‏إظهار الرسائل ذات التسميات للجبل عندنا خمسة فصول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات للجبل عندنا خمسة فصول. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 مارس 2019

قراءة في رواية للجيل عندنا خمسة فصول للأستاذ يوسف طراد - نقلًا عن موقع مون ليبان



الأستاذ يوسف طراد

يوسف طراد
سقط الكرم بسقوط الجبل بكلّ ما يعنيه من حلاوة دبس وخمر مقدّس وبقيت حقيقة بطلة قصّة كتاب (للجبل عندنا خمسة فصول)، بطلة (نسيت أن تكبر وما زالت عالقة هناك، على الطريق بين قريتها ودير القمر). فهل تستطيع أن تمحو على الأقل ما حفرته الأيّام فيها أو أن تنصرف إلى تحقيق المصالحة مع جبل اعترفت بأنّها تكرهه.
نعم أيّها الكتاب، صرخاتك المتتالية ثقبت جدار الصمت لتخرق جدار الصوت والوجدان، إحداها على لسان عامل في الحقل (الأرض تشرب دمًا أكثر مما تشرب مياهًا).
كتاب اختلط فيه الحبّ مع الدماء، القذائف، الهجرة، المرض والقلق لتتكوّن صفحات لا تستطيع أن تفكّر بغير نهاية فحواها، وتعيد قراءة كلّ صفحة مرّات عديدة لأنّ السرد المحبوك يجعلك تفكّر بما حصل في قريتك أثناء الحرب، ويلهو فكرك عن معاني الصفحات بمآسي مثيلاتها. التراث المتغيّر الذي تدلّ عليه أسماء أشخاص عبر المراحل، في ألم معجون مع النحيب وتاريخ مجنون مذلّ لم ولا ولن يرحم حاضرًا أو مستقبلًا، شبحه جاثم كخيال الكروم الذي أفرغ حياته خوفًا في ثعالب العنب.
صورة المحدلة الأولى لخبطت التاريخ وجعلته يؤنّب نفسه متمنّيًا أن يدخل ثقبًا أسود ليخرج منه إلى نفسه بهدف إصلاح ذاته وتغيير مجرياته.
من يستطيع أن (يمسك الحرب بالجرم المشهود) الصور أم الذكريات أم النسيان اليقظ؟ نعم انتهى الميثاق الوطنيّ الذي كان يجمعنا (وحده الصابون البلديّ) بقي مشتركًا بين الجميع وأصبح الجميع يستعمل صابونًا أجنبيا."
رسخت الحقيقة (أنّ الخبز والملح لن يقدرا على مقاومة نداء الدم). في خضم المطالعة تطالعك الأمكنة التي (فيها تفجّر سير الرحيل) جارفًا أرواحًا وكيانًا ووطنًا بحدود متحرّكة.
من أين ينبع هذا الحبر الأسطوريّ، حبر كاتبة تحمل في قلبها همّ وطنها...! حبر يحمل في سائله كلّ هذه الانفعالات العميقة الحزينة، حبر لوّن الحدث بالدم النقي دون أن يكترث له من هم عالقون في ازدحام سير أو منتشين في مقهى ليليّ على ساحل الوطن.
في جبل الكتاب تأريخ روائيّ، ورغم الكمّ الهائل من المآسي التي تشبه حرائق الغابات وموت الشجر، تسطع حقيقة بحروف ماري القصّيفي (كلّ ما كتب عن الحرب يبقى ضحلًا أمام الحقائق التي لم تكتشف بعد) وواقع أليم عن تعادل الغباء والألم في كفّتي ميزان.
هناك أكثر من صخبٍ صارخ من صفحات الكتاب، صخب لا يشبه صوت المعاول الذي كان يتردّد في وديان جبل، تحوّلت جلوله صرخات خلال لحظات حرجة، صخب يضاهي صوت القذائف وعويل الثكالى، صخب ممزوج بعشرات الروايات في رواية واحدة، ولكلّ رواية أبطالها الذين هربوا يوم مواجهة الحرب ولن يهربوا من الديّان، ما عدا الأبطال الذين نذروا أنفسهم للإنسانية. والذي يؤلم أكثر من هذا الصخب كيفية تحوّل الشباب إلى الأثم بعد التهجير وانفجار هذه الآفات عند العودة في منازل تسكنها الخيالات والمثليين شتاء".
(إغراء الأوراق كبير) نعم أيتها الكاتبة فالأوراق تغريك لتنثري عليها دررًا، ولو عن المآسي، وتغرينا نحن كي ينهل عقلنا وفهمنا وإدراكنا آخر نقطة حبر من حبرك على آخر صفحة.
نجت أجساد، أو شبه أجساد إذا كانت الإعاقة جسيمة لكن الأهوال تركت أثرًا دائمًا (cicatrice definitive) في العقل والمخيّلة ولا دواء للنسيان.
الكتاب فصل واحد في خمسة فصول فهل يعود فصل الدم لا سمح الله؟ كلّ هذا وأكثر وبكمٍّ هائل، في كتابٍ حروفه من دماء ودموع ومعانيه وهج ساطع. لن أحدثكم عن المفاجأة في آخر الرواية علّكم تستكشفونها بأنفسكم.
إنّ القدر يمرّ، ويعاود المرور عبر ذواتنا، مثل مسلّة الإسكافي في الجلد الذي يصنعه.-" أمين معلوف).-"
هل إنّ هذه الرواية (للجبل عندنا خمسة فصول) للأديبة ماري القصّيفي الصادرة لدى دار سائر المشرق هي مسلّة الإسكافيّ التي استعملها أمين معلوف في رائعته (صخرة طانيوس) والتي تحذّر ساكني هذا الجبل الذي حُرم على كليم الله، تحذّرهم من أفعال جرميّة تهجيريّة حاقدة ذات طابع مجهول، منذ عهد إرتحششتا، مرورًا بذي القرنين واجتماع الممالك الفينيقيّة في حرب على أختها سيّدة البحار صور إلى أحداث 1860 إلى اليوم.
رواية ماري القصّيقي مزجت كلّ الواقع في خيال خصب تمخّض عن فصلٍ مؤلم من جلجلة وطن لم يجد من يمسح وجهه بمنديل.
يوسف طراد/الأحد 31 آذار 2019

الجمعة، 28 يوليو 2017

مداخلة الدكتور سعود المولى حول رواية ماري القصيفي (للجبل عندنا خمسة فصول)


مداخلة الدكتور سعود المولى حول رواية ماري القصيفي (للجبل عندنا خمسة فصول)، في ندوة عن الرواية أقيمت في مركز عصام فارس (وشارك فيها الباحث مكرم رباح الذي يعد اطروحة دكتوراه عن حرب الجبل، والكاتب بول عنداري الذي كان مسؤولاً عن "جبهة بحمدون" وفي حضور مفوّض الإعلام في الحزب التقدّمي الاشتراكيّ رامي الريّس)
رواية ماري القصيفي (للجبل عندنا خمسة فصول) هي من تلك المحاولات، القليلة للأسف، التي نحت بعد الحرب الأهلية منحى التعامل الأدبي والتصويري لوقائع منتقاة من سيرة الحرب... ولعل ماري اعتقدت أنها بذلك تنزع عن ذاكرة الحرب الجمعية (وهي عندنا ذاكرة جماعات وطوائف) محمولاتها الأيديولوجية الحادة وشحناتها العاطفية التدميرية، فتحيلها عبر أبطال روايتها وشخصياتها وسرديتها القصصية إلى مرويات وذكريات غامضة ضبابية فنية... ولعل ماري أراددت بروايتها هذه المشاركة في التأسيس لوعي نقدي لوقائع التاريخ، ولفهمه كما حصل عبر تعبيراته في ذاكرة من عاشوا تلك الوقائع. فهل نجحت ماري القصيفي في ذلك؟ وهل تنجح الرواية أصلًا في هكذا أمر؟ وهل مهمة الرواية كتابة التاريخ وتنقية الذاكرة وشفاء القلوب ومداواة أعطاب الواقع المميتة... 
لا أدري!!  فأنا لست بناقد أدبي أو روائي! كما أنني لست من جماعة "اتحادات الكتاب" التي انتشرت أيام الحرب الباردة وصارت ببغاوات أيديولوجية لهذا الطرف أو ذاك (خصوصًا جماعة جدانوف وكتابه: "إن الأدب كان مسؤولًا")...
في الرواية دائمًا شيء خاص حميم لا تدركه النظارات الحزبية الفئوية والتحشيدية... في الرواية أدب وفن وجمالية وصف وبلاغة تعبير الخ... في الرواية خيال يُبعدنا عن الواقع... ولكن هل الرواية حيادية؟ هل الرواية تعبوية؟ هل الرواية وصفية؟ هل الرواية ترميزية؟ هل الرواية غير الواقع؟الخ... أسئلة كثيرة لست أنا من يستطيع الكلام عنها... 
ولكنني سأتحدث عما فهمته... فأنا قرأت في رواية ماري جزءًا من ذاكرة خصبة لم تتح لها السياسة أن تعبر عما في مكنوناتها... وقرأت أن أي واقعة من وقائع حربنا الأهلية مؤلمة وقاسية وعنيفة... ولكنها أيضًا حمّالة أوجه...أي أنها يقابلها واقعة أخرى جرت للآخر وعاشها الآخر بشكل آخر... وهذا الآخر هو دائمًا إما غائب أو مغيّب أو مشيطن في روايات الناس للأحداث، وفي ذاكرتهم عنها، كما في تخيّلهم لها. وهو لا يحضر في الرواية القصصية... فالرواية تروي عن أحد غير معني بالآخر... لا بل هو يعادي الآخر ويحقد عليه ويشيطنه ويحملّه كل آثام الدنيا... فهل هذا صحيح؟ وهل هذا صحي؟ أيضًا لا أدري!! فكل رواية تحكي عن زاوية ما، أو عن فئة من الناس، أو عن ناس محددين من شحم ولحم يعيشون مأساتهم وترويها الكاتبة عنهم... هذا النوع من الروايات مطلوب... ويا حبذا لو يكتب الناس روايات عن الحرب الأهلية... ويا حبذا لو يعمد السياسيون والمحاربون إلى كتابة سرديتهم عما عاشوه وعانوه وعاينوه... ويا حبذا لو يتم ذلك مع الابتعاد قدر الإمكان عن السجالات السياسية حول المسؤولية عن الحرب والمسؤوليات في الحرب والمسؤوليات عن وقائعها، خصوصًا منها المجازر الوحشية... فهذا باب يفتح على المجهول ولا فائدة منه...
إلا أن الرواية لا تستطيع إلا أن تكون رواية أي أنها تروي وفي الرواية إذن خطر فتح الجروح...فهل نوقف الروايات والأدب؟؟ كلا بالطبع...
ما أحببته في رواية ماري القصيفي هو العمق الإنساني في تصوير الشخصيات وفي وصف الوقائع... وليس عندي الكثير لأضيفه سوى أنني أحببت الرواية وأحببت أسلوب الكاتبة ولغتها واختيارها لشخصيات روايتها...
أما في الجانب السياسي فإنني أعتقد أن هذه الرواية هي من الروايات والسرديات القليلة التي تفتح أمامنا بابًا للتفكّر والتدبّر في مسألة ذاكرة الحرب الجمعية وفي كيفية التعامل مع الذاكرات المتناقضة المتحاربة وفي كيفية ايجاد الفسحة الوسيطة التي تسمح ببناء ذاكرة وطنية واحدة ومتعددة،ـ وتاريخ وطني واحد ومتنوع، دون الوقوع في الصهر والأحادية والنزعات الإلغائية الإقصائية للآخر... إن بناء وعي صحيح بهذه المسائل هو من أساسيات بناء الأوطان والدول. الذاكرة الجمعية الخاصة بالجماعات والطوائف لن تزول ولن تضمحل ولكن علينا التفكير في كيفية تحويل شحنتها العاطفية وآلامها المأساوية إلى دوافع لعمل الخير والمحبة لا إلى غرائز للانتقام...
هناك ستة أنساق من التعامل مع الماضي (أو الذاكرة) يمكن استخلاصها من تجارب الأمم والشعوب في عصرنا هذا:
1- فقدان الذاكرة: وهو حال ألمانيا واليابان بعدالحرب العالمية الثانية 1945، وحال إسبانيا بعد الحرب الأهلية 1936-1939، وروسيا وأوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية 1989-1991
2- المحاكمة والعدالة: محكمة نورمبرغ بعد سقوط النازية، محكمة العدل الدولية، بدايات المحكمة الدولية للجرائم ضد الإنسانية.
3- التطهير أو معاقبة المتعاملين مع العدو بطردهم من حقول الشأن العام: حال فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وأوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية.
4- التعويض المتفاوض عليه، وإعادة الاعتبار: حال ألمانيا مع اليهود، مفاوضات كندا وأستراليا مع السكان الأصليين، الوضع الممكن لشعار حق العودة الفلسطيني.
5- إعادة التثقيف السياسي الأيديولوجي: التجربة الشيوعية كمثال سلبي، وتجربة مبادرات التدريب على حل النزاعات وثقافة السلام كتيار إيجابي معاصر.
6- لجان الحقيقة والمصالحة: تجربة جنوب أفريقيا وبعض دول أميركا اللاتينية وربما المغرب.
حقاً إن الذاكرة الجمعية تستوحي حدثاً وقع في التاريخ إلا أنها تبسّط وتختزل هذا التاريخ، وتقوم بتنقيته، عبر الأسطرة والتحوير والتلفيق، مستخدمة في ذلك لغة رمزية خاصة .. إن الرموز التي تستخدمها الذاكرة الجمعية محمّلة بالمعاني والدلالات .. والذكريات التي تستعيدها تلك الرموز هي في الغالب مشاعر جماعية عميقة وعنيفة... فهي لذلك مصدر للاتحاد النفسي – البيولوجي الذي يلحم الجماعة...
إن التذكّر أمر يختلف عن التأريخ .. فهو ليس فقط عملية بيولوجية- نفسية وإنما هو أساساً عملية أيديولوجية- اجتماعية تخضع لمؤثرات البيئة والمكان والزمان، وقبل ذلك كله للاطار الثقافي – الايديولوجي الناظم والمحدد، وأيضاً وأساساً للمصالح المباشرة، الفردية أو العائلية أو العشائرية أو الجماعية..  وهذه المصالح ( الأهواء بلغة القرآن) تعمينا عن الحق والعدل إذ هي تؤطر رؤيتنا الذاتية كما الجمعية، وتحدد تالياً ذاكرتنا الفردية والجماعية... ولعل هذا هو ما دفع علماء الاجتماع الى القول بأن الذاكرة هي بناء اجتماعي معد للاستخدام عند الطوارئ... إن اعتبار الذاكرة  "حقيقة موضوعية مطلقة ومجردّة"، والمماهاة بينها وبين "التاريخ"، قد حوّل التاريخ الى ذاكرة ايديولوجية مضخمّة انقسامية فارزة ومولّدة للحروب الأهلية... كما أن الاستخدام البراغماتي للذاكرة كخزان للمعلومات والمعطيات التاريخية يمكن تفريغه عند الطلب (عبر تذكّر احداث معينة تستدعي التعبئة والتحشيد للمواجهة او الحرب) ومن خلال الشعائر والطقوس والشعارات والأعلام والألوان والأعياد والمناسبات الخاصة، قد جعل من كل جماعة عبارة عن: دولة/أمة، لها تاريخها الخاص وذاكرتها الجماعية ووجدانها وضميرها، وقضاياها وهمومها واولويتها الخاصة...
ولذا فإنه ينبغي التوقف عن اعتبار ذاكرتنا الخاصة (ذاكرة جماعتنا) هي "التاريخ"، أو هي ذاكرة الوطن أوالأمة... واذا لم نميّز بين الإثنين فسيضيع الفارق بين الواقع والخيال، وبين الحقيقة والوهم، وبين التاريخ والايديولوجيا.. وبما أن الأحداث الواقعية (أوالتاريخ الفعلي) هي غير فهمنا وعيشنا وتفسيرنا لها، وخصوصاً في المجتمعات المنقسمة ( لبنان ويوغوسلافيا على سبيل المثال) فانه من الشرعي والمنطقي في مجتمعات كهذه حدوث اختلاف وتباين في الرأي والنظر الى الأحداث والوقائع وحول فهمها وتفسير خلفياتها، وحول وجود "حقيقة أخلاقية موضوعية مطلقة ومجردّة"...وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب ما درج عليه العالم من كتابة المنتصر للتاريخ وفق هواه وعلى حساب المغلوب أو المهزوم الأمر الذي ولّد ويولّد جراحا اعمق وشرارات لحروب أشرس.. حدث هذا الأمر مع الألمان مثلاً في المرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى وهو أنتج النازية... ويحدث ذلك اليوم في المجتمعات المنقسمة أو المتعددة الهوية والإنتماء، بعد انفجار الايديولوجيات الإطلاقية وانهيار النظم الشمولية الأحادية، القامعة أو الضابطة ...
علينا التفكير والعمل من أجل إعادة الإعتبار إلى القيم الإنسانية الحقة وأولها إنسانية الإنسان وكرامته وحريته... وهذا هو المقدس المطلق أي الأصل الذي تنبني عليه علاقات البشر... ومن هنا واجب العمل على صياغة ميثاق أو منظومة القيم الإنسانية التي تحترم وتقدس حياة الإنسان وعقله وروحه وكرامته وحقوقه وحرياته، وتقدس اختلاف البشر كسنة إلهية وكحقيقة تكوينية، وتحترم هذا الاختلاف وتحترم حق الاختلاف وحق التعبير عن هذا الاختلاف من خلال التنوع والتعدد الثقافي.
إن السلم الأهلي والمصالحة الوطنية والتسوية العادلة المتوازنة هي أسس العقد الاجتماعي اللبناني ما يعني نبذ لغة التخوين والتكفير وعمليات نبش الذاكرة واستحضار الماضي استنسابياً. والمطلوب مراجعة نقدية حقيقية للتجربة الماضية عنوانها الحقيقة والعدالة. والمطلوب تأسيس ذاكرة وطنية جديدة وثقافة وطنية ديموقراطية تستوعب تجارب الماضي وتستفيد من دروسه ومحنه.
وبرأيي فإن الرواية والأدب والفن يمكن أن يلعبوا دورًا أساسيًا وتأسيسيًا...


تحية إلى ماري القصيفي لأنها تضع يدها على جراحنا...ولأنها تلامس قلوبنا... ولأنها تفتح ذاكرة على العودة إلى إنسانيتنا في كل لحظة وفي كل مكان...

الخميس، 27 يوليو 2017

الفصل الأخير من روايتي "للجبل عندنا خمسة فصول" - منشورات دارر سائر المشرق



        لا أعرف الآن إن كان الجبل سقط لأنّ خالتي، سقطت في عين نفسها ليلة عيد مار يوسف معتبرة أنّها امرأة ساقطة، فأنزلت لعنتها على هذا المكان، وعلى مسيحيّيه الذين ينهون سهرة العيد بالسكر، أو لأنّ سلوى لعنته ولعنت دروزه الذين ذبحوا أخاها واغتصبوها انتقامًا لبشير جنبلاط من بشير الشهابيّ. ما أعرفه أنّ الجبل لم ينهض بعد من سقطته. ففي ذلك الصيف البحمدونيّ، الذي دفنت فيه سلوى، ثمّ قرأت حياتي وحياتها منصهرتين في أتون الجبل المستعرة نارُه أبدًا، تأكّد لي أنّ منطقة تقيم المهرجانات الصاخبة ولا أنابيب صرف صحيّ فيها، هي مقبرة كبيرة يجتاحها الذباب نهارًا، والبعوض ليلًا، وأنّ دروزًا، يوافقون في السرّ والعلن على "تربية" غير الدروز الذين يتزوّجون من بناتهم، مصيرهم التقوقع فالاضمحلال، وأنّ مسيحيّين، ينقسمون بين جيل من مزارعين كهول يعملون في الكروم والحقول طوال النهار ويموتون فقعًا تحت الأشجار، وجيل شابّ يخجل من التراب العالق تحت أظافر أهلهم، ويبيح لنفسه اللواط والسحاق والمخدّرات، مصيرهم الانعزال فالزوال.
    أنهيت النهار الذي بدأ مع عفاف، بالنوم بين ذراعيّ دانيال. اتصلت به وأنا على طريق جبيل، وطلبت منه أن يترك كلّ شيء ويوافيني إلى بيتنا في العاقورة، فأنا لا أريد أن تراني البنات في هذه الحالة...
     هكذا كانت تقول سلوى... عندما تشعر بأنّها منصاعة رغمًا عنها إلى انهيار آخر: لا أريد أن تراني البنات وأنا في هذه الحالة!
    لكنّي لست هي! هذا ما يؤكّده لي دانيال، لذلك أردت أن أجد نفسي معه، مع الشخص الوحيد الذي يشيع في روحي الأمان، ويشبع جسدي حبًّا، وفي منطقة لا تشبه الشوف وعاليه وبحمدون وبيروت وبعبدا والبترون، ولا عين يوسف ودير القمر ودير الصليب. قلت له حين ضمّني إلى صدره: أرجوك دعني أنسى كلّ شيء، أرجوك امنعني عن الخروج من هنا. اتركني منعزلة بين اللوحات التي ترسمها، والكتب التي نقرأها ونكتبها ونترجمها، بين جلول التفّاح والصخور العنيدة، مع الثلج والريح والوحدة والصمت. لم يقل شيئًا بل ضمّني إليه وتركني أبكي قدر رغبتي في البكاء، وأنا أعيد سرد حكاية خالتي، مردّدة بنقمة سؤالًا واحدًا: لماذا لم تسمح الحياة لسلوى أن تنعم بالحبّ؟ فأجابني دانيال: لا أعرف لكنّي أعتقد أنّها في قرارة نفسها تمنّت دائمًا أن تشبه العاشقة التي فيك لا الكاتبة. 
    كانت ليلة حبّ بلا كلمات ولا ذكريات ولا هواجس. قبّلت زوجي بنهم نساء كثيرات لم يعرفن الحبّ، وقبّلني بشوقِ من طال به الفراق. كنّا بطريقة ما ضحّيتين من ضحايا الحرب، خسرنا مراهقتنا مع بدايتها، وانعطفت أحلامنا ألف مرّة حين قرّرت المعارك بالنيابة عنّا أين نتعلّم، وأين نتزوّج، وأين نقيم في السلم، وإلى أين نهرب عند القصف، وبماذا ننصح بناتنا أن يتخصّصن في الجامعة، وإلى أيّ بلد نشير عليهنّ بالهجرة والاستقرار. ومع وجود سلوى في حياتي، بدا لي دانيال أكثر من مرّة كمن ارتبط بامرأتين، ومرّات كان يحوّل الأمر مزاحًا، أعرف من أيّ نبع حنان يصدر، فيقول: كأن لا يكفيني أنتِ وأمّك وخالتك وبنتيها، حتّى أنجبت لي ثلاث بنات. وكنت أجيبه: لكنّ بناتك عوّضن عليك بفريق من الشبّان: زملاء وأصدقاء وأحبّاء سابقين وأحبّاء حاليّين ومشاريع عرسان ومن مختلف الجنسيّات والطوائف!
    بدأ الهواء الخريفيّ يعلن نهاية ذلك الصيف، فأغمض عينيّ اللتين تجدان صعوبة في استيعاب كميّة الضوء الساطع النقيّ، بعدما اعتادتا على شاشة اللابتوب والهاتف الخلويّ، وأستسلم لسكينة تلك المنطقة النائية. ينضمّ إليّ دانيال في الحديقة، ورائحة صابون الاستحمام تسبقه، فيقف خلفي ويلفّ ذراعيه حول خصري، ويقبّل عنقي. فأسأله وأنا ألقي رأسي على صدره: ماذا أفعل بالأوراق التي معي، كتابات سلوى، ومذكّرات جوزيان، وحكاية أنطوني وسرّ خالتي؟ يغرق زوجي وجهه بين خصلات شعري المنسدل، ثمّ يغرز ذقنه في كتفي، فيجاور خدّه خدّي، فتنتابني رغبة لذيذة في ممارسة الحبّ، وأزداد التصاقًا به وهو يقول: عليك أن تنشري تلك الأوراق، هذا حقّهم عليك وواجبك تجاههم. وبشكل خاصّ تجاه سلوى، لا لأنّك تشعرين بالذنب، عن غير وجه حقّ، تجاه بقائها في الجبل، بل احترامًا لإيمانها بأنّ ما كتبته أجمل من حياتها، ففي نصوصها عاشت وعشقت وانتقمت وتطهّرت وتمسّكت، في حديثها عن المرأة الدرزيّة التي سمّتها عذراء الجبل، بخيط خلاص.  ثمّ أضاف وهو يهمس في أذني بالطريقة التي يعرف ماذا تفعل بي: ويمكنك أن تبدأي روايتك بالقول إنّ خالتك نامت مع رجلين في ليلة عيد القدّيس الذي لم ينم مع امرأة. أفلتت منّي قهقهة مدويّة والتفت إليه لأتناول شفتيه كأنّي أستردّه من أوراق سلوى، وأعيده حبيبي وزوجي ووالد بناتي وشريكي في كلّ شيء، وقبل كلّ ذلك، الرجل الذي لا يبكيني بل يشرب دموعي حين تبكيني قصص عائلتي، والذي يثير رغبتي فيه كلّما أضحكني.
    في أربعين سلوى، خالف رئيس دير الرهبان، المحتفل بالذبيحة الإلهيّة في كنيسة عين يوسف، أوامر الكنيسة التي تمنع العلمانيّين من إلقاء الخطب والكلمات من على المذبح. فسمح لي، ربّما بصفتي كاتبة وصحافيّة، وعلى الأرجح لأنّه لا يعرف ماذا يقول عن امرأة أمضت عمرها في دير الصليب، بقراءة نصّ من نصوصها:
    " في ذلك الصيف البحمدونيّ، تساءلت أين سأدفن إن متّ فجأة. خطر لي الأمر وأنا أسمع جيراني يتحدّثون عن المقابر التي نُبشت، وحرمة الموت التي انتهكت، فعاد إليّ مشهد جدّتي المصرّة على دفن جدّي في القرية، بينما هي دُفنت في مدافن بلدة الحدث، حيث اشترى المهجّرون من قرى الشوف وعاليه جوارير، يتجاور فيها، بهدوء تام، الموتى الذين ما كان أحدهم يطيق الآخر في قراهم، بل يرفعون الدعاوى القضائيّة بسبب شجرة زيتون أو حجر لامس طرفُه أرض الشقيق أو ابن العامّ أو ابن الخال.
    هل أريد أن يلتحف جسدي بتراب عين يوسف الذي ضمّ أجساد والدي وجدّي وعليا وأنيس وأسعد؟ وماذا لو عادت الحرب لتغتصب موتي كما اغتصبت حياتي؟ فأنا مذ عاد أهل قريتي ورمّموا بيوتهم وبنوا الكنيسة وأعادوا إعمار المدافن، لم أنم ليلة واحدة فيها، إذ كنت أسمع بعودة خلافات عنيفة بسبب متر أرض، والأرض كلّها كانت سليبة، وتصل إليّ في دير الصليب مشاكل الإرث وتوزيع الحصص، والورثة كلّهم كادوا يموتون جوعًا أو قنصًا في دير القمر، وأولادهم يهاجرون إلى غير رجعة. فتأكّد لي أنّ الدروز إن أرادوا قتلنا مرّة أخرى، أو ربّما الشيعة والسنّة الذين يشترون الأرض، فلن يجدوا، كما دائمًا، من يقف في وجههم. أعتقد أنّني أريد أن أدفن في دير الصليب، حيث أمضيت من العمر سنوات أكثر من تلك التي أمضيتها في قريتي. هناك على الأقلّ، أكون قرب سليم، وإن حصل وتشاجر اثنان قرب قبري، فسأجد لهما في الجنون عذرًا، والجنون الحقيقيّ أبعد ما يكون عن الغباء، وأكثر براءة من أن تُلصق به جرائم الحرب، لأنّه أجمل من الحقد، وأطهر من الشرّ، وأعمق من المعرفة، وأسمى من الدين. وشقيقي سليم مجنون حقيقيّ لأنّه حاول إنقاذي بكلّ الطرق التي يعرفها ويقدر عليها، أمّا نحن، نحن كلّنا، فمجرمون أو ضحايا.
    قبل أن أغادر بيتي البحمدونيّ المؤقّت، قلت للعمّ أديب: انتهى الصيف ولم تنتهِ حكايات التهجير يا أبو جورج! فأجابني بأنّ لكلّ مهجّر حكاية ولكل عائد قصّة ولكلّ مفقود وميت رواية، فكيف لشخص واحد أن يجمع كلّ ذلك في كتاب واحد؟ ثمّ سألني إن كنت قرّرت أن أعود إلى الجبل لشراء بيت تحيط به حديقة، كما كنت ألمـّح دائمًا أمامه، فكان جوابي سؤالًا: وهل عاد الجبل إلينا؟ أنت نفسك قلت لي إنّه لم يعد... ربّما أعود حين تفتح مكتبة أنطوان وVirgin فروعًا لهما في الجبل. ربّما".

السبت، 26 نوفمبر 2016

«للجبل عندنا خمسة فصول»: سيرة ذاتيّة للوطن بين العقلنة والجنون - بقلم الدكتور جوزيف ياغي الجميّل



  "للجبل عندنا خمسة فصول" رواية للكاتبة ماري القصيفي، صادرة عن دار سائر المشرق، من دون تحديد تاريخ واضح للنشر. ولكنّنا نفهم من خلال الإهداء أنها صدرت سنة 2013، «في الذكرى الثلاثين لحرب الجبل 1983-2013». فما هي الصفة التي يمكن إطلاقها على هذه الرواية؟ أهي سيرة ذاتيّة أم تأريخ اجتماعيّ لحقبة من عمر المجتمع اللبنانيّ، في الشوف وعاليه، بين سنتي 1983 و1990؟

   لن أبدأ بالعنوان، كما درجت عليه الدراسات الأكاديميّة، أو بدلالاته وإيحاءاته، في مختلف المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة. سأخالف منطق البحث وأبدأ من نهاية الكتاب.

نظرة سوداويّة
   تقول الكاتبة في الصفحة الأخيرة من الرواية: «إنتهى الصيف ولم تنتهِ حكايات التهجير يا أبو جورج! فأجابني انّ لكلّ مهجّر حكاية ولكل عائد قصّة ولكلّ مفقود ومَيْت رواية، فكيف لشخص واحد أن يجمع كلّ ذلك في كتاب واحد؟» (ص 213).
   ونتساءل: أيعني هذا الكلام تعبيراً عن الإحباط أم هو نظرة واقعيّة بعين روائيّة أدركت زيف انتهاء الحرب والتهجير؟ وكأنها تقول: أصبح التهجير في لبنان من ثوابته، فصلاً من فصوله.
   هو فصل الشيخوخة والهرم، فصل الموت والغربة داخل الوطن. وهذا ما يؤكّده قولها: «إنتهى الصيف». والصيف رمز الشباب والنشاط والازدهار. الفصل الخامس هو فصل البحث عن الأمان والاستقرار في وطن المتغيّرات، في وطن غَدا المواطن فيه يبحث عن وطن يهاجر إليه ولا يُهَجّر منه. (ص 212)
   هي حقاً نظرة سوداوية أعلنتها الكاتبة القصيفي في روايتها هذه. نظرة إنسان حاصَره الإحباط والموت واللاإستقرار. وتتمثّل هذه الحال في صورة شخصيتين تعتبران أساس الرواية: شخصية سلوى وشقيقها سليم. سلوى العاقلة التي تحاول أن تتجاوز جنون التهجير لتجد متنفّساً لكبتها، وتدّعي لأخيها أنها تعيد بناء بيتها في الجبل.
   هي المجنونة الحقيقية لا شقيقها سليم، لأنها تبحث عن سلواها في الكتابة. واسم سلوى ليس اختياره عبثيّاً في الرواية. أمّا سليم الذي احتضنه الدير، فهو صورة واقعيّة عن النصف الثاني من الشعب اللبناني، الذي أصابته الحرب بجنون مآسيها، ولم تترك له متنفّساً إلّا الحلم.

مجنون المكان
   صحيح أنّ أيام التهجير حوّلت الإنسان اللبناني، أو من لم يستطع السفر من بلاده، إلى مجنون المكان والكيان. وسلوى التي حاولت توثيق التهجير في رواية، لا تقلّ جنوناً عن أخيها سليم، من باب تسمية الشخص بضدّه. وجنونها ليس وليد اللحظة، بل هو مرتبط بتاريخ من المجازر التي ارتكبت بحق طائفة من اللبنانيين، سنة 1860. أمّا أسباب تلك المجازر وذاك التهجير فهي سياسية تعود إلى وعد بلفور خدمة لليهود في فلسطين.
   فتساوى الشعبان اللبناني والفلسطيني في المأساة، ربما بسبب التخاذل، تقول الكاتبة: «هذا ما نبرع فيه نحن: الهجرة ثمّ الهجرة ثمّ الهجرة! وإقامة النصب والمزارات!»(ص 190)، أو بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الجميع، بلا استثناء، فغدا الجنون ذريعة للتهرّب من المسؤوليّة، إنطلاقاً من مبدأ: ليس على المجنون حرج.

عذراء الجبل
   عودة إلى مجريات فصول الرواية، فإننا نرى فيها عامل الادّعاء هو الكلمة المفتاح الطاغي في النصوص. فعذراء الجبل، أي سلوى، اعتبرت عاهرة الجبل طوال الحرب، بعدما ادّعى أحد المقاتلين زوراً أنه نال وطره منها، في حين أنه كان عاجزاً جنسياً لأسباب نفسيّة. وسلوى ادّعت لأخيها انها ترمّم بيت الجبل في حين انها كانت تكتب روايتها.
   والجميع ادّعوا انّ التهجير انتهى ولكنّ الكاتبة كانت تدرك أنّ الأمر غير صحيح. والمنزل العائليّ الذي ما زال مدمّراً في عين يوسف يثبت هذا الأمر. فالمهجِّرون (بكسر الجيم) والمسؤول المُزوِّر المُدّعي (المختار) هم الذين قبضوا التعويضات، لا الشعب المهجَّر المسكين.
   وكأنّ لعنة أزليّة هي المسؤولة عمّا جرى. لعنة حوّلت صيف الجبل الهانئ إلى فصل جنون. وكانت النتيجة أن تحوّلت بطلة الرواية نفسها، في الفصل الأخير إلى لعنة. فأمضت سلوى ثلاثين عاماً في دير الصليب.
   وكأنّ الكاتبة تعلن بذلك أنّ الوطن نفسه كان ضحيّة الإصابة بالجنون، في مصحّ عقلي. بل أكثر من هذا كان مصاباً بالسرطان القاتل. فخرجت الرواية من نوعها الأدبي المعروف لتصبح سيرة ذاتيّة، لا للكاتبة، بل للوطن.
    قيل الكثير عن حرب الجبل، في كتب التاريخ، وحتى في الرواية، ومن بينها رواية «ضيعة الله» للأديب الدكتور وليم الخازن. ولكنّ اللافت، في رواية ماري القصيفي، أنها أسيرة الواقعيّة المفرطة في الالتزام، فغدت شخصيّاتها رموزاً حيّة لواقع يطغى عليه التشاؤم والقلق.
    صورة عن الإنسان اللبنانيّ الذي تحوّل تهجيره في الحرب اللبنانيّة إلى لعنة أشبه بلعنة سيزيف في الأساطير اليونانية القديمة. وكم كنّا نطمح إلى شعاع شمس يخترق حجب ظلام الواقع، إلى استشراف أمل يدعو إلى إخراج القارئ من عالم الموت/اللعنة، إلى الحياة/ النعمة، بعيداً من الأحلام.

الأحد، 27 سبتمبر 2015

جان الهاشم في قراءة لروايتي للجبل عندنا خمسة فصول


ماري القصيفي في رواية الانسحاق والأمل

جان الهاشم - صحيفة الحياة 11 تمّوز 2014

    تحكي ماري القصيفي، في روايتها «للجبل عندنا خمسة فصول» (دار سائر المشرق)، الحرب اللبنانية في أحد وجوهها، حرب الجبل في ثمانينات القرن الماضي، بين الموارنة والدروز، وهي انتهت بتهجير المسيحيين من تلك المنطقة التي تعايشوا فيها معاً زمناً طويلاً، قبل أن تبدأ حروبهم وتتواتر منذ ستينات القرن التاسع عشر. وهذا التواتر أعطى الكتاب عنوانه، إذ صار لأبناء الجبل فصل خامس متكرّر يضاف إلى فصول السنة الثابتة المتكرّرة بانتظام، هو فصل الجنون: «ففي الفصل الخامس من فصول تلك السنة في الجبل اللبناني، فصل الجنون الذي لا ينفكّ يعود...» (ص 187). وإن تكن الشخصية الرئيسة في الرواية هي الراوية سلوى بو مرعي، إلا أن بطلة الرواية من دون منازع هي «الحرب اللبنانية» بكل صورها البشعة...     
     تتفرَّغ سلوى بو مرعي لكتابة ذكرياتها عن حرب الجبل، وقصة تهجير عائلتها من قريتها، مع سائر المسيحيين في سائر القرى، إلى دير القمر. ليلة التهجير رسمت مستقبلها، وحفرت في نفسها عميقاً حتى باتت وقائعها راسخة في قلبها، وهي تريد أن تبوح بها لكي «تزيل حملاً ثقيلاً كالجبل...» (ص 12).
     في تلك الليلة هربت العائلة من بلدتها عين يوسف سيراً على الأقدام، ما عدا الأب الذي رفض المغادرة ولازم منزله حيث قُتِل. لكن أخاها التوأم سليم، المختلّ عقلياً، نسي الراديو وأصر على العودة للإتيان به، فطلبت منها أمها أن تعود معه وأكملت طريقها فارَّة. تخلَّت عنهما الأم، وتخلّفا عن ركب النازحين، لكن سليم، الذي يعرف الدروب جيّداً، يقودها وصولاً إلى دير القمر حيث تجمّع النازحون، وحوصروا إلى أن كان الخلاص بإخراجهم من هناك بعد أشهر إلى بيروت وسائر المناطق. وينتهي بها الأمر عاملة في دير الصليب، مصح المجانين، الذي أُدخل إليه شقيقها سليم، واختارت العمل هناك لأنها أرادت أن تلازمه لقربها منه ولتعلّقه بها.
     وتبدأ أحداث الرواية الفعلية (زمن الرواية) من هناك، من مصح دير الصليب حيث حاولت أن تنسى ما حدث، لكنها لم تستطع. تقرّر أن تكتب عن تلك المرحلة بناء على نصيحة ثلاثة: مي ابنة خالتها، والصديقة الوحيدة التي بقيت لها، ودانيال العشيق المفقود، وفادي الطبيب في المصح. «اكتبي عنها يزُل الألم وتبقَ الذاكرة» (ص 18). وانتقلت إلى بحمدون لتتفرّغ فيها للكتابة. وراحت تلملم عن ألسنة الناس فيها ذكرياتهم عن وقائع مرحلة سقوط البلدة، والنزوح عنها. أخذت عن جورج ابن صاحب البيت الذي استأجرته، وقرأت أوراق طبيبة طوارئ سويسرية، تدعى جوزيان أندريه، عملت في خلال الحرب في بحمدون ودوّنت يومياتها فيها.
     وما كتبته سلوى يذكّر القارئ بتلك المؤلفات عن حرب الجبل، التي روت الأحداث من زاوية واحدة، وهنا من وجهة نظر شابة مسيحية، معجبة ببعض زعماء طائفتها، وغاضبة على أكثرهم لأنهم لم يعرفوا كيف يقودون الحرب. مع أنها في ما كتبت حمّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب وبشاعاتها. المسيحيون حركشوا، والدروز انتقموا والمواطن دفع «ثمن غباء المسيحي وغضب الدرزي، والغباء قاتل كالغضب» (ص 128).
     وتعود سلوى إلى زمن الأحداث الحقيقي. ما جرى في دير القمر. لم تنم مع المهجّرين في مكان تجمّعهم. هي كرهتهم، وأرادت الابتعاد عن أمّها التي تكرهها معتبرة أنها أخذت كل العقل ولم تترك شيئاً لأخيها التوأم سليم. نامت في الكنيسة حيث قيل إن ثلاثة رجال اعتدوا عليها ومارسوا الجنس معها، فحملت بذلك العار.
وتتحرّك أحداث الرواية بثقل وتباطؤ وتشابه وتكرار، كأن الكاتبة تعمّدت ذلك لكي تبرز تلك الدوامة التي يدور فيها المسيحيون والدروز في فصل الجنون الذي لا يني يتكرّر.
     لم تسلم سلوى من كلّ تلك الأحداث، هي وقعت ضحيتها فتشوّهت نفسيتها بأبشع ما يكون. حمّلها الناس عاراً لم تحمله أساساً، وقد أوضحت ما جرى لها مع الرجال الثلاثة، وما باحوا به لها. الأوّل أراد وهو معها أن يشعر «بأنّ الحرب لم تقتل فيّ كل شيء...»، والثاني أراد أن يتذكّر أمه وهو يغفو على صدرها، والثالث بكى وهدّدها: «إن عرفت أنك أخبرتِ أحداً أنني بكيت قتلتك بلا شفقة ولا رحمة...» (ص 92). حالات ربما تنتاب من انقاد للحرب غصباً عنه، وربما تكون حاجاتها هي نفسها، لأنها حاولت مقاومة الحرب، وافتقدت الأم هي المكروهة من أمها.

     وينتهي القسم الأول من الرواية، مع ما توصلت سلوى إلى تدوينه، لأنها ستصاب بمرض السرطان وتموت قبل أن تكمل ما بدأته. في القسم الثاني تتولّى مي، ابنة خالتها، إكمال ما بدأته، أو بالأحرى إيضاح كل ما ورد في أوراقها من مواقف وأخبار. وتتحول في القسم الثاني إلى راوية بدورها ترى إلى ما أوردته سلوى من منظار آخر. وهنا تتكشّف لنا براعة الكاتبة في لعبة الإيهام، مع ما نكتشفه من وقوع سلوى في حالة الإسقاط (projection) المعروفة في الطب النفسي، بوجهيها: «الإسقاط النفسي»، وفيها تتلبَّس شخصيات الآخرين وتتبنى مواقفهم، و «الإسقاط التحويري» وفيها تعكس حالاتها النفسية على الآخرين. تروي مي، وهي كما رأينا وجه آخر من وجوه سلوى: «وضعتني كتابات سلوى أمام حياتنا كلّنا، ففيها ما حصل معي وتبنّته هي، وفيها حكايات رويتها لها (...) وفيها قصص أقربائنا من المهجّرين (...) وفيها خصوصاً أوراق أنطوني خير الله وجوزيان الطبيبة السويسرية (...) «ظنّاً مني أنني أساعدها (سلوى) في التعلق بالحياة كما فعل انطوني، والإيمان كما تحدّثت عن مفعوله جوزيان» (ص 263).
     ونكتشف أن سلوى هي المجنونة في مصح دير الصليب، وليس شقيقها سليم. ونكتشف أن دانيال، الذي تروي سلوى قصة غرامياتها معه، وحبها له، ليس سوى زوج مي نفسها.
     تعيش سلوى إذاً في أوهامها وكوابيسها، لكن ماري القصيفي، عرفت كيف تقودنا معها على طريق الإيهام، لتكشف لنا في النهاية حقيقة الأمور. طوال الرواية بدت سلوى امرأة مسيحية، تعيش هواجس مسيحيّي الشوف ومخاوفهم. وإذا سلَّمنا بأن مي شكلت عقلها ووجدانها، نجد أن هذه الأخيرة، أصرت مع زوجها دانيال على بناء العائلة، وعلى العمل على الثبات في الوطن، معبّرة عن حنينها إلى أيام المحبة والاختلاط في الجبل، آملة في إحياء ذلك يوماً ما، على رغم بقائها مهجّرة بعيداً من أرض الشوف. عاشت مي الحرب والهواجس، وحمَّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب، لكنها تحلَّتْ بالأمل، استمدّته من دانيال، الزوج المرمِّم وباني الوطن المأمول معها.
     بذلك تصبح سلوى الإنسان اللبناني المصاب بالانفصام بعدما مزّقته الحرب ما بين اليأس والأمل، ما بين الموت والحياة، ما بين الحلم والواقع. في عمق مأساتها ظلت تأمل بوجود حبل خلاص يعيد الرحمة والمحبة إلى القلوب، كتلك المرأة الدرزية بالوشاح البيض، التي روت عنها أنها أنقذتها مع شقيقها سليم أثناء فرارهما، وكما يقول دانيال لزوجته، فإن سلوى «في نصوصها عاشت وعشقت وانتقمت وتطهَّرت، وتمسّكت، في حديثها عن المرأة الدرزية التي سمّتها عذراء الجبل، بحبل خلاص ينقذها من الحقد بالرغم من الأذى الذي تعرَّضت له!» (ص 312).
     وهذا الأمل يحدو الكثيرين على العودة إلى الجبل. لكن ما هو قائم حتى اليوم في الوقائع والنفوس يبقى معوّقاً أساسياً. وربما بسبب ذلك، وما حدث لها، وما تعيشه من تردّد وتمزّق وخوف، لاذت سلوى بالجنون لأنّ «الجنون الحقيقي أبعد ما يكون عن الغباء، وأكثر براءة من أن تلصق به جرائم الحرب، لأنه أجمل من الحقد، وأطهر من الشرّ، وأعمق من المعرفة...» (ص 315).
     «للجبل عندنا خمسة فصول» سجلّ الماضي وصورة الحاضر وهاجس المستقبل ومخاوفه، باللغة المنسابة ما بين السرد البسيط العادي، والتعبير الوجداني العميق المقارب الشعر، هي رواية الضياع والتمزّق والانسحاق، وفسحة أمل تبقى مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

الحياة/جان الهاشم
الجمعة 11 تموز 2014

الخميس، 19 فبراير 2015

عن ندوة حول روايتي "للجبل عندنا خمسة فصول" - بيار عطاالله

خلال التوقيع بعد الندوة عن رواية "للجبل عندنا خمسة فصول"
وفي الصورة (بدءًا من الشمال): الروائيّة والباحثة الدكتورة ناتالي خوري،
الأب يوحنا مارون الحلو، الآنسة محاسن حدّارة (التي أدارت الندوة)، الكاتب ميشال أبي راشد، صاحب دار سائر المشرق الكاتب والإعلاميّ أنطوان سعد


حرب الجبل في استعادة روائية بعد 32 عاماً: "لو كانت الدولة موجودة لما تهجّر الناس" - بيار عطاالله

بيار عطاالله

صحيفة النهار - 19 شباط 2015
نقاش متأخر بعد 32 عاماً على حرب الجبل العام 1983 بين الدروز والمسيحيين في مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، وذلك تحت عنوان تقديم كتاب الروائية ماري القصيفي "للجبل عندنا خمسة فصول" والذي يروي سيرة ما كان من حرب وويلات وما تخللها من شر وخير وقتال ومصالحة وتهجير وعودة وحب للارض وانفعالات لا تنتهي، اختصرتها الكاتبة في صفحات عدة ارادتها الى شقيقها المهاجر الى لندن في نفي طوعي بعيداً من القتال.
الندوة - النقاش شارك فيها الباحث مكرم رباح الذي يعد اطروحة دكتوراه عن حرب الجبل، والكاتب بول عنداري الذي كان مسؤولاً عن "جبهة بحمدون"، وادارت الندوة الزميلة محاسن حدارة وجمع "تعددي" ضم دروزاً ومسيحيين وشيعة ومقاتلين سابقين وضحايا ابرزهم أنطوني خيرالله الذي أتى من سويسرا لحضور الندوة وهو فقد كل عائلته المسيحية في مجازر بحمدون، كما فقدت عائلات درزية اخرى في جبهات أخرى. ورباح العضو في الحزب التقدمي بدا اكثر واقعية وشجاعة في مقاربة حوادث 1983 وفي الخلاصات التي توصل اليها، وطرح السؤال عمن هو الجلاد ومن هو الضحية في ما جرى، مشدداً على ان الجميع، مسيحيين ودروزاً، دفعوا ثمن ذلك الصراع. كما ناقش فكرة الذاكرة الجماعية اللبنانية وفكرة التعايش الدرزي – المسيحي وامكان تعميمها على كل لبنان. وكانت خلاصة مراجعته ان كتاب تاريخ واحد لا بصنع وطناً بل الاجدى الاهتمام بفكرة تعدد الهويات لقيام الدولة وتجاوز الماضي.
أما عنداري فقال: أن المسيحيين اذا لم يكونوا في الجبل بخير لن يكونوا في اي مكان من لبنان بخير، وتالياً فهم ليسوا بخير حالياً هم وكل اللبنانيين. ومضى في مقاربته "بأن احداً لا يريد ان يتحمل مسؤولية أننا لسنا بخير". وشدد عنداري مستعيناً بتوصيات الارشاد الرسولي على أهمية المساهمة في صنع الخير والسلام. واعطى أهمية ان تكون كل طوائف لبنان بخير، بعيداً من الحرب التي "لا يرتجى منها شيء".
واعتبر ان حرب الجبل اظهرت أسوأ ما لدى الدروز والمسيحيين ومن شاركوا فيها يشبهون بعضهم بعضاً. لكنه لم ينكر أن اطرافاً من الجانبين قاموا بعمل الخير مستشهداً بنموذج "عذراء الجبل" الوارد في الرواية، عن سيدة درزية متدينة كانت تنقل الطعام الى المسيحيين المختبئين في برية الجبل ابان التهجير. وخلص عنداري الذي استذكر من سقطوا في الحرب وفي مقدمهم شقيقه، ان الدولة لو كانت موجودة لما وقعت الحرب وان لا سبب يدعو الى الانتحار، والحروب نتيجة الاختلاف، وان التعدد والتنوع يجب ان يكون نعمة. وخص البطريرك الماروني السابق مار نصرالله صفير والنائب وليد جنبلاط بالتحية على أعادتهما الجبل الى الحياة. وختمت قصيفي باهمية ان لا يكتب التاريخ اصحاب الذاكرة المريضة، وعدم نقل الذكريات الاليمة الى الاجيال القادمة لأن الغلطة والحرب يتحمل مسؤوليتها الجميع من دون استثناء.
وكانت مداخلات للحضور واجماع على تنقية الذاكرة وعدم الوقوع في فخ الحروب الصغيرة مرة جديدة.

الثلاثاء، 6 يناير 2015

شكرًا بيار شلهوب - موقع العربيّ الجديد

عن دار سائر المشرق


بيروت 2014: صلاة أخرى لنهاية الصقيع
بيروت - بيار شلهوب
31 ديسمبر 2014

الثقافة العربية 2014: غاب نهارٌ آخر

     قد يصحّ القول إن المبادرات الفردية هي التي تنعش الثقافة في بيروت، لكن أيضاً يجوز الحديث عن أن المدينة هي التي تغري هذه المبادرات بالظهور. فعلى الرغم من الوضع الأمني المتدهور منذ بداية العام، والقلق الذي لا يتوقف على الحدود الشرقية من البلاد، فإن اللبنانيين لم ينصرفوا في عام 2014 عن انشغالاتهم الثقافية والفكرية والفنية، بل يبدو أن الثقافة تزدهر كفعل أهلي مقاوم لثقافة العنف التي تطل بين حين وآخر.

     مبادرات فردية هي نتيجة توافق بين مجموعات صغيرة، ينطوي أفرادها في هيئات وجمعيات، أعلنت تحدّيها وانطلقت في إحياء أنشطة ثقافية وفنية في ظلّ غياب أي دعم حكومي. فوزارة الثقافة غائبة تماماً عن هموم المثقف وشؤونه وشجونه، أو لنقل إنها في غفلة عن الحراك الثقافي في البلاد. ومع ذلك يُسجّل لها رعايتها حفلاً تكريمياً للأخوين فليفل، اللذين أصدرت "جمعية عرب الموسيقية" كتاباً توثيقياً عن سيرتهما الموسيقية بعنوان "اللحن الثائر". وأيضاً إصدارها طوابع بريدية تحمل صور الشعراء الذين رحلوا هذا العام.

     ويبقى "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب" من أبرز الفعاليات الثقافية التي تُنظم في العاصمة اللبنانية. وكما جرت عليه العادة كل سنة، فقد تضمنت دورة هذه السنة العديد من الندوات الفكرية والأدبية حول شخصيات ثقافية رحلت عن عالمنا. ومن أبرزها الندوة التي أقيمت بمناسبة مئوية العلامة الشيخ عبد الله العلايلي.

صعود أسماء نسائية جديدة في عالم الكتابة الروائية

     وعلى هامش تواقيع الكتب حضرت أسماء عديدة كالجزائري واسيني الاعرج مع كتابه الجديد "سيرة المنتهى"، والسوري فواز حداد موقّعاً عمله الروائي الأخير "السوريون الأعداء"، وأيضاً الروائي اللبناني حسن داوود مع "نقّل فؤادك" والشاعر عبّاس بيضون الذي وقع مجموعته الشعرية الأخيرة "صلاة لبداية الصقيع".
طبعاً، يحضر معرض بيروت متوّجاً معارض أخرى باتت تقليداً سنوياً أيضاً، كـ"المهرجان اللبناني للكتاب" في أنطلياس، و"معرض الكتاب الفرنكوفوني" في البيال.
واللافت على صعيد الإصدارات الأدبية هو صعود الرواية على حساب الأشكال الأدبية الأخرى. 
     وإلى جانب الأسماء النسوية المكرّسة روائياً، بدت لافتة رواية نرمين الخنسا "شخص آخر"، ورواية ماري القصيفي "للجبل عندنا خمسة فصول"، وحنان باكير في كتابها "قصة ثائر" وهو دراما توثيقية حول الثورة في فلسطين أيام "الانتداب" البريطاني.
     لا شك أنّ الرواية تقدّمت على الشعر، الذي بقي ضامراً وفي حدود مُتخلّفة نسبياً. فقد شهدت الأولى صعوداً مضطرداً وإقبالاً شعبياً، الأمر الذي كشفت عنه لوائح المبيعات التي أصدرها "النادي الثقافي العربي" في ختام معرض بيروت.
     مسرحياً، تمكنت بعض الأعمال من فرض نفسها رغم شروط الإنتاج الصعبة وغياب الإقبال الجماهيري. فنلحظ حضوراً مميزاً للمسرحية الكوميدية "بيروت طريق الجديدة" من تأليف وإخراج يحيى جابر وأداء زياد عيتاني، ومسرحية "هشك بشك شو" وهي عرض موسيقي مستوحى من موسيقى الكاباريهات التي كانت منتشرة في مصر في النصف الأول من القرن الماضي، وعرض "هيدا مش فيلم مصري" الذي هو عبارة عن شهادات تتناول مواضيع العنف ضدّ المرأة من إعداد وإخراج لينا أبيض.

     سينمائياً، برزت أسماء شابة مثل كريم الرحباني مع شريطه "ومع روحك"، وأيضاً زينة دكاش التي حصل فيلمها "يوميات شهرزاد" على جائزة أفضل فيلم وثائقي في "مهرجان بيروت الدولي للسينما"، إضافة إلى صدور فيلم "السهل" لغسان سلهب. يضاف إلى كل ما سبق العديد من المعارض التشكيلية والفوتوغرافية التي لم تنقطع عن بيروت المستمرة في تطلعها إلى أفق ثقافي لا يستجيب إلى واقعه السياسي المضطرب.

- See more at: http://www.alaraby.co.uk/culture/d0be26eb-ff35-4cb3-83b6-7708efe78f51#sthash.oMHhAQZt.dpuf

الخميس، 18 سبتمبر 2014

"للجبل عندنا خمسة فصول" لماري القصيفي المعتقدات ألعوبة بشرية تجعل المواجهة بين الجميع ولا خلاص - جوزف باسيل



15 أيلول 2014 - صحيفة النهار

     "للجبل عندنا خمسة فصول" لماري القصيفي (316 صفحة، دار سائر المشرق) رواية ما لا يُنسى أو ما يجب ألاّ يُنسى، لأن الاعتبار في العِبَر الواقعية، ولأن التسامح كالتغاضي لا يحل المشكلة، بل يعاودها، ولا مستقبل يبنى إلا بالاعتبار بالماضي حتى لو كان اطلال منازل وذكريات بشعة مؤلمة.
     كتبت مذكرات عن حرب الجبل وبقيت الذاكرة والقصة والرواية، قاصرة كلها عن مأساة الناس ورعبهم. والإخبار عن المشاهد المرعبة في حرب الجبل يدفع بالقارئ – المشاهد الى دير الصليب، فكيف بمن عاناها؟ ففي دير الصليب "تجتمع ضحايا الهشاشة البشرية وعبثية الله في مسرحية طويلة".

     حوادث الرواية تثير شجون أهل الجبل وتعود بهم الذكرى الى مآسي التهجير الى دير القمر، بعدما تخلوا عن بيوتهم وأرزاقهم. انها مأساة ثلاثية البعد؛ قتل وتهجير وقطع أرزاق. "البهدلة" و"الشرحطة" كلمتان ملطفتان عن المأساة الكبيرة. ففي حمأة القتل الغرائزي لم تفد الجيرة ولا الصداقة ولا الرفقة في الحزب الواحد الذي يعتدي، ولا شفاعة لكبير أو زعيم او قائد، "وحدها أدوات القتل سائدة لا ترحم ولا تأخذ بالأسباب التخفيفية".
     الرواية عن فتاة، سلوى، امضت ثلاثين سنة في دير الصليب مصابة بالشيزوفرينيا تتلبس شخصيات الآخرين، بعدما أكلت "معركة الجبل اجزاء من عقلها وشوهت روحها"، قضت عليها "السطوة" التي تفاقمت بسبب العجز عن تغيير ما جرى او محو آثاره. ان السطوة في عجزنا أمام لعنة تنزل بنا.


رواية الصوت العالي
     تقول القصيفي بصوت عال ما قاله كثيرون همساً: ان الخبز والملح لن يقدرا على مقاومة نداء الدم. نحن دفعنا الثمن بسبب غباوة المسيحي وغضب الدرزي والغباوة قاتلة كالغضب. الغباوة تفرض نفسها من جديد على الجميع، "فالمسيحيون الذين يحيطون بي في بحمدون يبيعون الارض من الشيعي والسني والخليجي نكاية بالدرزي، والمسلم يشتري الآن نكاية بالدرزي الذي فضّل أن يهدم بيوت المسيحيين على أن يلجأ اليها الشيعة. والدرزي ينسى أنه سيكون الضحية التالية في هذا المشرق، بعد المسيحي، إلاّ اذا كان يراهن مرة جديدة على اليهودي!".

     لخّص أبو جورج البحمدوني فلسفة التعايش لدى المسيحيين بأنها مبنية على النسيان بسبب الضعف. النسيان يلئم الجروح على زغل فلا تشفى، وتبقى عرضة للتقيّح، فتنز قيحاً. اثبتت تجارب الشعوب ان المصارحة، فالمصالحة، أثبت من التغاضي والتسامح، و"عفا الله عما مضى"... ثم نكرر المأساة.
     هذا يقود الى سؤال طرحته العامة من مسيحيي الشوف، باستثناء المتحزبين: لماذا نريد كلنا ان يصالحنا الدروز ونحن لم نتصالح مع ماضينا وأخطائنا، ولم نطوِ صفحة الحرب بيننا كمسيحيين؟!".


روايتان في رواية
     لا تكاد تعتبر ان الرواية انتهت بانتهاء ما ترويه سلوى عن مأساتها حتى يفاجئك راوٍ جديد بقصة تعيد ترتيب الحوادث وتصوّب الإبهام في بعض النواحي فتقلب الموازين، فكأنك عدت تقرأ الرواية من بدايتها باتساق ووضوح، ويفك الابهام – أي عقدة الرواية – الذي طغى متمثلاً بكره الأم لابنتها وعطفها على توأمها الساذج.

     الراوية هي بطلة الرواية، لكنها ليست كاتبتها. هي المأساة. بهذه الصفة تروي وقائع، ولا تسرد حكاية. خمسة أسداس الرواية هذيان إمرأة في دير الصليب، والسدس الأخير هو قصة الرواية.
ليست الشيزوفرينيا في الرواية، بل في حياتنا، وليست في سلوى، بل في المجتمع المنقسم على نفسه والمشوّه بأفكاره ومبادئه.
     تستند الرواية الى مشاهدات الطبيبة السويسرية جوزيان ومراسلاتها الى طبيب الاسنان الفرنسي أريك، كما تستند الى روايات الذين عاشوا المآسي وبقوا احياء، والى رواية انطوني خيرالله الذي قضت حرب الجبل عليه بعدما قضت على أهله جميعاً، ثم قضى سلم بيروت على إرث والده، ملاذه في حرب الحياة بعد حرب البقاء، اذ استولت "سوليدير" على متجر والده في باب أدريس مقابل مبلغ من المال "لم يكفه سوى لتسديد قسط سنته الجامعية الأولى". هكذا سقط اللبنانيون الابرياء، ولا سيما المسيحيون منهم ضحايا الحرب والسلم معاً فكانوا الخاسرين في الحالين.
     وإنما للمآسي في الحرب والسلم أشكال وصور مختلفة في القضاء على المرء، وهو ما يفعله الانسان بأخيه، ثم يقول: قضاءً وقدراً.

joseph.bassil@annahar.com.lb

   

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.