‏إظهار الرسائل ذات التسميات في صحيفة البلاد البحرينيّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في صحيفة البلاد البحرينيّة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

سلوى القطريب وموسم المطر الجميل (2009)



سلوى القطريب

على الرابط أدناه أغنيتها "شو في خلف البحر"
http://youtu.be/U-aD4GxKLGU

سلوى القطريب في مسرحيّة "بنت الجبل"

على الرابط أدناه أغنيتها "وعدوني"
http://youtu.be/AKZD0e6nyHk

      (14 أيلول 2009)
     تأخّر المطر الذي نعرفه، تأخّر لكنّه وصل مصطحبًا معه الثلوج والرياح والعواصف والبرد. رذاذًا أو حبالاً، خفيفًا أو عنيفًا، انهمر غير أنّه لم يغسلنا بعد ولم يطهّرنا، ولم نخرج من تحت معموديّته جددًا وأنقياء.
     عاد الشتاء الحقيقيّ، وعادت البروق والرعود توقظ فينا طفولة نائمة غارقة في دفء ذكرياتها، وصار الدفء حبيبًا نريد الالتصاق به والنوم في أحضانه، ولبست حبال الغسيل عقودها اللؤلئيّة، ووضعت أوراق الأشجار أقراطها المائيّة، غير أنّ القلق المقيم في النفوس والسعي الدائم لكسب الرزق يعيقان الناس عن الاستمتاع بالشتاء الذي وصل أخيرًا بكلّ حلّته ومجده وجماله. فقليلون هم الذين يخفّفون سرعة إيقاعهم اليوميّ ليتوقّفوا قليلاً ويتأمّلوا التغيّرات التي تتوالى أمامهم وتولّد آلاف المشاهد الجميلة المعبّرة.
     وفي عزّ هذا الشتاء البارد، دخلت المطربة االبنانيّة سلوى القطريب في غيبوبة، بعدما أصيبت بجلطة دماغيّة خطيرة. وقبعت وحيدتها الفنّانة آلين لحوّد مع والدها ناهي وعمّها روميو لحّود وباقي أفراد عائلتَي القطريب ولحّود في غرفة الانتظار ينتظرون أن تستيقظ سلوى وتغنّي لهم: بدّي غنّي غنّي غنّي/ وخلّي العالم تفرح منّي/ بدّي غنّي/ وان لاموني وزعلوا عنّي/ وصارا كلّن يحكوا عنّي/ بدّي غنّي . والانتظار في المستشفى أصعب أنواع الانتظار وأكثره طولاً وأثقله وطأة. انتظار ولادة أو انتظار موعد معاينة أو انتظار مريض كي يخرج من غرفة العمليّات ويفيق من تأثير المخدّر أو انتظار مريض في غيبوبة كي يقرّر إن كان يريد أن يرحل أو يشدّ بأنامله النحيلة على يدٍ تتمسّك به.
     ماذا يفعل المنتظرون في المستشفى؟ هل يصلّون؟ هل يطرحون أسئلة عن الأسباب والنتائج؟ هل يتبادلون الأحاديث كي ينسوا ما هم فيه؟ هل يشربون القهوة وينفخون السجائر؟ هل يهرعون إلى الطبيب كما لاح طيف ردائه الأبيض في الممّر؟ هل يبكون؟ هل يغضبون؟ هل يصمتون؟ ربّما يفعلون كلّ ذلك وأكثر. فالوقت طويل، والمنتظرون معلّقون من رؤوسهم بعلامات استفهام متلاصقة كعلاّقات الثياب في خزانة فارغة في بيت جبليّ خال من الحياة.     كنّا، صغيراتٍ، نلهو بتمثيليّة ساذجة على مقياس أعمارنا، وكانت اللعبة تقضي بأن تُختار فتاة من المشاركات لتجلس في وسط حلقة من الفتيات وتتظاهر بالبكاء. فتسألها الفتيات المحيطات بها على لحن رتيب: يا سلوى ليش عم تبكي؟ فتجيب الفتاة التي صار اسمها سلوى حين وقعت عليها القرعة لتكون الباكية: عم ببكي بدّي رفيقة. فتجيب الصغيرات مواسيات: قومي نقّي (أي اختاري) شي رفيقة. فتضحك الفتاة التي كانت تبكي وتقف وتتوجّه نحو فتاة ثانية وتختارها لتكون رفيقتها. لم أعد اذكر ماذا يحصل بعد ذلك، وإن كان المشهد نفسه يعاد تقديمه بممثّلات أخريات، حتى تتمّ دورة الصداقة ويتوقّف البكاء، ولا تعود عينا سلوى دامعتين.
     سلوى القطريب لا شكّ كانت تبكي في غيبوبتها خائفة على الذين تحبّهم ولا تريد أن تتركهم، خائفة على "ألين" التي كانت تعد نفسها وجمهورها بأنّها ستغنّي مع أمّها ذات يوم، فهل تسمعنا إن قلنا لها الآن: قومي نقّي شي رفيقة، شي غنيّة، ولكن لا ترحلي في موسم الرحيل هذا.     المطر جميل يا سلوى، وحرام أن يفجع من حولك برحيل آخر بعد رحيل "ألين" الصحافيّة الشابّة، شقيقة روميو وناهي وبابو وناي، ورحيل "ألان مرعب"، راقص الدبكة ومعيد مجد "الهوّارة" وهو زوج ناي وصهر آل لحّود، ورحيل الدكتور بشير سعادة الصهر الآخر زوج مصمّمة الأزياء بابو لحّود. هل ثمّة عائلات ترافقها الفجيعة ولا ترضى أن تحيد بلعناتها عنها؟
     يا سلوى ليش عم تبكي؟
     عم ببكي لأنّي بكّيت كلّ اللي حولي.
***

خبر مأتم سلوى القطريب عبر شاشة المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال

أغنيات أخرى لسلوى القطريب على الروابط التالية:

يمكن هلأ يمكن بكرا
قالولي العيد
حوّل يا خيّال الليل
على نبع المي
خدني معك
طال السهر وليالي العيد (مع طوني حنّا)
قولولي وينن
مسّيناكم يا اهل الدار
لا أكتر من غيري ولا أحلى من الكلّ
بدّي غنّي 
إسمك بقلبي
سافرنا كتير

الخميس، 14 يوليو 2016

كتاب مفتوح إلى القيّمين على تراث الأخوين رحباني


 لو كان الأمر في غير لبنان أو في غير الظروف الحاليّة لقلنا إنّ القرار الذي اتّخذته وزارة التربية ويقضي بإدخال أعمال الأخوين رحباني في المناهج التربويّة تاريخيّ رائد، غير أنّنا في لبنان، أي حيث لا رقابة حاليًّا على المدارس ولا دورات تربويّة تشمل الجميع ولا إمكانات ماديّة تسمح بإعطاء الأخوين حقّهما. وثمّة سوابق في المناهج الحديثة تؤكّد أنّ ثمّة مواد مهمّة ألغيت لأنّ المدارس الرسميّة وسواها من المدارس الضعيفة الإمكانات عاجزة عن تأمين متطلّباتها الضروريّة لوضعها بين أيدي التلاميذ. هذا فضلاً عن أنّ القرار المتسرّع الذي اتخذته الوزارة للردّ على من اتّهم الحكومة بالتقصير في إعلان الحداد الرسميّ لا يكون في حصر الإبداع في أخوين عملا طوال حياتهما على التبشير بالعدل ونشر التراث اللبنانيّ واحترام جنوده المجهولين، ولا يكون حتمًا في تغييب آخرين كان لكلّ منهم دوره في الحضارة اللبنانيّة. ثمّ لا بدّ من التساؤل – في حسرة – أين كانت الوزارة يوم كان منصور في سرير المستشفى يواجه الموت؟
     أكثر من يعرف سيّئات المناهج التربويّة وخطرها على الإبداع هم آل الرحباني وسواهم من الذين ضاقت بأحلامهم غرف الصفوف، وخنقت مواهبهم سلطة معلّمين لا موهبة لهم، لذلك فمن يعتقد أنّ وضع إنتاج الأخوين رحباني في المناهج التربويّة إنجاز في حدّ ذاته، مخطئ ولا يعرف شيئًا عن التربية والفنّ وطرائق التدريس، خصوصًا في ما يتعلّق بتدريس اللغة العربيّة والفنون المتعلّقة بها. تخيّلوا معي مشهد معلّم يؤنّب تلميذًا ويوبّخ آخر ويعنّف ثالثًا ويعاقب رابعًا ويهين خامسًا لأنّهم لم يعرفوا كيف يجيبون في الامتحان على أسئلة حول نصّ للأخوين رحباني. تخيّلوا ماذا سيكون موقف الرحبانيين من هذا المشهد وكيف كانا سينقلانه إلى المسرح؟
     ثمّة عناوين كثيرة يجب وضعها بين أيدي التلاميذ إلى جانب الأخوين وإلاّ كانت الخطوة ناقصة، ناقصة جدًّا. فالزجل والشعر العامي والغناء والموسيقى والنحت والرسم وسائر الفنون التشكيليّة والتمثيل والتقديم والرقص والمسرح على اختلاف مدارسه والسينما والصحافة وفنّ العمارة اللبنانيّة والاختراعات العلميّة وكلّ ما يمتّ إلى الإبداع والثقافة بصلة عوالم غنيّة بالأسماء والإنجازات ولا يجوز أن تبقى خارج المناهج، فهل ترضي السياسة أهل الفنّ بتكريم الأخوين رحباني وتغيّب آخرين كان لكلّ منهم إبداعه الخاص؟ وهل يرضى ورثة آل الرحباني بذلك؟ إنّ حصر التكريم بالأخوين عاصي ومنصور سيبقي الياس أخاهما والجيل الثاني من الرحابنة خارج المعادلة، هذا إذا لم نأت على ذكر من ليسوا من هذه القبيلة الفنيّة التي غزت العالم بإبداعها. قيل الكثير عن فرادة هذين الأخوين، وسيقال الكثير، ولا شكّ في أنّ هذا المثلّث المؤلّف من عاصي وفيروز ومنصور سيبقى غامضًا وعصيًّا على الإحاطة والتحليل، ولكن أركان هذا المثلث نفسه لن يقبلوا أن يهيمن فنّهم على إنجازات آخرين وهم أمضوا أعمارهم في محاربة الظلم والفساد وتحدّي التسلّط والهيمنة، فهل نكافئهم بأن نجعلهم كذلك؟
     من المعروف أنّ السياسيين لم يتّفقوا على منهج لتاريخ لبنان السياسيّ، وحتّى الآن لا كتب تاريخ بين أيدي التلاميذ على الرغم من رصد مبالغ كبيرة أهدرت على مشاريع لم تر النور. فلماذا لا يكون تاريخ لبنان الإبداعيّ هو الحلّ؟ لماذا لا يكون هناك متّسع لكلّ مبدع ساهم في "رفع اسم لبنان عاليًا" على ما تقول البيانات الرسميّة عند الإشادة بجهد أحدهم؟ وهل صعب علينا أن نوزّع حصص التاريخ خلال مراحل الدراسة الطويلة على آلاف المبدعين في مختلف المجالات ويكون للأخوين رحباني مكانهما بين أصدقاء وزملاء عملوا معهم في الارتقاء بالفنّ والشعر والمسرح والموسيقى إلى حيث نحن الآن، وفي التمسّك باللغة اللبنانيّة والعادات والتقاليد وأنواع الأزهار والأشجار وأجزاء البيت اللبنانيّ التقليديّ؟ وهل يجوز أن يعرف تلاميذنا الأخوين رحباني فقط ولا يعرفون توفيق الباشا وزكي ناصيف وفيلمون وهبي وروميو لحّود، أو صباحووديع الصافي ونصري شمس الدين؟ أو رضا خوري وروجيه عسّاف ونضال الأشقر وريمون جبارة ونبيه أبو الحسنوشوشو؟ أو وليد عقل وعبد الرحمن الباشا ومارسيل خليفة؟ أو رياض شرارة وهند أبي اللمع وليلى كرم وإيلي صنيفرومحمّد شامل؟ أو شحرور الوادي وخليل روكز وزغلول الدامور وزين شعيب وموسى زغيب؟ أو بول غيراغوسيان وصليبا الدويهي وخليل الصليبي ووجيه نحله؟ أو ميشال طراد وطلال حيدر؟ وغيرهم كثير ممّن لا تحصرهم الذاكرة في هذه العجالة ولا يتّسع لهم المجال، فأجد نفسي مضطرة إلى التوقّف عن استحضار أسماء لا تكفيها أعمارنا كي نحيط بأعمالها. لذلك يحتاج هذا الأمر إلى لجان متخصّصة وعمل متأنّ ودراسة وافية تجعل تاريخ لبنان تاريخ الإبداع فلا يُهمل فنّان أو عالم ولا يُنسى ملهِم، فيتعلّم تلاميذنا ما يجمعهم ويهذّب ذوقهم الفنيّ ويجعلهم يفتخرون بوطنهم.
     وأهمّ ما في الأمر ألاّ يكون هؤلاء المبدعون عبئًا دراسيًّا على التلاميذ، فلا امتحانات ولا محفوظات ولا صراخ ولا تأنيب بل فسحة للتحليق في فضاءات الفنون الشاسعة حيث تتطهّر عيون التلاميذ وآذانهم ونفوسهم ممّا علق فيها من بشاعات الفنّ التجاريّ. قال دوستويفسكي: الجمال سوف ينقذ العالم. وعندنا من الجمال كثير فحرام أن نوصد عليه الأبواب!


* صحيفة البلاد البحرينيّة - الخميس 19 شباط 2009

الأحد، 13 مارس 2016

الفيسبوك الذي سوّد الوجوه والصداقات

تصوير باتريك نوتلي

صحيفة البلاد البحرينيّة - 2009

     أعتذر من كلّ الجيران الذين أغلقت أمام أعينهم ستائر غرفة نومي، وحجبت عنهم رؤيتي وأنا أبدّل ملابسي. أعتذر منهم لأنّني كنت أنانيّة ولم أفكّر إلاّ في نفسي، ولأنّني كنت رجعيّة لا تعرف أنّ المستقبل أسرع من لمح البصر، ولأنّني كنت أخجل وأعتبر التعرّي أمام الغرباء خطأ وخطيئة.

    فلو كنت أعلم ما أعلمه اليوم، لما عذبت نفسي بإطفاء الضوء في كلّ مرّة أقف فيها أمام الخزانة، وبإسدال الستائر المزدوجة السميكة، ولما حرمت الجيران من مشاهدة عرض مجّانيّ لجسد فتاة، مجرّد فتاة، والفتيات عن بُعد وَهْم نساء، ووهم جمال، ووهم جنس.
   

    عندما اشتركت في خدمة الفيسبوك أردت أن أراقب قدر المستطاع ما تنشره بنات أختي المراهقات من صور وأخبار، وما يُرسل إليهنّ من صور وأخبار. فشقيقتي لم يكن لها بعد خبرة في عالم الكمبيوتر، وأنا "خالة" مزعجة، فضلاً عن أنّني كنت حتّى الأمس القريب مدرّسة ومسؤولة عن الصفوف الثانويّة (يا لسوء حظّ بنات أختي!).


    المهمّ، اكتشفت أنّ الفيسبوك ليس علبة صور عتيقة لوجوه أليفة تعيد إلينا الذكريات الجميلة، بل هو صندوق "بندورا" متى فتحته وجدت نفسك أمام عالم غريب عجيب من الثرثرة والمعلومات والفضائح والمجموعات ذات الميول المختلفة والصور المثيرة لفتيات وشبّان يحاولون أن يقلّدوا نجوم عرض الأزياء والمسلسلات والأفلام في لباس البحر أو في ملابس النوم أو في السهرات وكلّ واحدة منهنّ أو واحد منهم يريد أن يقفز من الشاشة ليرتمي في حضنك في مقابل لحظة متعة أو لمسة حنان. هو عالم تشوّه فيه معاني الصداقات، ويسوّد وجه المجتمع.


في دهاليز الفيسبوك، تلتقي بأشخاص اختفوا من حياتك منذ فترة، وها هم يقتحمون غرفتك ويعرضون عليك صورهم وأسماء أصدقائهم وهواياتهم وكلّ ما يمكن أن يخطر في بالك من معلومات عنهم. ولكن إذا أردنا أن نكون صادقين فهذه الوجوه لم تجتح كلّها محيط غرفتك كمخلوقات فضائيّة لم تكن تعلم شيئًا عنها. فأنت قصدت أن تبحث عن اسم ما، وأردت أن تتلصص على حياته التي عرضها في الأساس على عيون الناس لأنّه هو نفسه يريد أن يراقب حياة سواه، أردت أن تعرف عنه ما لم يخبرك به لأنّه ابتعد واختفى، وكنت أحيانًا تفرح، وكنت أحيانًا تغار، وكنت أحيانًا تشمت، ولكنّك في كلّ الأحوال كنت تكتشف أنّ الناس يستطيعون أن يتابعوا حياتهم من دونك وها هي صور نجاحاتهم وأعراسهم وأولادهم تنبئك بأنّ الحياة مستمرّة خارج غرفتك، وبعيدًا عن مكتبك حيث يضاجع القلم الورقة وينجبا حكاية عن علبة صور لا تعرف ماذا تخبّئ لك وماذا تفضح عنك إن أراد أحدهم أن يسخر من صورتك التي التقطت ونشرت من غير معرفة أو إذن منك.


    المشكلة الوحيدة تقع في هذا الجوّ المشدود بين طرفَي نقيض لا مكان فيه للتعقّل والوعي والاعتدال والنضج: فإمّا شحن دينيّ يقود أولادنا نحو التطرّف ورفض الآخر، وإمّا فراغ دينيّ أو أخلاقيّ يقود أولادنا إلى الارتماء في حضن الآخر.


    هذا ما فعلناه طوال تاريخنا: عذريّة أو إباحيّة، موالاة أو معارضة، مدح أو ذمّ، إيمان أو إلحاد، شرق أم غرب، فقر مدقع أو غنى فاحش، معي أو ضدّي...وهذا ما نورثه لأولادنا الذين يغيب عنهم حسّ النقد والتحليل والجمال والحقّ والحريّة.

    أولادكم يضرسون لأنّكم مشغولون بأنفسكم ولا تدرسون تغيّرات المجتمع!

الأربعاء، 19 أغسطس 2009

ليلى كرم والموت قبل الموت

ليلى كرم وفريال كريم


  (19 آب 2009) 
     حين أتلقّى نبأ وفاة فنّان لبنانيّ، أتساءل في سرّي بأسى: هل اختارت رضا خوري أن تنسى الناس قبل أن ينسوها؟
     رضا خوري، أيقونة المسرح اللبنانيّ وقعت ضحيّة مرض الألزهايمر وهي في عزّ عطائها وشبابها، وماتت وهي لا تعرف أحدًا ممّن حولها. وحين أجريتُ تحقيقًا عنها لملحق النهار الثقافيّ شعرت برهبة النسيان وأنا أرى إلى عينيها التائهتين، أما اليوم وأنا أكتب عن ليلى كرم فأصحّح لنفسي شعورها السابق وأقول: بل هي نعمة النسيان.
     قلّة من الفنّانين بقيت إلى جانب ليلى كرم، الممثّلة القديرة، وساعدتها في مرضها الذي أوقعها في العوز والعجز. أمّا الدولة فكانت غائبة كعادتها حين لا يكون ثمّة صوت انتخابيّ سيغيّر المعادلة ويقلب موازين القوى. مشكلة ليلى كرم، بل مشكلة كلّ فنّان أصيل وأصليّ، هي في أنّه يصدّق نفسه حين يقول في المقابلات التي تجرى معه: تكفيني محبّة الجمهور. ولكنّ الجمهور يا ستّ ليلى مش عايز كده. ولولا العائلة البيروتيّة الكريمة التي ساعدتك في محنتك الأخيرة لما كنت وجدت مستشفى يستقبلك. ولكن هل تعلمين أنّ المستشفيات تضع في غرف المرضى تلفزيونات لتخفّف عنهم معاناة المرض وتكونين أنت بأدائك الرائع من بين الذين يبلسمون الجراح؟
     صار الكلام عن حقوق الفنّانين مزحة ثقيلة بعدما رحل أكثر الفنّانين الأصيلين، والآخرون يملكون من المال والعلاقات العامّة والخاصّة ما يجعل الدولة تستعطفهم وتطلب حقوقها منهم. ولذلك كان التمثيل الرسميّ في مأتم ليلى كرم شاهدًا على طبقيّة تتعامل بها الدولة مع الفنّانين، وهي الطبقيّة نفسها التي جعلت وسائل الإعلام تتعامل مع خبر موتها بخفّة وتسرّع وفي كلمات مختصرة لا تفي حقّ تلك التي ملأت أمسياتنا بكاء وضحكًا أيّ: حياة.
عاصي الرحباني عالجته الحكومة السوريّة التي عالجت كذلك وديع الصافي، وليبيا قدّمت منزلاً لصباح التي كانت تشير في أحاديثها الأخيرة إلى مساعدات ماليّة تتلقّاها من أميرة كويتيّة صديقة. ثلاث قمم فنيّة لم تجد في بلادها إلاّ حفّارات التفتيت تريد أن تسوّي بها الأرض وهي خلقت لتسمو وتعلو. وغيرهم عدد لا يحصى من الكبار الذين لاذ كلّ منهم عند الشدّة والشيخوخة في حضن عائلة كان يهملها رغمًا عنه لإرضاء "الجمهور الحبيب" و"لإعلاء شأن الوطن".
     ليلى كرم ماتت مليون مرّة قبل أن تموت، وحين كنت أصادفها عند طبيب الأسنان الرسّام الفنّان الذي كان يعالجها مجّانًا كما كانت تخبرني، كنت أكتشف كيف يموت الإنسان من الغبن والخيبة والخجل لاضطراره إلى قبول مساعدة ولو أتت من صديق.
     ليلى التي انضمّت إلى أديب حدّاد (أبو ملحم) وسلوى حدّاد (إم ملحم) وإيلي صنيفر وهند أبي اللمع وأنطوان ريميوالياس رزق وابراهيم مرعشلي ومحمّد شامل وعلياء نمري وسواهم، بكاها في مأتمها آماليا أبي صالح (بدور) وليلى حكيموجهاد الأطرش وليليان نمري وخالد السيّد وأنطوان كرباج وصلاح تيزاني (أبو سليم) وسواهم، ولكنّ السؤال الحقيقيّ هل كانوا يبكون ليلى كرم أم يبكون أنفسهم؟

* صحيفة البلاد البحرينيّة - 9 كانون الأوّل 2008

ليلى كرم في مشهد دراميّ من أدائها (الرجاء الضغط على الرابط)

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

المطربة وداد ووحياة عيوني بتندم

وداد ووديع الصافي

وحياة عيوني بتندم

 ثمّة مطربات خلّدهنّ التاريخ مع أنّهنّ لم يعشن طويلاً ولم يقدمن أعمالاً فنيّة كثيرة كما هي الحال مع أسمهان مثلاً التي استطاعت على رغم عمرها القصير أن تكون مطربة كبيرة، غير أنّ هناك فئة من المطربات الكبيرات اللواتي تركن أغنيات قليلة بالنسبة إلى سواهنّ، أو ارتبطت أسماؤهنّ بأعمال محدّدة أو بمرحلة زمنيّة معيّنة قبل أن ينسحبن إلى عتمة النسيان، ومع ذلك تركن بصمات خالدة على الفنّ العربيّ. والمطربة "وداد" التي رحلت منذ أيّام واحدة منهنّ.
     عندما نقرأ أنّ مبدعًا رحل، نتذكّر تلقائيًّا آخرين كانوا لا يزالون أحياء يرزقون غير أنّنا في غمرة البهرجة الإعلاميّة لسواهم أضعناهم أو غيّبت عنّا أخبارهم، وما عدنا نعرف أنّهم كانوا على قيد الحياة لولا خبر انتقالهم إلى الحياة الثانية. وهناك من ظلمته حياته الفنيّة التي كانت مجحفة في حقّه، أو من ظلمه الإعلام، أو من خانته الصحّة والحرب، أو من قيّدت حركته الالتزامات العائليّة ومتطلّبات الحياة، أو من لم يتعلّم لعبة التسويق في عصر قائم على العرض والطلب وسرعة الحركة واحتفال الأضواء والألوان وهم لا يزالون يعيشون في زمن جميل وهادئ محصور بالأبيض والأسود. نور الهدى،لور دكّاش، زكيّة حمدان، فدوى عبيد، سعاد محمّد، هيام يونس، سعادالهاشم (أوّل مطربة غنّت لزكي ناصيف) وماري عطايا (سيّدة الأغاني البلديّة)، هنّ بعض اللواتي عبرت نجوميّتهنّ (مقارنة مع سواهنّ) كالشهب في ليل الأمنيات، وسعيد من أتيح له أن تلتقط مرورهنّ أذناه قبل عينيه. كلّ واحدة منهنّ مدرسة في حدّ ذاتها، في أدائها ونوع أغنياتها وشخصيّتها وحضورها وعبورها إن إلى الصمت أو إلى الغياب. و"وداد" من هذا الرعيل الفنيّ، وما زال كثر حتّى اليوم يردّدون عبارات من أغنياتها ولا يعرفون لمن هي، وخصوصًا تلك اللازمة الشهيرة "وحياة عيوني بتندم/ بدّك تقهرني؟/طيّب/ غِبلك شي غيبة وجرّب/ ولما بترجع يا حبيّب/ يا حبيّب شو بدّك تندم"، والتي صارت تهديدًا تستعمله العاشقات في كلّ مرّة يرغبن في الردّ على الهجر والصدّ.
     كانت "وداد" زوجة الشاعر عبد الجليل وهبي مؤلّف أغنية: جنّات ع مدّ النظر، ثمّ ارتبطت بالموسيقار توفيق الباشاوعند خلافها معه كتب لها الشاعر سامي الصيداوي أغنية "بتندم" ولحّنها لها، فصارت أغنية كلّ عاشقين متخاصمين. وهي والدة عازف البيانو العالميّ عبد الرحمن الباشا، فضلاً عن أنّها من المطربات اللواتي بدأن حياتهنّ في مرحلة مبكرة جدًّا (في التاسعة من عمرها) وتابعن المشوار الفنيّ مع عمالقة الطرب كوديع الصافي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، وهي صاحبة ستة آلاف أغنية موزّعة على الإذاعات العربيّة، وبينها ما تبثّه الإذاعات من غير إشارة إلى صاحبتها، وفيها من الجمال ما يجعلها تعلق في الذاكرة والقلب وتتردّد على اللسان في كلّ سهولة من دون أن تسقط في الإسفاف أو الخفّة، كأغنية "ألف وردة وردة" التي تغنّيها "وداد" بصوتها الدافئ ذي البحّة الآسرة قائلة" يا ريت في عندي شي ألف وردة وردة/ بقدّمهن هديّة/ بعيدك يا عينيّ/ يا ريت يا ريت". وأغنية "تصوّر وابعتلي صورة" وتقول: تصوّر وابعتلي صورة/ أنا عندي صورة زغيّورة/ وحدة بعلّقها بالدار/ ووحدة بقلبي محفورة"، وأغنية "صبّحته ما ردّ" التي يقول مطلعها: "صبّحته ما ردّ/ مسيّته ما ردّ/ تاري الأخ كتير يا با آخدها عن جدّ/ والله".
     تذكّرني هذه الأغنيات لـ"وداد" بأنّ ذوقنا الفنيّ يستطيع متى اعتاد الفنّ الأصيل أن يترك فيه فسحة للطرب والدلال، للصلاة والغناء، للصعوبة والسهولة، للرجولة والأنوثة، من دون أن تجنح واحدة من هذه الاتجاهات نحو الخطأ أو الأصوليّة أو المبالغة ومن دون أن يلغي أحد أحدًا، ومن دون أن يهيمن نوع على نوع ما دام الأمر ضمن إطار الفنّ الصحيح والجميل. ولعلّ البرامج الفنيّة عبر الإذاعات وعلى التلفزيونات المحليّة والفضائيّة (وستار أكاديمي واحد منها مهما كان رأينا فيه) ملزمة بإيلاء هذه الجوانب كلّها الاهتمام الضروريّ، في حملة تنظيف هائلة تطهّر أذواق الناس وعيونهم وآذانهم من البشاعة والضجيج والغريب القبيح.

جريدة البلاد البحرينيّة - الثلاثاء 24 شباط 2009

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.