الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

سلوى القطريب وموسم المطر الجميل (2009)



سلوى القطريب

على الرابط أدناه أغنيتها "شو في خلف البحر"
http://youtu.be/U-aD4GxKLGU

سلوى القطريب في مسرحيّة "بنت الجبل"

على الرابط أدناه أغنيتها "وعدوني"
http://youtu.be/AKZD0e6nyHk

      (14 أيلول 2009)
     تأخّر المطر الذي نعرفه، تأخّر لكنّه وصل مصطحبًا معه الثلوج والرياح والعواصف والبرد. رذاذًا أو حبالاً، خفيفًا أو عنيفًا، انهمر غير أنّه لم يغسلنا بعد ولم يطهّرنا، ولم نخرج من تحت معموديّته جددًا وأنقياء.
     عاد الشتاء الحقيقيّ، وعادت البروق والرعود توقظ فينا طفولة نائمة غارقة في دفء ذكرياتها، وصار الدفء حبيبًا نريد الالتصاق به والنوم في أحضانه، ولبست حبال الغسيل عقودها اللؤلئيّة، ووضعت أوراق الأشجار أقراطها المائيّة، غير أنّ القلق المقيم في النفوس والسعي الدائم لكسب الرزق يعيقان الناس عن الاستمتاع بالشتاء الذي وصل أخيرًا بكلّ حلّته ومجده وجماله. فقليلون هم الذين يخفّفون سرعة إيقاعهم اليوميّ ليتوقّفوا قليلاً ويتأمّلوا التغيّرات التي تتوالى أمامهم وتولّد آلاف المشاهد الجميلة المعبّرة.
     وفي عزّ هذا الشتاء البارد، دخلت المطربة االبنانيّة سلوى القطريب في غيبوبة، بعدما أصيبت بجلطة دماغيّة خطيرة. وقبعت وحيدتها الفنّانة آلين لحوّد مع والدها ناهي وعمّها روميو لحّود وباقي أفراد عائلتَي القطريب ولحّود في غرفة الانتظار ينتظرون أن تستيقظ سلوى وتغنّي لهم: بدّي غنّي غنّي غنّي/ وخلّي العالم تفرح منّي/ بدّي غنّي/ وان لاموني وزعلوا عنّي/ وصارا كلّن يحكوا عنّي/ بدّي غنّي . والانتظار في المستشفى أصعب أنواع الانتظار وأكثره طولاً وأثقله وطأة. انتظار ولادة أو انتظار موعد معاينة أو انتظار مريض كي يخرج من غرفة العمليّات ويفيق من تأثير المخدّر أو انتظار مريض في غيبوبة كي يقرّر إن كان يريد أن يرحل أو يشدّ بأنامله النحيلة على يدٍ تتمسّك به.
     ماذا يفعل المنتظرون في المستشفى؟ هل يصلّون؟ هل يطرحون أسئلة عن الأسباب والنتائج؟ هل يتبادلون الأحاديث كي ينسوا ما هم فيه؟ هل يشربون القهوة وينفخون السجائر؟ هل يهرعون إلى الطبيب كما لاح طيف ردائه الأبيض في الممّر؟ هل يبكون؟ هل يغضبون؟ هل يصمتون؟ ربّما يفعلون كلّ ذلك وأكثر. فالوقت طويل، والمنتظرون معلّقون من رؤوسهم بعلامات استفهام متلاصقة كعلاّقات الثياب في خزانة فارغة في بيت جبليّ خال من الحياة.     كنّا، صغيراتٍ، نلهو بتمثيليّة ساذجة على مقياس أعمارنا، وكانت اللعبة تقضي بأن تُختار فتاة من المشاركات لتجلس في وسط حلقة من الفتيات وتتظاهر بالبكاء. فتسألها الفتيات المحيطات بها على لحن رتيب: يا سلوى ليش عم تبكي؟ فتجيب الفتاة التي صار اسمها سلوى حين وقعت عليها القرعة لتكون الباكية: عم ببكي بدّي رفيقة. فتجيب الصغيرات مواسيات: قومي نقّي (أي اختاري) شي رفيقة. فتضحك الفتاة التي كانت تبكي وتقف وتتوجّه نحو فتاة ثانية وتختارها لتكون رفيقتها. لم أعد اذكر ماذا يحصل بعد ذلك، وإن كان المشهد نفسه يعاد تقديمه بممثّلات أخريات، حتى تتمّ دورة الصداقة ويتوقّف البكاء، ولا تعود عينا سلوى دامعتين.
     سلوى القطريب لا شكّ كانت تبكي في غيبوبتها خائفة على الذين تحبّهم ولا تريد أن تتركهم، خائفة على "ألين" التي كانت تعد نفسها وجمهورها بأنّها ستغنّي مع أمّها ذات يوم، فهل تسمعنا إن قلنا لها الآن: قومي نقّي شي رفيقة، شي غنيّة، ولكن لا ترحلي في موسم الرحيل هذا.     المطر جميل يا سلوى، وحرام أن يفجع من حولك برحيل آخر بعد رحيل "ألين" الصحافيّة الشابّة، شقيقة روميو وناهي وبابو وناي، ورحيل "ألان مرعب"، راقص الدبكة ومعيد مجد "الهوّارة" وهو زوج ناي وصهر آل لحّود، ورحيل الدكتور بشير سعادة الصهر الآخر زوج مصمّمة الأزياء بابو لحّود. هل ثمّة عائلات ترافقها الفجيعة ولا ترضى أن تحيد بلعناتها عنها؟
     يا سلوى ليش عم تبكي؟
     عم ببكي لأنّي بكّيت كلّ اللي حولي.
***

خبر مأتم سلوى القطريب عبر شاشة المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال

أغنيات أخرى لسلوى القطريب على الروابط التالية:

يمكن هلأ يمكن بكرا
قالولي العيد
حوّل يا خيّال الليل
على نبع المي
خدني معك
طال السهر وليالي العيد (مع طوني حنّا)
قولولي وينن
مسّيناكم يا اهل الدار
لا أكتر من غيري ولا أحلى من الكلّ
بدّي غنّي 
إسمك بقلبي
سافرنا كتير

الأحد، 16 سبتمبر 2018

حقيبة الهزائم (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)



 حقيبة الهزائم
أغادر علاقتنا كما يغادر الجنديّ بيته ويمضي إلى مصيره الغامض
أترك خلفي سنابل قمح تشقّ العتمة وتعانق الضوء
وسريرًا لا يزال يحمل دفء رغبتي في البقاء
لكنّي أعرف أنّ موعد الرحيل اقترب
ولا حصّة لي في الحصاد
وأنّ الطريق تنتظرني لتقودني إلى حيث أنت 
حكاية تنتظر أن تصير قصيدة.
أغادر قبل أن يغدر بي الوقت
وقبل أن أغدو عاجزة عن ترك المكان الأليف
أرحل كما ترحل طيور تقودها غريزة البقاء
ولا تعرف إن كانت أجنحتها لن تخونها
أمضي كما كان مقدّرًا لي أن أفعل
أترك خلفي ضحكاتِ أطفال
وأغنياتِ أعياد
وأعراسًا لن أشهد على زغاريد فرحها
أبتعد كي يخلو المكان من قلق لم يتركني مذ عرفت أنّ قدري هو العبور في حياة الناس
كما تعبر النيازك التي تولّد الأمنيات وتنطفئ
أحمل جسدي التعب وأمشي بلا أثر أو خيال
أتدثّر بصمتي الحبيب فلا يراني القمر
وأغيب في عتمة تعيد تكويني لأولد من جديد
***
في حقيبة الهزائم وضعت خيبتي الجديدة
هناك إلى جانب الحبّ الأخير
والحظّ العاثر
والأمل الواهم
وبعض الانتصارات المخادعة
جعلت لخيبتي الجديدة مكانًا آمنًا
فلا أفقدها في رحلة الأيّام الآتية
ولا أضيّعها حين أبحث عنها لأشكرها على رفقتها الدافئة
ووفائها الدائم
وعلى مساهمتها الكبيرة في جعلي أكثر حكمة وأكثر سكينة
***
أغادر علاقتنا
والمغنيّةُ العجوز تستدعي بصوتها الشجيّ أرواح العشّاق الذين ماتوا من الحبّ
وأغصانُ الأشجار تتعانق كي لا تشعر بالوحدة في ليل الرحيل
تبكي السماء بالنيابة عنّي
ولكنّ بضعَ حبّاتٍ من المطر ارتأت أن تبلّل عينيّ
كي تخفّف عنهما لهبًا يحرق جفونهما
فيرتدّ لهب الحريق إلى الداخل
ولا دهشة
أنأى في المسافة
العينان إلى الأمام والقلب يغور ولا يلتفت
ينمو الشيب على مفارق الدروب
تتجعّد بشرة الأرض
ترتجف زهرة الحقل
والجنديّ يعرف أنّ في انتظاره مهمّة جديدة في أرض غريبة
***
أهمس في أذن الجنديّ الذي يشبهني أنِ استرح
واعتزل القتال في عالم يحتفي بالجبناء
ويهلّل للمجرمين
ولا يبالي بالأبطال
ارمِ قضيّتك في الوحل وامض نظيفًا خفيفًا حرًّا
يحثّ الجنديّ الذي يشبهني خطاه
ويسرع لعلّ ضربات حذائه على الدرب تغلب صوتي
يفكّر أنّ الأبطال الحقيقيّين هم الموتى
فليكن موت
ولتكن قيامة
لعلّ الخلاص يأتي
***
أغادر علاقتنا كما يغادر ثوبي الأبيض علاّقة الثياب في الخزانة
تهتزّ قليلًا قبل أن تستقرَّ عارية بلا ثوب
كما تغادر مفاتيح البيوت القديمة علّاقاتٍ خائنة
بعدما تخلّعت الأبواب
كما تغادر آلاف الحيتان المحيطات الصاخبة
لتموت في سكينة الشطآن
أغادر قبل أن تغدر بي الخيبة
أحمل حقيبة الهزائم
وأمضي كجنديّ لا يعرف إن كان سيعود
حقيبتي الوسادة
حقيبتي المقعد
حقيبتي الملجأ
حقيبتي المتراس
حقيبتي النعش
تحملني وتمضي بي خارج إطار العلاقة
لأصير صورة عارية على سور المدينةِ الملعونة
مضطهدةِ الرسل والأنبياء والشعراء
وهناك
على الحائط المنخور بالملح
في مواجهة الزبد الأبيض
يحوّلني الانتظار أيقونة عجائبيّة
 تقصدها نساء الشرق العاشقات
لترى كلّ واحدة منهنّ وجهها

الخميس، 13 سبتمبر 2018

كلمات ليست لرجل


     حين أفكّر في كلّ تلك الكلمات التي كتبتها، للحبّ، للوطن، للألم، للحزن، للخيبة، للموت، للوحدة، للطفلة التي كنتها، للناس الذين عبروا... هذه الكلمات التي حفرت جلدي بأظافري لأخرجها، التي مزّقت قلبي لأنجبها، التي حطّمت باب عقلي لأجبرها على الخروج... هذه الكلمات ليست لرجل بل لإله لا يعرف أنّه إله ويظنّ أنّه رجل.
     لم يكن الأمر جنونًا أو مرضًا أو خيالًا. لم تكن معرفتي به صدفة أو حلمًا أو كابوسًا. كان لا بدّ أن نلتقي لأقول له من هو، وأمضي... قدري معه أن أمضي، وأن يبقى ليواجه ألوهته وحيدًا إلّا من الشعر والحزن... وأن يولد من جديد... كان لا بدّ أن أجرحه ليعرف قدرة عينيه على البكاء، كان عليّ أن أتحدّاه ليعرف قوّته، كان من واجبي أن أواجهه ليكرهني ويحبّ نفسه... كان يجب أن يتصالح الرجل فيه مع الإله.
     غريب كيف أنّ الرجال يخافون أن يكونوا آلهة، ويريدون أن يبقوا رجالًا، أطفالًا، مراهقين، ذكورًا. لكن ليس آلهة! يخافون أن يروا جمالهم، وقدرتهم على الحريّة، وعلى الحبّ، وعلى الاختيار. يخشون أن يصدّقوا أنّهم ولدوا ليكونوا أبطالًا يداعبون مخيّلات النساء، ويقلّدهم الشبان، ويفتخر بهم الشيوخ، وينام الصغار وهم يحلمون بغد أفضل لأنّ هؤلاء الأبطال موجودون فعلًا.
     أعترف أنّني أخفقت مرارًا. فشلت أكثر من مرّة في معرفة هويّة هذا الرجل الإله. واحد قال لي: أنتِ مجنونة! آخر صرخ بي: دعيني وشأني أنا مجرّد رجل! ثالث اعترف بأنّه يخاف ولا يريد، رابع همس بخجل بأن ليس من حقّي أن أعكّر عليه صفو حياته، خامس غضب، سادس هرب، سابع قال بالحرف الواحد: أنا غير مستحقّ...
     أعترف أنّني أخفقت. مرارًا وكثيرًا، وحزنت وبكيت وندمت وأقسمت أن أستقيل من مهمّة مستحيلة لا أمل لها ولا نتيجة منها. لكن كيف أُسكت الصوت في داخلي وهو يوقظني كلّ ليلة ليقول لي: الرجل الإله موجود، لكنّه لا يعرف من هو... ابحثي عنه واكشفي له حقيقة نفسه... فأهبّ من نومي لأعاتب من يقول لي ذلك، وأصرخ به ليتركني وشأني، وليعفني من هذا العذاب الذي يمزّق روحي... لكنّ الصوت صوت، يحكي ولا يسمع... يوصل الرسالة ويمضي لشؤونه.
     تعبت. كيف أجد من لا يريد أن يجده أحد؟ كيف أنقذ من لا يريد أن ينجو؟ كيف أمسح الغبار عن وجه من يريد أن يعفّر جبينه في التراب؟ كيف أكون مرآة من لا يريد سوى امرأة؟ كيف أكون ضمير من لا يضمر سوى الغضب؟
     تعبت... ألم يحن الوقت كي يبحث هو عنّي؟...



الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

هويّات تتبع الأهواء (2010)


Marcia Babler

هل هناك شعب آخر سوانا يغيّر هويّته بالسهولة التي يغيّر فيها ملابسه؟ أكاد أجزم أنْ لا.
ففي زمن ما بعد العولمة، وما بعد الحداثة، وما بعد فورة الاتصالات، وما بعد الخريطة الجينيّة، وفي وقت تطرح الإنسانيّة تساؤلات دقيقة ومخيفة عن صورة الإنسان المستقبليّ وما سيكون عليه وضعه، نبدو نحن مستسلمين لواقع ليست فيه اسئلة وجوديّة فلسفيّة أو علميّة طبيّة، أو روحيّة ماورائيّة. ونكتفي بردود فعل هوجاء على أفعال تتجرّأ حفنة من الناس على القيام بها معاكسة تيّار الاستكانة والخنوع والموت السريريّ. وحين نستجمع قوانا ونتنطّح للمشاركة في الشأن العام، ونسعى إلى تحديد هويّتنا يكون أقصى ما نفعله هو السؤال عن أحدث مطعم في البلد.
الزمن الآن زمن حجاب، حتّى ولو ارتفعت نسبة المثليّة الجنسيّة بين أبناء المجتمع الواحد وبناته، في شكل كبير وغير معترف به/ وزمن تطويب القدّيسين والقدّيسات حتّى ولو كان أتباعهم يفضّلون التقيّة على التقوى، والاستسلام على السلام، والمصانعة (المسايرة) على الصناعة. والزمن زمن رمضان المرتبط بالكسل والتغيّب عن العمل والمسلسلات التي لا تترك وقتًا للصلاة والتعبّد/ والميلاد المزيّن بالمصابيح المضاءة في الشوارع، بينما الناس يلعنون الظلمة في البيوت، والمرتبط بالأحذية الجديدة التي لا تكتمل فرحة الأعياد من دونها.  
والزمن الآن زمن يعلو فيه صراخ التاجر الفاجر على تأمّل الأديب، وقرقعة الحديد في المعامل على همس القلم للورقة، وزعيق آخر صيحات الموسيقى على غناء العصافير. وحين تصير صبحيّة النسوان العاطلات عن العمل أطول وقتًا وأكثر ازدحامًا من أمسية شعريّة نعرف أنّ مقاربة الحديث عن الهويّة اللبنانيّة لن يوصل إلى نتيجة إن بقي يتمّ بالشكل الذي نقوم به، وحين تصل شتائم سائقي الباصات ونكات البرامج الفكاهيّة إلى آذان الناس باسرع ممّا تصل إليه آراء الحكماء نعرف أن لا هويّة لنا إلّا ما تفرضه علينا أهواؤنا، والهوى غلّاب، كما تقول الأغنية.
هل الوجه عنصر من عناصر تحديد الهويّة؟
لنأخذ مثلًا من الحياة اليوميّة: ما هي هويّة شابّة في السنة الجامعيّة الأولى؟ هويّتها محكومة بجملة عوامل لا تزال هذه الفتاة غير قادرة على التحكّم بها: الانتماءان الطائفيّ والمذهبيّ، فأن تكون مسيحيّة أمر مختلف تمامًا عن أن تكون مسلمة أو درزيّة، وأن تكون مارونيّة أمر آخر يغيّر من طبيعة تفكيرها فيجعلها مختلفة عن كونها أرثوذكسيّة أو كاثوليكيّة أو إنجيليّة، ثمّ هناك مكان الإقامة، فأن تكون مسيحيّة مارونيّة من الأشرفيّة يختلف عن أن تكون من دير الأحمر، وأن تكون خرّيجة مدرسة رسميّة لا يشبه في شيء أن تكون تلميذة راهبات فرنسيّات أو تلميذة مدرسة علمانيّة أو أنغلوفونيّة. ثمّ يأتي دور الجامعة والعمل والسفر والهوايات (موسيقى، رياضة، مطالعة، سينما، مطاعم ونواد ليليّة، سفر، فايسبوك...)، وكذلك هناك عامل الصديق الحبيب وإلى أيّ تيّار سياسيّ ينتمي، فكم من فتاة غيّرت ميولها الحزبيّة حين خرجت من تحت تأثير الوالد "العونيّ" مثلًا إلى التأثّر بحماسة الحبيب "القوّاتي"، أو العكس.

إنّ مجمل هذه العوامل وكثير غيرها (كالوضعين الماديّ والاجتماعيّ في الدرجة الأولى) ممّا لا يمكن لمقالة مختصرة أن تفيه حقّه يجعل هويّة هذه الشابّة أمرًا خاصًّا بها دون سواها؛ وأيّ انسجام أو تعايش (بحسب القاموس اللبنانيّ) أو تناغم أو تآلف أو تكامل بين هذه الهويّة وسواها عملٌ دقيق وصعب يحتاج إلى رغبة وإرادة يتبعهما تمرّس ومران، ولا يمكن أن يتمّ ذلك إلّا في دولة المؤسّسات المدنيّة، ومن غير ذلك يبقى مجتمعنا مجموعة هويّات هائمة تتصادم ولا تتصادق وتتجاور ولا تتحاور. والمفارقة الكبرى أنّنا مقتنعون بأنّنا ما زلنا حرصاء على العادات والتقاليد مقارنة بدول الغرب، وأنّنا نولي العلاقات العائليّة والمناسبات الدينيّة والقيم الأخلاقيّة اهتمامًا خاصًّا، متجاهلين أنّ حرصنا هذا أساء إلى الوطن، ولم يحمِ عائلاتنا من التفكّك، وطوائفنا من التقاتل، وقيمنا من الاضمحلال، فخسرنا كلّ شيء. أو نكاد.

إنّ الهويّات قيد الدرس ليست من نصيب فئة محدّدة من المواطنين. فكلّنا نحمل هويّات قيد الدرس، نكتب عليها بقلم الرصاص، والممحاة في الجيب، أنّنا لبنانيّون حتّى إشعار آخر، عربٌ حتّى تصدر نتائج فحوص الحمض النوويّ، طائفيّون حتّى نجد سببًا آخر للتناحر، علمانيّون حتّى تأتي مواعيد الاستحقاقات من ولادة وزواج وانتخابات وموت وإرث، أغنياء إلى أن يحين موعد توزيع الإعاشات والمساعدات، فقراء إلى أن نربح اللوتو، مغبونون إلى أن يزداد عددنا، محبطون إلى أن نستقلّ في محميّة، وقد يكون الثابت الوحيد بين هذه المتحوّلات أنّنا أغبياء في حقّ أنفسنا حتّى إثبات العكس.
***
صحيفة النهار – 7 أيلول 2010

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

العالم سيصير أشدّ وحشة (1999)

Georgios Roilos (1867- 1928) - The Poets


العالم سيصير أشدّ وحشة
ملحق النهار – السبت 21 آب 1999
في الشام، يموت عبد الوهّاب البيّاتيّ بعيدًا عن العراق. وفي صنعاء يقتل أحد الشعراء ثلاثة آخرين هجوه، ثم يُقتل هو وولده. وفي الأردن ينهار اثنان من الكتّاب الأردنيّين المشاركين في إضراب عن الطعام، احتجاجًا على تعطّلهم عن العمل. وفي بيروت، عاصمة الثقافة لهذه السنة، شهر حسومات تشجيعًا لحركة التسوّق. أيّ علاقة بين هذه المشاهد اثقافيّة، وأيّ دور لهذه العواصم العربيّة؟
من السذاجة ربّما أن نطرح أيّ سؤال. ولكن ماذا لو تدخّلنا وحاولنا تعديل هذا السيناريو القَدَري؟ ماذا لو وضعنا بندقيّة الشاعر في يد عبد الوهّاب البيّاتيّ، ونقلنا الكتّاب الأردنيّين إلى العراق، حيث يموت الأطفال جوعًا من دون إضراب أو مطالب، وأعلّنا بيروت عاصمة التسوّق، وأقمنا مأتمًا للثقافة مع دفن هذا الشاعر اليمنيّ المنتفض لكرامته، والذي ما وجد ردًّا على الشعر أبلغ من الرصاص، أو قدّمنا حسومات على بطاقات المهرجانات الثقافيّة بدل الحسومات على الأحذية والملابس؟
فلنبدأ من بيروت: يروي أحد تجّار الذهب قصّة عائلة دخلت متجره لتبيع ما تملكه من خوات وأساور وأقراط. عائلة مؤلّفة من الوالدين وبناتهما الصغيرات الثلاث. وحين تعجّب التاجر من رغبة هؤلاء الناس في بيع هذه الكميّة المتاضعة من الذهب في فترةٍ انخفضت أسعاره إلى أدنى المستوياتـ ردّت الوالدة: نحن مضطرّون، لم نستطع أن نسدّد آخر قسط مدرسيّ، والصغيرات يرغبن في الحصول على دفاتر علامات أسوة بزميلاتهنّ، خصوصًا أنّهنّ من المتفوّقات. ويقول التاجر إنّه لم ير حتّى الآن مشهدًا مؤثّرًا كهذا، وفي الأخصّ حين راحت الفتيات ينزعن، راضيات قانعات، من أيديهنّ وأعناقهنّ، هدايا الخالات والعمّات والأقرباء ويضعنها على الطاولة التي تخفي قامة أكبرهنّ. تدمع عينا الوالد الغارق في عجزه، ويترك لزوجته أن تتسلّم المبلغ الزهيد، أمام عيون أطفاله الموعودة بدفاتر علامات تعد بالثقافة والمستقبل المضمون، في بلد ضحّى أبناؤه دائمًا بالأرض، وهي أغلى ما يملكونه، في سبيل العلم.
***
ومن الأردن، نقلت "وكالة الصحافة الفرنسيّة" ووفق بيان صدر عن الكتّاب المشاركين في إضراب عن الطعام، أنّ اثنين من المشاركين أصيبا بانهيار جسديّ. وذكرت "النهار" في عددها الصادر في 6 آب 1999 أنّ ستّة وعشرين من الكتّاب الأردنيّين العاطلين عن العمل شرعوا في تنظيم إضراب مفتوح عن الطعام "احتجاجًا على تجاهل الجهات المعنيّة أوضاعهم السيّئة". وقد اعتبر أحد هؤلاء الكتّاب خليل محادين أنّ التحرّك هو أوّلًا "صرخة احتجاج على سياسة الدولة المهيمنة على الثقافة والإعلام".
وفي العدد نفسه من الصحيفة، ولكن من اليمن هذه المرّة، أنّ الشاعر عوض مشرف عبدالله (55 عامًا) استبدّ به الغضب حين أسمعه خصومه أبياتًا مقذعة من الشعر، فردّ عليهم ببندقيّة آليّة كانت معه، فقتل ثلاثة منهم. وأضاف شهود أنّ أنصار الفريق المنافس قتلوه مع ابنه عبدالله (15 عامًا) بينما كانا يلوذان بالفرار.
ألم يقل عبد الوهّاب البيّاتي يومًا "يموت الشاعر منفيًّا أو مجنونًا أو منتحرًا"؟
يبدو المشهد ككلّ فصلًا عبثيًّا من فصول مسرحيّة مملّة لا يُعرف موعد نهايتها: الثقافة تتزيّا بأخلاق السلطة، ثمّ تنزل إلى الشارع، وبدل أن تعطيع سموّها ونبلها، تلبس فوضاه وغوغائيّته، حتّى صار الشعراء يذهبون إلى الأمسيات الشعريّة مدجّجين بالسلاح، يقتلون ثمّ يهربون.
***
بين السطة والشارع، أين يقف الأدباء والشعراء؟
عام 1994، نشر صقر أبو فخر، في مجلّة "الناقد"، مقالة بعنوان "الطفيليّون" وذلك ضمن ملفّ خاصّ بأحوال الثقافة والمثقّفين. وفيها يعتبر الكاتب "أنّ الكتّاب والشعراء والشيوخ والكهنة هم، في الأساس، كائنات طفيليّة، تعيش على هامش الإنتاج والفئات المنتجة، وتكسب عيشها من اتّصالها بخدمة فئة تملك الحاضر (الدولة) أو من ارتباطها بجماعات تملك المستقبل (المعارضة)".
ويرى أنّ هذه الطبقة – عدا القليل – كانت في خدمة السلطة لا السلطان، لأنّ أفرادها لا يخجلون من التصفيق للحاكم الجديد، بعد لحظات من زوال عهد الحاكم القديم.
فإذا كانت هذه هي حال الطبقة المثقّفة، والمفترض أنّها المثال الذي يحتذى، فكيف تكون حال المجتمع وهو ينظر إلى هذه القدوة، ويحاول أن يمشي على خطاها؟
إنّ المشاهد "الثقافيّة" التي أشرنا إليها تفضح بطريقة مؤلمة الحال التي وصلت إليها طبقة المثقّفين، وشعارها – أي شعار تلك المرحلة – التخبّط والتناقض وانعدام الرؤية والرؤيا. فالمثقّف المتوقّع منه أن يكون خارج إطار أيّ سلطة زمنيّة أو دينيّة، نقابيّة أو وظيفيّة، على ما يقول إدوارد سعيد، نجه صورة طبق الأصل عن هذه السلطة، يحمل سلاحها ويقول كلامها، ويمارس إرهابها ويرفض، على مثالها، أي معارضة، بل ينفّذ في معارضيه ما يرفض أن تفعله السلطة به.
ثمّة مفارقة في ما يفعله هؤلاء المثقّفون. يهرب أحدهم من السلطة في بلاده إلى سلطة أخرى في بلد آخر. وفي المقابل، فإنّ بعض مثقّفي البلد المضيف قد تركوه أيضًا هربًا ولجأوا إلى حماية سلطة أخرى. وهكذا تستمرّ اللعبة بحثًا عن مكان أكثر أمانًا وتتاح فيه حريّة التعبير والإبداع. حتّى إنّ بعض المثقّفين لا يتورّع عن الهرب من سلطة عسكريّة ليحتمي بسلطة دينيّة مثلًا، أو العكس، فيبدو كالمستجير من الرمضاء بالنار.
لن يلوم أحد الكتّاب الأردنيّين على احتجاجهم، لكنّ الدولة – أي دولة – لا تعترف بالهيمنة، بل لا تعتبر أنّ ما تقوم به هيمنة، وهي على كلّ حال لا تعرف إلّا أن تكون كذلك. ومحاولة الكتّاب الأردنيّين، كمحاولة أيّ إضراب لفئة "غير منتجة" على حدّ تعبير أصحاب السلطة، ستجد طريقها إلى الحلّ بالوعود والتمييع والتناسي والتأجيل. وإذا وعدت السلطة هؤلاء الكتّاب بفرص عمل فهذا يعني زوال صفة المثقّف، المفترض أنّه معارض، عن هذه الجماعة المتراجعة عن إضرابها. وهكذا تبدو الأزمة كأنّها بلا حلّ. فالدولة لن تتنازل عمّا يسمّيه المعترضون هيمنة، وإن أشركت المعترضين في سياستها فذلك يعني انتهاء دورهم الرياديّ. ولذلك وصل هؤلاء المضربون عن الطعام إلى النقطة التي يبدو فيها التراجع مشكلة والاستمرار مشكلة أخرى.
في المشهد العبثيّ الذي وصفناه، تبدو الأزمة على مفترق طرق. فالمثقّفون ما عادوا قادرين على الاضطلاع بدور الموجِّه والمصحّح. وحين يعجز هؤلاء عن التمييز بين ما يريدونه من السلطة أو ما يرفضونها فيها فذلك يعني أنّ ثمّة خللًا خطيرًا في فهم المثقّف دورَه الصارخ في وجه من هم في مراكز النفوذ والسلطة.
إنّ الصورة ونقيضها هما ما يحكمان عالم الثقافة اليوم. فالكاتب الجائع العاطل عن العمل تقابله مذيعة مغرية الجمال، تسأله بحركة من يدها التي تحمل ساعة خياليّة الثمن، عن سبب إضرابه عن الطعام. وتتابع عينا الكاتب الجائع الساعة الثمينة، قبل أن يجيب – مجّانًا – في حين ترتفع قيمة رصيدها في المصرف ثمنًا لسؤالها الذكيّ وبرنامجها الثقافيّ.
وموت الشعراء يقابله فرح السلطة التي ارتاحت من لسان وقلم ومسدّس كان من الممكن أن توجّه إليها.
بين هذه الثنائيّات، تفقد الثقافة يومًا بعد يوم موقعها، ويصير موت الشعراء خبرًا في صحيفة تُهمل مساء، ويتحوّل العالم مكانًا أكثر وحشة وحزنًا.



السبت، 8 سبتمبر 2018

المسيحيّون اللبنانيّون بعد أربعين عامًا على حرب 1975 (2014)

وادي قنّوبين

     حين انطلقت شرارة الحرب الأهليّة عام 1975، قيل إنّ فوفو ونونو (في إشارة إلى أنّ الشابّ المسيحيّ مدلّل غنّوج) لن يقفا في وجه الفلسطينيّين والأحزاب الوطنيّة... لكنّ فوفو ونونو فاجأا العالم، وجعلا الحربَ تطول، والمسيحيّين يصمدون.
     لكنْ... لكن في تلك المرحلة لم تكن الأركيلةُ سيّدةَ الساحات، ولم تكن المساعِداتُ الأسيويّاتُ يجمعن الغسيل الوسخ عن الأرض، ولم تكن المخدّراتُ مخدّاتِ الأحلام السعيدة وصولًا إلى الموت السريع، ولم يكن الشذوذ الجنسيّ موضة، ولم تكن النكات السمجة والبذيئة آخرَ صيحة في عالم الحوار وعِلم الكلام، ولم تكنِ الأمّهاتُ رائداتِ نوادي الرياضة والتدليك...
     في تلك المرحلة،
     قبل جينز البطريرك الراعي، وأغنيات الأب فادي تابت، وفضائح الرهبان الجنسيّة والماليّة، كان نسك الأودية والقمم ينجبُ ثورةَ المطران الأحمر غريغوار حدّاد وفلسفة المستقيم الرأي شارل مالك وفكرَ العالِم يواكيم مبارك وشعرَ اللاهوتيّ ميشال الحايك... وقداسة الشهداء.
     في تلك المرحلة،
     قبل إطلالات ميشال الحايك ومايك فغالي وليلى عبد اللطيف ومالك مكتبي وديمة صادق ومريم نور وتيتا لطيفة وأرزة الشدياق وماريو باسيل وجو معلوف وفادي وكارين ومايا دياب ومريم كلينك عبر شاشات محسوبة على المسيحيّين، كانت برامج فؤاد افرام البستاني وإيلي صليبي وعادل مالك وجان فيّاض وجان كلود بولس وكميل منسّى ورياض شرارة ونجيب حنكش وميشال معيكي ومي منسّى وشارلوت وازن الخوري وجاندارك فيّاض ونهى الخطيب سعادة وكابي لطيف، تؤنسُ ليلَ الناس وتنيرُ عقولهم...
     في تلك المرحلة،
     قبل "جسد" جمانة حدّاد (العلمانيّة الملحدة) كان (ت) هناك "شعر" أنسي الحاج (عاشق القدّيسة ريتا ومترجم نشيد الأناشيد) ويوسف الخال (مترجم الكتاب المقدّس)، وقبل متسوّلي شارع الحمرا كان هناك صحافيّون حوّلوا المقاهي منابرَ، وشعراءُ حوّلوا الأرصفة قصائدَ، وقبل حجابٍ يُخفي الوجوه كانت تنّورة "الميني جوب" تكشف الساقين ...
     في تلك المرحلة،
     قبل جبران باسيل وستريدا جعجع وميشال فرعون ونقولا فتّوش، كان الأخوان رحباني وزكي ناصيف ووليد غلمية وروميو لحّود يبنون لنا وطنًا شامخًا، ذكيًّا، عفيفًا، هادئًا،...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يصيرَ خروجُ التلامذة للنزهة تحت الأشجار نشاطًا تربويًّا تفتخر المدرسة بإنجازه، كان المسيحيّون يتبادلون قصص التدريس تحت سنديانات عتيقة تنشر فيئَها على كنائسَ تحضن العِلم... وكنّا مقتنعين بأنّنا معلّمو معلّمي العالم، كما أقنعنا أنطون سعادة وسعيد عقل، لا تلامذة أغبياء أمام مفتّش تربويّ من أميركا (أميركا نفسِها التي تفتّت بلادنا) أو فرنسا (فرنسا نفسِها التي استعمرتنا) نرجوه كي يزور مدارسَنا، ليعلّمنا كيف نعلّم...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يأسرَ المسيحيّون أنفسَهم بين نفقَي نهر الكلب وشكّا، كانت بعلبّك قِبلة مهرجاناتٍ أنشأتها السيّدة الأولى زلفا شمعون، وكانت صيدا حكايةً من حكايات سعيد عقل، وكانت صورُ أميرةُ البحار جرنَ معموديّةٍ خرجت منه أليسار، وكانت طرابلس عاصمةَ الشمال حيث القلب، لا عاصفةً تحمل غبارَ التعصّب وتذروه في عيون الإنسانيّة...
     في تلك المرحلة،
     وقبل أرحامٍ على صورة سوبرماركت أطفال، كانتِ النساء يُنجبن رجالًا وأخواتِ رجال، وقبل أثداءَ تشرئبُّ بالسيليكون، كانت الصدور تدرّ حليبًا صافيًا، وقبل رؤوس محشوّة بسخافات التلفزيون وترّهات التحاليل السياسيّة عبر تويتر وواتس آب، كانت العقولُ تحلّق بحثًا عن المعرفة...
     في تلك المرحلة، كان فوفو ونونو وأترابُهما أطفالًا عندهم جدّاتٌ يُحكنَ الكنزات ويحكين القصص لا جدّاتٌ مدمنات فيسبوك، وكان عندهم أجدادٌ يزرعون الوعر، لا أجدادٌ يزرعون الطرقاتِ جيئة وذهابًا من الضجر، وكان عندهم آباء وأمّهات يجلسون قربهم عند الصلاة والدرس لا آباء وأمّهات غارقون في قضايا الخيانة والطلاق وتحديد نسب كلّ ولد من الأولاد...
     في تلك المرحلة، فاجأ فوفو ونونو العالم بصمودِهما...
    أمّا اليوم، فرجاءً لا تضعوا في رأسيهما أنّ الحربَ لعبةٌ سهلة، وأنّ البندقيّةَ خفيفةُ الحمل، وأنّ لبنانَ وطنُ الرسالة، بل حمِّلوهما جوازَي سفر (الشهادة المدرسيّة والجامعيّة أمر بسيط)، ليرحلا إلى بلد آمن، أو على الأقل أقنعوهما بأنّ هذا الوطن لا يشبه في شيء ما كان عليه منذ أربعين عامًا... وأنّنا - ما لم نُطلقْ ثورة روحيّة تربويّة اجتماعيّة فكريّة ثقافيّة -  لن "نبقى هون مهما العالم قالوا"... وأنّ لبنان مش "راجع يتعمّر" على قياس لبنانَ أجدادهم، وأنّ الوقوف على أطلالِ "مجد لبنان أعطي له" يتطلّبُ رِجلين ثابتتين على أرض صلبة... لا جناحَي طائرة تحمل الراعي وخرافَه بعيدًا عن مزارات شربل ورفقا والحرديني... ومتاحفِ جبران ونعيمة والريحاني... وأرزات بشرّي وجاج الباروك...

الجمعة، 7 سبتمبر 2018

الرجل الممحاة

Karin Jurick

هي: أتعبني غيابُك، كبرت وتغيّرت!
هو: أداوي تعبك بلمسة، وأزيّن إصبعك بقبلة، وأذكّرك بذاتك حين أهمس في أذنك كم أحبّك!
هي: أنت أقوى منّي!
هو: منحتِ الجميع ما تملكين فضعفت، فجئت أعيد إليك قوّتك!
هي: ما الذي يمكنني أن أمنحك إيّاه وأنت تملك كلّ شيء؟
هو: أريد أن تمنحيني فرصة لأمنحك ذاتي وكلّ ما أملك!
هي: لماذا لم تقل شيئًا قبل الآن؟
هو: كنت أجمع الكلمات كما يجمع الصيّاد حبّات اللؤلؤ ليصنع لحبيبته عقدًا تزيّن به جيدها!
هي: وهل أنت صيّاد؟
هو: معك أنا طريدة ترغب في الوقوع في الأسر!
هي: من أنت؟
هو: أنا الرجل الممحاة. لن أدعك تكتبينني بعد اليوم، وتضعين نقطة النهاية. أنا رجلٌ لم تنجبه واحدةٌ من بنات أفكارك. وأعصابي ليست فواصل في جملتك، وقلبي ليس مجرّد عنوان لنصّ يداعب مخيّلتك. معي لستِ كاتبةً ولا قارئة، بل امرأةٌ ظنّت أنّ جسدها جملة اعتراضيّة، وأنّ عمرها نقطة نهائيّة، وأنّ السعادة صورة مجازيّة. أنا لستُ كلمةً فاضت عن حبر قلمك، أو حرفًا ساقطًا فوق صفحة شاشتك البيضاء، أو ضميرًا مستترًا في فعل الحبّ الذي لم تجيدي حتّى اليوم تصريفه إلّا في الزمن الماضي. أنا لستُ الرجل السوبرمان، ولا الرجل الوطواط، ولا الرجل العنكبوت... أنا الرجل الممحاة، أمحو الندوب وأترك التجاعيد، أمحو الحزن وأترك الحنين، أمحو الأرق وأترك الحلم، أمحو الغضب وأترك الثورة، أمحو العناد وأترك الرغبة... وأنتِ قضيّتي الوحيدة.