‏إظهار الرسائل ذات التسميات شجون تربويّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شجون تربويّة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 يونيو 2019

لو كنت مديرة مدرسة! (1- عن التلاميذ) (3 أيلول 2018)



لو كنت مديرة في مدرسة!
لكنت أخرجت التلامذة من الصفوف وأرسلتهم:
إلى سجون الأحداث ليروا نتيجة الجهل
إلى متاحف الأدباء ليتعرّفوا على الإبداع
إلى متاحف التاريخ ليرتبطوا بالتراث
إلى مراكز معوّقي الحرب ليلمسوا نتيجة العنف
إلى دور الأيتام ليعرفوا قيمة الحنان
إلى المسرح لتبهرهم نتيجة العمل الفريقيّ
إلى المستشفيات ليعاينوا الألم
إلى الطبيعة ليلعبوا بالتراب
إلى الأحياء الفقيرة ليقدّروا النعمة
إلى الجبال التي تنهشها الكسّارات ليكتشفوا كيف يكون الجشع
إلى تلال النفايات ليروا نتيجة أنانيّة المواطن وسوء تخطيط الدولة
إلى الدوائر الرسميّة ليلتقوا بالفساد وجهًا لوجه
إلى القرى ليراقبوا كيف يحوّلها الإهمال ساحات كسل وأزقّة وحل
إلى الثكنات العسكريّة ليتعلّموا الانضباط
إلى منابع الأنهر ليشهدوا على جريمة الهدر
إلى معاهد الموسيقى والفنون التشكيليّة ليتأكّدوا من أنّ الله جمال
إلى المرضى المسمّرين في الأسرّة ليمشوا بالنيابة عنهم
إلى فاقدي البصر لينظروا بالنيابة عنهم إلى الشمس والنجوم
إلى فاقدي السمع ليسمعوا بالنيابة عنهم أصوات الريح والمطر
إلى السينما ليحلّقوا في الخيال
إلى دور العجزة ليزرعوا الفرح
إلى الحقول ليقطفوا الأزهار
إلى شاطئ البحر ليلقوا التحيّة على صيّادي لقمة العيش
إلى بيت شاعر ليبحثوا معه عن سرّ المعنى
إلى عرس بسيط، إلى مأتم حميم، إلى ملهى ليليّ يرقص فيه عاشقان، إلى حديقة حيوانات، إلى رصيف يقيم عليه متسوّل، إلى والدين فقدا ابنهما في حادث سير، إلى حيث ينام كنّاس الشارع، إلى رياض الأطفال، إلى مدافن الشهداء...
هكذا، بلا جدول مواعيد، بلا برنامج، بلا فروض، بلا شروط وامتحانات ودفاتر علامات... بلا صور تتباهى بها المدرسة في كتابها السنويّ، بلا حملات إعلانيّة تريد جذب زبائن، بلا شرح ووعظ وثرثرة... هكذا بصمت العينين تراقبان، هكذا بهدير الأسئلة في قلوب متوثّبة... هكذا... 
أرسلهم وكلّي ثقة بأنّهم سيعودون رسلًا يبشّرون بالحياة، الحياة التي خارج جدران الصفوف...

الجمعة، 12 أبريل 2019

ضحايا نيسان 1975 (صحيفة النهار 2010)


بيكاسّو - المرأة المنتحبة


     لم تتوقّف الحرب التي بدأت في 13 نيسان 1975 ولم ينته مسلسل العنف ولم يوضع حدّ لعمليّات التعذيب والتنكيل والتشويه والإذلال؛ والقلوب التي نمت على الحقد لم تعرف السلام الداخليّ بعد.
ما أتحدّث عنه هنا ليس ما يجري في كواليس السياسة وأزّقة الصراع وبؤر المؤامرات، ما أتحدّث عنه هو الكثير من المقاتلين الذين كانوا مراهقين في بداية الحرب وتزوّجوا وأنجبوا ولا يزالون حتّى اليوم يمارسون مختلف فنون الحرب ولكن...في منازلهم ومع نسائهم وأولادهم.
     إنّ نظرة سريعة إلى بيوت عدد كبير من هؤلاء المقاتلين تظهر مشاهد لا تصدّق من الممارسات الشاذّة كأنّ الواحد منهم لم يع بعد أنّ هذه المرأة هي زوجته وليست أسيرة عنده وأنّ هؤلاء الأولاد هم أبناؤه وليسوا معتقلي حرب.
     تقول إحدى الزوجات: كنّا صغارًا حين تزوّجنا، وهو الآن نادم على قراره ويعاملني كأنّني سرقت منه حياته وشبابه فيضربني ويشتمني ويخونني ويهدّد بقتلي إذا ما خالفت أوامره.
     وتقول زوجة ثانية: لا يزال زوجي يحتفظ ببزّته العسكريّة ويرتديها حين يرغب في ممارسة الجنس طالبًا منّي أن أفعل ما تفعله النساء في الأفلام الإباحيّة، وإذا رفضت ضربني بالحزام السميك وركلني بالحذاء الضخم ثمّ اغتصبني.
     وتقول زوجة ثالثة: يجبر زوجي أولادنا على مشاهدة عمليّة الإذلال وإذا بكى أحدهم أو تدخّل مدافعًا عنّي ضربه وهدّد بحرقه بأعقاب السجائر.
     وتقول زوجة رابعة: يشعر زوجي بالإحباط فهو في الحرب كان الآمر الناهي وجاء السلم ليخذله ولا يحقّق له ما كان ينتظره. لقد عاد رجلاً عاديًّا، لا يعيره أحد أيّ اهتمام فيصبّ غضبه علينا.
     وتقول زوجة خامسة: زوجي ترك المدرسة والتحق بالحزب، وصرف ما ربحه في الحرب على المخدّرات والنساء والسلاح، ويعمل الآن في شركة أمن خاصّة ولا يكفينا راتبه ثمن الكحول. وإذا لم أعمل وأجلب له المال ضربني وضرب الأولاد.
     حكايات النساء عن "أبطال" حروبنا الصغيرة لا تنتهي، وآثار العنف والضرب والإهانة تظهر واضحة في عيون أولادهم الذين بدأوا يضربون زملاءهم وإخوتهم لردّ الاعتبار لأنفسهم أوّلاً ولتقليد آبائهم ثانيًا، وثمّة بينهم من يضرب أمّه أو جدّته. وفي حين تغلّف هذه الحكايات بالصمت والكتمان والتعتيم، يزداد عدد ضحايا 13 نيسان ويتواصل مسلسل العنف في بلد لا يجرؤ أحد فيه على فضح الأسرار العائليّة وشعار أهله يقول: "خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح".
     لا أعرف إن كان ثمّة إحصاءات حول هذا الموضوع، أو دراسات حول هذه الفئة العمريّة من الرجال (بين 45 و55 سنة) الذين كبروا فجأة حين أطلقوا الرصاصة الأولى على الضحيّة الأولى. ولكن مجرّد التواجد في محيط توجد فيه هذه الشريحة من الرجال غير المتعلّمين وذوي الدخل المحدود جدًّا والمقتنعين بأنّهم لم يوفّقوا كما يجب في حربهم الأولى يكفي كي نخاف على أنفسنا حين نسمعهم يقولون وبريق تقشعرّ له الأبدان يسطع من عيونهم: لو تعود الحرب لأيّام فقط لنعوّض ما حرمنا منه.
     ولكن ما الذي حرم منه هؤلاء؟
     الجواب: الإدمان على القتل والعنف والتذويب في الأسيد والاغتصاب ورمي الجثث في مكبّ النفايات أو تحت الجسور أو في مقابر جماعيّة والشعور بالتفوّق والمتعة في فرض قوانين خاصّة.
وأولادهم المراهقون الضحايا؟
     هم مع الأسف أسرى حرب يتماهون مع معتقليهم ويقلّدونهم على الرغم من الكره الشديد الذي يحملونه لهم، والغضب العنيف الذي يجعلهم يتمنّون الموت لآبائهم وهم لا يعرفون أنّهم باتوا، في غياب المعالجات النفسيّة والمتابعة الاجتماعيّة، نسخة طبق الأصل عنهم، أي قنابل موقوتة لا نعرف متى تفجّر نفسها فتجرف معها احتمالات الخلاص.

الأربعاء، 9 يناير 2019

كيف يثور شعب هذه أمثاله الشعبيّة؟ (2011)




"جدّتي كانت فعلاً على حقّ"(Ma grand-mère avait bien Raison!) عنوان كتاب صادر في فرنسا (دار فيرست – 2011) تعيد فيه المحلّلة النفسيّة "Béatrice Millêtre" قراءة بعض الأمثال الشعبيّة وأقوال الأجداد المأثورة في ضوء معطيات علم النفس، وتصل فيه إلى النتيجة التي يختصرها عنوان الكتاب، أي أنّ الأسلاف كانوا محقّين في ما توصّلوا إليه بالخبرة والتجربة، واختصروه في خواطر وحكم وأمثال تركوها للخلف الذي غالبًا ما اعتبرها موضة قديمة أو آراء عفا عليها الزمان ولم تعد تصلح للمجتمع الحديث. ومن خلال أكثر من خمسين مثلًا شعبيًّا أولتها المحلّلة النفسيّة دراسة نقديّة علميّة موضوعيّة نقع على كثير ممّا نتداوله نحن في بلداننا العربيّة، إن بتأثير التجربة الإنسانيّة الواحدة بغض النظر عن التاريخ والجغرافية، أو بتأثير الترجمة والتبادل الحضاريّ. وهناك في طبيعة الحال الأمثال ذات الخصوصيّة البيئيّة أي المرتبطة بمكانها ولكن لها ما يشبهها في أمثالنا الشعبيّة. فالمثل الفرنسيّ الذي يقول: نقطة الماء التي طفح بها الكوب، يقابله مثل عربيّ يقول: القشّة التي قصمت ظهر البعير...

ولكن إن تخطّينا مضمون الكتاب واستعنّا بهدفه ومنهجيّته في قراءة أمثالنا الشعبيّة، سنجد، خصوصًا في الظروف التي تمرّ بها البلدان العربيّة، أنّ الأجداد لم يشجّعونا على الثورة بل دعتنا أقوالهم المتناقلة جيلاً بعد جيل إلى الصبر على الظلم، والاتّكال على السماء لتخلّصنا من الحاكم الظالم، عملًا بالمثل القائل: "اللي ما فيك ليه دير الله عليه"، وفي انتظار تحقّق ذلك علينا القبول بالواقع، والخضوع لأولي الأمر ومسايرتهم انطلاقًا من مبدأ التقيّة.
فأن نكبر على أمثال تعلّمنا: "إيد اللي ما فيك تطالها بوسها وادعي عليها بالكسر" أو "العين ما بتعلى عالحاجب" أو "أبعد عن الشرّ وغنّيلو" أو "عند تغيير الدول احفظ راسك"، فذلك يعني أنّ الثورة ممنوعة حتّى في أحلامنا، وأنّنا محكومون بالذلّ منذ نعومة أظفارنا وحتّى قساوتها التي لن تنفعنا في تمزيق وجه المعتدي بل في حكّ جلدنا تطبيقا للمثل القائل: ما بيحكّ جلدك غير ضفرك".
وأن يعلّمنا أهلونا أنّ "كلب المير مير" وأنّ "اللي بياكل من خبز السلطان بيضرب بسيفو" وأنّ الحلّ المناسب هو "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" و"إذا بدّك تستريح قول عن كلّ شي مليح" و"جدّف مع الريح واستريح" فذلك يعني أنّنا تشرّبنا الخضوع والخنوع ولن يسهل علينا أن نتخطّى مخاوفنا من السلطة مهما كان شكلها وشأنها ومستواها، وفي هذا قال قدماؤنا: "بأس الأسد بانيابو وإبن الحكومة بتيابو"، و"حاميها حراميها"، فكانت الدعوة إلى "العضّ على الجرح" وكتم المعاناة، و"خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح"، فهل يعضّ أحدنا الكلب الذي عضّه أو يبتعد عنه ويحتمي منه؟
من الواضح أنّ عهود الاستعمار والاحتلال الطويلة علّمت العربيّ أنّ الانحناء للعاصفة أفضل من مواجهتها، فكانت الدعوة "الحكيمة" إلى "المشي مع الحيط ويا ربّ توصّلني عالبيت"، أو الحذر من الفاجر لأنّه "يأكل" مال التاجر، والتنبّه إلى أنّ المجتمع "مع الواقف" أي صاحب السلطان الذي تأخذه أوهام السلطة بعيدًا عن الناس لأنّ "الكرسي بتنسّي".
إنّ شعبًا هذه أمثاله "الشعبيّة" لن تجرؤ أجياله على الخروج من المنزل إلّا للترفيه عن النفس على اعتبار أنّ "أحلى دوا شمّ الهوا" و"اللي ما بيسكر وبيسهر لشو حياتو؟" أمّا الخروج إلى الشارع في ربيع لبنانيّ وعلى أرض "أدونيس" فذلك يعني سلسلة حكم وأمثال من مثل: "خربت عمرت، نزلت طلعت، حادت عند ضهري بسيطة"، "شو بدنا بهالشغلة"؟ "بدنا السترة!"، "ما في شي رح يتغيّر: دنب الكلب بقي بالقالب أربعين سنة وبقي أعوج"، "فالج لا تعالج"، "ما متت ما شفت مين مات؟"، "ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو"... وعلى هذا فنحن خير سلف لخير خلف! 

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

يوم اللغة العربيّة 18 كانون الأوّل 2018



في يوم اللغة العربيّة:
أكثر الذين يدّعون عشقها كاذبون
أكثر الذين يعلّمونها أميّون
أكثر الذين يكتبونها مقلّدون مجترّون
الذين يقرأونها ينقرضون
الذين يتعلّمونها مشمئزّون
الذين يحاولون إحياءها ضائعون بين أصوليّة إملائها ولبنانيّة سعيد عقلها...
***
في يوم اللغة العربيّة:
ليس بين الرؤساء والزعماء والقادة خطيب مفوّه كالرئيس بشارة الخوري والياس ربابي وإدمون رزق...
ليس بين الصحافيّين أديب على مثال توفيق يوسف عوّاد وإميلي نصرالله وغسّان تويني وطلال سلمان وسمير عطاالله وشاعر من طراز شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج، وإعلاميّ من طينة إيلي صليبي وعادل مالك...
ليس بين المسرحيّين نضال الأشقر وكميل سلامه ومروان نجّار...
***
في يوم اللغة العربيّة:
نتذكّر معارض كتب سبقت الانقسام الطائفيّ بين معرض ذي حالة إسلاميّة طاغية وآخر ذي مسحة مسيحيّّة ظاهرة.
ونبحث عن مدارس تسأل الأهل في امتحان القبول إن كان أطفالهم يعرفون الأحرف والأرقام والألوان والأشكال الهندسيّة باللغة العربيّة لا الأجنبيّة... وعن مدارس لا تعاقب التلميذ إن نطق بالعربيّة خرج حصصها القليلة، وعن مدارس تُبرز مسؤولي اللغة العربيّة فيها بلا منّة أو مسايرة ولا تسمح لألسنة لأهل المتفرنجين والمدراء الأغبياء بالتبرّز على نتاجهم وعطاءاتهم... وعن مدارس حين نتصفّح مواقعها الإلكترونيّة لا نرى سوى صور لحفلات دينيّة وأنشطة رياضيّة وسهرات اجتماعيّة وملاعب أكبر من المكتبات، وصالات أكل أفخم من الصفوف، ورحلات سياحيّة أكثر من القراءات الشعريّة...
***
في يوم اللغة العربيّة تكتب المقالات وتقام مجالس العزاء، لكنّ الميت (قتلًا) عجوز مريض مقعد مشلول خرِف (بعدما عجّزوه وأقعدوه وشلّوا حركته)، والندّابين ينتقلون من مأتم إلى آخر يقدّمون واجب المواساة من دون دمعة صادقة أو حُرقة حقيقيّة أو حزن معد...
***
في يوم اللغة العربيّة، وهو الأخير لي وأنا في مجال التربية، أعلن ندمي على اختيار التعليم وعلى اختيار الكتابة... وأسفي لأنّي وضعت لآلئ قليلة ورثتها أمام من داس عليها وطمرها في الوحل والقذارة...
ومع ذلك أعترف بأسفي على مشاريع كثيرة وأفكار مجنونة وأحلام كبيرة ستبقى في البال إلى أن تجد فسحة إبداع وحريّة وشجاعة...
***
هل أكتب بمرارة وسخط؟
نعم بمرارة وسخط... وأنا أرى إلى الصدور المعلّق فوقها أوسمة باسم التربية وفيها قلوب لا تعرف الرحمة... وأنظر إلى الصورة الإعلاميّة المبهرجة لمدارس مهرّجة... واللائحة تطول...


الخميس، 1 نوفمبر 2018

ضحكات لتزيين شجرة العمر العتيقة (2015)




في مئويّة الحرب الكونيّة الأولى، تمنيّت لو يهجم الجراد ويأكل جبال النفايات. وفي الذكرى الأربعين للحرب اللبنانيّة، تذكّرت كم قرأت كتبًا وصحفًا ومجلّات كي أهرب من صورة الحرب وأصواتها. وما بين التمنّي والذكرى، وكي لا يبقى التأفّف من الحرّ والرطوبة لغةً وحيدة، وجدت في خياطة الأحرف الأبجديّة على مخدّات صغيرة وسيلتي لكتابة حكاية صيف 2015.
بدت الأثواب والشراشف والأقمشة القديمة نوعًا من النفايات التي تحتاج إلى تدوير، كي لا تضاف إلى ما يرمى ويتكوّم ويرتفع، جاذبًا عدسات الكاميرات كما يجذب الصراصير والفئران والجذران والأفاعي والنمل والذباب والبعوض... والعصافير... فاخترت أن أحوّلها حشواتٍ وأغلفةً وأحرفًا، أحملها إلى التلامذة الصغار مع بداية السنة الدراسيّة الجديدة.
كنت، مع كلّ قطبة، أحاول رتق ذاكرة مثقلة بالوجع، ولكنّي مع إنجاز كلّ مخدّة كنت أرى وجوه الأولاد وهم يتراشقون بها بعد الانتهاء من كتابة الإملاء بها. لعلّني أردت تذكير نفسي أنّ تغيير الأشياء هوايتي ووظيفتي، وأنّ المثل اللبنانيّ السخيف الذي يقول: شرايتو ولا تربايتو، لا يشبهني...
كان كثيرون حولي يسردون أخبار رحلاتهم السياحيّة، ومغامرات السفر والسهر والبحر، وينشرون صور الأولاد والأحفاد والأعراس والحفلات، وكنت أنا ع عتاب البواب، مع الإبر يللي عم تحيّك تكّايه وتحيّك حكايه، كما يقول الأخوان رحباني وتغنّي فيروز.

بصمت وهدوء، أرسم للأولاد عالمًا لا نفايات فيه ولا صراعات حزبيّة ولا مساومات على مناصب، عالمًا لا علامات فيه ولا تقييم أو تقويم، عالمًا يلعبون فيه لينتقموا لموت أترابهم في سائر أصقاع الأرض... بصمت وسكون، أقصّ الملابس القديمة، ناثرة عنها الذكريات التي علقت بها، والمناسبات التي شهدت عليها، وأعيد صياغتها بأحرف ملوّنة يمسكها أولاد سيكون لهم معها ذكريات جديدة ومناسبات سعيدة. بصمت وسكينة ألعب بالإبرة والخيطان، فيمرّ الحرّ، ويمرّ الوقت، وتمرّ مصيبة النفايات، ويمرّ موت الموتى، ولا يبقى في البال سوى ضحكات أطفال أستعيرها لأزيّن بها شجرة العمر العتيقة.

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

رن رن يا جرس... خلص بلا ضجّة

جرس قديم من مخلّفات إحدى المدارس المقفلة
التي كانت تابعة لمطرانيّة بيروت


رح إكتب باللبنانيّ بلكي في حدا لغتو أجنبيّة وما بيفهم عربي وخصوصًا العربي الفصيح:
ما بعرف مين هوّي العبقريّ الذكيّ يللي عم يوزّع أفكارو المستوردة بالمدارس الكاثوليكيّة تحديدًا، وآخر اقتراحاتو منع دقّ الجرس لأنّو صوت الجرس بوتّر الأعصاب، بيعمل فوضى، وواحد من أسباب التلوّث السمعيّ.
فيا حضرة العبقريّ/ة: الجرس مرتبط إرتباط قوي، بلبنان تحديدًا، بالمدرسة يللي كانت تنشأ جنب الكنائس أو ضمن حرمها. ومتل ما كان الجرس الكبير بالكنيسة يدعي الناس للصلا، كان الجرس الزغير بإيد الكاهن أو الراهبة أو المعلّم يدعي الولاد للدرس أو الرجعة ع البيت. كرمال هيك شكل الجرس الزغير متل شكل الجرس الكبير.
بمرحلة لاحقة ومتل ما صار بالجرس الكبير يللي ما عاد في رجال تقدر تدقّو، ويللي تحوّل ع الكهربا، صارت الجراس بالمدرسة ع الكهربا...
وإذا اليوم المدرسة الكاثوليكيّة بدها تعتبر دقّ الجرس بيعمل عقد نفسيّة فهالشي بيعني إنّو نحنا كلّنا معقّدين، وأوّلنا أصحاب هالأفكار المعقّدة
وإذا المدارس بتعتبر صوت الجرس سبب فوضى فلازم نشوف الفوضى يللي عم تنشأ من غياب الجرس والاتّكال ع الساعات بالتلفونات والإيد، والتأخير بالصفوف وتضارب الساعات وتناحر المعلّمات وضحك التلاميذ
وإذا المدارس بتعتبر صوت الجرس مصدر تلوّث سمعي فيعني لازم جراس الكنايس كلّها تسكت إيّام الآحاد والأعياد حتّى ما حدا علمانيّ أو غير متديّن أو من غير طائفة أو مُربّي شغل برّا ينزعج سمعو
وإذا المدارس بتعتبر صوت الجرس بوتّر الأعصاب لأنّو مرتبط بالدرس فيقطع الدرس وساعتو، لأنّو إذا الدرس بوتّر الأعصاب فما بيكون الحلّ الإبداعيّ إنّو نحطّ موسيقى كلاسيكيّة بدل الجرس، لأنّو هالشي بيعني إنّو ما تكرهوا يا ولاد الجرس ولكن اكرهوا الموسيقى...
كلّ عمرو الجرس يدقّ، وطلع في أجيال بتعرف تقرا وتكتب وتحكي عربي ولغات وتنجح... وإذا كانت المعالجات التربويّة واقفة ع الجرس فيا عين يا ليل ع الحلول التربويّة يللي ما خلّت مشكلة عالقة لدرجة صرنا زهقانين من عدم وجود مشكلات بالمدارس...
وإذا في فوضى  فمش الحقّ ع الجرس ولكن ع الفريق التربويّ والتعليميّ والإداريّ وع تربية الأهل
وإذا في عقد نفسيّة فيمكن لأنّو نسبة الطلاق كبيرة والعائلات مفكّكة والمعالجات فاشلة
وإذا في تلوّث سمعي فالأكيد إنّو الجرس آخر شي بيتحمّل المسؤوليّة بوجود الصريخ بالبيت والصفّ والطريق والموسيقى والتلفزيون 
وبكرا بس يجي حدا يقول الصليب بيعمل توتّر نفسيّ للولاد لأنّو فيه عنف ما تقعدوا تنقّوا وتبكوا وتنوحوا ع التعرّض للرموز الدينيّة وعن الاضطهاد يللي عم يتعرّضولوا المسيحيين
وعمرو ما يرنّ جرس زغير وبلا ما يدق جرس كبير... إذا هيك بتنحلّ المشكلات التربويّة
بالحقيقة كلّ هيدا ما بيهمّني بس اعملوا معروف واجهوا المشاكل الحقيقيّة بالتربية وما تتخبّوا ورا جرس.

الخميس، 6 سبتمبر 2018

لو كنت مديرة مدرسة (2- عن المربّين)



لو كنت مديرة مدرسة (2 - عن المربّين)
1-  لكنت فرضت على المعلّمين لائحة من كتب المطالعة (في أيّ لغة يختارونها)، وأنشأت لهم ناديًا إلزاميًّا لمناقشة الكتب.
2-  لكنت قدّمت معلّمي اللغة العربيّة على سواهم من المعلّمين وذلك للأسباب الآتية:
-       اللغة العربيّة في المدارس العلمانيّة هي اللغة الرسميّة للدولة، وفي المدارس الدينيّة هي لغة الدولة ولغة الصلاة الرسميّة إن في الكنائس أو المساجد أو الخلوات.
-       اللغة العربيّة لغة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والشيخ عبدالله العلايلي وأنسي الحاج وميشال أبو جودة وشوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين وإميلي نصرالله...فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد لبنان الأدبيّ.
-       اللغة العربيّة لغة الأخوين رحباني وفيروز ووديع الصافي وزكي ناصيف وروميو لحّود وصباح... فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد الأغنية اللبنانيّة.
-       اللغة العربيّة لغة ريمون جبارة وكميل سلامة ولطيفة وأنطوان ملتقى ونضال الأشقر ورضا خوري وعصام محفوظ... فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد المسرح اللبنانيّ.
-       اللغة العربيّة أكثر دقّة وصعوبة من غيرها ومن يتعلّمها تسهل عليه الموادّ الأخرى.
-       اللغة العربيّة مرتبطة بالهويّة، شاء من شاء وأبى من أبى!
-  ومن يعلّم هذه اللغة الجميلة، التي تهمّشها المدارس فيكرهها التلاميذ وأهلهم، يستحق الشكر والتقدير!  
3-  لكنت طعّمت الفريق التعليميّ بشعراءَ وأدباء وصحافيّين ومسرحيّين، فبمثل هؤلاء تباهت المدارس الوطنيّة زمن البدايات.
4-  لكنت مزّقت دفاتر التحضير ومخطّطات الأنشطة، وامتحنت المعلّمين بشكل مفاجئ لأكتشف قدراتهم على الابتكار والإبداع وإدارة الصفّ بشكل حيويّ خلّاق متجدّد، ومن دون تحضير (وذلك في الصفّ والملعب والرحلة والنشاط)!!!!
5-  لكنت راقبت ملابس المعلّمين وتصرّفاتهم في غرف الصفّ والملعب وصالات الاستراحة، لأعرف مقدار الجماليّة والذوق في شكلهم وأدائهم. فدروس الجمال تبدأ من هنا ولا تكتمل الدروس بلا جمال ورقيّ.
6-  لكنت نظّفت الجسم التعليميّ من المتكبّرين والمغرورين والمتشاوفين والمتفذلكين والمتفلسفين (لا الفلاسفة) والجبناء (خصوصًا الجبناء) والبخلاء والزحفطونيّين والوقحين والطمّاعين والأنانيّين والثقيلي الظلّ والنمّامين والعابسين و"يللي بيضلّوا ينقّوا إنّو عندن ولاد بدن يعيّشوهن".
7-  لكنت منعت أيّ تواصل بين المعلّمين والأهل، وحصرته بالإدارة (للإدارة والمدراء شروط تأتي في نصّ آخر).
8-  لكنت حرّمت الهدايا التي يقدّمها الأهل والتلامذة إلى المعلّمين.
9-  لكنت حظرت الدروس الخصوصيّة خارج المدرسة، وراقبت عن كثب، في حال الاضطرار إليها، سيرها ومدّتها وكلفتها.
10-         لكنت منعت بشكل لا تردّد فيه المعلّمين كما التلاميذ عن استعمال الهواتف الخلويّة في حرم المدرسة (كالتدخين تمامًا)، (للمدارء قانون خاص بهم يرد لاحقًا).
11-         لكنت راقبت بدقّة النظافة في غرفة المعلّمين وحمّاماتهم، فهي صورة عنهم وعن أسلوبهم في إيصال الرسالة التربويّة.
12- لكنت امتحنتهم في معرفة مواهب تلامذتهم ونقاط قوّتهم ومزاياهم وأوجاعهم وأمراضهم وهواياتهم...

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)



آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)
1-  تقام في بعض المؤسّسات التربويّة حفلات فطوروغداء وعشاء ورحلات ترفيهيّة، ولا تقام فيها ندوة واحدة أو محاضرة واحدة أو أمسية شعريّة واحدة.
2-  يستمتع بعض المعلّمين بتعذيب أنفسهم، ويستمتع البعض الآخر بتعذيب التلاميذ. وفي الحالتين تدفع التربية الثمن.
3-  يجب ألّا يُكتب على دفتر علامات التلميذ أنّه هو من رسب في سنته الدراسيّة، بل على المدرسة أن تعتذر من التلميذ وتقول له: نحن آسفون، فشلنا في مساعدتك على النجاح.
4-  فرضت المدرسة على تلاميذها فروض عطلة في حجّة أنّها تساعدهم على اكتساب ما فاتهم خلال العامّ الدراسيّ. لو كنت من ذوي التلاميذ لاشتريت لأولادي فروض عطلة يقومون بها دائمًا، ولأعفيتهم من الذهاب إلى المدرسة، ولوفّرت على نفسي قيمة الأقساط. فإذا كان دفترر العطلة في شهرَي الصيف كافيًا، فلماذا يتعلّم التلاميذ خلال تسعة أشهر مع أكثر من عشرة معلّمين؟
5-  الآراء التربويّة المستوردة كالسيّارات المستوردة، لا تصلح جميعها للمشي على طرقاتنا الوعرة، ولن نصل بواسطتها إلى أيّ مكان؛ أو كالثياب الأوروبيّة الحديثة، لن تليق بأجسامنا القصيرة المكتنزة إلّا بعد كثير من التعديل.
6-  اتّخذت إحدى المدارس شعار "التواصل" ليكون محور العمل والنشاطات، رغبة منها في إعداد التلاميذ للانصهار في المجتمع، ومع ذلك:
فمعلّمو اللغات الأجنبيّة يتكبّرون على معلّمي اللغة العربيّة،
ومعلّمو الرياضيّات يتكبّرون على معلّمي اللغات،
        والمعلّمون يتكبّرون على التلاميذ،
        والمسؤولون يتكبّرون على المعلّمين،
        وخرّيجو المدرسة يتكبّرون على من علّمهم،
        والمعلّمون الأكبر سنًّا يتكبّرون على الأصغر سنًّا،
        والمعلّمون يتكبّرون على الموظّفين والإداريّين والعمّال،
        والتلاميذ المجتهدون يتكبّرون على الراسبين،
        والمتفوّقون في الرياضيّات يتكبّرون على المتفوّقين في الرياضة،
        وأبناء الضبّاط والمهندسين والمحامين الأطبّاء يتكبّرون على أبناء الدهّانين والسائقين والموظّفين والعمّال،
        والمترفّعون صفًّا يتكبّرون على المعيدين،
        وأبناء الطائفة المسيطرة يتكبّرون على الأقليّات،
ومع ذلك، نجح المشروع التربويّ وامتلأت المدرسة باللوحات الجداريّة والشعارات والأبحاث التي تشيد بالتواصل.

السبت، 12 مايو 2018

وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى اختصاص مهنيّ؟




في مثل هذا الشهر من كلّ سنة، يقف آلاف التلامذة اللبنانيّين أمام خيارات مصيريّة تضع الأطر العامّة لما تبقّى من حياتهم. وكأنه لا يكفي التلميذ أنّ عليه أن يحدّد اتجاهه العلميّ ثمّ العمليّ وهو لا يزال بعد طريّ العود وقليل الخبرة، حتّى تضاف إلى أسباب حيرته توجيهات متناقضة، يشترك في فرضها الأهالي والمربّون وأسواق العمل وكلّ من وما يدور في هذا الفلك.
ليس سهلاً أن يطلب من مراهق أن يختار تخصّصًا مهنيًّا سيلتزم به طوال حياته ويبني عليه مستقبله كلّه مع العلم أنه غير مؤهّل بعد للمشاركة في الاقتراع وليس مسموحًا له الزواج أو فتح حساب مصرفيّ لا بل هو غير قادر على ترتيب سريره وتنظيف غرفته ووضع جدول لعمله اليوميّ البسيط. ومن المؤسف أنّ كثيرًا من الأهالي يعجز عن مواكبة هذه المرحلة الدقيقة والحافلة بالمشاعر والتناقضات فيرمون الكرة في ملعب المدرسة ويكلون إليها توجيه أولادهم نحو الخيارات المناسبة. ولكن، فجأة، وبسحر ساحر، يستعيد الأهالي زمام الأمور وينقلبون على المدرسة والقيّمين على شؤون التوجيه فيها إن زيّن لهؤلاء أن ينصحوا بعض التلامذة بالتوجّه إلى اختصاصات مهنيّة. عندها سيكون الجواب سؤالاً صارخًا ساخرًا مستنكرًا مستهجنًا غاضبًا: وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى اختصاص مهنيّ؟وبقدر ما يعبّر هذا السؤال عن جهل فاضح لكلّ ما يتعلّق بالتربية وتوجّهاتها الحديثة، يبيّن كذلك أنّ الأهل لا يعرفون أولادهم، ولا علم لهم بما يجري في العالم أو بالاختصاصات المهنيّة التي يحتاج إليها المجتمع الحديث. وفي حين ترتفع في البلدان الراقية أعداد التلامذة المتوجّهين إلى الاختصاصات المهنيّة الضروريّة والحيويّة للفرد والمجتمع، لا تزال العائلات اللبنانيّة تريد أن يكون بين أفرادها أطبّاء ومهندسون ومحامون وضبّاط في الجيش، وصولاً، في طبيعة الحال، إلى النيابة والوزارة والرئاسة. وكلّ ما عدا ذلك رجس من أعمال الشيطان. ويغيب عن بال العائلات أنّ العالم مقبل على تغيّرات بيئيّة ومناخيّة وسكّانيّة ستؤدّي إلى أزمة غذاء تتطلّب أيادي خضراء تزرع وتروي وتحصد، وأيادي نشيطة تدير المحرّكات، وأيادي ماهرة تصلح الأعطال، وأيادي بارعة تنظّف، وأيادي رشيقة تكتب على اللوح الأخضر الحروف الأبجديّة لصغار يحلمون بالمستقبل... وهل من يجهل أنّ هذه الأيدي موصولة بأدمغة تخطّط وعقول تفكّر ومواهب يجب أن تقدّر وتحترم وتعطى حقّها في الوجود والمكافأة وتحقيق الذات؟
يروي خبراء التوجيه المهنيّ المتنقّلون بين المؤسّسات التربويّة حكاية واحدة تستعاد كلّ سنة، وإن بوجوه مختلفة وعن معاناتهم مع الأهالي الذين يشعرون بالإهانة حين يسمعون تلميحًا يقترح اختصاصات مهنيّة لأولادهم. ويتحدّثون بأسى عن نظرات تائهة صارخة في عيون المراهقين وهم يتحوّلون وصمة عار تلتصق في سجل العائلة الذي لم يعرف في تاريخه المجيد إلاّ حملة الأقلام والشهادات والألقاب ولو كان العشاء في نهاية اليوم... خبّيزة، والحساب المصرفيّ صفرًا، وشجرة العائلة لا تجد من يروي جذورها بنقطة مياه.
ولمّا كانت هذه العجالة لا تسمح بالذهاب طويلاً في تحليل الأسباب وعرض الحلول، نكتفي بثلاث ملاحظات: أوّلها تأكيد ضرورة وضع التوجيه المهنيّ في عهدة متخصّصين يواكبون مسيرة التلميذ العلميّة والنفسيّة، لا كما تفعل بعض المؤسسّات التي تسند الأمر إلى أيّ معلّم ترغب المدرسة في الافادة من ساعات التناقص في دوامه المدرسيّ، وثانيها أن تواكب وسائل الإعلام نشاطات المعاهد الفنيّة والتقنيّة وتبرز المتفوّقين فيها، والقيّمون على هذه المعاهد مطالبون بتزويد وسائل الإعلام بهذه المعلومات، وثالثها أن تعمل رابطات القدامى على التمسّك بزملاء تركوا الدراسة الأكاديميّة في مرحلة معيّنة واعتبارهم مساوين لهم في الجوهر والخدمة وأداء الواجبات الاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانيّة.


الخميس، 22 مارس 2018

علّمني التعليم (في مناسبة عيد المعلّم) - 2010

هند أبي اللمع
 المعلّمة في مسلسل "المعلّمة والأستاذ" مع ابراهيم مرعشلي
1

علّمني التعليم أنّ الرجال ينقرضون في المدارس، وأنّ العنصر النسائيّ هو الطاغي مع ما يتركه ذلك من آثار نفسيّة وتربويّة على المتعلّمين، وأنّ عيد المعلّم سيكون قريبًا عيد المعلّمة.

*****
2

علّمني التعليم أنّ المثل القائل: "طعمي التم بتستحي العين" صحيح مئة في المئة. فالمدرسة التي تضطهد المعلّم وتهينه في شخصه وراتبه تسكته بوليمة طعام في مناسبة عيد المعلّم قبل أن تصرفه في آخر السنة. وبعد ذلك، كان الله يحبّ المحسنين، وكلّ عام والتعليم بألف صحّة وعافية.

*****
3

علّمني التعليم الصبر. لا على التلاميذ ولا على أهاليهم ولا على إدارات المدارس فحسب، بل على صندوق التعويضات. فأنا لا أستطيع أن أقبض قرشًا من تعويضي ما لم أتمّ السنة الخامسة والعشرين في التعليم من دون توقّف أو انقطاع. وبناء عليه، عليّ أن أبقى معلّمة حتّى اللحظة الأخيرة، ولا يهمّ إن علّمت رغمًا عنّي أو بطريقة لا علاقة لها بالتربية. المهمّ أن أدخل الصفّ وأحافظ على الحدّ الأدنى من الانضباط فيه ثمّ أخرج من دون أن أرتكب جريمة. وإن لم أحتمل ذلك فعليّ أن أصاب بمرض يعوقني عن التعليم (كأنّ القرف ليس مرضًا!) أو أن أتزوّج ( هل الزواج في هذه الحالة عقاب أم مكافأة؟) وما عدا ذلك رجس من أعمال الشيطان.

*****
4

علّمني التعليم أنّ أهالي التلامذة زبائن محقّون إن كانوا أثرياء، ومتسوّلون مزعجون إن كانوا فقراء، وأنّ المعلّمين موظّفون همّهم أن يبقوا في أماكن عملهم في عصر الصرف التعسّفي وصروف الدهر المتعسّفة، وأنّ المتعلّمين ضحايا كفئران المختبرات.

*****
5

علّمني التعليم أنّ الكاميرا أحسن حلّ لمختلف المشاكل التربويّة:  يتدافع التلامذة، تصدر ضجّة، يغشّ ولد في الامتحان، يهمل معلّم عمله، تتّسخ الحمّامات فتوزّع الكاميرات في كلّ مكان للقبض على الفاعلين. وبناء عليه لا داعي لحوار أو حديث أو تربية. فكاميرا العين الساهرة ترصد المشبوهين وغير المشبوهين، ويتحوّل الجميع ممثّلين يبتسمون بغباء للكاميرات. وغدًا حين تزرع أجهزة التنصّت في أروقة المدارس سيحلّ الصمت التام، وبعد غد حين يتطوّر العلم وتقرأ الآلة ما في الأفكار والقلوب سيسود الغباء.

*****
6

علّمني التعليم أنّ أهمّ موظّفَين في المؤسّسات التربويّة هما المسؤول الماليّ ومسؤول العلاقات العامّة.

*****
7

علّمني التعليم أنّ الفرق بين مدرسة تحت السنديانة والمدرسة الحديثة هو اللوح.
*****

8

علّمني التعليم أنّ استيراد المناهج المعلّبة ولو لم تعد صالحة للاستعمال في بلد المنشأ أسهل من التفكير في مناهج تلائم تلاميذنا، وأنّ المدارس أفضل مكان للثرثرة والنميمة ولكن...بشهادة معترف بها عالميًّا.

*****
9

علّمني التعليم أنّ تأليف الكتب المدرسيّة وكتب المطالعة الموجّهة والدروس الخصوصيّة مصدر سريع للكسب في بلد لا رقيب فيه ولا حسيب ولا ضمير.
*****

10

علّمني التعليم أنّ المعلّم يطلب من تلاميذه أن يعبّروا في حصّة التعبير والتأليف عن آرائهم بينما هو لا يجرؤ على التعبير عن رأيه، ويطلب منهم أن يفكّروا بمنطق في حصّة الرياضيّات وهو يؤمن بأنّ المنطق الوحيد السائد هو أنّ الفاجر يأكل مال التاجر.
*****

11

علّمني التعليم أنّ أكثر المدارس واجهات جميلة مزيّنة تخفي خلف لمعان زجاجها تلاميذ منوّمين ومعلّمين خائفين ومديرين غافلين.
*****

12

علّمني التعليم أنّنا شعب لا يفهم من أمور التربية إلّا تربية المواشي والدواجن ودود القزّ. وكلّ ما فعلناه حين انتقلنا إلى تربية الأولاد هو أنّنا استبدلنا "التلقيم" بـ"التلقين".

*****
13

علّمني التعليم أنّني لا أصلح للتعليم لأنّني لا أشبه أيًّا من القردة الثلاث السعيدة الذِكر: فلم أسدّ أذنيّ، ولم أغلق عينيّ، وبالتأكيد لم أقفل فمي.


صحيفة "النهار - الثلاثاء 9 آذار 2010

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.