‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات صحيفة الديار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات صحيفة الديار. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 يناير 2018

هذا هو حبر "الدّيار" - حسين عبدالله - جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990


هذا هو حبر "الدّيار"
        تحليل...
        هذه الكلمة الكذبة، التي تتنافس الصّحف على إقتنانها، وفرد صفحات كثيرة لها. والتي يدّعي القرّاء عمق ثقافتهم السّياسيّة بقراءتها والغوص في مجالها...
        هذه الأسطورة الواهمة التي يتلطّى خلفها الكثير من الأقلام والعديد من التواقيع المضيئة والباهتة، والتي تستنجد ب"المصادر المطّلعة" و"المصادر الحسنة الاطلاع" و "الأوساط العلميّة" و"الجهات المعنيّة" و"القيادي الذي رفض الكشف عن اسمه" و"المسؤول المعنيّ" و"الأوساط الشّرقيّة والغربيّة" و...
        كلّها تتلطّى خلف حائط الخيبة وتركّب جملاً غير مفيدة إلاّ في الصّرف والنّحو، وتوقّع المقال والسّلام...
        إذا كانت هذه هي الصّحافة... وتلك هي القمّة، وذلك هو الإبداع، وذاك هو النّجاح... والمقياس... فاسمحوا لي أن أنسحب من هذه المهنة، التي لم تكن يومًا مهنة، بل كانت محطّة على طريق الحوار الدّافئ بين الكاتب والقارئ، واسمحوا لي أن أترحّم على الصّحف وأن أستعملها كما يستعملها الفقراء في بلادي "حصيرة" عشاء أو غداء فقيرة...
        ولماذا هذه المقدّمة؟
        ولماذا هذا الهجوم على الصّحافة؟
        ولماذا هذا السّيل الجارف من الكلام والحبر المسنون؟
        لأنّني قرأت ببساطة رسالة "ميّ م. الرّيحاني" التي كانت بعنوان "لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء" والتي اتّضح لي من مضمونها انّنا نحن الغرباء عن "الدّيار" وعن ديار القلم والفكر والتّعب والسّهر الطّويل...
        والرّيحاني، غير الغريبة عن "ديارنا" التي بنيناها كلمة كلمة عندما كانت الصّحف ودور النّشر تباع وتشرى وتقدّم لها هبات ومساعدات ودولارات، وكانت "الدّيار" تصدر من عشرين مطرحًا، لأنّ مطرحًا واحدًا لم يكن يضمّنا أقلامًا وطاولات وتواقيع. ولأنّنا كنّا في شبه شقة نكتب على طاولات بعضنا البعض، وعلى ورق أسمر يشبه "ورق الزّجاج"، ونرسل المقالات والتّحقيقات للتّصوير والطّباعة في أكثر من مكان، ونكون تحت رحمة "الطّبّيع" ووفق مزاجه المعكّر على الدّوام، ونشهد ولادة قيصريّة كل صباح، ونعود لمرافقة المولود الجديد إلى السّوق، ونتابعه رحلة رحلة، ومكتبة مكتبة، لأنّ شركات التّوزيع كانت تتعامل مع المولود على انّه صحيفة وكنّا نتعامل معه ولا نزال على انّه المولود الجديد للنشء الجديد ونخاف عليه من لفحة برد...
        وكانت المنافسة على أشدّها...مع الصّحف التي شاخت سنًّا وتجربة، والتي صار الاكتفاء الذّاتي عنوانًا لها، والتي صارت تصدر في مكان واحد يشبه الواحة ومع ذلك... خاضت "الديار" المنافسة، والله وحده يعلم، مدى المشقة ومدى الرّهان الصّعب الذي قبله شارل أيوب وما يزال...
        أعود إلى "ميّ م. الرّيحاني"... التي بدأت نقدًا قدّمت العذر عنه في عنوان مقالتها، وكرّت كلماتها بادئة بشارل أيوب، ومنتقدة افتتاحيّاته التي وجدتها وجدانيّة "وإذا ما استمرّت على هذه الحال فستصبح تشبه كتابات حسين عبدالله التي تتنافى في رأيها مع كتابات رئيس التّحرير".
        شكرًا ل "مي" التي وجدت كتابات شارل أيوب قريبة من كتاباتي. وشكرًا أيضًا لأنّها ـ الكتابات ـ لا تستحق أن تكون مذيّلة بتواقيع رئيس التّحرير... وشكرًا أيضًا لغيرتها على "الدّيار" بالمقارنة مع "النّهار" ومع "السّفير"... وأيضًا وأيضًا على نصيحتها بأن نجعل الفهرس في الصّفحة الأولى حتى ندلّ القارئ على ترتيب الصّفحات... ولم يكن ينقص الرّيحاني إلاّ أن نقرأ الصّحيفة عن القارئ حتى لا يكلّف عناء القراءة ومشقّة تعب عينيه.
        وشكرًا على هجومها على الوجدانيّات الذي تناول جورج بكاسيني وكاد يتناول منزل جورج بشير الذي أصيب وتهدّم...
        وللمناسبة ... أقول للرّيحاني، انّ الوجدانيّات هي أسمى الأساليب في الكتابات...هي أرفعها وأصدقها على الإطلاق..
        أما التّحليل والمعلومات والمصادر المطّلعة والواسعة الاطلاع والحسنة والضّيّقة والعليمة والجاهلة... فهي مخابئ لا نتلظّى خلفها لأنّنا قرّرنا أن نشهر السّيف والقلم في وجه أمّيّة أخذت في الانتشار في هذا البلد المعطوب وتريدنا الرّيحاني أن نتلطّى خلف هذه المصادر لنذيع نشرة أخبار ملفقة ومعلومات ودردشة نبني عليها الآمال ولا تكون أكثر من تخيّلات وأوهام.
        وأعدك حضرة الكاتبة، بأن حبر الوجدان لن يجفّ من "الدّيار"... وأنّ التّحليلات السّياسيّة هي كذبة العصر، ونحن قرّرنا في "الدّيار" أن نبتعد عن الكذب ونلامس الوجدان لأن الأمم تبنى بالوجدان والقيم لا بالمعلومات والأخبار...
        ونعاهدك حضرة الكاتبة، غير الغريبة عن " الدّيار"، بأنّنا لسنا في صدد إنشاء صحيفة، إنّما في صدد بناء وطن على الورق وفي القلوب، وفي صدد زرع المحبّة على الصّفحات وفي النّفوس، وفي صدد تقديم أسئلة الوطن مع قهوة الصّباح، وفي سبيل هذا الهدف السّامي، ندعو كلّ أمّ إلى إرضاع أسئلة الوطن لطفلها، وكلّ أب إلى أخذ أولاده إلى قلق قيامة الوطن... وكلّ قارئ إلى المشاركة في رحلة البناء هذه التي لا تقتصر على جريدة وتوزيعها، والتي بدأت بتخصيص "صفحة الجنوب" حتى تحرير الجنوب، وستنتهي بتخصيص صفحاتها للوطن حتى تحرير الوطن من حدوده الهاربة إلى حبّات ترابه المعتقلة.
        حسين عبدالله
جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990

* من حبر الوجدان... أهدي هذا المقال إلى "مي م. الرّيحاني" وأغلّفه بالشعر وفورة العاطفة لأنّ هذا حبرنا في "الدّيار" ولن يجفّ هذا الحبر بإذن الله.

نشرات الأخبار و"نشرة" النّاس - الجمعة 18 أيّار 1990


نشرات الأخبار و"نشرة" النّاس
مساكين مذيعو ومذيعات الأخبار في تلفزيون لبنان!...
يتعرّضون كلّ ليلة لشتائم متنوّعة تنصبّ عليهم وللعنات توجّه إليهم... وعبرهم...
وهم عندما بدأوا عملهم الإعلاميّ، كانوا يحلمون بالشّهرة وإعجاب النّاس ومحبّتهم... دون تمييز... أو بحدّ أدنى من التّمييز..
أتراهم ندموا على اختيار هذه المهنة؟
أتراهم عرفوا إلى أين سيوصلهم ظهورهم كلّ ليلة على الشّاشات الصّغيرة؟
أما كان أفضل لهم لو وضعوا "أقنعة" تقيهم سلبيّات الشّهرة... وتقلّبات السّياسة ونفاقها؟
كان أكثر أمانًا لموظّفي تلفزيون لبنان ـ فرع الشّرقيّة ـ مثلاً، لو وضعوا أقنعة تمثّل الجنرال عون... ولموظّفي المؤسسة اللّبنانيّة للإرسال لو وضعوا ـ كأقنعة ـ وجه الدّكتور جعجع.
وتبقى مشكلة موظّفي تلفزيون ـ فرع الغربيّة ـ الّذين سيحتارون حتمًا في اختيار شكل القناع الملائم لأوضاع البلد اليوم...
على كلّ حال في الحكومة الشّرعيّة وجوه حسب الطّلب، ففيها وجوه صفراء من الغيرة، ووجوه بيضاء من "الخبي". ووجوه محمرّة من الغضب...أو بسبب العافية ـ ما شاء الله ـ ووجوه باهتة لا لون لها، ووجوه تتلوّن بألف لون...
أمّا موظّفو تلفزيون المشرق فقد حسموا الأمر عندما قرّروا نزع الأقنعة عن الوجوه كلّها، ودون أن يلبسوا إحداها... حتّى الآن على الأقلّ.
على اللّبنانيّ النّاقم، اليوم، على مذيعٍ ما، والمتحمّس لمذيع آخر، أن يعرف انّ الأمر كلّه يتلخّص في راتب آخر الشّهر، المرتبط بتنفيذ الأوامر.
وهل نصدّق أنّ الأمر مجرّد رسالة وطنيّة فقط؟
ومن يستطيع تحديد الوطنيّة في خضمّ هذا الصّراع؟
ومن نسي الصّراع الإعلاميّ في بداية الحرب بين جاك واكيم وعرفات حجازي، ووفاقهما الوطنيّ في فترة من فترات الهدنة الإعلاميّة؟
ونبقى نحن المساكين... نحتار كلّ ليلة إلى من نصغي ومن نصدّق ...
متى؟... متى سنصل إلى إعلام لا "يحيّر" الإعلاميّ ولا يرهق المشاهد؟
ميّ م. الرّيحاني
الجمعة 18 أيّار 1990
"عيون بالمرصاد"


لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء - جريدة "الدّيار" الخميس 3 أيّار1990

شارل أيّوب

لأنّنا في ديارنا ولسنا غرباء
        حضرة الاستاذ شارل أيوب، رئيس التحرير...
        لا شكّ أن جريدة "الديار" الجديدة نسبيًا على ساحة الصحافة، قد أثبتت وجودها، وركّزت أقلام محرّريها ومراسليها مداميك على طريق ثورة الاعلام المكتوب. ولهذا، نحن القرّاء نعذر الهفوات التي ترتكب، والتجارب التي تقومون بها بغية الوصول الى شكل ومضمون يرضيان رئيس التحرير ومحرري الجريدة "ومحرريها"...
        ومع ذلك، اسمح لنا بهذه الملاحظات والاسئلة:
        اولاً: إن شكل الجريدة وتنظيم أخبارها يتغيّران كلّ يوم تقريبًا، ما يوقعنا في الفوضى ولا يقودنا الى التنويع المثمر. وهذا يجعلني اقترح أن تكتبوا "طريقة الاستعمال" كلّ صباح، وفي الصفحة الأولى لا الأخيرة.
        ثانيًا: إنّ مقالاتك يا أستاذ شارل تميل إلى الوجدانية، وتكاد تغرق في الشعر وفورة العاطفة، وإن تابعت على هذا النحو فستصل الى ما يشبه كتابات حسين عبد الله. وهذا الأسلوب يتنافى في رأيي مع عمل وكتابات رئيس تحرير الجريدة.
        هذا بالإضافة الى بعض الغموض في الأسلوب أحيانًا، وكأنّ بعض المقالات لا تخضع لمراقبة أدبيّة ولغويّة.
        ثالثًا: هل تريد أن تأكل العنب أم قتل الناطور؟
        فإن كنت تريد أكل العنب، فأكل العنب يكون حبّة حبّة  "وبسلامة فهمك". أما إن كنت راغبًا في قتل الناطور، فها أنت قد بدأت بالشدّ على "خوانيقه" وهو يكاد يقضي على يديك، ونحن لا نريد لك ذلك...
        إنّ المسيح يا أستاذ شارل أتى للمرضى لا للأصحاء. وأنت باعترافك تحت سنديانة "الديار" بانتمائك لفكر انطون سعاده صرت تتوجّه للأصحاء لا للمرضى.
        برغم تقديري لصراحتك لا بل لجرأتك التي تكاد تكون استشهاديّة في هذه الامة اسمح لي أن ألومك على هذا التسرع.
        قبلاً، كان الناس يقرأون "الديار" ويعجبون بجرأتها، فصاروا ـ إن قرأوها ـ يثورون لوقاحتها. كانوا يتأثرون بأفكارك لأنّها أفكارهم، وبثورتك لأنّها ثورتهم، ثم صاروا يستغربون ويستنكرون لأنّك تسرّب أفكارًا يسارية هدّامة.
        إن الكثيرين ممن أعرفهم تخلّوا عن قراءتها بعد اعترافك بالانتماء الفكري إلى فكر سعاده. لقد كان بإمكانك زرع ما تريد في رؤوس قرائك ولكنك تسرّعت!!
        رابعًا: وفي الإطار نفسه، ألا تلاحظ ان نسبة رسائل القوميين تلفت الانتباه، وكأنهم صاروا قراء الجريدة الوحيدين... وليس هذا المطلوب. صحيح انهم وجدوا في "الديار" منبرًا حرًا ورحبًا لم يتوفّر لهم منذ زمن، ولكنّي لم أقرأ رسالة ذات شأن لقارئ يعلن انتماءه الى فكر سعادة متأثرًا بمقالات تحت السنديانة مثلاً، كلّهم يرحبّون بك، كلّهم اتّخذ من الجريدة وسيلة للمناقشة ولعرض أفكار بعضهم البعض ومعارضتها... قل لهم ـ عن لساني ـ إن ما يفعلونه خطير ومثير لشماتة الآخرين.
        ومع ذلك، إنّ باب "رسائل ومواقف" باب مهم فلا تهملوه إن من حيث التنويع والمواضيع، وإن من حيث التصحيح والطباعة.
        خامسًا: أين الصفحة الثقافية يا أستاذ شارل؟ أين المندوبون ينقلون آخر ما تنتجه دور النشر في العالم العربيّ ـ إن كانت الحركة مجمّدة في لبنان؟ وأين أخبار المعارض والندوات؟ لمَ تشاركون في مؤامرة "تجهيلنا" ؟ أم أنكم تعتقدون انّ المعدة الخالية الفارغة في لبنان لا تتلاءم مع الرأس الممتلئ؟
        لتكن الصفحة الثقافية غنية ويومية، ولا يوجد أكثر من الأدباء وخريجي الجامعات والأساتذة ممّن يتمنّون إدارة هذه الصفحة، وقسم كبير منهم يتحلّى بالوعي والانفتاح ويريد المشاركة في هذه النهضة التي تعملون لها.
        أتصدّق اني أقرأ باهتمام شديد ـ وعذرًا للمقارنة ـ في جريدة "النهار" الصفحتين الثقافيتين واحتفظ بهما.
        أين الاستاذ نبيل فياض ومقالاته المهمة ذات المعلومات الجديدة؟
        سادسًا: كيف تريدنا أن نفسر غياب أقلام مهمة عن الصفحات السياسية؟ أين مقالات نبيل بو منصف وقد مرّت له آراء غاية في الأهمية والعمق؟ ولماذا مقالات جورج بكاسيني بدأت تميل إلى الوجدانية وتبتعد عن التحليل المنطقي، وهذا ما دفع به إلى التطرف فلم ير بيتًا مصابًا إلاّ للأستاذ جورج بشير؟
        أين المحرّر الديبلوماسي؟ أين السفير العربي صديق ابراهيم جبيلي، هل نُقل إلى عاصمة أخرى في الشرق الأقصى مثلاً فتعذّر على الأستاذ جبيلي اللحاق به؟ في جريدة "السفير" ـ وعذرًا للمقارنة مرة ثانية ـ نقرأ مجموعة من التحليلات السياسية المتنوعة ما يؤكّد انّ اتصالات على مستوى عالٍ يقوم بها المحلّلون والصحفيون.
        "المانشيت" عندكم غنيّة، فلماذا لا تكون التحليلات كذلك؟ وبالمناسبة ألا تلاحظ أن كثافة أسطر عناوين المانشيت مزعجة بعض الشيء؟
        سابعًا: الملحق الأسبوعيّ غني ومهم، ولكنّه متعب في بعض مقالاته ودراساته الطويلة. فالسطور قريبة من بعضها جدًّا، ولا عناوين صغيرة ضمن الموضوع، وهذان أمران متعبان للنظر والفهم.
        أستاذ شارل...
        لم تعد " الديار" ملكًا لواحد أحد، وهي ليست وقفًا لدير أو إقطاعيّة لعائلة... صارت ملكًا لنا، لأنّك جعلتها كذلك. وهذا أمر مهمّ يُسجّل لك في تاريخ الصحافة الحديثة على الأقل. قد نجد ما نعترض عليه عند غيرها من الجرائد والمجلاّت، ولكنّنا لا نتدخل، ولا نفكّر بإرسال ملاحظة، لأنّ ثمة حاجزًا من الغربة...
        فاعذر إذًا هذه الملاحظات... إنّنا في ديارنا ولسنا غرباء.
مي م. الرّيحاني

جريدة "الدّيار" الخميس 3 أيّار1990

على عتبة الثّلاثين... هل أقرع الباب؟ - جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990


على عتبة الثّلاثين... هل أقرع الباب؟
أن تصل إلى عمر الثّلاثين، فهذا أمر رائع... أنت إذًا ناضج وواعٍ، وقد حصّلت حتمًا قدرًا مهمًا من الثّقافة، ورأيت جزءًا غير قليل من العالم، وتعرّفت إلى حضارته وعلومه وفنونه. أمّا أن تصل اليوم إلى عمر الثّلاثين، وفي لبنان بالذّات، فهو أمر يجعلك تختنق، ويكاد نفسك ينقطع، ولولا رغبته تعالى في إطالة طريق جلجلتك، لتوقّف قلبك عن الخفقان. أن تصل إلى الثّلاثين فهذا يعني أوّلاً أنّك عشت نصف سنيك في حالة حرب، وتحت الدّمار وبين الملاجئ. وهذا يعني استطرادًا أنّ القنّاص قد أخطأك هدفًا، وأنّ القذيفة غيّرت رأيها عن اختيارك، وأنّ السّيّارة المفخّخة لم تتوقّف، لحسن حظّك أو لسوئه ربّما، إلى جانب سيّارتك عندما انفجرت ـ لوحدها، انفجرت طبعًا ـ وهل قال أحدهم إنّه قام بالتّفجير؟
أن تصل إلى الثّلاثين في لبنان، واليوم بالذّات، عمل لا بطولة فيه ولا شجاعة بل صدفة. والصّدفة فقط هي التي جعلتك "تزمط" إلى هذا العمر.
أن تكون في الثّلاثين اليوم يعني أنّك لم تسافر مرّة سائحًا، وإن حصل وقدّر لك الوصول إلى قبرص أو إلى الشّام فبهدف الحصول على تأشيرة سفر إلى عوالم أخرى قد تستطيع فيها الوصول بأمان، وقد يخيّل لك هذا، إلى ما فوق الثّلاثين.
وهذا يعني أيضًا أنّك لم تشترِ كتابًا ذا قيمة، ولم تحصل على سيّارة تتابع معك الطّريق الذي اخترته أنت، بل سيّارة تعاملك على أساس أنّها أغلى منك ثمنًا وإنّ مصاريفها أهم من مصروفك، فبأي حقّ تتفلسف عليها؟
وهذا يعني أيضًا وأيضًا أنّك لم تجرؤ على أن تحلم بشراء شقة، ولا باستئجار واحدة طبعًا، لأنّ الأحلام إن صارت خالية من المنطق تمامًا تحوّلت إلى ما يشبه قصص سوبرمان وسندريلّا، وفي أحلامنا تكاد تنعدم شجاعة الفرسان ويخفت صوت الحبّ...
أن تكون اليوم في الثّلاثين معناه أنّ وظيفة ما قد اختارتك وفرضت نفسها عليك وألزمتك بحمل صليبها وقالت لك: اتبعني...
فإن قادتك إلى وظيفة الدّولة وقعت بين سندان شرعيّة ومطرقة أخرى، وإن، إلى وظيفة في شركة خاصّة فأنت تصلّي الآن كي لا يسافر ربّ العمل ويقطع عنك الرّزق والأمل. أمّا إن قادتك الدّرب إلى رسالة إنسانيّة كالتّعليم أو التّمريض أو الصّحافة، فلا داعي لأخبارك عمّا سيجري لك لأنّك لن تصمد كثيرًا بعد الثّلاثين...
لو حملت بدل هذا "الصّليب" "كشّة"، على عادة أوائل المغتربين اللّبنانيّين، وتاجرت في بلدك لاستفدت واستمتعت برحلةٍ سياحيّةٍ ولرأيت معالمه وأثاره، ولتعلّقت به أكثر.
أن تكون اليوم في الثّلاثين معناه أنّك لم تتزوّج طبعًا. وإن كنت قد أحببت فاسمح لي برسم علامة تعجّب كبيرة. كيف تجرؤ أن تحبّ إنسانًا في هذا الزّمن؟ ألم تفكّر أنّه قد يموت مستشهدًا تاركًا لك الحسرة والألم؟ ألم تفكّر أنّ خطوط الهاتف قد تنقطع بين بيتك وبيت الحبيب، فلا تتناجيان ولا تتشاجران ولا تتراضيان؟
ألم يخطر على بالك أنّ المعابر القديمة والمستحدثة والرّصاص والقذائف ستفصل بينكما وتجعل من كلّ واحد منكما إن حاولتما اللّقاء "شهيدة الحبّ، شهيدة نعمان الما إلو أمان..."
كيف تحبّ يا صديقي في هذه الأيّام؟ قد تكون اليوم على جبهة واحدة وقد تتواجهان غدًا على الجبهة نفسها. قد يجمعكما حزب واحد، ومتى انقسم الحزب انقسمتما معه... وأي حزب لم ينقسم؟ قد تتحابّان إلى نهاية العمر ولن تقدرا على الاجتماع تحت سقف واحد... وإن اجتمعتما... من يدري فقد ينهار السّقف عليكما في لحظة من لحظات وقف إطلاق النّار!!
أن تكون اليوم في الثّلاثين معناه أنّك صلّيت كثيرًا، وبكيت كثيرًا، وتوقّعت الموت يوميًّا، ووقفت أمام الأفران لساعات، وتعوّدت يداك حمل أوعية المياه، وعيناك ضوء الشّموع، وأذناك صوت الموتير، من عند الجيران طبعًا...
أن تكون في الثّلاثين في هذا البلد، وعلى عكس بلاد العالم كلّها، معناه أنّك فرغت من الأحلام، وكبرت على الحبّ، وعجزت عن العمل، وصرت تخجل من الاحتفال بعيد مولدك، فلا أنت قادر على شراء الحلوى ولا الأصدقاء قادرون على معايدتك.
أمّا إن أردت تحدّي الحرب والدّمار والثّلاثين سنة، والنّهاية... فاحتفل... وليكن ذلك ليلًا، لا عن شاعريّة وحميميّة، بل لتستفيد من أضواء الشّموع أوّلًا، ولكي يقلّ عدد الزّائرين ثانيًا. واطلب بما لك من دالّة على أصدقائك أن يأتوك بهدايا من بطّاريّات الرّاديو وقناني المياه، أو من الخضار والفاكهة، وليوضّبوها داخل ورق جرائد صادرة حديثًا، لعلّك تستفيد من مطالعتها بعد إن عجزت عن شرائها، وإن كانت أجنبيّة عرفت ماذا يحدث في العالم في ذكرى مولدك وماذا يخطّط لوطنك.
على عتبة الثّلاثين أنا، وبرودة الأيّام المقبلة مخيفة...
فالطّريق أمست خالية من الوجوه الأليفة، بعضها رحل، وبعضها فقد الحياة... كيف ستكون الأيّام بعد الثّلاثين في هذا البلد، ولمن يرفض الرّحيل ويحاول التّشبّث بالحياة؟
ليت أحدكم يملك جوابًا...
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990
"عيون بالمرصاد"


حرم الكنيسة والانتماء الماروني - جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990

أحمد فارس الشدياق

حرم الكنيسة والانتماء المارونيّ
       مساكين أولئك الذين ماتوا وقد حرمتهم الكنيسة المارونية من الانتماء إليها لأسباب رأتها الكنيسة المذكورة يومها خطيرة وتستدعي هذا العقاب.
       أسماء كثيرة ذكرها الأهل أمامي لبعض النّساء والرّجال الذين أنزل بهم الحرم لأنّهم أقاموا مع بعضهم دون زواج.
       وأمين الرّيحاني نعته أهل ضيعته بالكافر لأنّ الكنيسة حاربته، وكان يفرح حين يمرّ خلال تجواله في قرى لبنان ومدنه ويعرّف عن نفسه فلا يضطهد إذ انّ خبر الحرم لم يصل إليهم بعد.
       وأحمد فارس الشّدياق ترك الطّائفة والبلد لأنّ أحد البطاركة اعتبر أخا الشّدياق كافرًا لتحوّله إلى البروتستانتية، فأسر وعذّب حتّى مات في أقبية مار انطونيوس قزحيّا.
       هذه "الجرائم" التي ارتكبها هؤلاء استحقّت أقسى عقاب تلجأ إليه الكنيسة لتصحيح أخطاء الطّائفة وتقويم اعوجاج بنيها.
       أمّا اليوم، فلا داعي لمعاقبة أبناء الطّائفة المخطئين وحرمهم من الكنيسة...لأنّ الطّائفة أساسًا لم تعد موحّدة، فأبناؤها مهاجرون أو مخدّرون ويتّهم كلّ فريق الآخر بتجارة المخدّرات، أو معاقون أو "شهداء"، ومن بقي ينتحر، فلماذا العذاب وحرم عون أو جعجع. وهل بقي غيرهما من "أركان" الطّائفة؟
ميّ م. الرّيحاني

          جريدة "الدّيار" الجمعة 4 أيّار 1990

الى الأب انطوان الأشقر - جريدة "الدّيار"الخميس 3 أيّار 1990


الى الأب انطوان الأشقر
       قرأت ردّك في جريدة "الديار"، وأثّر بي غفرانك الذي منحته لقلم الآنسة سعاد حدّاد... وعلى أي تسامحها، ألكونها أصابت موضع الداء في بيت شبابكم فأثارت منك الغضب لتسرب أسرار معهدكم إلى خارج أسواره؟ أم تسامحها لأنّها كشفت الغطاء عمّا كان الجميع يعتقده مركزًا للمساعدة الصّادقة والخدمة والمحبّة؟
       حضرة الأب، إذا كانت الآنسة حدّاد من خارج البيت، فأنا من أهل المعهد ولي أكثر من صديق وصديقة يعانون الأمرّين بين جدران معهدهم، ولولا الزّملاء والصّداقات التي خلقتها الإعاقة لرحلوا من زمان. لهذا سمحت لنفسي بالردّ على ردّك، لعلمي أن أحدًا لن يجرؤ على ذلك خشية نظرات الغضب والطّرد، وخوفًا من "الجواسيس" المدسوسين بينهم والمعروفين جيّدًا.
       هل تعتقد أن المعاقين ـ وكم أكره استعمال هذه الكلمة ـ يرغبون في تمضية حياتهم عندكم بمجرّد الاستمتاع وحبًّا بالتقوقع والأسر المفروضين عليهم خارج المجتمع؟ ولأي سبب يريدون البقاء؟ فالمعاملة ليست كما تحاول تصويره، والممرضات في غالبيتهنّ جاهلات وغير حائزات على الشّهادات. والطّعام يكاد يقتصر على البطاطا المسلوقة وما شابه، ولا يتغيّر إلاّ لمناسبة العيد، أو عند تدخّل وسيط لدى الرّاهبات، أو إذا استطاع أحد المعاقين الحصول على صداقة إحدى الممرّضات.
       هل تأكل أنت والرّاهبات من طعامهم؟ ليتك تقدّم لهم مما تأكلونه يوم الجمعة العظيمة فقط... أنا مع قرار إخراج المعاقين إلى الحياة العامّة، ومع دمجهم في مشاكل المجتمع وأعبائه. وقد رأيت الكثير من سلبيات تقوقعهم داخل أسوار المعهد.
       ولكني أسألك، هل تعتقد حقًا انّ الظّروف اليوم مطمئنة ومريحة لدرجة تسمح للمعاق بتحمّل أعباء الحياة، والهروب من القصف والمعالجة في حالات الالتهاب والجروح؟
       وإذا كان منزل المعاق في الطبقة السّادسة مثلاً، ولا كهرباء دائمة، فماذا يفعل؟ سيتقوقع في زاوية من منزله بانتظار رحمة الله ـ أو ممثّليه على الأرض من أفضالك ـ وإذا بدأ القصف، عليه أن يصبر، أو يتمنّى قذيفة تريحه من معهدكم ومن بيته، إذ لا يوجد من ينزله طبقات المبنى تحت القصف.
       وكلّنا يعلم كيف هي بيوت اللّبنانيين الحديثة، غرف صغيرة وأبواب ضيّقة. فكيف يعيش المعاق بين جدرانها وكيف يتجوّل؟ هل تعتقد انّ منازل المعاقين معاهد شاسعة كالّذي تديره؟
       هذا عدا مشاكل الماء والتّنقّل على الطّرقات، وثمن الشّاش والقطن والأدوية، التي يملك المعهد الكثير منها، من المساعدات، والتي لا يملك منها المعاق شيئًا.
       وعلى ذكر المساعدات، أعتقد انّ جولات الاستجداء التي قمتم بها في دول العالم بهدف إثارة مشاعر المغتربين، قد جلبت المساعدات على اعتبار انّ هذا المعهد هو ملجأ المعاقين ومستشفاهم وأملهم في ظلّ هذه الظروف. وإذا بكم ـ وبالمساعدات الماليّة المأخوذة على اسمهم ـ تبنون وتتوسّعون... لماذا؟ لتطردوهم بحجة انّ هذا المستشفى ليس مأوى...
       وأعود لأسألك: أين سيمارس المعاق التّمارين الرّياضيّة الضّروريّة له ضرورة الأكل والدّواء؟ ولماذا لا تعالجون إصاباتهم النّاتجة عن إعاقتهم عندكم ما دامت غرف العمليّات جاهزة منذ ثلاث سنوات؟ لماذا تتركونهم يخاطرون بحياتهم تحت القصف للمعالجة في أوتيل ديو وغيرها؟
       وإذا كان قصدكم منذ تأسيس المعهد تحويله إلى مستشفى مؤقت لإصابات الإعاقة، فلماذا أقمتم صالة سينما كلّفت الكثير من أموال الهبات؟
        وإن ترك هؤلاء المعاقون المعهد، هل سيستمرّ مجمّع الرّمال السّياحيّ باستقبالهم صيفًا ولو ليوم واحد؟
       حضرة الأب... لا شكّ أنكم تعتقدون انّ الحياة في لبنان مريحة وهادئة، وانّ الدولة أقامت مراكز للمعالجة الفيزيائيّة، وانّ الطّبابة مجّانيّة، وانّ الباصات مخوّلة نقل المعاقين دون صعوبة... لا شك انّك تعتقد ذلك وإلاّ لما كان هذا القرار...
       إنّ رسالتك الإنسانيّة والكهنوتيّة تحتّم عليك اليوم الوقوف في وجه من يريد إخراجهم من معهد إقيم على إسم الإعاقة، بانتظار عودة الدّولة على الأقل، فيعود معها الهدوء والأمن.
       وأسمح لي ختامًا بهذه "الخبريّة": كتب رشدي معلوف في مقالة للنّهار، انّ حالات تسمّم كثيرة ظهرت بسبب تلوّث أوعية الحليب لعدم نظافتها. هل تعرف، حضرة الأب، كيف عالجت الدّولة هذه المسألة الخطيرة؟ لقد قامت بمنع تناول الحليب أو أكل مشتقاته... فإلى متى سنستمرّ في معالجة الأزمات من نتائجها لا من مسبّباتها؟
       إلى متى سيحرم المعاقون عندكم من حريّة استعمال الهاتف لأنّ واحدًا منهم أساء استعماله؟ إلى متى تبقى "الكافيتريا" حكرًا على ذوي الإمكانيّات الماديّة الجيّدة منهم؟
       إلى متى يبقى التّوزيع مجحفًا لمردود معرضهم السّنويّ الوحيد؟
       إلى متى يبقى بينهم من هو محسوب على الإدارة فلا نتكلّم أمامه في زياراتنا لأصدقائنا؟
       إنّ هذه الأسئلة وغيرها نطرحها اليوم أمام ضمائر المسؤولين في هذه الدّولة، وفي هذا المعهد، آملين أن يقوموا بما هو ضروري للمحافظة على هذا المعهد ملجأ ولو مؤقتًا للمحتاجين إليه، وخائفين في الوقت نفسه أن تتدخّل "المحسوبيّات" في إيذاء من تشكك الإدارة في "عدم إخلاصه" لخيرها العميم، وشاكرين أخيرًا جريدة الدّيار و"قلم سعاد حدّاد" اللّذين أتاحا لنا فرصة لعرض ما نعرفه عن شؤون وشجون معهد بيت شباب للمعاقين.
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "الدّيار"الخميس 3 أيّار 1990
        

       

الأحد، 14 يناير 2018

الإعلام الوطني... من قال انّه غامض؟! - جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990


الإعلام الوطنيّ... من قال أنّه غامض؟!
الإعلام... الوطنيّ
الإعلام.. رسالة سامية وشهادة حياة، ومدرسة الإنسانيّة والوطنيّة والحضارة.
أليس هذا هو الإعلام أساسًا؟ أليست وظيفته أن يُعلِم النّاس ـ كلّ النّاس ـ ويعلّمهم حبّ الوطن والفخر ببنيه والتّشبث بأرضه؟
ولكن الإعلام عندنا مختلف بلا شكّ، فنحن في هذا البلد، وبواسطة إعلامنا، نُعلِم النّاس عن بلدان العالم كلّها، وعن حضارات وإنجازات الشّعوب كلّها... ولا يتّسع الوقت للوصول إلى ذكر لبنان... فاعذرونا...
ويقولون إنّ وسائل إعلامنا متنافرة الأهواء، ومتضاربة الاتّجاهات... العكس صحيح...
ففي أسبوع واحد، وعلى قناتين مختلفتيّ الاتّجاه السّياسيّ ـ أو هكذا يُقال لنا ـ عرض التّلفزيون برنامجين أميركيّ الصّنع.
في أحدهما، نرى مهاجرًا روسيًّا إلى أميركا في بداية تكوّن مجتمعها، وهذا المهاجر الرّوسيّ، والموسيقيّ "البارع" وذو النّزعة التّجديديّة، يقوم بثورة على الصّعيدين الفنيّ والإجتماعيّ متحدّيًا التّقاليد، فيوصل مغنّية "سوداء" إلى مسرح "برودواي"، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ هذا المسرح. وطبعًا، هذا المهاجر الثّائر والمتحرّر والبارع... يهوديّ... وطبعًا، نجحت المغنّية، ونجحت المسرحيّة... وكيف لا، والمخرج يهوديّ...
أمّا في الفيلم الثّاني، فنرى مرشدًا عمّاليًّا يقوم بعمل رسوليّ، هدفه نشر فكرة النّقابات في معامل أميركا ومصانعها.
ويُظهر لنا الفيلم هذا "الرّسول" مثقّفًا ومتقشّفًا، مخلصًا ووفيًّا وعفيف القلب واللّسان. يعمل بضمير حيّ لخدمة المجتمع ولرفع الغبن اللاّحق بالعمّال، دون مقابل... هكذا، مجانًا ولوجه الله... وطبعًا هذا الرّسول الثّائر والمتحرّر والبارع... يهوديّ... وطبعًا... نجح النّقابيّ... كيف لا ووراءه يهودي...
وتقولون بعد ذلك أنّ هناك خلافًا في الإعلام؟
وتقولون أنّ الرّسالة الإعلاميّة في لبنان غامضة الوسائل والأهداف؟
أليست الوسائل الأميركيّة والأهداف الصّهيونيّة... لبنانيّة ووطنيّة... برأي التّلفزيون على الأقل؟
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "الدّيار" الجمعة 18 أيّار 1990
"عيون بالمرصاد"

الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

أَيتها الطيور المهاجرَة متى يَنتهي أيلول (1990- جريدة الديار بتوقيع مستعار هو مي م الريحاني)



(أوّل نصّ نُشر لي في الصحف)
ما يكون شعورك عندما تدخل إلى بيتك وترى أولادك قد تركوك بغتة، دون إنذار... دون كلمة... دون نصيحة ودون رجاء بالعودة؟...
هكذا يحصل معي... في كل يوم خبر عن تلميذ سافر دون أن يلتفت إلى الوراء، ومع كلّ صباح، يصلني "إنذار" بأنّ طالبًا حجز على متن أوّل طائرة أو باخرة، وسيغادر قريبًا بعد أن طلب دفتر علاماته من إدارة المدرسة.
       أنظر اليهم في الصفّ ولا أصدّق أنّي قد لا أراهم مرّة أخرى. أراقبهم خلسة علّني أحفر ملامحهم الطفلة في قلبي، ولا أقول شيئًا.
وماذا يمكن أن أقول؟ هل أدعوهم للمقاومة والبقاء، وبأيّ منطق أقنعهم، وبأيّ أسلوب أستطيع إغراءهم بالوطن، هذا الوطن الذي ما توقّفت يومًا عن تعريفه إليهم أرضًا غير مجتزأة، وتاريخًا غير مشّوه، وأدباء غير مغبونين، وعظماء غير معترف بأنّهم ملك لأمة ما عرفت غير العظمة.
أسمعهم يكلّمونني عن حماسهم للسفر، ويأتون المدرسة مودّعين ويسألونني: "هل تريدين إرسال الرسائل إلى أحد في الخارج؟"
طبعًا أريد... وهل بقي أحد هنا؟ لا بل سألتهم أن كانوا يتنقّلون بين "الشرقيّتين" لأحمّلهم الرسائل...
أنظر وأسمع وأحتار... جريمة أن أوافقهم على السفر، وجريمة أن أحاول إقناعهم بالبقاء وبماذا أجيب إن سألوني: "ولمَ البقاء؟ هل تريدين لنا الموت والفشل وضياع المستقبل؟"
       وهناك، في الخارج ستتفتح هذه "البراعم" بعيدًا عن حنان الأهل ودفء الوطن-الحلم... إن نجحوا فستلاحقهم عيون أعدائهم، وسيغرونهم بالبقاء والعمل لمصالح مختلفة إلّا مصلحة وطنهم الأمّ، وسيتعرّضون للخطر. ألم نخسر عشرات الشبّان المتفوّقين في حوادث سير مفتعلة وبظروف غامضة لأنّهم رفضوا العمل لغير مصلحة أمّتهم وخيرها؟ 
وإن ساروا في طريق الخيانة كانوا وصمة عار على جبين الوطن، وخنجرًا مسمومًا في صدر الأمّة.
وإن فشل هؤلاء التلاميذ في تأمين مستقبلهم هناك، في المقلب الآخر من الدنيا، فماذا يفعلون؟ أيعودون؟ ومن يرضى بالعودة خاسرًا؟ أم يبقون هناك عرضة لخطر الانحراف وإغراءات المدنيّات الفاسدة التي تدّعي الحضارة والتقدّم.
الويل لنا! ماذا فعلنا بكم، يا من دعوناكم أبناء وفلذات أكباد وأمل المستقبل؟
بمَ أوصيكم بعد أن نويتم على السفر تاركين في الصفّ مقاعد فارغة من "العفرتة" و"الشيطنة"، ومن نكات أردتموها لاذعة، وأسئلة جعلتموها محرجة؟
ماذا أحمّلكم وقد قرّرتم الرحيل تاركين أسماءكم في دفتري وعلى الطاولات والحيطان؟
أتذكرون كم مرّة قرأنا وحلّلنا معًا نصّ فؤاد سليمان (على المقلب الثاني) وفيه يقول:... على البحار السبعة... في كلّ مطرح من الأرض ...من بلادي واحد... ما غصّت أمّ مثلما غصّت أمّهات بلادي، ترمي شبابها واحدًا بعد واحد على كفّ العقاريت، على الموج خلف الشمس وحيث لا تصل عين؟
وكم ناقشنا معًا كتب الهجرة كما روتها أقلام الأدباء. "وأقلعنا عكس الزمن" مع رضوان ابو يوسف بطل رواية إميلي نصرالله. واستغربتم يومها كيف عاد هذا الرجل العجوز مفضّلّا الموت في حروب لبنان على الذبول في صقيع كندا.
وما زلت أذكر يوم أعطيتكم نصًّا لرشدي المعلوف من مجموعته "مختصر مفيد" تحت عنوان: لماذا لا نشتري بواخر؟ يومها ناقشتم وجادلتم عندما توقّفنا عند قوله: شعوب الأرض المتيّقظة تجد ألف منفعة للبحر، أمّا نحن فنستعمله إمّا للهجرة أو للانتحار...
ففي حين أكّدت أن الهجرة هي انتحار جماعيّ، ثرتم واعترضتم محاولين اظهار فؤائد الهجرة للبلد، وكأنّي لا أعرفها...
ما كنت أحسب يومها أنّي سأشهد انتحار مناطقنا بشبابها وخيرة أبنائها، لا بل كنت مغرورة إلى حدّ جعلني آمل بتغيير مجرى أفكاركم فتكرهون الهجرة وتتشبثون بالوطن!
فيا كارولين الموجودة في كندا، ويا نقولا المقيم في باريس، ويا وجيه المنهمك بحزم حقائبه، كم سأفتقد وجوهكم!
سأنتظر رجوعكم كما ينتظر قرميد لبنان عودة الطيور مع الدفء والربيع، وسأترقّب اخبار نجاحكم بلهفة وثقة، وسأفخر بكم وأقول: ما خاب الظنّ بهم!
وطلبان أسألكما، واحد باسم هذا البلد المهجور: كونوا كالآلهة الذين أخبركم عنهم صلاح لبكي في "أعماق الجبل" فينبئكم أرزه "الرصد" بما فيه فتسارعون إلى نجدته "كلّما هدّته المخاطر" وأحدقت به الرزايا". هلّا كنتم الآلهة؟
وطلب آخر شخصيّ... عندما قرأتُ قصة "معلّمتي" لسعيد تقي الدين منذ سنوات، انطبعت في ذاكرتي صورة غريبة للمعلّمة العجوز التي زارها تلميذها العائد بعد ثمان وأربعين سنة من الغربة، فإذا بها مقعدة وفقيرة معدمة، لكنّها قالت له بفرح: "أنا فخورة بك. لقد رفعت رأسنا".
عودوا ولا تطيلوا الغيبة... هذا هو طلبي
تذكروا القوّة التي فيكم، وسنفرح بكم...
لا تتوانوا عن طلب المعرفة، ففيها قوّتكم، ومن قوّتكم سيستمدّ مجتمعنا بقاءه واستمراره.
"أنا فخورة بكم، لقد رفعتم رأسنا"
كم أتمنى أن أقول لكم قريبًا... فأيلول لا يمكن أن يستمر طويلاً، وسيتبعه ربيع العودة...

                                                       مي. م. الريحاني

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.