‏إظهار الرسائل ذات التسميات ندوات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ندوات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 يوليو 2016

كلمة ماري القصّيفي في ندوة حول كتاب "عودة النبيّ" للكاتب الإعلاميّ إيلي صليبي

تصوير رنا الهبر


تصوير رنا الهبر


ندوة حول كتاب عودة النبيّ (6 آذار 2013) مهرجان الكتاب في انطلياس
كلمة ماري القصّيفي

ويلٌ لأمّةٍ سئمتْ من انتظارِ النبيّ
ويلٌ لأمّةٍ صدّقت أنّ السماءَ ظالمة وأنّها لن ترسلَ نبيًّا بعد آخرَ كي لا يبقى إنسانٌ بلا خلاص
ويلٌ لأمّةٍ لم تصدّقْ أنّ كلَّ فردٍ من أبنائها هيكلُ نبيّ، واحتمالُ جبران، ومشروعُ إله

معالي الوزير إدمون رزق الأديب الشاعر الخطيب المحاميّ العاشق
أستاذ إيلي صليبي الإعلاميّ الأديب المنتحر المجنون العاشق
أيّها الأصدقاء
     الحقَّ الحقّ أقول لكم: الويلُ لنا لأنّنا لسنا أنقياء! فلو كنّا كذلك لما عادَ النبيُّ إلينا واعظًا، مرشدًا، غاضبًا، حزينًا، ينظر ويسمع، ولا يريد أن يصدّقَ أنّ عليه أن يعودَ ألفَ مرّةٍ ومرّة قبل أن تصبحَ الأرضُ سماء، ولما كان على إيلي صليبي أن يجلِسَ إلى الطاولة المستديرة، تحوطُه نظراتٌ متفحّصةٌ للفرسان الثلاثة:
الفارس الأوّل والدُه ميشال الذي قال لوحيده إيلي "اذكرني بطرَف قلمك ليكونَ لحياتي معنًى ولمشواري سبب"، والفارس الثاني جبران خليل جبران الذي مات وفي قلبه حسرةٌ لأنّه لم يعدِ النبيَّ إلى أورفليس ولم يمته، أمّا الثالث فميخائيل نعيمة ناقل حسرةِ جبران إلى كاتبنا. ثلاثة فرسان يراقبونه بحنّوٍ وترقّبٍ وهو يدحرج عن القبرِ الصخرةَ ليبنيَ عليها أورفليسَ الجديدة، وينشرَ الكفنَ شراعَ عودة، ويرفعَ الكأسَ المقدّسةَ في صحّة العهد الجديد المتجدّد/ المتجدّدِ مع ضحكةِ كلِّ طفل، وزغردةِ كلّ عُرس، وشفاءِ كلّ مريض، وشروقِ كلّ شمس وإطلالة كلّ نجم.
     كان على النبيّ أن يعودَ إذًا بعدما امتلأتِ الأرضُ جَورًا وظلمًا، فكيف عاد؟ وماذا أضاف إلى أقواله السابقة؟ وما المصيرُ الذي ينتظره؟ ثلاثةُ أسئلة لن أطيلَ في عرض رؤيتي لأجوبتها، وإن كنت آمل أن أثيرَ بها فضولَ من لم يقرأِ الكتاب بعد، فيرغبُ في معرفة أجوبة النبيّ في رحلة العودة التي حدّد إيلي صليبي موعدَها ومسارَها وهدفَها، ما يجعلُ القارئَ يحارُ في تحديد هُويّة هذا النبيّ: أهو جبران خليل جبران العائدُ ليقولَ الكلمة التي لم يقلْها، أم هو إيلي صليبي ابنُ الكلمة التي لو لم يقلْها لكانتِ الوزناتُ التي وُهِبَها مطمورةً الآن في التراب، مستحقًّا بذلك غضبَ سيّده؟
     ولكن كيف عاد النبيّ؟ يروي الأستاذ صليبي في مقدّمة كتابه أنّ ناسكَ الشخروب، ميخائيل نعيمة قال له: "نعم إنّها المرارةُ التي ودّع جبرانُ بها الحياة ولم يتّسعْ له العمرُ ليعيدَ مصطفاهُ إلى أورفليس ويشيّعَه إلى حيث يدفُنُه مكلّلًا بمجد الخلود". ويضيفُ صليبي: ولطالما تساءلتُ لماذا لم يقاربْ يراعُ نعيمة موتَ نبيّ جبران؟ ألأنّه جنَحَ إلى نبيّه هو فاختار مرداد؟ ويخلصُ الكاتب إلى أنّ انحيازَه لجبران دفعَه إلى الوقوع في فخّ الجنون أو الانتحار: جنونِ التحليق على علوّ قامة جبران، وانتحارِ الهبوط من شاهقِ مجدِه إلى حضيضِ الكلمة غيرِ المعمّدةِ على يد نبيّه المصطفى."

     هكذا إذًا ولدتْ فكرةُ إعادة النبيّ ومرافقتِه إلى مثواه ُالأخير! وهي بلا شكّ فكرةٌ تلاعب الخطر، فغالبًا ما رأينا في الرواية والسينما والمسرح أنّ تتمّاتِ الأعمال الأدبيّة والفنيّة/ أو الأجزاءِ الثانية منها/ تجدُ صعوبةً في الوصول إلى النجاح الذي حقّقته الأجزاءُ الأولى، بل أكاد أقولُ إنّ بعضَها مُني بفشل كبير. فما الذي دفع إيلي صليبي إلى مواجهةِ احتمالَي الجنون والانتحار كما يصف الأمر؟ ولماذا لم يخترعْ شخصيّةً أخرى، كما فعل نعيمة مع مرداد، ليضعَ على لسانها أفكارَه وتعاليمَه ووصاياه؟

    قبل أن أحاولَ الإجابةَ عن هذا السؤال، أسارعُ إلى القول إنّ النبيّ العائدَ في عربة إيلي صليبي الناريّة ليس نبيَّ جبران نفسَه، بل هو أكبرُ عمرًا وأقلُّ تفاؤلًا في احتمال حدوث تغيير عامّ شامل، لذلك هو يبشّرُ بخلاص فرديّ، فضلًا عن أنّه متمكّن من اللغة العربيّة لا يحتاج مترجمًا ينقُل أفكارَه. ولكن كلُّ ذلك ليس لأنّه عاد إلى أورفليس بعد ألف عام، ولا لأنّ المسافةَ الزمنيةَ الفاصلةَ بين الكتابين طويلة، بل لأنّ كاتبَ النبيّ أصغرُ عمرًا من كاتب عودة النبيّ، ولأنّ بيئةَ الكتابةِ للكتاب الأوّل كانت أكثرَ هدوءًا وأمانًا من الناحيتين الاجتماعيّة والسياسيّة من بيئة الكتابة الثانية حيث يسودُ الحزن والخوف، ولأنّ النبيّ في مجيئه الأوّل كان يبحث، في غربته، عن صورة وطنه الضائع، بينما هو في عودته الثانية يغرّبه الوطنُ فيستسلم للموت. ولا يمكن تجاهلُ ذلك ونحن نحاولُ مقاربةَ "عودة النبي"، مقاربةً منطقيّة يفرضُها النقدُ الموضوعيّ لا مقارنة مجحفة تريد أدبًا مستنسَخًا.

     أيّها الأصدقاء
     إنّ الحياة المعاصرة تواجه أزماتٍ مختلفةً وجديدة وخطيرة، تضافُ إليها مسائلُ وجوديّة وروحيّة لا ترتبط بعصر أو بيئة. لذلك تطرّقَ نبيُّ صليبي إلى المشكلات القديمة والجديدة التي يؤكّدُ وجودُها وانتشارُها على أنّ أهلَ أورفليس، مدينةِ كلِّ مكان وكلّ زمان، تناسَوا مع رحيل المصطفى، كلَّ ما علّمهم إيّاه. لذلك عمد النبيُّ العائد إلى توضيحِ بعضِ أقواله السابقة أو تعديلِها أو الإضافة عليها، وغالبًا بأسلوب التأنيب والتوبيخ، قبل أن ينطلقَ في إجابات حازمةٍ جازمة على أسئلةٍ دقيقة لم يتوقّفِ الإنسانُ عن طرحِها مذ تكوّنَ عقلُه بالشكلِ الذي نعرفه.
      تابعوا معي، يا أصدقاءَ الكلمة، هذه العناوين التي تشكّل أبرز عظات الكتاب، والتي في رأيي تصلح لأن تكون منهجًا تربويًّا شاملًا يعطى لتلامذتنا الذين لا كتاب تاريخٍ بين أيديهم، ولا كتاب حضارة، ولا كتاب تربية مدنية، ولا كتاب جماليّات، ولا كتاب حسن تصرّف أو حسن حياة:
     علاقة الآباء بالأبناء، مصير العالم، المرض، الموت، الإذعان، الثورة، الحبّ، قطع الأشجار، الموقدة، العلم والإيمان، العدم قبل الوجود، تقدّم الطبّ، قطف الأزهار، القدر، الحياة خارج الأرض، الاقتصاد والمصارف، التجارة، العدالة الاجتماعيّة،
الفلسفة والفلاسفة، الرهبان والكهنة، النسك، الأيقونة، رجال الأعمال، الكسل، المثليّة الجنسيّة، تحرّش الكهنة بالأطفال، الشيخوخة، تعدّد الزوجات، مصير المرأة في الملكوت، جمال الله، تقلّب الفصول، التنجيم، دفن الموتى، حياة السنبلة، مصير العاهرات، المحاماة، القضاء، العدل، الضمير المهنيّ، تناول اللحوم، الروح والنفس، بداية الكون، غزو الفضاء، دور الأمم المتّحدة، البيئة ومصير شجر الأرز، الشهداء... وغيرُها، موضوعاتٌ قديمة جديدة، وقديمة وجديدة، أكثرُها تطرّق إليه النبيّ في حياته الأولى، ويعود إلى معالجتها في حياته السابعة قبل أن يرحل نهائيًّا، كما جاء في الكتاب.
ولكن هل رحل حقًّا وإلى الأبد؟ ألا يخيفكم ذلك؟ لماذا أعاده إيلي صليبي وأماته ولم يقمه ليجدّدَ وعدَ الخلاص؟ وما مصيرُ البشريّة الآن بعدما عرّج النبيّ على القدس ليموتَ فيها قبل أن يسريَ به الملاك نحو وادي القدّيسين حيث طلب أن يدفن؟ وهل هي فرصتنا الأخيرة قبل يوم الدينونة، حين سيقول لنا الربّ: لقد أرسلت لكم نبيًّا بعد آخر ولم ترتدعوا عن غيّكم وشروركم؟
     الأسئلة التي يثيرها الكتاب أكثرُ من الأسئلة التي طُرحت على النبيّ المصطفى، ولا أظنّ إيلي صليبي يملِك الأجوبة الأكيدة عنها، بل يخيّل إليّ أنّ كلّ يوم يمرّ عليه يحمل إليه أجوبة مختلفة، في انتظار المعرفة الكليّة التي لن يحتملَها عقله أو أيّ عقل، على هذه الأرض مهما تمرّس في الحكمة، ولن تطيقَها روحُه مهما سمت معارفه/  وليكن ذلك يا أستاذ إيلي، بعد عمر مديد وعافية في العقل والجسد.
     فإذا كنّا مثلًا نفهم السببَ الذي دعا النبيّ إلى اختيار وادي القديسين مدفنًا له بتأثير من جبران من جهة ومن خصوصيّة الوادي من جهة ثانية، فلماذا اختار أن يموت في القدس؟ هل لأنه رأى أنّ المسيحيّين أخطأوا يوم تخلَّوا عن قضيّتها وكان يجب أن تكون أرضَهم المقدّسة ومَحجّتَهم الأولى وقِبلةَ عيونِهم وقلوبهم؟
     وإذا كنّا على اطّلاع على أسباب ثورة جبران بسبب مجموع ما كَتب هو وما كُتبَ عنه، فمن أين لنا أن نعرفَ كيف أتى إيلي صليبي بكلّ هذه الخيبة وبكلِّ هذا الحزن، وهو الإعلاميّ الذي كان يُعلِمنا بمهنيّة وحِرفة بما يجري ولا يدعنا نعلم شيئًا عمّا يجري معه؟
وإذا كانت روحانيّة جبران هي الطاغيةَ على فكره، فكيف نجح إيلي صليبي في تسريب هموم الحياة الماديّة اليوميّة بين الفلسفة واللاهوت والصوفيّة، كأنّه يعيد إلى الحياة بُعدَها الماديّ المعيوش بعدما بدا إنسانُ جبران كائنًا هَيوليًّا لا جسد له؟
     ولعلّ السؤالَ الأهمّ الذي كنت أحاول منذ البداية التهرّبَ منه هو عن السبب الذي دعا إيلي صليبي إلى مواجهة احتمالَي الجنون والانتحار، فأعاد نبيَّ جبران وكان في إمكانه أن يوجِد شخصيّة جديدة. والجوابُ الذي أجرؤ على طرحه / كاحتمال ليس إلّا/ هو أنّ إيلي صليبي أراد أن يدفنَ النبيّ لا أن يعيدَه فحسب، أن ينهيَ هذا الانتظارَ العبثيّ، أن يقولَ لنا إنّ الأمر انتهى هنا، وإنّ النبيّ تعب من حيواته السبع التي وصل فيها هو إلى كماله واكتماله، بينما البشريّةُ لا تزال ترزح تحث ثقل خطاياها، لذلك تكثرُ في الكتاب كلماتُ الحسرة والحزن والأسى والبكاء والفناء والموت، الموت الذي يحار كاتبنا في التعامل معه، فمرّة يمجّده كما في حديثه مع أمّ الشهيد حين قال لها: لا تخافي الموتَ بل الحياة. ولا تتوقّعيه وأنت حيّة ولا تنفُري منه إن أكرمَك بحضوره، فهو ليس ضيفًا بل مضيفًا وكلّما أفنى جسدًا أحيا روحًا"، ومرّةً ثانية يؤنّبه صارخًا به: ويحك يا موتُ ما أوقحَك حين تحشرُ القبورَ في واحد، وتعاملُ زبائنَك كواحد. وما أقساك حين تأتي كلصّ وتسِرقُ الابنَ من حضن أمّه، والأمَّ من وسْط أطفالها، وتتحالفُ مع القاتل لتدفِنَ الاثنين في النهاية. أفلا تحزنُك دموعُ الأرامل، وتهزُّ ضميرَك ضحايا الحروب والكوارث؟

       أيّها الأصدقاء،
     إنّ الكتابَ الذي يدعونا إلى طرح الأسئلة لأكثرُ غنًى وأبقى أثرًا من الكتاب الذي يقدّم إلينا الأجوبة الجاهزة. وأعترف أنّ بعضَ أجوبة النبيّ في هذا الكتاب لم تقنعني، ربّما لأنّني عجزتُ عن رؤية جبران وهو يصرخ بها، غير أنّ هذا ما يصيبُني، أقصد ألّا أقتنعَ بسهولة، مع كلّ كتاب يستحقّ القراءة، وبشكل خاصّ مع الكتب المقدّسة! ومع ذلك فاسمح لي أستاذ إيلي أن أصارحَك بأنّني وإن كنت أؤمن إيمانَك بأن لا مقدّسَ إلّا الإنسان، لكنّي أؤمن كذلك أنْ من أجله سيموت كلَّ يوم نبيّ ليولدَ آخرُ إلى أن تصيرَ الأرضُ سماء. والويل لنا إن لم نؤمن بذلك!


الخميس، 14 يناير 2016

دعوة إلى لقاء حول رواية الطيّب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال


     بناء على دعوةٍ عزيزة من قسم اللغة الإنكليزيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول، أتبادل الأفكار مع تلامذة الصفوف الثانويّة في المنهج الأميركيّ، حول رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيّب صالح.

     يدور الحوار حول مسائل الاستعمار والاستشراق والمرأة والجنس والطبيعة والـاثّر بالراوية والمسرح الإنكليزيّين، وسواها من الموضوعات التي تطرحها هذه الرواية المميّزة.

    وسبق أن كانت لي مداخلة خلال نشاط سابق لقسم اللغة الإنكليزيّة حول رواية زقاق المدقّ لنجيب محفوظ، تجدونها في هذا التسجيل.



السبت، 13 ديسمبر 2014

عن جاد الحاج و"ثلاثون حكاية"

   

دعا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل إلى ندوة
حول "ثلاثون حكاية" لجاد الحاج
وذلك مساء الخميس 11 كانون الأوّل 2014

هدف الندوة: إهداء الحاضرين نسخة من الكتاب لمناسبة الأعياد
وتشجيعًا للمطالعة

           أساتذتي المنتدين: راهبًا موسيقاه بَخور (الأب جان جبّور)، ومحاميًا وزناته ميزان عدل وأوزان شعر بمقياس القلب والفكر والخيال (الأستاذ يوسف أبي عقل)، وشاعرًا بيت قصيدته محجّةُ الخاشعين (الشاعر أنطوان رعد)
          حضرةَ الدكتور سمير حيدر أحمد، مقدِّمَنا المقدَّم بيننا،
          جاد الحاج، المحتفى بك شاعرًا وروائيًّا وكاتبًا جامعًا،
          أبناء بلاد جبيل،
          يا أبناء بلاد جبيل الجغرافيا، الجغرافيا المحدودةِ بين قوسَي الجبل والبحر،
          يا أبناء بلادِ جبيل التاريخ، التاريخِ المحلّقِ فوق الجبل، والماخرِ عُبابَ اليمّ،
          يا أبناءَ جبيل، يا أهلي وعائلتي،          
          مساؤكم عيدٌ/ يعودُ في دورةٍ طقسيّة تجدِّد الإيمان،
          مساؤكم خيرٌ/ في عصرٍ يريد الشرُّ أن يصولَ فيه ويجول،
          مساؤكم كلمةٌ أصدقُ إنباءً من السيفِ، مهما كَثُرتْ أسماءُ السيفِ وصفاتُه،
          هل هو أمرٌ رائعٌ ألّا تكتفي هذه المدينةُ بتوزيعِ أبجديّتِها على العالم، فترغبَ في توزيع الكتب تشجيعًا للمطالعة؟ أم هو أمرٌ مروّعٌ أن تكتشفَ المدينةُ التي نشرتِ الحرفَ في العالم أنّ الكتابَ ما عاد يجد من يرغبُ فيه طوعًا، فصار لا بدَّ من مبادرة تحثُّ الناسَ على اقتنائه؟ في الحالين، هديّةُ الميلاد الليلةَ ليست ذهبًا - مع إنّو مش غلط تكون ذهب -  ولا لُبانًا ولا مُرًّا... بل كتاب. كتابٌ يحكي، بقصص مختلفة ومتنوّعةٍ، كيف أنّ ملائكةَ السماء الذين بشّروا بأنّ المجدَ لله في العلى وأنّ على الأرض السلامَ، ضاعَ صوتُهم في ضجيج الحرب وقصفِ المدافع وأزيزِ الرصاص وصراخِ المصابين وعويلِ المحزونين. كتابٌ فيه ثلاثون حكايةً عن هشاشةِ الإنسان تستعيدُ كلُّها بطريقة أو بأخرى  كيف أنّ الثلاثين الفضّةَ كانت، ويا خوفَنا أن تبقى، أغلى من السلام وأكثرَ جذبًا من مَلِك السلام.
          هل أخيفُكم إن قلت لكم إنّ لحكاياتِ الكتابِ ألسنةَ نارٍ مَدَّتْها الحربُ في وجوهنا ساخرةً شامتة؟ هل ستقولون: مش ناقصنا حكي عن الحرب، وطبّق قلبنا من خْبار القتل، ويللي فينا مكفّينا... يمكن معكن حقّ، ولكن...
          هل كتبْنا فعلًا عن الحرب؟ هل فضحنا أسرارَها وواجهْنا صورتَنا البشعة فيها، وكيف قَتلنا وقُتلنا، وخَطفنا وخُطفنا، وذَبحنا وذُبحنا، أم أنّنا اكتفينا بشعاراتٍ رنّانة طنّانة تمدح أو تهجو، تستفزّ أو تساير، تحرّك الغرائزَ أو تخدّرُ الأعصاب؟ هل ننظر إلى أنفسنا فعلًا في مرآة الأدب والفنّ، لعلّنا نكتشف لماذا فعلنا بأنفسنا وببلادنا ما فعلنا؟ هل نجحت الأفلام التي تحصد جوائزَ وتجذب الجمهور العريض في أن تغيّر رأي مواطن واحد فقط فلا يمشي عكسَ السير (على الأقلّ) قبل أن نطلب منه نبذ الحرب والطائفيّة؟
          مئةُ عام على الحرب العالميّة الأولى والمجاعة، عشرون عامًا من الانتداب، أربعون عامًا من الحرب والتهجير والهجرة، فعمَّ تريدون أن نكتب؟ عمَّ نريد أن يكتبَ جاد الحاج؟ جاد الحاج الذي طمأنَنا، بمبادرتِه هذه، فضلًا عن مجمل تاريخِه الكتابيّ، إلى أنّ الإبداعَ المحترِف / لا العشوائيّ، الملتزِم / لا الملزَّم، لم ينتهِ، في وقت نحن أحوجُ ما نكون فيه إلى الإيمان بإنّ فَقْدَ مبدعٍ بَعْدَ آخرَ لا يعني أن نفقِدَ الأمل.
          ارتأى أديبُنا وشاعرُنا أن يوزّعَ علينا نُسخًا من كتابه، لأنّه مذ اكتشف أنّ الكتابةَ وَزنتُه فهِمَ أنّه يكتب ليكتب، يكتب لأنّه لا يستطيعُ إلّا أن يكتب، يكتب ليقرأَ ذاتَه أولًا وليقرأَ ذوات الآخرين ثانيًا... يكتب ليرى ويسمعَ ويشعرَ ويتنفّس ويحيا.
          ومن كان هذا شأنُه مع الكتابة، هل يتوقّفُ / في ما خصّ الكتب / عند مسألة "بيعٍ" تُقام حفلاتُ التوقيع بسببها، ويُدعى الناسُ من أجلها، وتُعقدُ العلاقاتُ الاجتماعيّة إكرامًا لخاطرِها، وتَستنفِرُ دُورُ النشر قدراتِها وعلاقاتِها كرمالْ سُود حروفها... من دون أن يُعطى في أكثر المرّات، لا في دور النشر ولا في إحصائيّات معارض الكتب ولا في الصفحات الثقافيّة ولا في الدراسات الجامعيّة، كبيرُ شأن للمضمون أو العمق أو المستوى أو الخلفيّة الثقافيّة.

          أيّها الأصدقاء!
          حين كتبتُ عن حكايات جاد الحاج في صحيفةِ الحياة لم أكن أعرفه معرفة شخصيّة، وحالت اللغة الإنكليزيّة دون ولوجي في عالم رواياته، وحين قرأ ما كتبته، ثمّ حين دعاني لأشاركَ في هذه الندوة لم يكن يعرفني... أشرتُ يومذاك إلى أنّ بعضَ قصصِه القصيرة مشاهدُ من روايةِ يخيّل إلينا أنّ الراوي لا يجدُ وقتاً لكتابتها أو لا يملكُ جَلَداً على حَبكها، غير أنّ هذا لا يعني أنّ القصّةَ الواحدة منها ليست عالماً متكاملاً تامًّا؛ بل على العكس، فلشدّة ما هي مكثّفةٌ ولمـّاحة، عميقةٌ وسريعة، متكتّمةٌ وفاضحة، يخطر لنا أنّ جمعَها في روايةٍ قد يعرّضُ كاتبَها للانشغال بالبنية الرابطةِ على حساب المشهد. ومع ذلك فالحكايات الثلاثون التي كتبها جاد الحاج خلالَ عشرين سنة فائتة، لها رابطٌ يتخطّى البنية الروائيّة، وراوٍ يشبه الحكواتي الشعبيّ وبطلٌ واحد هو الجسد، مُعوَّقاً ومممزّقاً وتائهاً. جسدُ الإنسان، رجلاً أو امرأة، جسدُ الوطن، لا فرق، فالحرب اللبنانيّة التي تشكّل المـُناخَ العامّ للمجموعة وحّدتِ الجسدين، قبل أن يتشظيّا معًا أشلاءَ تثير الشفقة.
          هذا ما كتبته آنذاك، أمّا اليومَ فأشيرُ، وقد لبّتِ الغريبةُ دعوة الغريب، إلى أنّ جاد الحاج هو الليلةَ بطلُ الحكايةِ الحادية والثلاثين، ونحن، المدعوّين إلى وليمة الكلمة، نحن الحاضرين هنا لنحتفيَ بالكتابِ والكاتب، نؤكّدُ أنّ البطل لا يموت، ولن يموتَ! لأنّ الموتَ لا يقوى على من يمتشقُ الكلمةَ سلاحًا، ولو أحاطَ به أهلُ الظلام والجهل وقتلوه مرّةً بعد مرّةٍ بعد مرّة! ولو غرّبوه وهجّروه وضيّقوا عليه وجعلوه يكفر بكلّ شيء ما عدا بقدرة الطبيعةِ والفنّ على اجتراح معجزة الخلاص.
          ولكنّ الظلاميّين كثر، يا أصدقاء الكلمة والكتاب!
          هُمْ في المعابد والقصور والشوارع، في وسائل الإعلام ومراكز القرار وكوابيس الأطفال، فلا تتركوا البطلَ يواجه كلَّ هؤلاء وحدَه! لا تتركوا أبجديّةً تحمل اسمَكم تتشظّى أحرفًا بعدما صنع منها جاد الحاج وسابقوه ومعاصروه، في اليوم السابع للخلق، عالمـًا من الفكر والجمال، جعل اللهَ يستمتع بيوم راحته.

          فلتكن مبادرةُ كاتبِنا، التي احتضنها مشكورًا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل، حافزًا لنا جميعًا لنوزّعَ الكتب إن لم نجدْ من يشتريها. فلنعلنْها ثورةً حقيقيّة، وربيعًا لا يعرفُ معناه سوى أحفادِ أدونيس، ولنتركْ كتبَنا على طاولات المقاهي، وفي الساحات العامّة، وفي قاعات الانتظار في المستشفيات والعيادات ومطارات العالم، لننسْها في سيّارات الأجرة، فلنهبْها للمدارس والجامعات والنوادي الثقافيّة قبل أن تنهبَها جيوشُ الظلام لتحرقها... فلنوزّعِ الكتبَ بعدما وزّعْنا الحرف... لعلّ العالمَ يخرجُ من افتراضٍ فرضتْه وسائلُ التواصل الاجتماعيّ، ومِن وهْمٍ  يرسمُه دخانُ أركيلة أغلى ثمنًا من كتاب،/ لعلّ هذا العالمَ التائهَ التعيس القبيح يعود إلى واقعٍ يحتاجُ إلى جهودِنا كلِّنا كي تستقيمَ أمورُه وينجوَ من الطوفان.
          جاد الحاج! لقد غبتَ كثيرًا عن اللغة العربيّة، وهاجرتَ طويلًا في بلاد الله الواسعة، تاركًا الساحةَ لأشباهِ كُتّابٍ وأشباهِ مثقّفين، ليتكَ تعدُنا الليلةَ بأن تبقى مجنونًا، ثائرًا، مختلفًا، جميلًا، معلِّمًا، شجاعًا، مقيمًا، تكتب لنفسك كما فعلتَ دائمًا... ونعدُك بألّا نكونَ أقلَّ منك جنونًا وثورةً واختلافًا وجمالًا وعلمًا وشجاعة... أليس هذا ما تريدُه أنتَ من الكتابة؟ أليستْ هذه رسالة الكتابة؟

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.