‏إظهار الرسائل ذات التسميات في صحيفة النهار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في صحيفة النهار. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 أغسطس 2022

عولمة الأمراض (2003)



عولمة الأمراض
صحيفة النهار – الاثنين 5 أيّار 2003
       ها العولمة تحاول الانتشار بين البلدان كالأمراض المميتة، وها القرية الكونيّة تخضع للحَجر الصحيّ، ويقبع فيها المرضى منتظرين الموت أو الشفاء العجائبيّ.
       أرادوا إزالة الحواجز بين الأمم، فاجتاحتِ الأممَ موجاتٌ من الأمراض الخبيثة؛ وأرادوا هدم الحدود بين الحضارات وتذويبها في حضارة كونيّة أحّاديّة الرؤية واللغة، فانطلقت الأوبئة المميتة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وساهمت وسائل الاتّصال الحديثة، العاجزة عن التواصل، في تنقّلها بين مختلف قارات الأرض.
       من المستحيل اليوم أن يُحصر الوباء، أيّ وباء، في منطقة معزولة، لأنّ السرعة التي افتخر الإنسان بالوصول إلى عصرها، هي نفسها التي تنقل مرضًا فتّاكًا من مكان إلى آخر، من دون رادع أو ضابط، ولأنّ السهولة التي ينتقل فيها الإنسان من مكان إلى آخر تتيح للميكروبات والفيروسات إمكان التجوّل من بيت إلى بيت، ومن قارّة إلى قارّة، ومن الأرض إلى الكواكب والنجوم.
       تعرّضت الإنسانيّة في مختلف العصور لأنواع من الأمراض والأوبئة، راح ضحيّتها ملايين البشر. وكان الإنسان يرغب خلالها في الوصول إلى زمنٍ يقضي فيه العِلم على المرض، ويضع حدًّا لانتشاره. لكنّ النظام العالميّ الجديد الذي نخضع لشروطه يفضّل أن يخترع الداء لا الدواء، وأن يصدّر الوباء لا اللقاح، وأن ينشر الجيوش لا الأطبّاء، وأن تكون موازنات وزارات الدفاع أكبر بكثير من تلك المخصّصة للاستشفاء والتربية.
       إزالة الحدود هي التي جعلت الصغار يشاهدون عبر وسائل الإعلام ما يراه الكبار،
وجعلت المراهقين عجزة سئموا "تكاليف الحياة" ولمّا يصلوا إلى مرحلة الشباب،
وجعلت الإعلاميّين يفهمون في كلّ الأمور أكثر من الخبراء المتخصّصين،
والكلاب والهررة تقيم في غرف لا يستطيع كثير من الأطفال الحصول على بعض رفاهها وأناقتها ودفئها،
والرجال بنعومة النساء، والنساء بخشونة الرجال،
والتلاميذ زبائن مقتنعون بأنّهم على حقّ مهما فعلوا،
والمربّون من أصحاب العصمة،
والمجرمون في مراكز القرار،
والأبرياء في غياهب السجون،
وحاملو الشهادات المزوّرة من أرباب الثقافة...
في عصر العولمة وضياع الهويّات وسرعة الحركة، صار كلٌّ منّا كلَّ شيء وكلَّ أحد إلّا نفسه.


الجمعة، 12 أبريل 2019

ضحايا نيسان 1975 (صحيفة النهار 2010)


بيكاسّو - المرأة المنتحبة


     لم تتوقّف الحرب التي بدأت في 13 نيسان 1975 ولم ينته مسلسل العنف ولم يوضع حدّ لعمليّات التعذيب والتنكيل والتشويه والإذلال؛ والقلوب التي نمت على الحقد لم تعرف السلام الداخليّ بعد.
ما أتحدّث عنه هنا ليس ما يجري في كواليس السياسة وأزّقة الصراع وبؤر المؤامرات، ما أتحدّث عنه هو الكثير من المقاتلين الذين كانوا مراهقين في بداية الحرب وتزوّجوا وأنجبوا ولا يزالون حتّى اليوم يمارسون مختلف فنون الحرب ولكن...في منازلهم ومع نسائهم وأولادهم.
     إنّ نظرة سريعة إلى بيوت عدد كبير من هؤلاء المقاتلين تظهر مشاهد لا تصدّق من الممارسات الشاذّة كأنّ الواحد منهم لم يع بعد أنّ هذه المرأة هي زوجته وليست أسيرة عنده وأنّ هؤلاء الأولاد هم أبناؤه وليسوا معتقلي حرب.
     تقول إحدى الزوجات: كنّا صغارًا حين تزوّجنا، وهو الآن نادم على قراره ويعاملني كأنّني سرقت منه حياته وشبابه فيضربني ويشتمني ويخونني ويهدّد بقتلي إذا ما خالفت أوامره.
     وتقول زوجة ثانية: لا يزال زوجي يحتفظ ببزّته العسكريّة ويرتديها حين يرغب في ممارسة الجنس طالبًا منّي أن أفعل ما تفعله النساء في الأفلام الإباحيّة، وإذا رفضت ضربني بالحزام السميك وركلني بالحذاء الضخم ثمّ اغتصبني.
     وتقول زوجة ثالثة: يجبر زوجي أولادنا على مشاهدة عمليّة الإذلال وإذا بكى أحدهم أو تدخّل مدافعًا عنّي ضربه وهدّد بحرقه بأعقاب السجائر.
     وتقول زوجة رابعة: يشعر زوجي بالإحباط فهو في الحرب كان الآمر الناهي وجاء السلم ليخذله ولا يحقّق له ما كان ينتظره. لقد عاد رجلاً عاديًّا، لا يعيره أحد أيّ اهتمام فيصبّ غضبه علينا.
     وتقول زوجة خامسة: زوجي ترك المدرسة والتحق بالحزب، وصرف ما ربحه في الحرب على المخدّرات والنساء والسلاح، ويعمل الآن في شركة أمن خاصّة ولا يكفينا راتبه ثمن الكحول. وإذا لم أعمل وأجلب له المال ضربني وضرب الأولاد.
     حكايات النساء عن "أبطال" حروبنا الصغيرة لا تنتهي، وآثار العنف والضرب والإهانة تظهر واضحة في عيون أولادهم الذين بدأوا يضربون زملاءهم وإخوتهم لردّ الاعتبار لأنفسهم أوّلاً ولتقليد آبائهم ثانيًا، وثمّة بينهم من يضرب أمّه أو جدّته. وفي حين تغلّف هذه الحكايات بالصمت والكتمان والتعتيم، يزداد عدد ضحايا 13 نيسان ويتواصل مسلسل العنف في بلد لا يجرؤ أحد فيه على فضح الأسرار العائليّة وشعار أهله يقول: "خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح".
     لا أعرف إن كان ثمّة إحصاءات حول هذا الموضوع، أو دراسات حول هذه الفئة العمريّة من الرجال (بين 45 و55 سنة) الذين كبروا فجأة حين أطلقوا الرصاصة الأولى على الضحيّة الأولى. ولكن مجرّد التواجد في محيط توجد فيه هذه الشريحة من الرجال غير المتعلّمين وذوي الدخل المحدود جدًّا والمقتنعين بأنّهم لم يوفّقوا كما يجب في حربهم الأولى يكفي كي نخاف على أنفسنا حين نسمعهم يقولون وبريق تقشعرّ له الأبدان يسطع من عيونهم: لو تعود الحرب لأيّام فقط لنعوّض ما حرمنا منه.
     ولكن ما الذي حرم منه هؤلاء؟
     الجواب: الإدمان على القتل والعنف والتذويب في الأسيد والاغتصاب ورمي الجثث في مكبّ النفايات أو تحت الجسور أو في مقابر جماعيّة والشعور بالتفوّق والمتعة في فرض قوانين خاصّة.
وأولادهم المراهقون الضحايا؟
     هم مع الأسف أسرى حرب يتماهون مع معتقليهم ويقلّدونهم على الرغم من الكره الشديد الذي يحملونه لهم، والغضب العنيف الذي يجعلهم يتمنّون الموت لآبائهم وهم لا يعرفون أنّهم باتوا، في غياب المعالجات النفسيّة والمتابعة الاجتماعيّة، نسخة طبق الأصل عنهم، أي قنابل موقوتة لا نعرف متى تفجّر نفسها فتجرف معها احتمالات الخلاص.

الأحد، 9 ديسمبر 2018

متى الغفران المسيحيّ؟ (2009) - (من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

منحوتة من خشب الأرز للفنّان رودي رحمة - غابة الأرز - لبنان


أربعة أسباب قد تدفع زعيمًا لبنانيًّا لمصالحة عدوّه أكان هذا العدو شخصًا أم دولة:

السبب الأوّل: الرغبة في الغفران والتعالي فوق الإساءة مهما كان حجمها، وهذان الأمران ينبعان من التزام دينيّ يجعل الإنسان الملتزم في داخل هذا الزعيم يتصرّف بوحي إيمانه وانسجامًا مع التزامه.

السبب الثاني: وضع مصلحة الطائفة التي ينتمي إليها هذا الزعيم – وما من زعيم لبنانيّ لا يمثّل طائفة – فوق كلّ اعتبار، وهذا يعني تخطّي المشاعر الشخصيّة والاعتبارات الذاتيّة من اجل إنقاذ الطائفة من تداعيات هذه العداوة.

السبب الثالث: وضع مصلحة البلد في سلّم أولويّات هذا الزعيم، فينسى (أو لعلّه يتناسى) حقده وغضبه، ويترفّع عن الثأر الشخصيّ (أو لعلّه يؤجّله) إذا كان في ذلك خلاص الوطن.

أمّا السبب الرابع فيكمن في طبيعة بشريّة لا يتخطّاها إلاّ القدّيسون والأبطال الشهداء وهو الخوف على الذات من مصير قاتم ينتظر هذا الزعيم إن استمرّ على عدائه شخصًا أو دولة لا قدرة له على الانتصار عليهما. فأيّ سبب من هذه الأسباب جعل الزعيمين اللبنانيين وليد جنبلاط وسعد الحريري يعلنان استعدادهما لزيارة سوريا متى سمحت الظروف؟ فالزعيمان المذكوران لا يزالان يعتبران أنّ النظام السوريّ مسؤول عن مقتل والد كلّ منهما، وأنّ كمال جنبلاط ورفيق الحريري راحا ضحيّتي النفوذ السوريّ والرغبة في الهيمنة على لبنان. ومع ذلك يعلنان أنّ لبنان لا يستطيع الاستمرار في عدائه للجارة الشقيقة.

فإذا كان الغفران المنبثق من التزام دينيّ هو الذي يجعل هذين الزعيمين يتخطّيان اغتيال والد كلّ منهما، فلماذا لا يتعلّم الزعماء المسيحيّون الغفران منهما بعدما عجز دينهم المسيحيّ القائم على الغفران عن تعليمهم ذلك؟ وإذا كانت مصلحة الطائفتين الدرزيّة والسنيّة تفرض على زعيميهما تناسي الماضي والارتفاع فوق مآسيه لإعلان عهد جديد من العلاقات السياسيّة مع دولة مجاورة هي امتداد لطائفتيهما، فلماذا لم يتعلّم زعماؤنا المسيحيّون ذلك من العهد الجديد في إنجيلنا، وفيه دعوة كي نكون حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام؟ وإذا كانت مصلحة البلد كما يعبّر الزعيمان الدرزي والسنيّ تقضي بمصالحة سوريا، فلماذا لا يتّعظ زعماؤنا المسيحيّون الحريصون على مصلحة البلد كما يعلنون في كلّ مناسبة ويصالح الواحد منهم أخاه قبل أن يقدّم قربانه على مذبح الربّ، وبدل أن يحوّلوا البلد أضحية على مذبح أنانيّاتهم؟ أمّا إذا كان الزعيمان اللبنانيّان خائفين على نفسيهما ومصير زعامتهما، وهما اللذان يتمتّعان بوحدة طائفتيهما المتكتّلتين حولهما وباتصالات عربيّة وعالميّة تجعلهما مطمئنّين ولو إلى حين إلى إمكان تأجيل أيّ حكم بحقّهما، فهل يعني ذلك أنّ زعماءنا المسيحيّين لا يزالون مقتنعين بأنّ مسيحيي لبنان لا يزالون محور اهتمام العالم وأنّ شعرة من رؤوسهم لن تسقط كي لا يسقط استقرار المنطقة وأنّ لبنان لا يطير إلاّ بجناحيه المسيحيّ والمسلم وأنّ الله لن يتخلّى عن كنيسته ولو تخلّوا هم عنها؟

المسيحيّون في لبنان يحسدون أبناء الطوائف الأخرى على زعمائهم: يحسدون الطائفة الشيعيّة على نبيه برّي، رجل السياسة، الذي كسر نظام الجامعة اليسوعيّة وحقّق لفتاة متفوّقة تستحقّ كلّ تكريم ومساعدة في تحقيق حلمها في الدراسة الجامعيّة، وعلى تكامله مع السيّد حسن نصر الله الذي يملك الذراع العسكريّة التي لا تلوى؛ ويحسدون الطائفة السنيّة على سعد الحريريّ الذي وضع ثروته في خدمة أبناء الطائفة، وبعلاقاته الدوليّة والعربيّة وفّر لهم غطاء يحميهم من تقلّبات الطقس السياسيّ؛ ويحسدون الطائفة الدرزيّة على وليد جنبلاط المدعوم من مشايخ الطائفة، والذي يعرف متى يزور الأمير طلال أرسلان ومتى يستقبل وئام وهّاب. أمّا المسيحيّون، الموارنة تحديدًا الذين يفوق عدد قادتهم الروحيّين والزمنيّين عدد الأتباع، فما عادوا ينتظرون من زعمائهم إلاّ المجازر العسكريّة بهدف توحيد السلاح، وتضييع الهويّة بحجّة الانفتاح مرّة على الشرق ومرّة على الغرب، و"الزحفطونيّة" من اجل الوصول إلى أقرب كرسي.
***
النهار - الأربعاء 22 تمّوز 2009

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

المسيحيّون يخسرون الأرض فهل يربحون السماء؟




أكثر الذين اتهموا الفلسطينيين ببيع أرضهم وبلادهم كانوا من المسيحيين. وأكثر الشعراء الذين كتبوا قصائد في حبّ الوطن اللبنانيّ غداة تكوّنه كانوا من المسيحيين. وأكثر الذين يفقدون الأمل بالكيان اللبنانيّ اليوم هم المسيحيّون الذين يبيعون أراضيهم تاركين لغيرهم مهمّة التغنّي بالوطن الجديد الآتي من الجنوب على جناحي المقاومة والتحرير، في أناشيد تمجّد الموت في سبيل أرض زُرعت ألغاماً وأنبتت قبوراً. فلماذا يبيع المسيحيّون أراضيهم؟ وماذا في استطاعة الكنيسة أن تفعل للحدّ من حركة البيع، أم فات الأوان ولم يعد في الإمكان تعويض الخسائر؟
لا يبيع كلّ المسيحيّين أراضيهم من أجل تأمين العلم والاستشفاء لأولادهم، ولا يخفى أنّ كثيرين يبيعون الأرض ليشتروا بثمنها سيّارات فخمة وبيوتاً كبيرة وأثاثًا فاخراً وبطاقات سفر للسياحة. أمام كلّ هذه المغريات تبدو شعارات الأرض والوطن والبقاء والصمود عملة بائدة لا قيمة لها في سوق التجارة. فالمسيحيّ بات ينظر إلى آنيّة المرحلة لا إلى مستقبلها، ويريد أن يستفيد من اللحظة الراهنة لا أن يخطّط لآتي أيّام قد لا يصل إليها. فالأرض بقاء والمسيحيّ يريد الرحيل، والعمل فيها ومن أجلها ميزته الصبر والانتظار وتقبّل تغيّرات الطقس وشحّ المياه وبوار المواسم، والمسيحيّ بات يستعجل الحصاد أيّاً يكن نوعه أو ثمنه. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ امتلاك الكنيسة مساحات شاسعة من الأراضي في لبنان ساعد في الحفاظ على الوجود المسيحيّ حتّى الآن، ولو كانت في أيدي سوى الكنيسة لبيعت، ولكن هذا لا ينسينا محاولات جرت لبيع أملاك تابعة للأوقاف أوقفها تدخل الفاتيكان، وان الاعتراف بدور الكنيسة في حفظ الأرض لا يعني إعفاءها من أخطاء ارتكبتها كعدم استغلال هذه الأراضي لإنشاء فرص عمل، فهي اكتفت معظم الأحيان بتأجير ما تملك لمحسوبين عليها مع ما يرافق ذلك من سمسرة وتجارة وسرقة. ولعلّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الكنيسة هو حصر تفكيرها في اتجاه تأمين منازل للسكن أو مساعدات مدرسيّة أو إعانات غذائيّة. في حين أنّ المنزل لا يؤمّن دخلاً ولا قسطًا مدرسيّاً ولا طعاماً، أمّا العمل فيؤمّن كلّ ذلك من دون أن يكون الناس عبئًا اقتصاديّاً على المؤسّسات الكنسيّة.
في موضوع بيع الأراضي، لا يتحمّل المسيحيّون وحدهم المسؤوليّة، فثمّة فريقان آخران لا يمكن تبرئتهما هما مسلمو الشرق ومسيحيّو الغرب. فمن واجبات المسلم الدينيّة والقوميّة والوطنيّة منع المسيحيّ من الهجرة لا أن يكون السبب في تهجيره، وإلاّ فلن يبقى الشرق ملتقى الديانات، ولن تكون لبلدان كفلسطين ومصر والعراق وسوريا ولبنان هويّتها التعدّدية التي كانت لها. ولهذا لا تبدو الهجمة الإسلاميّة من لبنانيين وعرب على شراء العقارات في المناطق اللبنانيّة المسيحيّة بريئة خصوصاً متى راقبنا التنافس بين اللبنانيين الشيعة والعرب السنّة، في وقت يعرف المعنيّون بالأمور ما ينتج من ذلك على صعيد التوزيع السكانيّ والتوازن الوطنيّ، لأنّهم بقدر ما يتوسّعون يجبرون المسيحيين على التقوقع في مناطق معيّنة في انتظار الهجرة أو الموت. علمًا أنّ الحجّة التي تُعطى وهي أنّ التزايد السكّاني يتسبب بالتوسّع غير صحيحة، فهناك الكثير من المساحات الخالية من السكّان في مناطق محسوبة على المسلمين ولا يبدو أنّ أحداً يفكّر في الاستثمار فيها. لا يعني هذا الكلام في طبيعة الحال أنّه يجب فرز المناطق طائفيّاً، ولو كان المسيحيّ يبيع هنا ليشتري هناك لكان الأمر مفيداً على صعيد الانصهار الطائفيّ، ولكن حين يكون البيع والشراء حركة اكتساح في اتجاه واحد يقع الخلل.
ومن واجبات مسيحيي الغرب الذين يدّعون الاهتمام بمصلحة أبناء دينهم في الشرق أن يساعدوهم على البقاء في أرضهم عبر تأمين مستلزمات الصمود والحياة الآمنة الكريمة من دون انتداب أو استعمار أو حروب، على الأقلّ ليبقى للمسيحيين وجود في أرض المسيح ومهد المسيحيّة. ولكن ما يحصل هو العكس تماماً مما يجعل الدول الغربيّة، حكومات وشعوبًا وكنائس، تضاعف الشرخ بين مسيحيي الشرق ومحيطهم، وتسهّل في ظروف مصيريّة معيّنة الهجرة إليها. فلنتذكّر أنّ الأموال التي تدفع لإقامة أيّ مؤتمر أو سينودس للبحث في مصير مسيحيي الشرق تكفي لشراء مساحات شاسعة من الأراضي تضمن بقاء هؤلاء في بلدانهم. وهذا أمر يتحمّل المسيحيّون وحدهم مسؤوليّته متى اكتمل المشهد بالذين يبيعون الأرض ليقيموا عرساً فخماً أو مأتماً فيه أكثر من مطران وعشرات الكهنة، فيخسرون الأرض ولا شيء يضمن أنّهم يربحون السماء.
 جريدة النهار - الثلثاء 28 أيلول 2010

الأربعاء، 4 يوليو 2018

"يا سلام" لنجوى بركات/ شخوص ما بعد الحرب في القتل والساديّة (النهار – 21 نيسان 1999)




"يا سلام" لنجوى بركات
شخوص ما بعد الحرب في القتل والساديّة
النهار – 21 نيسان 1999
(أعيد نشرها في أيّار، في صفحة نهار العرب والعالم من ملحق لو موند ديبلوماتيك)
"نوعان من الكائنات الحيّة فقط يصنعان حروبًا ضدّ جنسهما: الجرذ والإنسان. والاثنان لا ينفعان أيًّا من الكائنات الحيّة الأخرى ويدمّران كلّ أشكال الحياة..."
هذان النوعان هما بطلا رواية نجوى بركات الصادرة عن "دار الآداب"، في طبعتها الأولى "يا سلام". وتروح الرواية في محاولة بحث عن هذا السلام الذي أعقب الحرب اللبنانيّة، وعمّا فعله بأبطال الحرب ورموزها وضحاياها، وعن بيروت، المدينة التي تتزاحم السحب الرماديّة والسوداء في سمائها، وتتكاثر الجرذان الرماديّة والسوداء في شوارعها ومنازلها. وإن كان يحقّ لها أن تعود إلى الحياة – وتكون عاصمة الثقافة العربيّة لسنة 1999 – بعدما فشلت في أن تكون صانعة إنسانها ومجتمعها.
ثمّة أمر لافت وساخر في هذه الرواية، يتجلّى في اختيار أسماء الشخصيّات الرئيسيّة – وكلّها كذلك – "سلام"، العانس التي تبحث عن زوج تقتل أخاها المجنون كي لا يقف عائقًا أمام علاقتها بالرجل الوحيد الذي قَبِلَ أن يشبعها جنسًا بعدما أذاقها أنواع التعذيب والقسوة. "سلام" هذه، التي تفعل عكس ما يوحيه اسمها، وتعلن حربها الخاصّةـ بعدما انتهت حروب الآخرين على أرضنا، هل هي رمز السلام المشوَّه العاجز عن فرض نفسه أمام "أبطال" الحرب؟ وهل في عجزها عن إيجاد الزوج وإنجاب الولد والاحتفاظ بالشقيق، رمز آخر لفشل السلام الذي يبغي الاحتفاظ برموز الحرب، وإيحاء بأنّ أيّ زواج بين "سلام" وأيّ من المشاركين في عمليّات قتل الناس وتدمير البلاد لن يوصل سوى إلى الموت والجنون؟
"أبطال"
وسليم، أخوها، لا يحمل من السلامة إلّا اسمه. فقد عقله عندما اكتشف حقيقة الأبطال المزّيفين، وشهد على إجرامهم وأمراضهم النفسيّة، وإذ عجز عن الإعلان عمّ صار يعرفه، فضّل الانسحاب إلى عالمه الداخليّ الطفوليّ، وتخلّى عن عقله السليم، فتخلّت عنه أخته "سلام" ووضعته في المصحّ. أمّا "لقمان" بطل الحرب فلا شيء يربطه بلقمان الحكيم، الشخصيّة الأسطوريّة التي تُنسب إليها الحكم والأمثال، والذي لقّب بالمعمّر لطول عمره، في حين أن لقمان الرواية الذي نجا من الحرب مات خنقًا بالغاز وهو في زهرة شبابه وأحلامه بالسفر. ولم تنفع حكمة لقمان في ردعه عن الطمع الذي أودى به.
ونجيب، الرجل الذي تقتل سلام أخاها من أجله، بعيد عن كلّ نجابة وذكاء وحسن تخلّص، فقد هرب من تهمة التجارة بالمخدّرات ليعلق في فخّ المسؤولة عن المصحّ ورغباتها الجنسيّة، حيث توارى هربًا. وحين رغب في التخلّص من هذا الشرك، وجد في الأمانة التي تركها له مريض "عالِم"، معادلات كيميائيّة تجعله قادرًا على مكافحة الجرذان، فأوصلته الجرذان إلى الطاعون القاتل.
أمّا الياس، الملقّب بالأبرص، فقد سميّ تيمّنًا بالقديس الياس، "قدّيس أشبه بمحارب شرس منه بقدّيس، يشهر السيف باليد ويمسك بفروة رأس رجل مرتم على قدميه باليد الأخرى. قدّيس مقفل الملامح، ينتصب غاضبًا، كإعصار وسط حقل مزروع بجثث القتلى والحرائق والدمار" (ص 11 – 12).
والياس الأبرص اكتشفت أمّه حقيقة بطولاته يوم قلقت عليه، فلحقت به ليطمئنّ قلبها على وحيدها، فرأته في مكان عمله، في مركز بطولاته: "رأيتك... كنت تضحك! لماذا كنت تضحك يا أمّي، والرجل بين يديك عار يبكي ويتوسّل ويتوجّع ويصرخ ويستغيث بك أن ترحم أطفاله، إن لم يكن في قلبك رحمة عليه؟ لماذا كنت تضحك يا أبرص، وأنت تقتلع أظافره لالكمّاشة وتكسر أسنانه بكرة الحديد ثمّ تدلق عليه الماء وتكويه بقضيب ملتهب بالنار" (ص 188).
فهل كان الياس الأبرص – بحسب نجوى بركات – يستعيد مشهد شفيعه ويدافع مثله عن الدين، كما علّموه أن يدافع؟
المدينة
تبدأ رواية "يا سلام" بمشهد السحب التي تنظر إلى المدينة التي ما عادت تشبه نفسها ولا تشبه مدنًا سواها، والتي فقد أهلها عادة البكاء. وتروح الرواية ترسم شخصيّات أبطالها، وكلّ ما في هذه الشخصيّات يدعو إلى القرف والنفور والتقزّز، ومع ذلك فإنّ أحدًا من سكّان المدينة لم ينتبه إلى ما يجري، ورغم المرض والفقر والجنون، فإنّ دمعة واحدة لم تُذرف. أمّا القارئ، فمن المشهد الأوّل، يتوقّع الطوفان الذي سيغسل المدينة من عارها وشرورها وخطاياها، وينتظر من السحب التي تراقب من بعيد، أن تفرغ حمولتها من الدموع، في حين نضبت مآقي سكّان تلك المدينة الملوّثة. وهذا ما يحصل بعد بلوغ كلّ شخصيّة المصير الذي رسمته لنفسها. وتنتهي الرواية باستعداد السحب المتراكمة الحائرة فوق المدينة للهرب، بعدما رأت الأرض تميد تحتها منذرة بزلزال عظيم، فتبكي عليها.
إنّها رواية العلاقات المحرّمة التي ستفضي بالمدينة إلى مصير سدوم وعمورة، الأخت تسكت أخاها المجنون وتمنعه عن الصراخ بإعطائه ثديها، وعندما تجد رجلها تقتل أخاها وتطعم جرذان المدينة جثّته. والإبن يقتل أمّه حين يتبرّأ منها أمام رفاق صفّه، والأمّ تقتل هويّتها وتوافق على كذبته وتقول إنّها المربّية. ثمّ يقتلها ابنها مرّة ثانية يوم تكتشف حقيقة عمله وبطولاته وكيف يتمتّع بتعذيب الأسرى، وتقرّر الأمّ قتل ابنها لتمحو العار الذي شهدت فظائعه فتخنقه بالغاز وهو نائم. لكنّها لا تستريح بل تجنّ ويبقى طيف ابنها يتردّد عليها حتّى يفقدها عقلها، وعندما يلتبس عليها الأمر وتظنّ أنّ لقمان هو ابنها، تستعيد عمليّة قتله وتقتل نفسها معه.
ولقمان الذي كان وجد جرذًا في الفرن عند سلام، وتلذّذ بتعذيبه وخنقه بالغاز، عاد في اللحظة غير الملائمة ليزور أمّ الياس، بل ليسرق مالها قبل أن يترك البلاد نهائيًّا، فيعلق في شرك جنون ام الياس ويُقتل بالغاز.
ونجيب المدّعي المعرفة بأنواع الجرذان ووسائل مكافحتها والقضاء عليها، يموت بالطاعون، المرض الذي تنتقم به الجرذان من الإنسان حين لا يعود إنسانًا، وتجنّ سلام التي ضحّت بأخيها من أجل سياط نجيب وسكائره على جسدها المستمتع بالتعذيب.
السلام المجنون، ذاك ما بقي بعد انتهاء الحرب، والجثث المهترئة والقتلة الذين يُقتلون بما قتلوا به، والعنف الذي يولّد عنفًا. والرواية التي تدور حوادثها بين مصحّ المجانين ومركز الهاتف الذي تدّعي العاصمة أنّها ترتبط بواسطته بالعالم الخارجيّ، وحفريّات الآثار التي تردم مكتشفاتها جرّافات الحكومة، وبيوت الدعارة... تنتهي في انتظار الطوفان لعلّ فيه الخلاص.


الثلاثاء، 3 يوليو 2018

زكريّا تامر القصصيّ وأعماله الكاملة / الهروب من الواقع وغسل الفم (جزء ثانٍ وأخير)



زكريّا تامر القصصيّ وأعماله الكاملة
الهروب من الواقع وغسل الفم
زكريّا تامر الّذي صدرت له أعماله الكاملة عن دار رياض الرّيّس، هنا في قراءة له، جزءًا ثانيًا.
في عالم الخوف هذا، حيث الشّرطة في كلّ مكان، في كلّ صفحة، لا بدّ من أن يسود اللّون الأسود ليصبغ معه كلّ شيء.
في "ربيع الرّماد" تتساقط العتمة ثلجًا أسود (ص 93) وتبدو المدينة الميتة سوداء (ص 87)، واللّيل وردة سوداء (ص 11) ويجيء اللّيل كفنًا أسود (ص47) وتصير المرأة سوداء (ص 97) والرّجل أسود (ص 31).
وفي "الرّعد" نجد: "كان الحزن آنذاك حمامة ترتدي ثياب الحداد" و "زهرة سوداء (ص 11).
وفي "صهيل الجواد الأبيض": وتلاشى الثّلج الأسود" (ص 40) و"ربيع شعرها الأسود" (ص 13).
مقابل هذا السّواد الدّائم، هذا العالم اللّيليّ حيث تتداخل الكوابيس والواقع وحيث الحبّ والجريمة، الصّلاة والفجور، هناك الشّمس، عنصر أساسي في الدّيكور، لكنّها شمس لا توحي بالثّقة والاطمئنان، ولا يركن إليها، وإذا أخذنا الشّواهد من مجموعة "صهيل الجواد الأبيض" إنّما لكثافتها وتتابعها، دون أن يعني هذا إنّ المجموعات الأخرى لا تحتمل الرّؤية نفسها. الشّمس هنا نضرة (ص 11) أو "قرص مستدير أصفر" (ص21)، أو "كجسد أنثى فاتنة" (ص 35) أو "ناعمة الضوء" (ص131)، ثمّ تبدو "باردة حزينة هزيلة" (ص 57) أو قاسية (ص 105). أو هي الشّمس "الميتة" (ص 93) و"مجنونة اللّهب" (ص106)، والمتسمّرة (ص133) و"العتيقة" (ص 137).
أمر آخر يفرض نفسه على قارئ هذه المجموعة، هو العدد الكثير من أسماء الحيوانات الّتي ترمز إلى الشّرّ والبشاعة. وفي المرّات القليلة حين اختار الكاتب حيوانًا أليفًا ولطيفًا، كان هذا الحيوان ـ الرّمز وسيلة للهرب من واقع مرير كما في قصّة الحصان الأبيض. أو صورة مشوّهة ـ ضمن خطّة واعية ترفض المأثور والسّائد ـ فيتحوّل الخروف إلى جزّار، ويموت أبو فهد ويختفي جحا (ربيع في الرّماد ـ نداء نوح). ومن الممكن أن يكون هذا الحيوان مادّة تشبيهيّة منكسرة: "عيناها حمامتان وديعتان تحطّمت أجنحتهما" أو "تشايكوفسكي ضفدع حزين ولوركا بلبل أسود وكافكا صرصار من حجر" (صهيل الجواد الأبيض). أمّا الحيوانات الأخرى فهي من نوع: الذّئب والجرذ والغراب والوطواط الهرم الأعمى والدّودة الضّجرة وكلب الأسواق الأجرب والعناكب وخفّاش المدينة والصّراصير والقرد المحنّط والذّباب والجراد والحمار.
تثير قضيّة الصّدمة أو المفاجأة جدالًا بين متذوّقي القصّة، وهنا فريق يعتبرها عنصرًا سلبيًّا، ودليل ركاكة وضعف، وفريق آخر يرى فيها مادّة التّشويق والإثارة. لكنّنا لن نجد مفاجأة في قصص زكريّا تامر لأنّ  ظروفها متشابهة، حتّى أسماء الشّخصيّات لا تنوّع فيها يلحظ (رندا ـ عائشة ـ يوسف...) ولكن أن تتكرّر القصص وتتشابه إلى حدّ الرّتابة أمر آخر يستحقّ التّوقّف عنده: فقصّة "الخروف والجرار السّبع" تروى مرّتين (نداء نوح ص 376 وربيع في الرّماد ص 45) والحبّ المختبئ تحت قصف الطّائرات وهول الحرب يظهر في قصّتين متشابهتين ("النابالم النابالم" من مجموعة رعد، و"الحبّ" من مجموعة "دمشق الحرائق"). والولد الّذي يهمله أهله فيهرب من المنزل، يظهر في مجموعة "ربيع في الدّماء"(ص 53) و"دمشق الحرائق" (ص 71 وص 185) و"النّمور في اليوم العاشر" (ص 27)، والوصيّة نفسها تتكرّر في مجموعة "النّمور..." (ص 24) و"نداء نوح" (ص 343).
نشير أيضًا إلى إنّ قصص هذه المجموعة مترابطة ومتلاحقة تتمّات مقصودة واعية، أو كأنّها مشاهد تنتقل العين من واحد منها إلى آخر دون قطع أو توقّف، كأنّ الوقت لا يسمح باستراحة ولو قصيرة، حتّى إنّنا لنفاجأ في نهاية بعض القصص بمفاجآت ـ هل هي كذلك؟ ـ طريفة ولافتة. ولنأخذ الأمثلة من مجموعة "دمشق الحرائق" تنتهي قصّة "البستان" بعبارة "اللّيل الأسود آت" (ص 17) وتتبعها مباشرة قصّة "اللّيل" (ص 18). وتنتهي قصّة "أقبل اليوم السّابع" بعبارة "وكأنّ الغراب لا يزال جاثمًا على غصن شجرة النّارنج"، لتأتي بعدها مباشرة قصّة "الشّجرة الخضراء",
وفي نهاية قصّة "موت الياسمين" هذه العبارة: "غير إنّ الياسمين نبت بعدئذ في الرّماد شمسًا بيضاء" (ص 58)، لكن المفاجأة تنتظرنا (في الصّفحة 59) مع عنوان "موت الياسمين" وتنتهي قصّة الخراف بعبارة "ترتدي ثياب الحداد" (ص 115) لتليها قصّة "الرّاية السّوداء". وفي الصّفحة 139 تنتهي قصّة "موت الشّعر الأسود" بعبارة: "تطرق أبوابها مستنجدة فلا يفتح باب من الأبواب وتتلطّخ السّكّين بالدّم"، وتبدأ القصّة الّتي تلي مباشرة وعنوانها "الاستغاثة" بعبارة: "أقبلت الاستغاثة ليلًا إلى دمشق النّائمة طفلة مقطوعة الرّأس واليدين".
من يقرأ عادة ليستمتع بالقراءة لن يجد في قصص زكريّا تامر متعته، ومن يقرأ للتّسلية ستفاجئه رتابة هذا العالم إلى حدّ الجمود والموت، هذا العالم الّذي ينكشف بوقاحة تحت ستار الرّمزيّة والمثل، ومن يقرأ لينسى ستلاحقه أشباح الموتى والمضطهدين.
من يقرأ هذه المجموعة إذن؟ كلّ راغب في ساحة قتال يواجه كلّ ما لا يجرؤ على تسميته أو التّفكير فيه.
عالم ملعون ذاك الّذي سنجده في هذه الصّفحات الممتدّة على أكثر من أربعة عقود حيث الإنسان مهمل ومضطهد، وكلّ ما حوله أكثر أهميّة منه، هو عالم يستحقّ الخراب لعلّ الحياة تنبثق من الموت أو يمنع زكريّا تامر عن نفسه هذا الرّجاء، قد يكون في هذه الفقرة جواب ما.
"فليمت أهل البلدة جميعًا، فلتكن زوجاتهم قطعان ماعز ولتخرج الجرذان من مخابئها تحت الأرض ولتأكل الأطفال في مهودهم. فلتكن البلدة بلا أطفال حتّى الأبد... سيّدها الحيوان، وها هو ذا اللّيل يهبط  فوق الأرض كسقف من الوطاويط وأنا بلا امرأة. لا بيت لي. وطفلي الّذي انتظرته بكثير من الحنين والفرح تركته وانطلقت كريح غاضبة. سيأتي الغد. التّراب جلد الأرض الخشن. سيضمحلّ التّراب. الأرض فولاذ بارد. المحاريث يائسة محطّمة. لا سنابل. لا شجر. الأنهار سود. جراح بلا ماء. المنازل مقابر. الملوك يمشون بكبرياء بلا رؤوس... لقد شنقوا القمر. ونهر من الأغنيات ينأى عن المدن كسحابة لها آلاف الأجنحة. الجراد يمحو اخضرار الأرض. الأمّهات يخنقن أطفالهنّ ويرمين جثثهم إلى كلاب تنتظر بأفواه مفتوحة تتدلّى منها ألسنة طويلة مرتجفة. الشّبّان يذبحون آباءهم ويسكرون وهم قاعدون على أسمنت الأرصفة والذّباب يتسلّل إلى أفواه الشّبّان ثمّ يتسرّب إلى داخل الرّؤوس، وهناك سيطنّ حتّى يقبل الموت. حلّ موعد العشاء. العائلة السّعيدة أكلت طفلًا مسلوقًاـ كان طفلًا من أطفالهاـ ثمّ غسلت أفواهها وأصغت إلى أغنية : آه يا ليلى. سيأتي الغد" (دمشق الحرائق ، ص 289).
هل حلّت اللّعنة؟ ألا  خلاص؟
ميّ م. الرّيحاني
الاسم المستعار لماري القصّيفي
جريدة "النّهار" السّبت 5 تشرين الثّاني 1994
*زكريّا تامر ـ الأعمال القصصيّة الكاملة ـ عن دار رياض الرّيّس للكتب والنّشر: صهيل الجواد الأبيض، ربيع في الرّماد، الرّعد، دمشق الحرائق، النّمور في اليوم العاشر، نداء نوح.



زكريّا تامر القصصيّ في اكتمال/ قراءة للرّموز المختبئة والّتي تضيء (جزء أوّّل)



زكريّا تامر القصصيّ في اكتمال
قراءة للرّموز المختبئة والّتي تضيء
في قصص الرّعب الّتي يكتبها زكريّا تامر(1) لا يوجد مغنّون وموسيقيّون. لا يوجد وسائل إعلام ومسارح. في عالمه القصصيّ لا يرتفع إلّا صوتان: صوت السّلطة وهي تأمر، وصوت الضّحيّة الّتي وقع عليها الأمر، تصرخ وتستغيث. في عالمه، الأغنية أنين ونواح، والموسيقى عويل وصراخ، ووسائل الإعلام تعلن انتصارات وهميّة، والأمكنة، كلّ الأمكنة، تصلح ملعبًا للسّلطة الضّجرة، تلعب فيه أدوارًا لا تتغيّر.
النّاس في هذا العالم يرون ويسكتون، أمّا إذا شذّ أحدهم عن القاعدة وانطلق صوته، المخنوق عادة، فلكي يغنّي: مسكين وحالي عدم (ربيع في الرّماد ـ ص 43).
وأبو فهد الّذي يكرّر هذا المطلع ليس الوحيد المتعب، بل إنّ كلّ الّذين يعيشون في عالم زكريّا تامر القصصيّ مساكين وحالهم عدم، تحيط بهم بيئة غنيّة المشاهد: صحراء، بحار، أنهر، حارات، بيوت، معامل، بساتين، مقابر... وكلّها، ولا استثناء، تصلح مسرحًا لجريمة قتل، أو اغتصاب، أو ملاحقة سلطويّة.
المكان في هذا العالم القصصيّ واحد وإن اختلفت تسمياته، يمكننا أن نحصره في حارة السّعديّ الّتي يكثر ذكرها في المجموعة، أو نتوسّع به لنبسطه على العالم العربيّ كلّه، من المحيط إلى الخليج، وعلى أي مكان لا يعطي الإنسان قيمة فيه. ولكن تامر استثنى مدينتين عربيّتين، رأى فيهما عبرة ودرسًا فذكرهما بالاسم، وهما دمشق وبيروت: دمشق مدينته، وبيروت مدينة كلّ المثقّفين والمضطهدين ليحكي قصّة بنائهما وتاريخهما وواقعهما، فدمشق "توافد إليها أناس كثيرون ونصّبوه (من بنوها) ملكًا عليهم، ولمّا مات توارث الملك أبناؤه وأحفاده، فكان بعضهم ربيعًا، وبعضهم نارًا" (نداء نوح ـ دمشق) "أمّا بيروت فلم تنج من الهدم والسّبيّ والقتل على أيدي رجال يقال أنّهم تفوّقوا على هولاكو" (نداء نوح ـ بيروت).
الأمكنة لا تبقى على طهرها وبراءتها مع هذا القاصّ، أساسًا لا شيء يبقى هكذا ما دام الإنسان ملاحقًا ومظلومًا. والأمكنة عنده شريكة في الجريمة، أو شاهدة عليها، أو متلقّية لنتائجها. فالنّهر ليس مجرّد منظر طبيعيّ مؤنس، بل متّهم ملاحق يهدّده الشّرطيّ ويمنعه من التّدخّل في الشؤون السّياسيّة: "اتّكأ الشّرطيّ بمرفقيه على سور النّهر وصاح بصوت خشن صارم: أين النّهر؟" (النّمور، ص 20). وإلى جانب النّهر القبض على الأبرياء، فحين "إتّكأ عمر السّعدي بمرفقيه على سور النّهر وتأمّل منتشياً المياه المنسابة تحت ضياء الشّمس"، "أقبلت بغتة سيّارة الشّرطة" وكان القبض عليه دون ذنب ورمته في السّجن (ربيع في الرماد، ص 71).
وفي قصّة "النّهر ميت" نقرأ: "إستندت بمرفقي الى السّور الحجريّ وثبّت نظراتي على مياه النّهر المتدفّقة تحت ضياء نهار ناعم وقلت لنفسي، ليتني نهر... ليتني بلا أب... بلا مدينة... بلا إسم" (صهيل الجواد الأبيض).
البستان أيضاً لم يوفّره قلم زكريّا تامر، ولم يبقه على خضرته وزهوره بل حوّله إلى مكان للجريمة "ترك الأخ جسم أخته في البستان وأخذ رأسها معه وعلّقه على حائط الغرفة الّتي ينام فيها" (النّمور، ص 70). وفي قصّة "البستان" نرافق الحبيبين في رحلة حبّ وأحلام وأمنيات، وما إن يدخلا حتى تحاصرهما مجموعة من الشّبّان بغتصب أفرادها الفتاة بعدما ضربوا حبيبها" (دمشق الحرائق).
يبدو واضحًا إنّ تامر لا يجد رموز الحياة حيث يجدها باقي النّاس. عنده تمتلئ المدن والحارات بالموت حين إنّ القبور تمتلئ صخبًا وحياة. "سيّارة الشّرطة تشبه تابوتًا عتيق الخشب" (الرّعد، ص 20) ومقهى المدينة "يشبه تابوتًا مهترئ الخشب" (النّمور، ص 47)، ومخفر الشّرطة يبدو كقبر ضخم (الرّعد، ص 127). والرّجال " رؤوسهم منكّسة يتبعون بتثاقل تابوتًا كان في ما مضى شجرة تحبّها العصافير" (صهيل الجواد الأبيض، ص 133)، والياسمين "ينبت خفية في المقابر مرتديًا أكثر الثّياب حلكة" (دمشق الحرائق، ص 53).
ولعلّ مجموعة "الرّعد" تقدّم دليلًا ذا مغزى حول هذا الأمر، ففي الصّفحة الأولى من كلّ قصّة، بل في الأسطر الأولى، يحدّد الكاتب المكان/ المقبرة: "ثمّ دفنه بعد ساعات في مقبرة محاطة بالمنازل" (ص 11)، "أقف بين الأضرحة البيض" (ص15) ، "دخل شرطيّ بدين إلى القبرة" (ص 29)، "لقد ولد عبد الله بن سليمان حافيًا وترترع حافيًا ويسير حثيثًا إلى القبر بقدمين حافيتين" (49).
لا بدّ أن تلفتنا في هذه الإشارات / النّموذج العلاقة بين السّلطة والمقبرة  وكأنّها علاقة السّبب بالنّتيجة. ولا يمكننا إلّا أن نتوقّف عند هذه المرارة في اختيار اسم عبد الله لهذا البطل ـ العبد الّذي ولد حافيًا وسيموت حافيًا، وبين الولادة والموت قدمان حافيتان على طرقات شائكة. هل هذا ما أراد الكاتب قوله حين جعل عنوان القصّة "عباد الله"، الّذين يستسلمون لعبوديتهم في انتظار خلاص موعود؟
وقد تكون قصّة "السّهرة" بين المقابر، يرافقها شرب العرق والغناء من أكثر القصص دلالة على نظرة الكاتب إلى جدليّة العلاقة بين الحياة والموت (النّمور في اليوم العاشر، ص 93). ألم نقل إنّ المقابر قد تبدو أكثر حياة؟ وإلّا فما معنى أن يعود من الموت رجال وقادة يريدون مسار الأمور، حين إن الأحياء يجرّ بعضهم البعض الآخر إلى الموت، بعناد عجيب، بغباء عجيب؟
يقودنا الحديث السّابق إلى شخصيّات هذه المجموعة، فنجدها محدودة الوظيفة، عاجزة ومستسلمة، نهاياتها معروفة ومنتظرة وكأنّها دمى متحرّكة في أيد غير منظورة، وإذا ظهر صاحب الأمر بدا ضجرًا، طفلًا لاهيًا وسخيفًا، يبحث عن دمية (الملك ـ الوزير...) ألا يجعل ذلك الحياة أكثر قسوة والموت أكثر سخفًا؟!
المرأة ضحيّة الرّجل: أخ يقتل أخته، رجال الحارة يلاحقون فتاة خلعت الملاءة السّوداء (دمشق الحرائق، ص111)، فتاة تغتصب في الشّارع (نداء نوح، ص 353).
والرّجل ليس أفضل حالًا، فهو ضحيّة كبته الجنسيّ، يفعل المستحيل ليرى وجه المرأة الّتي فرض هو نفسه الحجاب عليها، يلحق بها في الشّارع ليلمس يدها، وعندما ينفرد بها يعتدي عليها في وليمة بمدعوّين، وكأنّ المرأة لن تعرف الأمان "بعيدًا عن البيت"(نداء نوح، ص 243).
والرّجل ضحيّة الشّرطيّ، والشّرطيّ حارس النّظام، دونه هو إنسان ضعيف، وبه هو إنسان مطمئنّ لأنّه غير مضطر إلى التّفكير والشّعور، فالنّظام ـ ولا أقصد القوانين الموضوعة لخدمة المجتمع ـ هو الّذي يتحمّل مسؤوليّة التّعذيب والقتل يرتكبهما الشّرطيّ / الأداة التّنفيذية.
ذكرنا سابقًا  إنّ الكاتب يستحضر بعض شخصيّاته من عالم الموت، فيأتي بها مرغمة لتخضع للاستجواب والمحاكمة كعمر الخيّام (الرّعد ـ ص 31) أو لتشارك في المقاومة ولتعرف من ثمّ الهزيمة والأسى كيوسف العظمة (دمشق الحرائق، ص 143) ومن الممكن أن يعود أحدهم من الموت ليعمل جاسوسًا فيقبع في حفرته ليصغي إلى ما يقوله النّاس (النّمور، ص 121). واستعان الكاتب كذلك بهولاكو وتيمورلنك وجنكيزخان رموزًا للإجرام والقتل، أو بكامل الكيلاني وأمل دنقل وعمر الخيّام وعنترة رموزًا أدبيّة تشهد على فشل الأدب في مواجهة السّلطة، أو يستعين بعبّاس بن فرناس وسواه من العلماء ليقول إنّ العلم مضطهد والعالِم ملاحق.
لا يبقى زكريّا تامر رمزًا على صورته التّقليديّة، المقدّسة أدبيًّا واجتماعيًّا. في عرفه، ما دام الإنسان غير محترم وغير محميّ فلا شيء جدير إذن بالهالة الّتي وضعت حوله. ولهذا نراه يمعن تحطيمًا للرّموز المتوارثة، يخرج عن تقاليد الفكرة والعبارة ويمسح الصّورة المتعارف عليها ويحطّم الهياكل الّتي لم تحافظ على كرامة الإنسان. وبعد الأمكنة الشّاهدة على العجز، وبعد المقبرة المنتهكة يتعرّض الكاتب للعدد سبعة. ومن المعروف إنّ هذا العدد رمز للكمال والتّمام بعدما قسّم الفراعنة الأسبوع إلى سبعة أيّام إزاء المراحل الّتي يمرّ بها القمر وصولًا إلى الاكتمال. ولهذا هناك يوم سابع للاستراحة من عمليّة الخلق، وسماء سابعة، وبحار سبعة. ودون التّوسّع في تفاسير هذا العدد مع الفيثاغوريّين وإخوان الصّفا، ننتقل إلى هذه المجموعة حيث يرتبط هذا العدد بالشّرّ والأذى. فإلى الغرفة الرّقم سبعة يعود "أكرم"، النّزيل الّذي يشاهد الجرائم بلذّة غريبة وهو يقول إنّه يحلم (النّمور، ص 66). وفي نهر من الأنهار السّبعة، قذف  رجال الشّرطة الرّجل بعدما أوثقوه وربطوا قدميه بحجرين ثقيلين (الرّعد، ص 20).
وصوت الحكاية يكذب على أبي فهد بعدما وعده بالثّروة وقال له "سأعطيك سبع جرار ملأى بالذّهب". ويموت أبو فهد قتلًا لأنّه صدّق الحكاية (ربيع في الرّماد، ص 45). والأبناء السّبعة يدفنون والدهم حيًّا لأنّه لم يعلّمهم إلّا الخنوع والخضوع (النّمور، ص 88). وفي قصّة "أقبل اليوم السّابع"  يحطّ غراب في هذا اليوم، ويسود الضّجر، وتقتل الفتاة الجميلة، ويحزّ الرّجل حنجرته بالمدية بحركة حاقدة، ويستريح.
ومقابل الأقزام السّبعة الطّيّبي القلب وثليجة البيضاء الطّاهرة النّقيّة، نجد في مجموعة "صهيل الجواد الأبيض" الفتاة الّتي ترغب في رجال سبعة يمزّقون ثوبها ويلمسون لحمها الجائع دون أن تشعر هي بأي خجل "إنّما غمرها فيض من العذوبة الممتزجة بحنين إلى قسوة حارّة" (ص 132).
وفي "النّمور في اليوم العاشر" (ص 86)، يصنع الرّجل في نومه سبع ذبابات تنذره بالموت. وفي "نداء نوح" (ص 343) يعلّم جحا تلميذه الوصايا العشر وفيها دروس عن الخنوع والغباوة والكذب، ففي ذلك الخلاص من الحكّام والسّلاطين. وفي الصّفحة 352، يشاهد جحا في اليوم السّابع مدينته على حقيقتها، ملأى بالظّلم والاضطهاد والجهل. وفي الصّفحة 376، أيضًا من "نداء نوح" تتكرّر حكاية جحا وجرار الذّهب السّبع، وفي الصّفحة 312 تحتفل الرّعيّة بنجاة ملكها الظّالم سبعة أيّام.
كيف تبقى الرّموز مقدّسة، في هذا العالم القصصيّ، والأطفال يغتصبون معلّمتهم، ثمّ تمعن أسنانهم قرضًا للحمها، وعمر كلّ واحد منهم لا يتجاوز سبع سنوات؟ (دمشق الحرائق، ص 65). كيف يكون اكتمال وتمام  والأطفال يتركون إبن جيرانهم يغرق في النّهر؟ (النّمور، ص 27) ويقدّمون التّقارير في حقّ أهلهم أو يحلمون بذبحهم (نداء نوح، ص 96).
ميّ م. الرّيحاني
الاسم المستعار لماري القصّيفي
جريدة "النّهار" الخميس 3 تشرين الثّاني 1994
(1)   صدرت أعماله القصصيّة الكاملة عن دار رياض الرّيّس.
*يتبع جزء ثان.

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

ما حدا يهديني جزمة كاوتشوك (2009)



     كان في قرية من قرى لبنان عائلة تتوق إلى صبيّ بعد سلسلة ولادات كانت نتيجتها مجموعة بنات. وكان في قرية أخرى بعيدة كنيسة تسمّى "مار الياس الراس" أمامها بئر عجائبيّة المياه تهب البنين للمحرومات والمحرومين. ويؤكّد الناس أنّ على كلّ عائلة ترغب في الحصول على وليّ العهد الذي طال انتظاره أن تربط آخر بنت في العائلة بحبل على خصرها وتدلّيها في تلك البئر حتّى تغمرها المياه إلى عنقها. وهناك، في عتمة المكان وبرودته على الفتاة الخائفة أن تصرخ إلى مار الياس مردّدة ما علّموها إيّاه: يا مار الياس الراس ابعتلي ع راسي راس. والرأس المطلوب هو صبيّ في طبيعة الحال. وبالفعل قامت تلك العائلة بما تقضي به التقاليد، وأنزل رجال العائلة الطفلة الهلعة إلى البئر بعدما وعدوها بإعطائها كلّ ما ترغب فيه. وحين خرجت وهي ترتجف من البرد والخوف، سألوها عمّا تريد فكان جوابها: جزمة كاوتشوك. وبقيت على طلبها مع أنّ الحاضرين سخروا من غبائها وقالوا لها: ألم يكن في استطاعتك أن تطلبي أسوارة ذهب أو ملابس جديدة أو لعبة تتكلّم؟



     تعود إليّ الحكاية في كلمات مختلفة، أكتبها كلّ مرّة كأنّها حكاية جديدة، وكأنّ الفتاة الثانية لا تعرف الأولى، والثالثة لا تعرف الثانية، وكأنّ الحكاية جرت في كلّ قرية من قرى لبنان وبقيت جزمة الكاوتشوك كجزمة بابا نويل تسير على الدروب الضيّقة لتصل إلى قدمين صغيرتين حافيتين تريد صاحبتهما أن تقفز في الحقول وتعبر السواقي وهي مطمئنّة إلى أن لا شوك يجرح جلدها الطريّ ولا حشرة تلدغها وتبكيها.

     تعود الحكاية حين أرى إلى الناس وهم يهرعون لشراء الهدايا وتبادلها على العيد من دون أن يكون عندي كبير ثقة في أنّهم يتهادون فعلاً ما يرغب كلّ منهم في تقديمه أو الحصول عليه، أو أنّهم يجدون متّسعًا من الوقت ليصغوا إلى ما يريده الآخرون عوض أن يتمّموا واجبًا فرضته الأسواق التجاريّة والعادات الاجتماعيّة لتبقى عجلة الاقتصاد في حركة كلّها بَرَكة لمن يعرف قوانين البيع والشراء والتوفير؟

     لا أحد يعرف إن كانت الفتاة حصلت على جزمة الكاوتشوك، أو إن كان الصبيّ المنتظر قد ولد مخلّصًا الفتاة من رحلة ثانية إلى بئر الأسرار. فالحكايات تنتهي دائمًا عندما يتوقّف المستمع عن الإصغاء لتبدأ رحلته مع حكاية أخرى. وأنا كنت دائمًا أتوقّف في حكاية أمّي عند جزمة الكاوتشوك. ومنها أعود في مخيّلتي إلى جسد تلك الفتاة المرتجفة بردًا وخوفًا وغضبًا. الغضب لم يحضر حين استمعت إلى الحكاية في المرّات الأولى، لم أكن مستعدّة للاعتراف بأنّ الطفلة تستطيع أن تغضب على والديها اللذين لا يتوقّفان عن إنجاب الأولاد، وعلى أخيها المنتظر الذي سيخلّد اسم أبيه، وعلى رجال العائلة الذين لفّوا الحبل حولها، وعلى النساء اللواتي شجّعنها لتنقذ أمّها من غضب أبيها، وعلى نفسها لأنّها فتاة، ولأنّها طفلة، ولأنّها عاجزة عن الرفض. فكان طلبها جزمة الكاوتشوك، بساطها السحريّ الطائر الذي تستطيع عبره الابتعاد إلى عالمها الخاص بعدما أجبرها الآخرون على الخروج مرّتين من رحم المياه وهي التي لم تختر الدخول إلى أيّ منهما.

     في المشهد الختاميّ لمسرحية المحطّة، تصرخ "وردة" واهبة الأحلام وزارعة الكلمات طالبةً بطاقة سفر تحملها، مع الذين آمنوا ثمّ رأوا، في القطار المنتظر إلى حيث تبدأ الأحلام الجديدة: حدا يعطيني ورقه/ حدا يعطيني ورقه، بقيت تردّد. ولكنّ دورها في السفر لم يحن بعد، وعليها أن تزرع المزيد من المحطّات في سهول الأرض. هذه المرأة ألا تشبه طفلة الجزمة؟ والطفلة نفسها التي نزلت إلى البئر لتصعد بالصبي الضائع بين مائي أبيه وأمّه وتختم به سلالتها، ألا تشبه "زمرّد" التي نزلت إلى البئر لتنقذ ختم المملكة؟ وهل الحكايات كلّها حكاية واحدة لا تضجر الحياة، تلك الجدّة العجوز، من سردها؟

     هذه المرّة عندما استعدت حكاية الطفلة ذات الجزمة الكاوتشوك كانت المسكينة مرهقة تعبة، فكونها الوحيدة بين أخواتها التي تملك جزمة واقية كان عليها أن تذهب إلى الدكّان لجلب الأغراض، وأن تساعد والدها في العمل، وأن تنظّف البيت والطريق. والغريب في الأمر أنّها على رغم مرور السنوات وتقدّمها في العمر ونمو قامتها بقيت قدماها صغيرتين على قياس الجزمة إيّاها.

* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 22 كانون الأوّل 2009

السبت، 3 سبتمبر 2011

دروب الخريف


Paul Guelpa

1 -
ضباب الصمت يغريني بارتدائه من جديد، وأنا التي ظننت أنّ سفوري سيكون سفرًا أبديًّا على دروب رسمتها بالكلمات.
***
2 - الخريف هو عطلتي المنتظرة، أنفض فيه عنّي اليباس والغبار والضجيج، وأستعدّ للاغتسال بالنقاء والضوء والسكينة.
***
3 - بعدما رحل المغتربون والمصطافون والسائحون والعابرون عن ساحات البلدات، عادت إليها الريح الغجريّة التي تعشق الرقص عارية تحت أضواء تتظاهر بالخجل.
***
4 - يفتح الناس أفواههم ويغلقونها في حركة شبه دائمة وهم يظنّون أنّهم يتكلّمون. من يخبرهم بأنّهم لا يفعلون سوى إصدار أصوات، مجرّد أصوات أخيرة؟ صار الإنسان حيوانًا نافقًا بعدما كان ناطقًا ومنافقًا.
***
5 - جبران خليل جبران هو أوّل من أعلن تقسيم لبنان حين قال: لكم لبنانكم ولي لبناني، فمنذ ذلك الوقت ولكلّ واحد منّا لبنانه الذي على صورة زعيمه ومثال طائفته. وتسبّب أديبنا الكبير كذلك في فلتان أخلاقيّ حين كتب: أبناؤكم ليسوا لكم، إذ منذ ذلك الوقت وحضرات الأهالي الكرام يستقيلون من دورهم ويتركون أولادهم على باب ميتم كبير اسمه الحياة، يعلّمهم فيه رجل ضخم اسمه الدهر.
***
6 - أصدق الكلام هو ذلك الذي يقال عند الغضب. فلا تعتذروا بعد ذلك لأنّ أحدًا لن يصدّقكم.
***
7 - لا نترك عملنا لحظة واحدة لنبقى إلى جانب من نحبّ، ولكنّنا نتركه ثلاثة أيّام لتقبّل العزاء فيه.
***
8 - بعرق جُبننا نأكل خبزنا.
***
9 - أنا وأنت ضميران منفصلان يربطهما العطف ولا يؤلّفان جملة مفيدة.
***
10 - التلميذ الصغير بارع في الحساب والعدّ: ففي يوم (واحد) عنده امتحانان (اثنان): في اللغة العربيّة وفي اللغة الأجنبيّة. صحيح أنّ عمره (ثلاثة) أعوام، لكنّه ملزم حمل (أربعة) أغراض: الحقيبة المدرسيّة وقربة المياه وحقيبة الملابس الرياضيّة وهدية للمعلّمة كي تحبّه أكثر. وهو يعلم أنّه لن يعود إلى البيت قبل أن يشير عقرب الساعة إلى رقم (خمسة) حين تنتهي جولة حافلة المدرسة، مع العلم إنّه استيقظ عندما أشار العقرب نفسه إلى الرقم (ستة)، فضلاً عن أنّه تسمّر على كرسيه خلال (سبعة) دروس مختلفة. ويعلم كذلك أنّ عليه أن يتعلّم (ثمانية) أناشيد على الأقلّ: لعيد العلم، لعيد البربارة، لعيد الميلاد، لعيد المعلّم، لعيد الأمّ، لعيد الشجرة، لعيد الأب، لحفلة آخر السنة. ومع ذلك، وبعد (تسعة) أشهر من الدراسة، ستكتب له المعلّمة ملاحظة على دفتر علاماته تقول لوالديه فيها: بما أنّ ولدكم لم يحصّل (عشرة) على عشرين في امتحان الرياضيّات عليه أن يدرس طوال الصيف لتعويض ما فاته.
***
11 - عبر البريد الإلكترونيّ و"الفايس بوك" أقرأ كلّ يوم هذا النوع من رسائل الأصدقاء الموزّعين في أربعة أقطار العالم: - عندما أزور لبنان يجب أن نلتقي.- كان يجب أن نلتقي عندما زرت لبنان ولكني لم أجد الوقت. فلنبق على تواصل.
***
12 - قالت المرأة للمرآة: كلّما قال لي الرجل الذي أحبّه: ابتسمي... أبكي.سألتها المرآة: لماذا؟أجابت المرأة: لأنّه لا يحبّني كما أريد أن يحبّني بل كما يريحه أن يحبّني.
***
13 - الحبّ أعمى والمحبّة ترى. الحبّ يجرح والمحبّة تداوي. الحبّ يصرّ على تغيير الآخر مهما كان الثمن والمحبّة تمضي في مغامرة قبول الآخر كما هو. الحبّ يخلع عنك ثوب السكينة والمحبّة تخلع عليك رداء الأمان. الحبّ ينجب إنسانًا والمحبّة تنجّي الإنسانيّة. هكذا علّمني الصديق العابر.
***
* صحيفة النهار - الثلاثاء 15 أيلول 2009
***
تعليق
انا سعيدة جدا لانك قمتى بتكبير الخط يا مارى
كانت عينى تولمنى بشدة وانا اقرا فى الماضى
من اسعد لحظات يومى التى اقضيه فى مدونتك مع قلمك البالغ التميز
دمتى فى منتهى الابداع
مع خالص مودتى

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.