت أنّ الحياة تنتظره منك. لكنك الآن وحيدة كحبّة زيتون متروكة على الغصون العالية طعاماً للطيور العابرة.
مسكينة أيتها المرأة النازفة عمرها!
انتظرت آلامك الأولى، ومن بعدها صرت تنتظرين تغيّر إيقاعات جسمك وتقلّب مزاجك وترسمين الخطط المنسجمة معهما. ثم توالت سلسلة الانتظار: مواعيد الحبيب، مواعيد الامتحانات، مواعيد العناية بالجسم، مواعيد العمل، مواعيد الزوج، مواعيد الأبناء وتواريخ ميلادهم ونجاحاتهم وسفرهم، مواعيد الفحوص المخبريّة، مواعيد الأعياد والهدايا، مواعيد المناسبات الاجتماعيّة... تنتظرين وتنتظرين ثم تنتبهين فجأة الى أنّك صرت وحدك بلا مواعيد وبلا وعود. في الحقيقة لم تصيري وحدك بل كنت كذلك طوال الوقت، إلّا أنّك في غمرة مشاغلك وواجباتك لم تشعري بذلك. كان ثمة ضجيج يملأ المكان والزمان حولك، وكانت هناك أعمال كثيرة فلم تجدي الوقت كي تنتبهي. غير أنّك واجهت وحدك كلّ ما جرى معك، وحين كان الآخرون يحضرون فلكي يطلبوا منك الكثير من الاهتمام والرعاية. اليوم فقط نظرت في المرآة، لا كما كنت تنظرين كلّ يوم وأنت تضعين مساحيق التجميل، أو كما كنت تراقبين مزيّن الشعر وهو يضع اللمسات الأخيرة على تسريحتك الكلاسيكية، ولا كما تراقب امرأة لم تحمل همًّا في حياتها نجاح جسمها ووجهها في إخفاء عمرها، بل نظرت كي تري العمر المرسوم على وهجك المتعب وجسمك المترهّل وشعرك المزروع في أثلام رماديّة جافة. واكتشفت ماذا فعل التعب بك، وتذكّرت كم عملت في حياتك، ومع ذلك فأنت وحيدة وحزينة كأن كل ما حققته حدث لامرأة اخرى لا تعرفينها ولا تربطك بها صلة.
يوم آلامك الأولى قالوا لك: مبروك صرت كبيرة. صدّقتهم وكبرت فعلاً دفعة أولى، حتى صرت عجوزاً في سنوات قليلة من دون أن تلاحظي. لكنّك اليوم فقط رأيت ذلك، رأيت العجوز التي كنتها منذ أعوام، المرأة العجوز الوحيدة التي كنتها، ثم انكفأت على نفسك وقررت في تعب شديد: لم يعد الأمر يستحق إذن...

الاثنين، 13 أبريل 2015

أمسيات بلا شمس (النصّ الرابع من كتابي رسائل العبور - 2005)

في الانتظار - 2010
Ty - Ramon


     ...والصديق العابر، كغيمة لا تنقاد إلاّ لرغبة الريح، يحبّ الليل كطقس مقدّس لا يجوز أن نتعامل معه ببرود وحياد. وكانت اللقاءات الليليّة احتفالات يتمّ التحضير لها بالحماسة الأولى التي يتعامل فيها الإنسان، أيّ إنسان، مع موعده الأوّل. ولكنّه لم يكن يُخضع نفسه لمتطلّبات معيّنة واضحة؛ ولذلك كنّا نحن الذين نحيط به نكتشف نوعًا من المزاجيّة مطعّمًا ببعض التناقض يرافق هذه السهرات.

     فهو مثلاً لم يكن انتقائيًّا في اختيار الذين يشاركونه الاحتفال بقدر ما كان مصرًّا على انتمائهم إلى طبقة معيّنة أو أن يكون اللقاء في مكان مميّز. ولكنّه في المقابل كان يجد سعادة طفوليّة طاغية في أن يدعو الآخرين إلى أماكن لم يعرفوها من قبل. وكان يستسلم لنوع من الانتشاء حين يراقب عيون أولئك المدعوّين إلى وليمة الأصناف الغريبة في مكان ما كانوا ليختاروه، عجزًا أو جبنًا. لذلك كان يحلو له أن يراقبهم وهم يطلبون الطعام أو الشراب، ويسرع إلى إنقاذهم متى لاحظ أنّهم يواجهون مشكلة أمام النادل الذكيّ، فيساعدهم في إيجاد المخرج اللائق من لائحة الطعام المتعرّجة الطرقات.

     ولكنّ صديقي العابر لا يكتفي من الليل بالوليمة، ما لذّ منها وطاب؛ بل كان يبحث باستمرار عن موضوع ما، عن أغنية، عن حوار، عن لفتة ذكيّة، عن مشهد غريب، عن تعليق مفاجئ يطلقه أحد الحاضرين، عن ذكرى تركت أثرًا، عن حلم تحوّل مشروع حياة، عن خبر سياسيّ، عن حكاية طريفة، عن سؤال، عن جواب، عن أيّ حديث يبعد الرتابة والملل واللاجدوى. لذا غالبًا ما كان يقود الاحتفال إلى حيث يعرف أنّه سيجد ما يبحث عنه، إلى جديد يجعله العارف الأوّل...أو المتلقّي الأوّل.

     ولكنّي مع نهاية الليل كنت أشعر بأنّ هذا الاحتفال الممتلئ حتّى الثمالة بكلّ ما يمكن أن يقال سيترك وراءه إحساسًا عميقًا بالفراغ. كأنّ الدنيا هدأت فجأة وعاد كلّ شيء إلى مكانه. ولم يكن لديّ الإيمان الذي كان صديقي العابر يحاول التمسّك به بأنّ الشمس التي ستشرق بعد هذا الليل لن توقظنا من حلم الاستمرار والديمومة. وكنت مع كلّ احتفال ليليّ أزداد يقينًا بأنّ هذا اللقاء يحمل في بداياته بذور النهاية، غير أنّني كنت أراقب هذا العبور بمتعة ممزوجة بالمرارة كأنّني أمام مشهد جميل، أعي في عمق أعماقي، أنّ جماله هو في عبوره، ومع ذلك أريده أن يبقى إلى ما لا نهاية.

الأحد، 12 أبريل 2015

وعد الألوهة ( النصّ الثامن من كتابي رسائل العبور - 2005)



     يظنّ الناس أنّي لا أعرف كيف أكتب عن الفرح والسعادة والضحك والابتسامة، أو كيف ألوّن الأوراق البيضاء بغير الحبر الأسود. ويعتقد الناس أنّي لا أرى في العيون إلّا الحزن، ولا أسمع من الأصوات إلّا النحيب والأنين، ولا أعترف إلّا بالألم والمرض والشرّ والموت.
     قد يكون ذلك صحيحًا! 
     ولكنّ الناس لم ينتبهوا إلى أنّي لا أفعل ذلك إلّا عندما تكون غائبًا!

     وعندما أتحدّث عن غيابك، لا أعني ابتعادك أو رحيلك أو سفرك أو عبورك، بل أقصد غيابك في الحضور، أن تكون موجودًا وغير مهتمّ إلّا بوجودك، أن تكون حاضرًا في حين يغيب أيّ حضور آخر في حضرة غيابك، أن تسأل من دون أن تنتظر الجواب، أن تتكلّم فيخشع المستمعون، أن تنظر إلى الدمعة ثمّ تعطي دروسًا في الصبر، أن تشاهد فورة الغضب ثمّ تلقي محاضرة في حسن التصرّف، أن تسمع صراخ الاستغاثة ثمّ تسأل المستغيث إن كان يريد أحدًا معيّنًا لإنقاذه لتتصل به.
     أمام هذا الغياب الذي يصيبك في مواسم معيّنة، يبدو العالم كلّه غارقًا في بحيرة نفط عائمة وسط المحيط!
     وكيف ينسى الناس الذين يسألون عنك، ويلاحقون خطّ الكلمات لعلّه يوصلهم إليك، ما كتبته عنك أيّام كانت الكتابة عنك تفتح الأبواب وتشرّعها على الماضي، لتغرفَ منه ذكريات تداعب القلب فيرقص فرحًا، وتمدّ جسورًا نحو مستقبل يثير الخيال ويشيع جوًّا من السكينة والأمان؟

    نظرتْ إليّ الفتاة الصغيرة التي عرفتُها من صورها السوداء والبيضاء، وعاتبتني في حنان قائلة: لم تكوني هكذا!
     كنتُ متّكئة على جانبي الأيسر حين شعرتُ بحركةٍ خفيفة إلى جانب السرير، فتحت عينيّ المتعبتين فرأيتها. كانت بيضاء وجميلة وسعيدة، فعرفت فورًا أنّي أعرفها، ولكنّ الدهشة من وجودها قرب السرير عقدتْ لساني، فلم أستطع أن أنطق ولو بحرف واحد. ولكنّ دموعًا سخيّة اندفعت من رأسي فجأة، ولم أجد القوّة كي أمسحها بأصابعي، فتركتها تختلط بأنفي السائل، وتنحدر عبر شعري إلى الوسادة. مدّت الفتاة الصغيرة يدها الصغيرة وداعبت شعري المبلّل ثم قالت: كنتُ فخورة بك، كنت سعيدة لأنّك صرتِ ما صرتِه، ولكنّ المرأة التي تقف الآن بيننا تفسد الأمور تمامًا!
    كنت أعرف أنّها محقّة في كلامها الذي فهمته من دون أيّ سؤال، كأنّي كنت أنتظر أحدًا ليقوله لي، وفرحتُ لأنّها تتكلّم في ثقة وحكمة، وأردت أن أحتضن ذكاءها وفرحها وجمالها، ولكنّي كنت كالمشلولة تمامًا، عاجزة إلّا عن النظر إلى وجهها المطمئن.
     أخذتِ الفتاة تخبرني عن هموم طحنتني، وآلامٍ عجنتني، وتجاربَ خبزتني، وعن عشّاق تركتهم يلتهمونني دون تردّد منّي أو منهم. كانت تسرد كلّ التفاصيل من دون أن تنظر إليّ مباشرة، بل أخذت تلهو بشعري الأسود كأنْ لا شيء إلّاه فيّ يستحقّ النظر إليه. وكانت تترك خصلة كلّما تركت حكاية، وتمسك بخصلة كلّما أمسكت بخيط حكاية جديدة. ولم يبدُ عليها التعب أو الملل أو السأم، بل كانت تروي كلّ شيء بفمها ويديها وعينيها وتعابير وجهها وحركات حاجبيها، وبين الحكاية والحكاية تهنّئني على ما تعلّمته وخبرته واكتسبته.
     وحين صمتت فجأة، بدت شديدة الاضطراب، تنظر بشكل غائم، كأنّ ثمّة من يقف بيني وبينها، ويمنع عينيها عن الوصول إليّ. ومع ذلك لم أرَ الخوف أو الكره على وجهها، بل الحيرة والحزن، كطفلة أضاعت اليد التي تمسك بها. ثمّ استطاعت أن تصوغ سؤالًا واحدًا، سؤالًا حزينًا واحدًا: كيف تحوّلتُ امرأةً ضجرة باردة باهتة؟
     واستطعتُ أخيرًا أن أؤلّف جملة واحدة: لا تعتبي عليها! إحضنيها وداعبي شعرها، فهي المرأة التي فقدتْ براءتك، ولم تكن بعد عرفت ما أعرفه الآن.
    
     
    وما أعرفه الآن أنّك لست صديقي، ولن تكون كذلك إلّا يوم أستطيع أن أغضب أمامك من غير شعور بالذنب، وأن أبكي أمامك من دون إحساس بالخجل، وأن أعلن عن الخطايا التي ارتكبتها والأحلام التي حلمتها، والمشاعر التي حملتها... بلا أن أجهد نفسي في اختيار الكلمات.
     يوم أخبرك عن الرجال الذين عرفتهم، ستعرف أنّك صديقي: رجال من مختلف الأعمار، ومن مختلف الطوائف، متزوّجون وغير متزوّجين، فقراء وأغنياء، حزبيّون وغير مبالين، مثقّفون وهامشيّين، رجال من مختلف الأحجام والطبائع، كرماء وشجعان، أنانيّون وجبناء، كاذبون ومدّعون، حالمون وهاربون، أطفال ورجال في الوقت نفسه. يريدونني ولا يعرفون ماذا يريدون منّي بالتحديد. يوم أخبرك عنهم بالأسماء والتواريخ، بصوت مرتفع أسمعه بنفسي، ستعرف أنّك صديقي.
     ويوم أخبرك عن النساء اللواتي حسدتهنّ وغرت منهنّ، ستعرف أنّك صديقي: الفتيات اللواتي استطعن الجري واللعب، البنات اللواتي يحضن آباؤهنّ أحلامهنّ وتفخر أمّهاتهنّ بإنجازاتهنّ، الصديقات اللواتي يجدن أصدقاء يبحن لهم بكلّ شيء، العاشقات اللواتي لا يضعن حدودًا لرغباتهنّ المجنونة. يوم أخبرك بكلّ ذلك ستعلم أنّك صديقي الوحيد.
     يوم أخبرك عن أوجاعي من دون أن أخشى تحليلك النفسيّ لها، وعن أحلامي من دون أن تفاجئني بتفسير علميّ، وعن هواياتي الجديدة من دون أن أتوقّع توجيهات معيّنة، وعن الطعام الذي أفضّله، وعن رغبتي في إجراء عمليّة تجميل لا حاجة فعليّة لها، وعن موعدي مع مصفّف الشعر، وعن الشعر المزعج على جسمي والمثير على جسمك، وعن الجرح الذي يؤلمني في رجلي اليمنى، وعن حاجتي إلى المال، وعن شوقي إلى الرقص والغناء، وعن الملابس الداخليّة التي اشتريتها. يوم أخبرك كلّ ذلك ستكون صديقي المفضّل.
     وعندما أروي أمامك مغامراتي الجنسيّة، وأحلامي الشبقة، ورغباتي الوقحة، وممارساتي الشاذّة، ونكاتي البذيئة، وأحاديثي الماجنة، تكون أصبحت المؤتمن على عوالمي الداخليّة الحميمة.
      وحين أصير محور اهتمامك، وليس فقط ما فعلته في العمل، ولا ما قرأته في الصحف والكتب، ولا ما أعرفه عن "الشرق الأوسط الكبير"، ولا ما سمعته عن حرب العراق والتمديد والتجديد وأخبار الانتخابات، ولا ما شاهدته على التلفزيون وفي السينما. حين تتحوّل كلّ هذه الأحاديث سبيلًا إلى معرفة آرائي واكتشاف طريقة تفكيري، تكون أصبحت صديقي الذكيّ، لأنّك ستكتشف أنّي قد أكون أكثر من مجرّد خزّان أفكار، وأعمق من بئر ترمي فيه أسرارك ثمّ تندم، وأنّي قد أيضًا كتلة من المشاعر المتوهّجة. وإذا كان كلّ ذلك أشدّ صعوبة من أن يقوم به رجل واحد، فيجب إذًا السماح بتعدّد الأزواج، لأنّ احتمال أن تكون إلهًا صغيرًا باء بالخيبة.
     أتريد منّي أن أعرف رجالًا أيّها المدّعي؟ لقد عرفت رجالًا بعدد النساء اللواتي حاولن إغراءك، ولذلك تراني سئمت من الرجال.
     أتريد أن تطمئنّ إلى أنّي لم أعد أحبّك؟ وهل تعتقد أنّي كنت سأخبرك كلّ ذلك لو كنت أحبّك الحبّ كما علّموك إيّاه وأخبروك عنه، ومثلما يتحدّث عنه سائر الناس ويعجز خيالك وخيالهم عن تصوّر ما يفوقه جمالًا وشغفًا وتوهّجًا؟ أتريد منّي أن أجمع حولي أصدقاء من مختلف الجنسيّات والهويّات والأصناف ليرتاح ضميرك؟ إلى أيّد دعارة فكريّة تدعوني أيّها الرجل؟ وهل أفكاري ومشاعري ورغباتي المجنونة تصلح مادّة للحديث مع أيّ كان وفي أيّ وقت؟
     يا إلهي كم يبدو ثوب هذه العلاقة فضفاضًا عليك! وكم تبدو صغيرًا أمام شلّال المشاعر التي أخبّئها لك والتي تريد أن تتفجّر كلمات وقصائد وكتبًا، ولكنّي لن أقولها لك لئلّا يغرقك فيض عاطفة لا تحسن السباحة ولو في محيطها الهادئ...

السبت، 11 أبريل 2015

امرأة ورجل (النصّ الحادي والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)

فراق
Edward Munch




      ينسى الرجل أنّها امرأة، ويصدّق أنّها تريد أن تُعامَل كمفكّرة.
    يعترف الرجل بأنّه يحترمها ويحبّها، لكنّه غير معجب بها كامرأة بل كصاحبة فكر وسيّدة قلم.

    ويصدّق الرجل أنّ هذا ما تحبّ سماعه وما يثيرها ويملأها حياة. ويصدّق كذلك أنّ أجمل ما قيل لها هو أنّها ذكيّة وصاحبة شخصيّة قويّة، ولا يعنيها أن تكون جميلة وأنيقة.
    لم يكن غريبًا أن يقتنع الرجل بذلك. فهي نفسها كانت تصدّق أقوالَها، حتّى اللحظة التي سمعته يعلن فيها أنّها لا تتمتّع بالصفات التي يريدها في المرأة.
    فاجأها الأمر رغم أنّها هي أيضًا لم تكن تنظر إليه كرجل. ولكن ذلك أمر مختلف تمامًا.
    أمر مختلف فعلاً أن تقول هي هذا الكلام، لأنّها أساسًا لم تقله سوى لأنّها تعرف جيّدًا أنّها لا تعجبه كامرأة فسبقته إلى هذا التصريح الجافّ حفاظًا على كرامتها. أمّا أن يردّ عليها بهذه الطريقة فأمر مفاجئ تمامًا، ومخيف جدًّا، وجديد فعلاً.
    مع الوقت اكتشفت أنّهما لم يكونا في اللقاء الذي قيل فيه هذا الكلام إلّا رجلاً وامرأة، ولم يكن المكان إلّا الفردوس الذي سيفقدانه قريبًا. ولم يكن الزمن إلّا بداية التحوّلات.
    بعد ذلك لن تصدّق تلك المفكِّرةُ العيونَ حين تنظر إليها كامرأة، لا بل ستفعل أكثر من ذلك:
    ستنظّف ذاكرتها من كلام الغزل،
    وستمحو عن جسمها آثار المشاعر التي عبرت،
    وستطهّر ملابسها من عطور الرجال الذين مرّوا إلى جانبها،
    لأنّ هذا الرجل الذي تثق به كثيرًا أكّد لها أنّها ذكيّة وتفكّر كما يفكّر الرجال.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.