‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن رواية كلّ الحقّ ع فرنسا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن رواية كلّ الحقّ ع فرنسا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 أبريل 2019

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر عبده وازن - 2011


عائلة وهويات منفصمة في «متاهة» ماري القصيفي
الجمعة, 22 أبريل 2011

عبده وازن - صحيفة الحياة
تمضي الكاتبة ماري القصيفي في روايتها «كل الحق عَ فرنسا» (دار سائر المشرق، بيروت، 2011) في لعبة السرد داخل السرد حتى لتستحيل الحكاية التي «تنكّبت» مهمة جمع خيوطها شخصيتان هما راوية وكاتبة، شظايا حكايات لم تلتئم في الخاتمة التي ظلّت مفتوحة على أكثر من توقع أو احتمال. ولعل هذه الحكاية التي يمكنها أن تكون حكاية عائلة أو حكاية امرأة تحمل اسمين هما اسم واحد، بالعربية والفرنسية (وردة = روز)، أو حكاية «مصائر» وأقدار، هي متوالية حكائية سعت الكاتبة (زاد) إلى جمعها على لسان راوية تدعى جولييت وعجزت، جراء التشظي والتبعثر اللذين اكتنفا لعبة السرد. فالسرد هنا هو أصلاً نقل عن لسان الراوية (جولييت) هي شخصية روائية، والكتابة هي مشروع كتابة تقوم به كاتبة هي أيضاً شخصية من شخصيات الراوية.
قد يكمن سرّ رواية ماري القصيفي في هذه العلاقة الملتبسة بين الراوية الأولى (الحقيقية) والراوية الثانية (المفترضة) والكاتبة التي تبدو كأنها تتمرّن على الكتابة. وهذا التعدد في الأصوات أضفى على الرواية مواصفات عدة، فإذا هي في وقت واحد رواية داخل رواية ورواية - تحقيق ورواية تنتسب إلى «تيار الوعي» الذي يتمثل هنا في «المونولوغات» التي تتوزع صفحات الرواية وكأنها شهادات هي في صميم السرد وعلى هامشه. فالشخصيات الرئيسة والشخصيات الثانوية تؤدي جميعاً هذه الشهادات بوصفها «مونولوغات» منفردة وكأن هذه الشخصيات ماثلة أمام محقق غائب أو لا مرئي يمكن وصفه بـ «القدر» أو بـ «الضمير» المستيقظ. ولئن لم تشهد حكايات الرواية المتعددة حادثة قتل تتيح لها اكتساب الصفة البوليسية فإن سر انتحار وردة أو قرينتها روز كان بمثابة حافز على البحث والتحقيق.
تتناثر الحكايات في هذه الرواية و «تتشظى» حتى ليشعر القارئ أنه إزاء «متاهة» تغصّ بالوقائع والأشخاص والمرويات والحقبات التي تكاد تنسحب على قرن بكامله هو القرن العشرون، إذا كانت البداية من العام 1905، العام الذي ولدت فيه «نجلا» التي تكاد تكون «المحور» الرئيس الذي انطلقت منه الحكايات. لكن الرواية لن تتوقف عند موتها عام 1980 بل هي تخترق القرن لتبلغ بضعة أحداث شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ومنها حرب تموز 2006 وزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للبنان وحفلة فيروز في «البيال»... إنها رواية أشبه بـ «المتاهة»، فالواقع هنا يكاد يكون في أحيان لا واقعياً من شدة تشتت الحكايات وتداخلها وتقاطعها وإبهامها. لكن الكاتبة التي تقصدت رسم هذه «المتاهة» نجحت في شبك خيوطها تاركة للقارئ - وربما لنفسها كما للكاتبة المفترضة زاد - منفذاً ليتمكنوا جميعاً من فعل الخروج. وقد لا يكون مستغرباً اعتمادها ما يُسمى في النقد الروائي «تكرار السرد» حتى ليُظن أنها وقعت في شباك الإطالة والإفاضة، بينما هي في الواقع تسعى إلى تجسيد حال «اللايقين» الذي يهيمن على الرواية منذ مطلعها. فالراوية (الحقيقية) تبدو ضحية الالتباس الذي شمل الحكايات والشخصيات منذ أن تستهل السرد بالشك في ما ترويه، ملقية التبعة على «البطلة» زاد التي وضعت لروايتها المفترض أنها كتبتها، مقدمات عدة أو صيغاً عدة لمقدمة كان على الراوية أن تختارها. وهذه المقدمة تضع أحد الأحفاد (كمال) في الواجهة وهو يعاتب جدته نجلا قائلاً لها بعد غيابها: «ماذا فعلت بنا يا ستّي؟». ولعله على يقين بأن نجلا، الجدة غير البريئة أو المتواطئة التي كانت تردد عبارة أضحت أشبه بـ «اللازمة» التي تتكرر طوال الرواية: «كلّ الحق عَ فرنسا»، هي التي كانت سبب المأساة التي حلّت بابنتها وردة واللعنة التي أصابت العائلة كلها، وهي لعنة قدرية تجمّعت فيها لعنة الحرب اللبنانية في كل تجلياتها. وكانت الجدة نجلا قد رحلت وهي تلعن فرنسا والفرنسيين قائلة: «لولا وردة والكولونيل الفرنسي كنا بألف خير». وقد فات هذه الجدة أن تبعة مأساة عائلتها لا تقع على فرنسا بل عليها هي التي سمحت لابنتها وردة في الذهاب مع الكولونيل من غير زواج وفي ظنها أن الكولونيل سيفرج عن ضائقة العائلة ويساعد ابنها حبيب مهرّب المخدرات ويغطي أعماله ويدعمه كلما حلّت به واقعة. وقد تكمن هنا جرأة ماري القصيفي التي عمدت إلى فضح هذه العائلة اللبنانية المسيحية بل المارونية التي تنتمي إلى منطقة «البقاع» الشهيرة. ومن خلالها تمكنت من فضح فكرة «العائلة» عموماً التي كادت الحرب أن تحطمها وتشتتها وتقضي على مثالها.
وعلاوة على»المتاهة» «المركبة» بذكاء، التي وقعت الراوية والكاتبة (المفترضتان) في شباكها وهي تمثل عالماً متاهياً بذاته، فالمسألة التي تتمثلها الرواية هي مسألة «الهوية» أو «الانتماء» الذي يعني في ما يعنيه «الانفصام». والمسألة هذه تنسحب على بعض الشخصيات - الأفراد كما على الجماعة وسائر العناصر التي تؤلّف ما يُسمى وطناً أو طائفة أو جيلاً... وقد تجلّت حال الهوية المنفصمة في شخصية وردة ابنة نجلا (وكأنها ليست ابنة أبيها يوسف) التي لم يكن تأرجح اسمها بين وردة (بالعربية) وروز (بالفرنسية) إلا تأرجحاً في فراغ الاسمين أو تناقضهما. فوردة تختلف عن روز كما سمّاها الكولونيل الفرنسي المقيم في لبنان إبان الانتداب، روز التي خيّبها هذا الكولونيل وافتضّ بكارتها وجعلها بعد رحيله تنزلق إلى عالم الدعارة بعدما استحالت عليها العودة من بيروت إلى بلدتها البقاعية، وقبل أن تقع في حب ناجي الذي أنقذها من هذه الآفة. هذا الانفصام الذي أصاب وردة أصاب أيضاً أحمد، حفيد «ملفينا» (إبنة نجلا وشقيقة وردة)، فأحمد يعدّ نفسه «أحمد الأميركي»، لا وطن له ولا تاريخ، و هو كان التحق بـ «المارينز» وشارك في حرب العراق. أما الزواج المختلط مارونياً وإسلامياً ودرزياً، لبنانياً وفلسطينياً، فزاد من حدة الانفصام المعلن أو المضمر. فالشقيقة ملفينا التي تزوجت من أحمد الفلسطيني السنّي عانت الكثير من هذا الاختلاط ودفع ابناؤها ثمنه باهظاً. فإبنها شادي الضائع بين مسيحيته وإسلامه، وبين لبنانيته وفلسطينيته وقع في شباك الحرب القذرة وخطف. أما شقيقته شادية فاضطرت بعد زواجها في مصر إلى ارتداء الحجاب... أحوال الانفصام هذه، في شتى مظاهرها، هي خير دليل على الأزمة التي تتخبط فيها الشخصيات من أبناء وأحفاد، والعائلة التي تفرّعت عنها عائلات. فالشخصيات لا تبحث عن هوياتها لتؤكد انتماءها وترسخ جذورها، بل هي تعاني الأمرّين من وطأة الهوية المبعثرة والمتشظية.
مداخل ومخارج
لعل صفة «المتاهة» هي الأشد ملاءمة للإحاطة بهذه الرواية، المتعددة المداخل والمخارج، بل المتعددة الخيوط والوقائع والحكايات والكواليس. إنها رواية ثلاثة أجيال أو أربعة بالأحرى، تنحدر من شخصية رئيسة هي الأم والجدة (نجلا) وليس من زوجها يوسف الذي هو الأب والجد أيضاً. لكن سطوة نجلا طغت على يوسف حتى كادت تلغيه. إنه «الرجل» المغتاب والمحذوف أو المهمّش الذي سحقته سلطة الزوجة. «الرجل» الذي يعني غياب الذكورة وليس حضورها في هذه العائلة المارونية «البقاعية» التي هيمنت عليها أطياف النسوة. ولعل بنات نجلا لم يختلفن عن أمّهن فكنّ في مقدم الأحداث والوقائع وكأن الرواية هي روايتهن، بدءاً بوردة (روز) وانتهاء بشقيقاتها، كاميليا وملفينا وسعاد ولبنى وجولييت التي تمثل الطرف الأخير في الحكايات ومعها تبدأ في نسج نفسها...
تحفل الرواية بما لا يُحصى من المرويات والوقائع والأحداث و «الأكاذيب» الجميلة والشخصيات... فالحكاية تخرج من الحكاية، والشخصية تنسلّ من الشخصية. وهكذا يستحيل سرد جولييت (الراوية الثانية) سرداً شبه دائري، يتوالد من نفسه ثم يدور على نفسه، ما جعل الكاتبة المفترضة زاد، عاجزة عن البدء بالكتابة. وهذا ما حصل فعلاً، فالرواية تنتهي في لقطة بديعة تطل فيها زاد وهي تقرأ وكأن القراءة هي الفعل الوحيد الذي يوفر فرصة الخروج من دوامة الحكاية التي لم تكتمل. ولئن كان تهيّأ لزاد أنها أنهت كتابة الرواية وسلّمتها الى جولييت فهي ظلت على يقين أنها لم تنهِ مشروعها. فالنقص كما رددت مراراً ظل يعتري حكايات جولييت التي كانت دوماً مضطربة في سردها الحكايات واستعادتها...
يستحيل الوقوف فعلاً على ما تحفل به الرواية من أحداث ووقائع وتواريخ شهدها قرن مضى ومطلع قرن راهن هو القرن الحادي والعشرون. فالرواية أشبه بسجل حيّ للعناوين التي صنعت القرن اللبناني المنصرم وأبرزها الحرب اللبنانية التي أضحت حروباً، عطفاً على التحوّلات التي شهدها لبنان ومآسي التهجير والنزوح، وقضية الهجرة التي ابتلعت عائلات وأفراداً... لكن الكاتبة تمرّ على هذه العناوين برشاقة فلا تقع في شرك التفاصيل التي باتت معلومة ومستهلكة، بل هي تحبكها داخل النسيج الروائي الذي يظل مفتوحاً انطلاقاً من كون الرواية روايات داخل رواية. أما الخيط الذي جمع بين الحكايات فظل معقوداً وعقدته هي السر الكامن وراء انتحار روز التي كانت وردة.
هل حملت وردة (روز) سر انتحارها معها أم أن الاحتمالات التي جمعتها زاد قد تكون قابلة للتيقن من هذا الفعل القاسي؟ عندما أقدمت روز (وردة) على شرب الديمول كانت في حال من الانهيار جراء علمها بعودة عشيقها ناجي إلى زوجته بعد العلاقة القوية التي جمعت بينهما طوال أعوام. وحال الانهيار هذا قد يفسر إقدامها على الانتحار وقد لا يبرره. فلعل روز شربت الديمول خطأ وبسرعة وفي ظنها أنه ماء عندما كانت تستحم. ولعلها أيضاً شاءت أن تشرب القليل منه بغية تهديد عشيقها ناجي الذي قرر أن يهجرها... لكن والدتها نجلا التي كانت أضحت عجوزاً ظلت تلوم نفسها على وضع قنينة الديمول التي جلبها ناجي لرشّ الوردات المزروعة على الشرفة، داخل الحمام، مهرّبة إياها من الطفلة ياسمين، ابنة جولييت. وجولييت لامت نفسها كثيراً لأنها تركت أختها المنهارة وحيدة في المنزل ولم تعد إليها في الوقت الملائم. وفي يقين جولييت أن وردة (روز) لم تنتحر ولا يمكنها أن تنتحر، لا سيما أنها كانت أعلمتها أنها اتخذت قراراً بالسفر. ولعل الأمر الذي زاد من تعقّد الاحتمالات أن ناجي اكتشف أنه مصاب بالسرطان قبل قراره العودة إلى زوجته والعائلة.
يبقى سر روز (وردة) مبهماً إذاً وقد أفادت القصيفي منه لتجعله منطلقاً للسرد ومرجعاً له في آن، فحول هذا السر اشتبكت الخيوط ومنه انبثقت مغامرة البحث التي أدت إلى المزيد من الإبهام. بدا الانتحار ذريعة سردية بامتياز وشرعت الروائية انطلاقاً منه في فتح صفحات هذه العائلة المارونية البقاعية وهي صفحات ليست بيضاء دوماً بل رمادية وسوداء... فالرواية كما تبدّت ختاماً هي رواية انحدار عائلة، عائلة عرف القارئ أفرادها على اختلاف أجيالهم ومشكلاتهم الشخصية والمشتركة، لكنه لم يعرف لها اسماً. إنها عائلة لا تحمل اسم عائلة، لكنها حقيقية (وإن كانت متخيلة) لا سيما في ارتباطها ببيئتها وتاريخها الذي هو جزء من تاريخ ما قبل حرب 1975 وما بعدها.
ولم تترك القصيفي شاردة تفوتها أياً كان أثرها، فبدت الرواية أشبه بالرواية - النهر على صغر حجمها مقارنة بالروايات الفائضة... أسماء وأشخاص وأماكن وتواريخ وتفاصيل، آباء وأبناء وأحفاد، عادات وطقوس، وأحداث لا تنتهي وإن كانت هامشية أحياناً... ولعل هذا «الانفلاش» أو «التشظي» في السرد الذي قصدته المؤلفة هو الذي منح هذه الرواية فرادتها. وجاءت الشهادات الصغيرة أو «المونولوغات» التي تخللت فصول الرواية لترسّخ تعدد وجهاتها وزواياها. ولم تدع الكاتبة شخصية إلا ساقتها إلى «الشهادة» أو المونولوغ الذي يعاود إنتاج المادة السردية. وكم بدت شهادة انطوان - والد الكاتبة زاد - بديعة عندما تحدث عن جو «العصفورية»، المصح النفساني الأشهر في ذاكرة اللبنانيين. وقد نمّ فعلاً عن روح السخرية التي كثيراً ما تجلّت في فواصل عدة داخل الرواية، وهي سخرية صفراء عبثية وسافرة لا تهاب المحرمات.
قد تحتاج رواية «كل الحق ع فرنسا» مقاربة أشمل وأوسع تبعاً لمادتها الروائية الغنية، فالتفاصيل، حتى التفاصيل الصغيرة التي تعج بها، تستحق أن تقرأ وتستعاد نظراً إلى ما تمثل من أهمية سرداً وتأويلاً. وقد بلغت هذه الرواية الفريدة ذروة طرافتها في ترسيخ فعل الاستحالة، استحالة كتابة مثل هذه الحكايات التي واجهها القارئ، في رواية كانت «زاد» الكاتبة المبتدئة تحلم في كتابتها، بعدما أمضت أعواماً تجمع مادتها مما حكته لها الراوية الثانية (جولييت) وما استطاعت أن تجمعه بنفسها. ولعل هذه الاستحالة هي التي أسبغت على رواية ماري القصيفي هذه الهالة المتراوحة بين الواقعية والتخييل، بين الإحساس المأسوي بالحياة والبحث المضني عن خلاص شبه مستحيل.

الجمعة، 26 أبريل 2019

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الروائيّة السوريّة مها حسن 2012

الروائيّة مها حسن


لقراءة المقال الرجاء الضغط على الرابط



الروائية ماري القصيفي وأجواء ماركيز   17/06/2012
مها حسن-باريس

لا تبدو ماري القصيفي معنية كثيراً ببناء عملها الروائي "كل الحق عَ فرنسا" أكثر مما هي مصابة بهاجس الحكاية، إذ يحتشد في روايتها عدد هائل من الشخصيات يذكّرنا بأجواء غارسيا ماركيز وأبطاله الكُثر، كما في "مائة عام من العزلة".
فنجلاء في "كل الحق عَ فرنسا" لا تقل غرابة وتنوعا عن "خوسيه بونديا" بطل غابرييل غاسيا ماركيز، لكن رواية ماري الصادرة عن دار سائر المشرق (2011) تنتمي إلى التيار الواقعي دون أن تحيد عنه قيد أنملة.
"
ضمن مستويات القص، نلاحظ منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد
"
أجواء ماركيز
بطلة الرواية -التي هربت ابنتها وردة مع الكولونيل الفرنسي- حالمة بمجد مالي للعائلة، وفي نفس الوقت مسهّلة أمور ابنها حبيب الذي يسهّل له الكولونيل الخروج من السجن بفضل علاقاته، هي أصل الحكاية، ومرادف أورسولا الماركيزية تقريبا.
تكرر نجلاء -التي ولدت سنة 1915 وماتت في الثمانينيات من القرن الماضي وقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان- لازمتها "كل الحق عَ فرنسا". فرنسا المتمثّلة بالعقيد الذي غرر بابنتها وأخذها إلى بيروت، لكنه كان متزوجا في فرنسا فلم يتزوج من وردة التي أصبحت "روز"، بل تركها وحدها تودّعه على المرفأ.
الزمن الروائي يبدأ من سنة ولادة نجلاء، وينتهي عام 2010، أي 105 سنوات، الأمر الذي يجعلنا نربط بين رواية القصيفي وغارسيا ماركيز، إضافة لكثرة الشخصيات التي تفوّت على القارئ الكثير من التفاصيل حولها ويصعب عليه تذكّر درجات قرابتها مع الشخصيات الرئيسية "نجلاء وبناتها وابنيها، وزاد الراوية".
ضمن مستويات القص نلاحظ  منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد التي تتعرّض لصدمة تكاد تعيد كتابة الرواية بعد ثلاثمائة صفحة من التنقيب والبحث عن حقيقة ما جرى بين "روز" أو وردة و"ناجي"، في الليلة التي شربت فيها روز الديمول، وماتت بعد عشرين يوما من العذاب في المستشفى.
لكن الراوية سرعان ما تنحاز إلى الحكاية وتدخلها كشريك في الأحداث، حيث الحكاية تجري على لسان زاد التي تعرّفت على جولييت وروت لها قصة العائلة، فراحت زاد تدوّنها بحيادية، لكنها تنجرف في الحكاية لاحقا، وتعيش قصة حب مع أحد أبطال الحكاية، وتلوم نفسها لأنها انزلقت لتصير طرفا في الحكاية "مع أنها عاهدت نفسها على عدم التدخل فيها والاكتفاء بسرد القصص كما وقعت، ثم تنتبه إلى أن جولييت جرّتها إلى ذلك بسبب حكاياتها المتناقضة".
"
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف
"
الهوية والاستعمار
لم تكتف زاد بسرد الحكاية على ألسن جميع أبطال الرواية تقريبا، حيث قسمت فصول الرواية بين ما تقصه -باعتبارها الراوية- وبين جميع أشخاص الرواية الذين أفردت لكل منهم فصلا حمل اسمه، إلا أن زاد وجدت نفسها تلج الحكاية أثناء تنقيبها عن الصيغة الحقيقية لما حدث بعد أن دخلت المطعم الذي كانت روز تلتقي فيه مع ناجي، وسمعت الموسيقى والتقت بسامي -ابن ناجي- واستغرقت في سياق واقعي جديد تداخل مع السياق الروائي. وهو تكنيك يُحسب لماري القصيفي التي اختبأت خلف زاد طوال الرواية، ثم دفعتها لتمارس المزيد من الدهاء الفني لتجعلها تحيا إحدى علاقات الرواية المتشابكة.
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة، حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف، فيحلينا إلى القول بتقاطع المسؤوليات، وتعدد المسؤولين عما حدث، إذ يقول في الصفحة 123 "تضع جدتي اللبنانية المارونية الحق على فرنسا. وجدتي الفلسطينية تلقي اللوم على بريطانيا وعلى اليهود وعلى العرب. وأنا فلسطيني لبناني ولا أعرف فلسطين ولا أعرف نصف لبنان".
وفي هذا السياق تعجّ الرواية بتفاصيل الأسى والخراب والشقاء، ولا نجد للفرح مكانا لدى العائلة المنكوبة المبتلية بمصائر درامية، حيث المرض النفسي والانتحار والموت في الغربة والقتل، والفشل العاطفي والطلاق.. فهل لهذا الشقاء علاقة بالاستعمار، أو بأجواء الحرب الأهلية، أم إنه قدر العائلة الشخصي.
رواية "كل الحق عَ فرنسا" تطرح التساؤلات عن نبوءة داخلها، إذ إن أجواء الحرب و"الهويات القاتلة" وتداخل العلاقات بين الأديان والطوائف، يعدّ نبوءة روائية للمشهد المتكرر الذي يقع حاليا في المنطقة بوجهه الدموي والعنيف.

المصدر: الجزيرة 

الأربعاء، 13 فبراير 2019

الكلمة التي ألقيتها خلال تسلّم جائزة حنّا واكيم للرواية اللبنانيّة 2012




مع وزير الإعلام وليد الداعوق والوزيرة السابقة منى عفيش
والدكتور إلهام كلّاب البساط والسيّد إيلي واكيم

أيّها الأصدقاء
أمضيتُ ثلاثين عامًا في التعليم والتربية منتظرةً أن تكرّمَني مؤّسساتٌ عَمِلت فيها ولها، فجاءني التكريمُ من مؤسّسةٍ لم تسمعْ باسمي قبل اليوم، ولم تكن هي موجودةً في قاموسي إلى أعوامٍ ثلاثةٍ خلت، هي مؤسّسةُ حنا واكيم. فشكرًا للقيّمين على هذه المؤسّسة، بشخص رئيسِها الأستاذ إيلي واكيم، ابنِ العائلة التي أرادت للوالد (حنّا واكيم) أن يرتبطَ ذكرُه بالرواية اللبنانيّة عبرَ تكريم الروائيّين من خلال التلاميذ. والشكرُ الخاص لنائبة رئيس المؤسّسة الدكتورة إلهام كلاّب البساط، السيّدةِ المثقّفة، العاملةِ بهدوء مثمر ومهنيّةٍ لا تُبارى، في حقلِ التربية المزروعِ ألغامًا طائفيّةً وحزبيّة، وفي حقلِ الثقافة حيث العملُ كثيرٌ، والفعلةُ مشغولون بالمحاصصة والمحسوبيّات.

وكنت أنتظِرُ المكافأةَ من زملاءَ وتلاميذَ عمِلت معهم خلال كلِّ تلك الأعوام، فجاءتِ الجائزةُ من زملاءَ وتلاميذَ لا أعرفهم ولا يعرفونني، يمثّلون مؤسّساتٍ تربويّةً عريقة، ويكوّنون نواةً واعدةً لمشروع تربويّ/ ثقافيّ جامع. فشكرًا لكلٍّ منهم. لقد أثبتم لي، أيّها الأعزّاء، أنّ التعليمَ سيبقى رسالةً مهما حاول الجهلُ والربحُ الماديّ أن يتسلّلا إلى وزارتِه ومناهجِه وإداراتِ مدارسِه، وأنّ التلاميذَ ثورةٌ وثروةٌ شرطَ أن نحسِنَ توجيهَ الثورةِ وأن نجيدَ استثمارَ الثروة.
وأتوجّهُ بالشكر العميق للصديق الإعلاميّ والكاتب أنطوان سعد، الذي غامر، في إطلالةٍ أدبيّة أولى لدار سائر المشرق، في نشر روايةٍ هي الأولى لكاتبتها. وأتقدّمُ كذلك بامتناني من النقّاد والروائيّين والصحافيّين الذين واكبوا عملي الصحافيّ والأدبيّ وأعطَوه الكثيرَ من اهتمامهم ووقتهم، وأخصُّ منهم الشعراء: شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، هنري زغيب، عقل العويط، عبده وازن، يحيى جابر الذي كان أوّل من حثّني على كتابة رواية، واسكندر حبش، صباح زوين، لامع الحر، جوزف أبي ضاهر، عناية جابر، زاهي وهبي، اسمعيل فقيه، والروائيّة السيّدة إملي نصرالله، والروائيَّين السوريّين ياسين رفاعيه ومها حسن. وأحيّي في هذه المناسبة السيّد جورج فغالي صاحبَ دار مختارات التي نشرت كتبي الأربعة الأولى، وأرفعُ تحيّةَ محبّةٍ للأصدقاء المشجّعين ميراي يونس، كاتيا غصن، جورج كعدي، جنى الحسن، غازي قهوجي، إيلي الحاج، جوزف باسيل، سلمان زين الدين، وميشال مرقص.
وأتوجّهُ هنا إليكم أيّها الأعزاء التلامذة لأقولَ لكم: أحسنوا الإصغاء لمن حولَكم، فإنّ هذه الرواية ما كانت لترى النورَ لو لم تولدْ من رحمِ عائلتي التي تحبُّ الحكايات، فلوالديَّ الشكرُ على ذاكرتيهما اللتين أمدّتاني بكثيرٍ من تفاصيلَ واقعيّة وردت بين طيّات المتخيّل، ولشقيقتيّ وشقيقيّ الامتنانُ لكونهم أوّلَ من يقرأُ وينتقد، ولبنات شقيقتي ميرا ويارا ورنا محبّتي واعترافي بدورهنّ في جعلي أرصُد من خلالهنّ نِظرةَ الأجيال الشابّة إلى كتابةٍ تتّكئُ على التاريخ والحرب.
ختامًا أيّها الأصدقاء، يجب أن نعترف "إنّو كلّ الحقّ علينا، لا عَ الطليان ولا عَ فرنسا" ولا على غيرِهما، لأنّنا لم نبحثْ عن هُويّتنا ولم نتمسّك بها. ولقد صار علينا، بدلَ أن نبحثَ عن تاريخِ الحروب التي فرّقتنا، أن نكتُبَ تاريخَ الحضارةِ التي تجمعُنا وتقودُنا إلى مزيدٍ من الإبداعات والنجاحات، وقد تكونُ هذه الجائزة دافعًا شخصيًّا لي لمحاولةِ كتابةِ جُزءٍ من هذا التاريخ ولو عبر الحكاية، إلى جانب روائيّاتٍ وراوئيّين لبنانيّين، كان لي فخرُ الانضمامِ إلى حلقتِهم المضيئة في عتمةِ هذا الشرق الذي لن يعرفَ ميلادًا جديدًا ما لم يقُدْهُ الفكرُ وتحْمهِ الحريّة.

شكرًا لكم جميعًا

الأربعاء، 14 مارس 2018

ابدع قلمها في كتابة المقال والقصة والشعر ماري القصيفي... روائية بامتياز- بقلم املي نصرالله



مقالة الروائيّة السيّدة إملي نصرالله في صحيفة الأنوار اللبنانيّة - 18 كانون الثاني 2012

أبدع قلمها في كتابة المقال والقصة والشعر 
ماري القصيفي... روائية بامتياز
املي نصرالله 
كنت أحسبُها توقِّع باسم مُستعار، وذلك منذ ان لاحظتُ ما تكتبه من مقالات تتميَّز بالجرأة والحيوية، الى لغة سليمة، وقويّة التعبير، من دون حشو أو تنميق. ولدى سؤالي عنها، علمت ان الإسم حقيقي وكذلك صاحبته، فاتصلت بها منوِّهة باعجابي بقلمها، كما هي حالي لدى اكتشاف أيّ موهبة، وخصوصاً إذا كانت نسائية.
انقضتْ فترة قبل ان يتمّ اللقاء بيننا، لاكتشف سيدة ذكية، مرحة وجميلة. 
ثم تابعتُ التعرّف الى أعمالها المنشورة في كتب، وكل كتاب ينافس الآخر إبداعاً وجرأة وسلامة لغة. 
وهي الى موهبتها الأدبية، أستاذة لغة عربية. لكن موهبتها الإبداعية طغت، وجعلتها تتبنّى أسلوباً يُطوِّع اللغة، ويُخضعها لخدمة النصّ ومحتواه، وهذا لا يحدث دائماً، خصوصاً عندما تُسيطر اللغة وقواعدها على كاتبها، فتسيّره بدل أن يمتلك زمامها. 
بدأت بهذه المقدّمة لكي أعبِّر عن فرحي بالتعرّف الى هذه الكاتبة المميَّزة بالذكاء، سرعة الخاطر ورقّة الإحساس، مما يُمكِّنها من جسِّ النبض الخفي في أسرار الكتابة. 
لكن أكثر ما يُميّز قلم ماري القصيفي، هو الجرأة، خصوصاً عندما تكتب في النقد، بعيداً عن مراعاة السائد من الأعراف والمفاهيم الإجتماعية التي ترفع أسواراً حول بعض الأشخاص أو التقاليد، وتُصنِّفها من المحرّمات التي لا يجوز المسّ بها. 
لقد أبدع قلمها في كتابة المقال والقصّة والشعر، وغاصت في كل منها بعمق. أما الآن، فسوف أحصر كلمتي هذه بآخر أعمالها، وهو روايتها الأولى وعنوانها كلّ الحقْ عَ فرنسا. وفي هذه الرواية يتجلّى قلمٌ مبدع، في يد أستاذة لغة، وعلم نفس وإنسانيات. 
وهي لا تمسك بزمام اللغة وحسب، بل بدائرة معارف الرواية، وما تحتاجه لكي تولد حيّة، ممتعة ومقنعة في آن معاً. كما ان الكاتبة تنطلق على السجيّة لدى إبحارها في السرد، ممتشقة ما يلزمها من أدوات في الأسلوب أو اللغة، ولا توفّر العامية عند الإقتضاء، من دون أن تسفّ أو يشعر قارئها بأنها تحيد عن خصوصية السرد الأنيق. 
من بعض أسرار النجاح في القصة أو الرواية جاذبية الأسلوب، والإمتاع في القص، ويأتي في الدرجة الأولى من لزوميات الرواية، تردفه اللغة المنسجمة، والملائمة، ثم الموضوع قيْد المعالجة، وقد تجلّى نجاح الكاتبة في كل من هذه العناصر. 
وتظهر براعتها في صنعة القصّ، بصورة خاصة، عندما تخوض في المواقف الحميمة، ليشعر بها القارئ عفوية وطبيعية، من دون أن تثير أيّ استغراب
أما الأسلوب فهو ما يلفت في الرواية، وكأنها نهر ينساب من عدّة مصادر، ويقف كل منها في موازاة الآخر، إذ تُعطي لكل واحد من شخصيات الرواية دور البطولة، فينهض أو تنهض ويمضي في أداء الدور الذي يخصّه، الى أن يلتقي الجميع عند الثيمة الرئيسة، والتي تكوّن المنبع والمصبّ. 
في كتابة الرواية، يُعتبر الموضوع المختار مهماً إذ يُكوِّن نقطة الارتكاز. لكن الأهمّ في تقديري هو كيفية السرد، وكيف نروي. وهذا يقتضي براعة في اللغة كما في الأسلوب، وماري القصيفي تملك هذه العناصر جميعاً، وتنطلق دائماً بعفوية تميِّز أسلوبها، وهذا سرّ نجاحها.


الأحد، 28 يناير 2018

الفصل العاشر من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


10 
هل يكفي أن نقول إنّ الحياة ظلمت هذه المرأة كي نكون قد أعطيناها حقّها وأنصفناها؟ ومن يستطيع أن يقول إنّ الحياة لم تظلمه؟ ولكن للظلم مراتب. وجولييت كانت مؤمنة بأنّها أعطيت مرتبة متقدّمة بين المظلومين. هي صغيرة العائلة. تركت البيت إلى المدرسة الداخليّة ثمّ إلى العمل لأنّ العائلة تحتاج بعد غياب يوسف إلى كلّ قرش إضافيّ. فحبيب على الرغم من ثرائه بسبب التهريب كان عاجزًا عن مساعدة أحد لأنّه وضع كلّ أملاكه وأمواله في عهدة زوجته التي كانت تخشى دوران دولاب الحظ مع زوجها، وبالتالي لم تكن مستعدّة للمخاطرة بأيّ قرش قد يكون سندًا لها إن قتل زوجها في عمليّات التصفية بين العصابات أو في أحسن الأحوال إن سجن لوقت طويل. بل كانت زوجة حبيب تفرض على روز مساعدتها مدّعية أنّ ما كانت تملكه أكله المحامون.
من الواضح أنّ حبيب كان يثق بالمرأة التي اختارها شريكة حياة وعمل.
إذًا، كان على جولييت أن تجد عملاً في بيروت، فكانت الخدمة في المستشفيات. وفي زمن لم تكن الشهادات مطلوبة بإلحاح بين الممرّضات، وفي بلد تفاجئه الحرب في عزّ السلم، ويحتاج إلى خدمات طبيّة ولو غير محترفة، وجدت تلك الفتاة القصيرة القامة عملاً تستفيد منه ومكانًا تقيم فيه. كانت الحياة في المستشفى بالنسبة إليها عالمًا غريبًا لا يشبه ما كانت تعرفه وتأنس إليه. وتطلّب منها الأمر وقتًا طويلاً قبل أن تألف الرائحة الغريبة التي تفوح من هذا المكان الذي تختلط فيه روائح الجراح النتنة والدم المتخثّر بروائح المطهّرات والأدوية. ومضت أشهر طويلة من الأرق وجولييت تعجز عن طرد أصوات الأنين وبكاء الأطفال من رأسها، وتشعر بالغثيان وهي تستعيد رغمًا عنها صور الجراح التي تفغر أفواهها كأنّها تريد أن تبتلعها. في كلّ يوم تكتشف مرضًا جديدًا، ومعاناة جديدة، فأخذت تعلّم نفسها كيف تقسو شيئًا فشيئًا كي تستطيع الاستمرار. ولكنّها كانت تصرّ على الاحتفاظ بابتسامة قد تخفّف من وطأة ما يعانيه المرضى وما تعانيه هي عندما تشهد على آلامهم.
ليست العلاقة مع المرض والألم هي وحدها ما طبع شخصيّة جولييت، كان شيء آخر يتكوّن داخلها وهي تشهد كيف يصير عالم المستشفيات مختبرًا لما قد يشعر به الإنسان أي ما يرغب فيه وما يهرب منه. وخلال تنقّلها بين مختلف الأقسام وصولاً إلى غرف العمليّات كانت ترى وتسمع كيف يتحوّل الجسد في لحظة من قيمة إلى هباء. في البداية آلمها أن يتعامل الأطبّاء والممرّضات مع جسم الإنسان بهذه القسوة متى غاب المريض في عالم التخدير، أو متى كان في غيبوبة. كان شيء فيها ينبئها بأنّ المريض يسمع ويعرف وعندما سيفتح عينيه ويستيقظ من البنج أو الغيبوبة سيعاتبها، لأنّها لم تدافع عنه وهو عاجز عن فعل أي شيء. وتطلّب منها أن تنظر في عيني المريض، أيّ مريض، وقتًا طويلاً، كأنّها كانت تريد أن تطمئنّ إلى أنّه لا يعرف شيئًا ممّا جرى حوله أو معه أو على الأقل ليس واثقًا ممّا جرى.
أثارت جولييت إعجاب المحيطين بها بجرأتها في التعامل مع المرض على الرغم من بساطة معلوماتها وقلّة خبرتها. بدا واضحًا للجميع أنّ تلك الفتاة تريد أن تتعلّم وتثبت جدارتها، لذلك بدأ الأطبّاء يثقون بها ويشجّعونها على دراسة التمريض ليلاً لكي تستطيع أن تترقّى في وظيفتها. غير أنّ الحياة كانت تعدّ شيئًا آخر لتلك الفتاة البسيطة الذكيّة الشجاعة، كما كان يقول عنها كلّ من عمل معها. فحين دخل عيد إلى المستشفى للمعالجة، واستدعيت جولييت لمساعدة الطبيب في تعليق المصل في يده، كانت الحرب في أبشع مراحلها، والأسرّة في المستشفيات ملأى بالجرحى، وبرّاداتها تنتظر من بقي حيًّا ليأخذ معه من مات، ولم يكن غريبًا أن يوجد بعض الأحياء بين جثث الموتى الذين لم يجدوا جوارير يخبّئون فيها عريهم وإصاباتهم، وكان كلّ حيّ يتشبّث بحيّ آخر لعلّهما معًا يقاومان الموت أو على الأقل يستفيدان من آخر لحظات الحياة.
في هذا المكان حيث يتجاور الموت مع الحياة، ويولد أطفال لا يعرفون ما ينتظرهم بعد قليل إن بدأ القصف، ويموت شبّان لا يعرفون ما سيكون مصير القضيّة التي قاتلوا من أجلها وقُتلوا بسببها، تقاطعت درب عيد الآتي من دير الصليب ودرب جولييت التي كادت تفقد صوابها وهي تنام وتصحو وتعمل في المستشفى ولا تجد مكانًا تهرب إليه في أيّام الإجازة، لأنّ الطرقات إلى البقاع خطرة أو مقطوعة، ولن تزعج وردة التي تبرمج حياتها على إيقاع حياة ناجي.


(جولييت)
"لولاي لمات كثير من الجرحى في المستشفيات التي عملت فيها. فبعدما أنقذت تلك الطفلة المصابة في ظهرها وأخرجتها من بين الجثث التي كدّست فوق بعضها نذرت نفسي للتأكّد من أنّ الذين ينقلون إلى برّاد المستشفى موتى لا مصابون غائبون عن الوعي. كانت تلك الليلة واحدة من مئات الليالي العنيفة التي لم نعد نملك أرقامًا كافية لإحصائها: ليلة من القصف المتواصل العنيف حتّى صار الواحد منّا يتمنّى لو يموت لينجو من هذا الضجيح الذي يمزّق الأعصاب ويدّمر خلايا الدماغ ويشوّه أجمل ما يمكن أن يكون عليه الإنسان. أصوات قذائف منطلقة، وأصوات قذائف تسقط، وبكاء وصراخ وأنين وسيّارات مسرعة تصل وترمي حمولتها من الأجساد الغارقة في دماء بعضها، ونحن علينا أن نحصيها ونفرزها ونرسلها إلى حيث يجب أن تكون. وفجأة صرخوا بنا:
(لا ترسلوا جثثًا أخرى إلى البرّاد، لم يعد فيه مكان. وضعنا الجثث مع بعضها ولم يعد عندنا مكان).
 كوّمنا الجثث على الأرض في زاروب بين المستشفى وحائط الحديقة المحترقة. قلنا البرد "يحميهم" في انتظار مكان لهم. بقينا طوال الليل نروح ونجيء، في البداية كنّا نوصل الجثّة ونضعها على مهل فوق غيرها، ثمّ صرنا نسرع في وضعها، ثمّ صرنا نرميها لنعود بالأغطية والأسرّة المتحرّكة لنأتي بغيرها كأنّنا إن تأخرنا حسم مبلغ كبير من راتبنا. على الأرجح أنّنا تعبنا وبردنا. تحوّلنا، جثّة بعد جثّة، آلات لا إحساس فيها ولا عاطفة. منذ زمن جفّت الدموع على قتلى الحرب.
 قبل الفجر، سيطر هدوء غريب كأنّ المقاتلين قرّروا مجتمعين أن يأخذوا استراحة، فخرجت لأدخّن سيكارة قرب الجثث المغطّاة بأغطية من لون الدم. لماذا هناك؟ لا أدري. ولكن لماذا ليس هناك؟ وخارج المستشفى كلّه حرائق وأتربة وشظايا وجثث. هناك أو هناك أو هناك. ما الفرق؟ الموت في كلّ مكان. وهناك سمعت الأنين والبكاء. لم أنتظر كي أتأكّد. ذلك لا ينفع حين يكون هناك احتمال حياة بين الجثث. رميت السيكارة وأزحت الأغطية ففاجئني الدفء المنبعث منها في تلك الليلة الشتائيّة الباردة، كأنّ الموتى يحضن بعضهم بعضًا، وهي كانت بينهم. هل أعطوها بقايا دفء خلاياهم لتنجو؟ وهل هي سعيدة الآن بنجاتها؟ لا أعلم. لم ألتقِ بها منذ زمن.
 اسمها ديمة تلك الطفلة الشتائيّة التي تحمل اسم المطر. رموها، رميناها، بين الموتى وفيها نبض حياة. أخرجتها من رحم الدفء والدم، وحملتها ونقلتها إلى الداخل. هل أنا من تسبّب بشللها النصفيّ لأنّني حملتها؟ لا أعرف. الأطبّاء قالوا لي لا، لست أنا من أصابها بالشلل بل الشظايا التي فتّتت عمودها الفقريّ ومزّقت نخاعها الشوكيّ. صدّقتهم. أراحني أن أصدّقهم. لم نعرف اسمها ومن هي إلاّ بعد يومين، حين أحصينا الجرحى والموتى واكتشفنا أنّ شقيقها قتل وأنّ والدتها تشوّه وجهها وفقدت نظرها. في حين أصيب والدها الأعمى إصابات بالغة في يديه وصدره. ماذا نسمّي ذلك؟ أهو غضب السماء أم سخريتها؟ هل من صفة لمصيبة كهذه: تتزوّج المرأة رجلاً أعمى، فلا تجد الشظايا إلاّ وجهها تدرزه درزًا فتشوّهه وتسرق منه النظر، ربّما كي لا ترى كيف صار ذلك الوجه؟ والابن الوحيد قتل، والطفلة الوحيدة شلّت رجلاها. هل من صفة لحالة كهذه؟
هذه هي الحياة التي ظننت أنّني سأنجو منها حين هربت مع عيد". 






الأربعاء، 17 يناير 2018

الفصل التاسع من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


تتألّم زاد في كلّ مرّة تحاول فيها الدخول في جسد روز لتكتب عن أيّامها الأخيرة في المستشفى قبل أن تقرّر الموت فعلاً. ولكن ما دار في رأس تلك المرأة خلال تلك المرحلة من العذاب يستحقّ ذلك. وهل ترتاح وردة، التي صارت روز بسبب أمّها وفرنسا، إن علمت أنّ ثمّة امرأة غريبة قرّرت أن تشاركها أيّامها العشرين الأخيرة وأن تشعر بما شعرت به، وأن تفكّر كما فكّرت، وأن تتألّم كما تألّمت؟ لا تعرف زاد إن كانت تفعل ذلك من أجل روز، أي الدخول في جسدها، أم من أجل أن تعرف. ولكنّها لن تكتشف ذلك ما لم تدخل تحت جلدها المثقوب مئات المرّات بفعل تنقّل إبر المصل والدم التي تحاول أن تحمل الحياة إلى أوردتها الجافّة.
هل اختارت روز أن تموت في اليوم العشرين الذي تلا ابتلاعها قنينة الديمول لأنّ علاقتها بناجي استمرّت عشرين عامًا؟ هل رضيت باحتمال العذاب بمعدّل يوم عن كلّ سنة لتعاقب نفسها؟ أم هي كانت تراهن على نجاتها وعودتها سالمة إليه بعد عشرين يومًا من الفراق الذي لم يعرفاه طيلة عمر حبّهما، لعلّه في هذه المرحلة الحرجة من حياتها يكون قد حسم أمره وقرّر مع أيّ من المرأتين سيمضي عمره؟
كانت روز حين تصحو من غيبوبتها أو حين يخفّ تأثير الأدويّة المخدّرة تلاحظ أنّ فمها يُخرج رغوة بيضاء، فتستعيد ذكرى فوران جسمها بين يدي رجل حياتها وتبكي قبل أن تعود إلى غيبوبتها الرماديّة التي يختلط فيها الواقع بالمستعاد أو بالمنتظر. كانت تعي أنّها بين الحياة والموت، وأنّ جسمها لم يعد ملكها أو ملك ناجي، وأنّها فارغة وتسبح في فراغ. ومع ذلك، مع كلّ هذا الفراغ، كانت هناك دموع لا تعرف من أين تنبع، ورغوة بيضاء لا تعرف من أين تفور. رافقها الفراغ منذ رأت إلى عيني ناجي في تلك الليلة وهما تحاولان التهرّب من عينيها وسؤالها فارتمت في أحضان اللاشيء واللامكان واللاأحد. وعادت وحيدة كما كانت يوم وقفت على مرفأ بيروت تراقب السفينة وهي تبتعد حاملة الكولونيل الفرنسيّ، لا بل هي هنا أكثر حزنًا لأنّ ما تشعر به تجاه ناجي لا يشبه أيّ شعور آخر ولأنّها كانت مؤمنة مذ التقت به بأنّها لن تعرف الوحدة بعد الآن ولا الفراغ، لقد ملأ ذلك الرجل الطويل الصلب كلّ كيانها وعبّأ فراغات ماضيها وجعلها المرأة التي كانت تعرف أنّها موجودة في داخلها ولم تعرف كيف تخرجها إلى العلن.
هو فعل كلّ ذلك.
ولهذا عندما اكتشفت أنّه استطاع أن يخونها مع زوجته اختارت ألاّ تكون شاهدة على خيبتها الجديدة وهي في هذا العمر وبعد كلّ ما عرفته واختبرته وشعرت به. وقرّرت أن تموت لأنّ الرجل الذي تحبّه مات ولا تريد أن تحيا بعده. وهي هذه المرّة اختبرت الحبّ الكامل الناضج ولا يشبه في شيء حبّها الأوّل المراهق، فهل تكون الخيبة نتيجة كليهما؟
ربّما ليس هذا فقط ما جعل روز تقرّر الموت. هذا لا ينسجم مع طبيعة تلك المرأة الغريبة الصامتة. ولكن روز لن تعترف لنفسها لأنّ الأمر أصعب من ابتلاع الموت أو معاشرته على هذا السرير الأبيض.
قد تكون روز شعرت تلك الليلة، حين استيقظت من غيبوبتها أنّها تعاشر رجلاً متزوّجًا بالفعل لا رجلاً يقيم مع زوجته في منزل واحد فاشمأزّت من نفسها. وهذا ما لم يسبق أن توقّعت الشعور به بسبب علاقتها بناجي. اكتشفت أنّها لم تستطع أن تكرهه، فكرهت نفسها، ولم تستطع أن تغضب منه، فصبّت غضبها على أحشائها.
لمّا سألته في بداية لقاءاتهما عن علاقته بزوجته، أفهمها أنّها ما كانت لتوجد في حياته لو لم يكن المكان ينتظرها، ولم تسأل أكثر، لأنّه لا يكذب، ولأنّها لا تريد أن تعرف أكثر. لعشرين عامًا أجّلت المواجهة. عشرون عامًا ملأتها بالتحايل على الوقت والعمر والحبّ، وجاءت الحرب لتساعدها في تقديم الحجج لنفسها فتقول:
"عندما ينتهي كلّ هذا الموت قد أجرؤ على السؤال أكثر، الآن لا أحد منّا يعرف إن كان الضوء سيطلع عليه وهو حيّ".
التقته في السفارة الأميركيّة خلال حوادث 1958 وكانت السفارة تتهيّأ لتكون أهمّ سفارة أميركيّة في الشرق الأوسط، لوّن معها المصابيح الكهربائيّة خلال حرب الـ1967 بالكحليّ الداكن كي لا تستهدف الطائرات الإسرائيليّة البيت، راقبا معًا عام 1973 طائرات الجيش اللبنانيّ تقصف المخيّمات الفلسطينيّة، ومعًا استأجرا بيتًا قرب المطعم حين وقعت حرب الـ1975، وصارا يقيمان فيه حين يعجز كلّ منهما عن العودة إلى بيته. رضيت المرأة العاشقة بأنصاف الأجوبة، وأنصاف الأوقات، وأنصاف الحلول. ومع أنّها كانت في أعماق نفسها تعرف أنّها تستحق الأنصاف الأخرى خشيت أن تطالب بما هو أكثر كي لا تخسر ما تثق بامتلاكها إيّاه. ولولا وجود الأولاد لهان الأمر. كان في إمكان روز التي تركها الفرنسيّون خلفهم أن تتناسى وجود الأولاد وأن تنسي والدهم أنّه والد. ولكنّ وردة التي أعادها ناجي إلى الحياة لا تفعل ما تفعله روز. ابنة السهل لا تحرم أطفالاً من أبيهم. ابنة السهل تعرف ما معنى أن يكون والدها أو والد أيّ إنسان موجودًا وغائبًا في الوقت نفسه.
لا تستطيع زاد أن تشارك جولييت في أفكارها عن سبب انتحار روز. ففي هذا الموضوع بالتحديد، يبدو على الشقيقة الصغرى التوتّر وتعجز عن ربط الأفكار للوصول إلى خلاصة مقنعة كأنّها لا تعرف فعلاً ماذا جرى أو كأنّها تخفي ما تعرفه. هذا ما جعل زاد تفكّر في أنّ ما حدث تلك الليلة غامض ولا شيء أكيدًا يوضح إن كان ما جرى خطأ غير مقصود أو قرارًا بالانتحار لا عودة عنه.
قرب المستشفى حيث ترقد روز على رجاء القيامة من السرير، يقع منزل زاد الذي كانت الممرّضة تقصده مشيًا خلال استراحاتها من العمل، وإليه بدأت تدعو شقيقاتها وشقيقيها وأمّها حين يزورون روز ليستريحوا ويشربوا القهوة عند أصدقائها الجدد. كانت اللوحة جداريّة كبيرة وملأى بالتفاصيل، تراقبها زاد بفضول واهتمام لترصد نظرات الضيوف وتسجّل كلماتهم كأنّها محقّق يريد أن يلقي القبض على المجرم المتستّر بثوب البراءة. غير أنّ هؤلاء الأشخاص كانوا يتحدّثون مع والديها في كلّ المواضيع إلاّ موضوع روز، كأنّ المرأة ماتت وانتهى الأمر، وصار في الإمكان الحديث عن الشتاء والحرب والبلد والعمل.
فكّرت زاد في أنّ الناس على ما يبدو لا يموتون إن مات أحد من أفراد عائلتهم أو من أصدقائهم أو من محبّيهم، بل يتابعون حياتهم ويشربون القهوة ويدخّنون السجائر ويأكلون ويخافون على أنفسهم من الموت. الإنسان يموت وحيدًا إذًا.

(أنطوان)
"أين كانت جولييت حين كنت أعمل في التمريض؟ لم تكن ولدت حين بدأت العمل في (العصفوريّة) في الحازميّة حارسًا على المجانين، وبعدما انتهى بناء (الطبيّة) على طريق الشام انتقلت إليها وصرت صديقًا لكلّ الأطبّاء فيها من فرنسيّين ولبنانيّين. أوجيني صارت معجوقة بصديقتها الممرّضة وصارت تستشيرها في أنواع الأمراض وأصناف الأدوية. ولم يعد لي كلمة في بيتي. أفهم في أمراض العقل والجسد ومع ذلك يسخر منّي أولادي حين أقول رأيي ويسألونني عن شهادة الطبّ التي أحملها. أربع سنوات مع المجانين وعشر سنوات على بوّابة الطبيّة الواسعة، أسأل الأطبّاء الداخلين عن أحوالهم وأستجوب الأطبّاء الخارجين. الذين يعلّمون أسألهم ماذا علّموا اليوم، والذين يتعلّمون أسألهم ماذا تعلّموا اليوم. وكنت في طريق العودة إلى البيت مشيًّا لأكثر من نصف الطريق أستعيد ما سمعته لأسلّي نفسي، وحين ألتقي أصدقائي عند العصر لنلعب "دقّ طاولة" كنت أنصحهم بأكل هذا النوع من الطعام والامتناع عن هذا الصنف. وكثيرًا ما حملت إليهم أدوية جرى تركيبها أمامي حين كان أحد الأطبّاء الصيادلة يدعوني إلى المشاهدة عندما أجد من يقف مكاني على البوّابة الكبيرة.
جولييت لم تصدّقني حين وصفت لها حالة زوجها من دون أن أراه أو أعرفه أو أسمعه. أخبرتها عن حالات مشابهة كنت أراقبها في (العصفوريّة)، صحيح أنّني كنت حارسًا لا ممرّضًا ولكن في تلك الأيّام كان تمريض المجانين مجرّد حراسة تتطلّب ساعدين قويّين وقلبًا شجاعًا، بل تتطلّب أن تكون فقيرًا وتحتاج إلى عمل، وبعد ذلك يمرّن الواحد منّا قلبه وساعديه، خصوصًا متى كان عمله في الليل. ولكن ذلك لا يعني أنّنا لم نتعلّم حقن المرضى بالأدوية المهدّئة حين تنتابهم الحالات العصبيّة القويّة. كان يكفي أن يمسك بالمريض اثنان من الحرّاس ليضرب الثالث الحقنة في أيّ مكان يمكن الوصول إليه من الجسم الهائج، أو يتعاون الجميع لإدخال المريض الثائر في القميص ذي الأحزمة. المرّات الأولى تكون صعبة، بعد ذلك، تعتاد يدنا استعمال الحقنة كما تعتاد آذاننا سماع كلماتهم طوال الليل.
 الليل عالم آخر في مستشفى المجانين.
حين باشروا بناء العصفوريّة أسرعنا كلّنا من المنطقة والجوار للعمل فيها، أوّلاً في حفر الأساسات وحمل الأتربة على الحمير والبغال، وبعد ذلك في البناء، حمّالين ومعلّمي باطون ونجارة وتبليط. لم نكن معلّمين، تعلّمنا هناك. بعدما انتهت هذه المرحلة ودشّنوا المبنى الأوّل صرنا ممرّضين وحرّاسًا وطبّاخين. النساء انضممن إلينا للخدمة في الأبنية الثلاثة المخصّصة للنساء أو لغسل ثياب المرضى وأغطية الأسرّة وملابس الممرّضين والممرّضات في المبنى الذي صار اسمه بيت الغسيل. عشرات الأوعية المصفوفة إلى جانب بعضها وعشرات النساء يدعكن الثياب القذرة وينقلنها من طشت إلى طشت، ومن يد امرأة إلى يد امرأة كي تصل نظيفة مغسولة بالمياه الساخنة والصابون البلديّ. عشرات النساء للغسيل وعشرات النساء لتفويح الغسيل ونشره. وعند الغروب، كانت الطريق الخارجة من (العصفوريّة) والتي تصبّ في الشوارع المجاورة تزدحم بالرجال والنساء وهم يحملون أكياسًا من الورق الأسمر، خالية من الفتات، ترجع معهم إلى البيوت ليحملوا فيها عند الفجر زوّادة يومهم من البطاطا المسلوقة والبندورة والزيتون وعرائس التين المطبوخ. لولا الفقراء لما وجد المجانين من يخدمهم.
بعد نقطة الدرك، ندخل إلى منطقة العصفوريّة من بوابّة كبيرة يقيم إلى جانبها الحارس في غرفة سمّيناها غرفة الموتى. إذ كانت جثث الموتى من المجانين توضع فيها في انتظار أن يأتي أهلهم. وما بين موت أحدهم ووصول أهله كان الحارس يسرق أسنان الذهب وأطقم الأسنان الاصطناعيّة من أفواه المجانين. ومن الأموال التي جمعها الحرّاس الذين تناوبوا على المركز وتوارثوا أسرار المهنة ارتفعت بيوت كبيرة في المنطقة، بيوت كبيرة وجميلة يتباهى بها اليوم ساكنوها. بعد البحث ليس كلّ ما يخرج من أفواه المجانين لا قيمة له في سوق العقلاء. وحين يأتي الأهل ليتسلّموا الجثّة، إن أتوا شخصيًّا، لن يسألوا عمّا كان في فمها واختفى. فالمجنون هو من كسر أسنانه في نوبة غضب، والمجنون هو من رمى طقم أسنانه حين لم يعجبه الطعام.
 كلّ الأخبار تصحّ على هؤلاء الناس.
العصفوريّة مدينة ساهم في تأسيسها أكثر من دولة، سبعة أبنية لسبع دول. أنا كنت في المبنى البريطاني الذي كناّ نسمّيه روبرت هاوس، أخي كان في مبنى أميركا، والأبنية الموزّعة حول الباحة التي تتوسّط المكان الشاسع كلّها من الحجر المصقول وسقوفها من القرميد الأحمر، ثلاثة منها للنساء. في وسط الباحة بناء مدوّر للحرّاس له باب وسبع نوافذ عليها مشبكّات من الحديد المشغول كأنّ الحرّاس يحتمون خلفها من نوبات جنون جماعيّة قد تصيب مئات من سكّان العصفوريّة دفعة واحدة.
في طريق عودتنا إلى منازلنا، كنّا نمّر أمام غرفة الموتى ثمّ نخرج إلى الطريق العامّ حيث دكّان يعقوب الذي كانت تتوقّف عنده قوافل النازلين من الجبل إلى بيروت والصاعدين من بيروت إلى الجبل. وأمام الدكّان نفسه صرخ ابن يعقوب مناديًا والده:
(يا أبي، هناك خوري درزي نازل ع بيروت مع قطيع غنم طويل عريض).
ومن أمام العصفوريّة طارت إلى القرى المجاورة حكاية الشيخ الدرزي بعباءته ولحيته وقطيعه بعدما رسمه ابن يعقوب كاهنًا.
لا تنتهي حكايات العصفوريّة. في كلّ يوم حكايات يختلط فيها الحزن بالضحك: حكاية الدركي الذي ترك زميله وحده على المدخل وذهب ليشتري ما يأكله من دكّان يعقوب. في غيابه هرّب الدركي الآخر مريضًا.  كان سجينًا من المدمنين على المخدّرات. المجنون لا يجد من يدفع عنه رشوة لتهريبه. أمّا المدمن فيستطيع تدبير الأمر. تجّار المخدّرات يهربونه لحاجتهم إلى زبائن. فإن صار المدمنون كلّهم في العصفوريّة أفلس التجّار من أمثال حبيب شقيق الممرّضة.
كانت العصفوريّة تدفع خمسًا وعشرين ليرة لمن يعيد مريضًا إليها. والدركي كان يهرّب المجانين ويتواطأ مع من يعيدهم إليها فيقبض في كلا الحالين.
مسز هيلين رئيسة المستشفى لم تكن تقبل غير المسيحيّين للعمل في العصفوريّة. وحين أراد ابن جيراننا حسين أن يلتحق بنا، وكنّا نحو عشرين رجلاً وامرأة، رفضته المرأة الإنكليزيّة التي لا تبتسم. ولكنّ حسين احتاط للأمر وأظهر لها شهادة عماده فقبلته. أفادته أمّي لحسين حين قالت لأمّه جارتها:
(عمّدي الصبي كي يشفى من أمراضه).
في ذلك الزمن لم تزعل إم حسين ممّا سمعته، لو قيل هذا الكلام اليوم، لصار الدم للركب.

في أسفل العصفوريّة مدفن امرأة اسمها سعود. كانت تقيم مع رجل بلا زواج فأنزلت بها الكنيسة حرمًا، وحين ماتت دفنت بين الصخور من دون صلاة أو بخّور. سعود كانت جارة العصفوريّة في حياتها وموتها. هي مثلهم كانت خارجة عن قوانين الناس والمجتمع، ومثلهم كانت لها حكاية لا يعرف أحد الحقيقة فيها من الخيال". 

الأحد، 14 يناير 2018

الفصل الثامن من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


ما الذي جعل روز تطرح ذلك السؤال على ناجي بعد مضي عشرين عامًا على علاقتهما؟ لماذا في تلك الليلة بالذات خطر لها أن تواجهه بالسؤال الذي لم تجرؤ على طرحه سابقًا خوفًا ممّا ستسمعه؟ عشرون عامًا من الحبّ والصداقة والعشرة، كبر فيها أولاده وأولاد أخوتها، ونشبت معارك وحروب، ومات كثر، وهاجر من استطاع، وروز مطمئنّة إلى الحماية التي أحاطها بها رجل حياتها، فلم تخش كلام الناس ولا وجود امرأة أخرى تقيم في بيته ولا تشكّل لها منافسة، ولم يرعبها القصف والتهجير والتفجير. ناجي يعشق الأرض التي تمشي عليها، فما الذي يمكن أن يعكّر صفو سعادتها؟ الزواج؟ أليس ما بينها وبين ناجي أقوى وأعمق من أي رابط رسميّ؟ الأولاد؟ ألا يكفي عدد الأولاد الذين ألقيت عليها مسؤوليّة رعايتهم والاهتمام بهم وتأمين متطلّبات حياتهم. أولاد حبيب حين يكون أبوهم في السجن وحدهم يكفون كي تكفر بالأولاد وتربية الأولاد. وابنة جولييت أليست همًّا يرافقها طوال الوقت؟ وأولاد ناجي؟ ألا تتابع أخبارهم وتعرف كلّ تفصيل عن صحّتهم ودروسهم وهواياتهم ومشاكلهم؟ ومع ذلك، كان هناك قلق داخليّ لم تستطع روز رغم سطوتها وقوّة إرادتها أن تسيطر عليه لتمنعه من الوسوسة في بالها وإزعاج الهناءة التي تنعم فيها. حتى حلّ ذلك اليوم، وروز في مرحلة انقطاع دورتها الشهريّة، ونوبات الغضب والبكاء والتعرّق تصيبها في شكل دائم، وخلقها ضيّق، وأحاسيسها مرهفة تثيرها أبسط كلمة. قبل ذلك اليوم، كانت روز تأخذ الأمر بمزاح وتقول لناجي:
"ألا يكفيك امرأة واحدة في مثل هذا العمر ومثل هذه النوبات؟ صار عليك أن تحبّ واحدة أصغر منّي ومنها!"
 وكان حين يحضنها يحاذر أن يعلّق على الموضوع ممازحًا أو جادًّا خشية أن يقول ما لا يجب أن يقال فتنتفض المرأة التي يحبّها من بين ذراعيه وتتفلّت منه مبتعدة غاضبة باكية.
غير أنّ روز في ذلك اليوم الشتائيّ البارد من شهر شباط، كانت تشعر بالحرّ الشديد يخنق أنفاسها ويمنعها عن الاستمتاع بمداعبات ناجي كما تشتهي نفسها. وكان الناس في لبنان بدأوا يولون عيد العشّاق أهميّة لم تكن له قبل تلك المرحلة، وكانت أجواء العشق تنشر اللون الأحمر في كلّ مكان، ومع أنّ روز وجدت الأمر سخيفًا في الأعوام الماضية، إلاّ أنّها هذه السنة شعرت بأنّ من حقّها أن تطالب بالاحتفال به، وأمام استغراب ناجي تصرّفاتها ورفضه الانصياع لمزاجها العكر الطفوليّ، طرحت روز السؤال الغريب:
"هل أهديت زوجتك هديّة في هذه المناسبة؟"
ما عشقته روز في ناجي طوال هذه الأعوام أكثر من سواه هو صدقه وصراحته. كانت تعرف أنّه لا يكذب على أحد، ولا يمكن أن يكذب عليها. ربّما لهذا السبب كانت تحاذر الدخول معه في أحاديث تفصيليّة عن زوجته أو عن أيّ شيء آخر قد يقلق ما هي فيه من حبّ وغرام، وتترك له أن يحكي ما يريد من دون أن تطرح أسئلة قد تحرجه فتسمع أجوبة قد تجرحها. ولكنّها اليوم طرحت السؤال وعليها أن تتحمّل النتائج. روز ثائرة، وناجي غاضب، والجواب كان:
"نعم، قدّمت لها هديّة بناء على اقتراح الأولاد".
كان من الممكن أن ينتهي الأمر هنا. وتطوى المسألة، وتنطفئ ثورة الأعصاب بعد عتاب لا بدّ منه. غير أنّ سببًا ما دفع روز إلى طرح السؤال الآخر:
"متى كانت آخر مرّة نمت فيها مع زوجتك؟"
لم يكن ثمّة حاجة لانتظار الجواب كي تنهار روز. كان الاصفرار الذي لوّن وجه الرجل الذي وثقت به أكثر من نفسها جوابًا قاطعًا. هو ليس الاصفرار الذي يأتي من الغضب أو الاستنكار أو الرفض، هو اصفرار من ألقي القبض عليه بالجرم المشهود ولا يملك ما يستر به عريه. لم يعد يهمّ أن تسمع روز الجواب، لم يعد يعنيها أن تعرف منذ متى، وكم عدد المرّات، أو إن انقطع عن النوم معها خلال هذه الأعوام الطويلة، كلّ ذلك لم يعد يهمّ، كانت تريد أن تختفي، أن تنسى الخيانة، أن ينتهي كلّ شيء، فوقعت على الأرض مغشيًّا عليها وغابت عن الوعي في عالم آخر.
حين عادت روز إلى وعيها، كانت الغرفة غارقة في الظلمة، وهي في فراشها. سمعت أصوات أمّها وشقيقتها وناجي بعيدة كأنّها تصل إليها من عالم آخر وليس من الغرفة المجاورة. حاولت أن تتحرّك، فوجدت جسمها ثقيلاً، حاولت أن تنادي أختها أو أمّها فطلع صوتها صرخة مدوّية غير مفهومة. هُرع الثلاثة إليها، غير أنّ ناجي وقف بعيدًا عند الباب. تشابكت أسئلة الأم والأخت تريدان أن تعرفا ما الذي حدث، غير أنّ روز ردّت بجواب بسيط إذ فهمت أن ناجي لم يقل لهما شيئًا. هي لا تزال تعرف هذه الناحية من شخصيّته على الأقلّ. أم هذه أيضًا انهارت مع انهيار كل شيء آخر؟
"لا شيء. مجرّد تعب. اتركوني أريد أن أنام. سنتكلّم لاحقًا. ولكنّي أريد أن أشرب".
تبادل الجميع النظرات المتسائلة عمّا يجب فعله، جولييت أخذت ضغط دمها وقاست حرارتها، فلم تجد ما يثير القلق، نجلا تفرك يديها بعصبيّة ولا تجرؤ على الكلام، ناجي ينظر إليها لعلّها تنظر إليه فتلتقي العيون ويمحى كلّ الألم والحزن والغضب. ثمّ قرّروا أن يتركوها تنام بعدما ناولتها أختها كوب الماء. فالصباح رباح. وغدًا ستفهم الأمّ والأخت ما الذي يخفيه عنهما ناجي وروز. ولم يحدس أحد من الثلاثة بأنّ هذه الكلمات القليلة التي قالتها روز تلك الليلة ستكون آخر كلماتها المفهومة. فبعد ذهاب ناجي، وخلود نجلا إلى النوم وعودة جولييت إلى المستشفى لتأمين نوبتها الليليّة، ستقوم وردة وتتوجّه إلى الحمّام وهناك ستبتلع قنينة الديمول التي جلبها لها ناجي لترشّ الحشرات التي غزت الوردات على الشرفة وجعلت أوراقها ذابلة متآكلة. وحين ستستيقظ نجلا مع إطلالة الصباح وتقصد الحمّام، سيستيقظ سكّان المبنى على صراخ شقّ سكينة الفجر، وسيعلم الجميع أنّ وردة انتحرت.

(جولييت)
"لا أحد غير كمال يعرف أنّي وعدت روز بالعودة في تلك الليلة. قلت لها بعد أن دخلت أمّي  غرفتها:
(سأذهب إلى المستشفى وأؤمّن من ينوب عنّي وأعود بسرعة).
ولو فعلت ذلك، لو عدت بسرعة، لكنت أنقذت وردة. أنا خائفة من أن تكون شقيقتي قد تناولت الديمول وهي تراهن على عودتي بسرعة كما وعدتها فأنقذها. ربّما هي محاولة انتحار، ربّما أرادت أن تخيفنا عليها، أن تهدّدنا بأنّها ستقتل نفسها عن جدّ إن تابعنا إزعاجها. ربّما أرادت أن تجبر ناجي على ترك كلّ شيء من أجلها بعدما كبر أولاده وما عادوا في حاجة إليه. لا أعرف. لكنّها ليست من النوع الذي ينتحر. لا شكّ في أنّها قالت:
(جولييت ممرّضة وستنقذني في الوقت المناسب).
يا حسرتي عليك يا وردة، متّ وأنت تنتظرين كأن لم يكفك أن تنتظري طوال عمرك كي تنصفك الحياة.
حاولت مرارًا الاتصال بها لأخبرها بأني لم أجد حتّى الآن من ينوب عنّي، فكان خطّ التلفون مشغولاً طوال الوقت. ولكنّ ذلك أراح بالي، قلت في نفسي:
(لا شكّ في أنّها تتكلّم مع ناجي، وهذا أمر جيّد، أحسن من ميّة حبّة دوا للأعصاب).
ولم يخطر لي أن أتلفن لإحدى شقيقاتي أو لنجيب كي يذهب أحدهم إليها. أقنعت نفسي بأنّ ناجي وحده قادر الآن على تهدئتها. من أين لي أن أفكّر في أنّها ستشرب الديمول؟ وردة؟ كلّ الناس يخطر على بالهم الانتحار إلاّ وردة.
ولكن ما الذي جرى؟ من كان يشغل الخطّ؟ لماذا شربت الديمول؟ أسئلة كثيرة لم أجد لها أجوبة وأنا أجلس إلى جانب وردة في المستشفى. ألهذا الحدّ يستطيع أقرب الناس لنا أن يخدعونا؟ وما الذي يعمينا عن رؤية ما هم فيه حتّى يفاجئنا مرضهم أو حزنهم أو رغبتهم في الرحيل فننتبه إلى أنّ كلّ الإشارات كانت تنبئ بذلك ولكنّنا اخترنا أن ننظر ولا نرى. كنت أكلّمها بصوت مرتفع، لعلّ ذلك يساعدها على مقاومة ما هي فيه أو احتماله على الأقلّ. غير أنّها كانت عاجزة عن الكلام، وكلّ ما كان يصدر عنها أصوات غير مفهومة فيؤلمها عجزها عن التعبير ويؤلمني أن أراها تتألّم أكثر. وحين كانت تفتح عينيها من وقت لآخر وتنظر إليّ وأنا منحنية فوق وجهها كانت الدموع التي لم أرها وهي في عزّ صحّتها وقوّتها تخرج من هاتيك العينين دفعة واحدة كأنّها لم تفتح جفنيها إلا لتخرج الدمع.
طوال العشرين يومًا التي أمضيتها معها في المستشفى لم أكن أفكّر إلاّ بأنّها تفكّر في ناجي. ناجي الذي لم يقل لي شيئًا لا أعرفه عن تلك الليلة. فحين تركت وردة لأذهب إلى المستشفى كنت فهمت منها أنّها غاضبة منه وأنّه لا يفهم أنّها تعبة وعاتبة ولم تعد تحتمل. هذا أيضًا ما فهمته من ناجي، ولكن كلّ ذلك ليس بجديد عليها، فلماذا الآن؟ كلّ ذلك لم  أذكره أمام رجال الدرك، قلت لهم ما اتفقنا كلّنا على قوله:
(أخطأت في القنينة وظنّت أنّها تشرب ماء).
لو عدت في تلك الليلة لما ماتت أختي الكبرى التي حضنتني وطفلتي حين هربنا ولجأنا إليها. هل يكفي أن أجلس إلى جانبها وأكون شاهدة على آلامها كي أردّ لها دين الاعتناء بي وبياسمينة وتحمّل تبعات كلّ ذلك وتأثيره على حياتها الشخصيّة؟
 قالت لي الأخت التي تكبرني بأكثر من عشرين سنة، والتي اختارت اسمي واسم ابنتي وعاملتنا كأنّها أمّنا:
(لن تعودي إلى ذلك المجنون مهما كلّف الأمر).

غير أني خذلتها حين احتاجت إليّ ولم أعد لأنقذها من جنون عصف بها تلك الليلة وجعلها تنهي حياتها وهي تحترق من الداخل. لم يسمحوا لي بترك العمل، ولم أجد من ينوب عنّي، وفي المستشفى أيضًا مرضى يحتاجون إلى من يهتمّ بهم، والخطّ كان مشغولاً، كيف كان لي أن أعرف أنّها رفعت السمّاعة، وأنّ ناجي كان يقود سيّارته طوال الليل على الطرقات الخالية إلاّ من الحواجز، وأصوات القصف تتردّد على أكثر من جبهة، وهو هائم حائر لا يعرف ماذا يفعل. فتمنّى لو تنزل قذيفة تريحه من هذا الصراع".

الأربعاء، 10 يناير 2018

الفصل السابع من روايتي كلّ الحقّ ع فرنسا


التقت ملفينا المارونيّة اللبنانيّة بأحمد السنّي الفلسطينيّ في منزل وردة. كان موظّفًا في السفارة الأميركيّة حين كانت روز لا تزال تعمل فيها، وربطته صداقة بها وبناجي فكان الثلاثة يسهرون معًا في مرابع بيروت وملاهيها قبل أن تنضمّ إليهم ملفينا حين نزلت إلى العاصمة لتعمل في مشغل للخياطة، بعد ذلك ستتحوّل السهرات إلى جلسات شبه عائليّة في منزل روز حيث ستكون نجلا حاضرة في أكثر الأحيان وكذلك حبيب حين يأخذ استراحة بين عمليّتي تهريب أو حين يكون في طريقه إلى شقّته في برمّانا لملاقاة إحدى صديقاته. ولكن حين هربت ملفينا خطيفة مع أحمد بعد أشهر على لقائها به، تشاجر كلّ واحد من العائلة مع الآخر، وتبادلوا التهم، ومع انّهم اتّفقوا على أنّ وردة هي التي سهّلت الأمر، قاطعوا ملفينا، ولم يقاطعوا وردة أو يعاتبوها. ثمّ نسي الجميع كلّ ذلك بعد تسعة أشهر حين ولد كمال، وتحوّل الصهر الفلسطينيّ المسلم الذي كان اسمه أحمد إلى "أبو كمال" الصهر الكريم المضياف الذي يقف إلى جانب الجميع ويساعد الجميع، ويكفيه فخرًا أنّه جعل نجلا راضية عنه حين حمل الصبيّ ووضعه في حضن المرأة التي شعرت تجاه هذا الصبيّ بمثل ما شعرت به تجاه حبيب، وقال لها: "سمّي على إبن بنتك يا ستّ إم حبيب". والطفل الذي أبوه فلسطينيّ مسلم جعل نجلا تنسى رغبتها في أن يكون حفيدها الذكر الأوّل من صلب حبيب الذي لم تنجب له زوجته حتّى الآن إلاّ بنات، ولكنّ نجلا أكثر ذكاء من أن تعبّر عن هذه الرغبة بصوت مرتفع لئلاّ تذكّرها كنّتها اللئيمة بأنّها هي أيضًا أنجبت ثلاث بنات قبل أن يولد حبيب. لذلك زانت نجلا الأمر بميزان العقل ووجدت من الغباء أن تقف موقفًا رافضًا ما يجري، وما حدث قد حدث: فملفينا سعيدة بزوجها وطفلها، وحبيب يطمئنها إلى إنّ العلاقات مع الفلسطينيين ستساعده في عمله وتفتح له أبوابًا كانت مغلقة حتّى الآن، كما تؤمّن له غطاء أمنيًّا لا غنى عنه، بل ضروريٌّ في مثل تلك الظروف.
حبيب من اللبنانيّين المسيحيّين الذين يوزّعون الفلسطينيين إلى فريقين: فريق الأثرياء الذين تركوا فلسطين قبل 48 وهؤلاء لم يعودوا فلسطينيّين في رأيه، والآخرين الذين أتوا بعد ذلك، وعائلة أبي كمال من الرعيل الأوّل وهذا سبب تخفيفيّ يجعل زواج فتاة مسيحيّة من أحد أفرادها عملاً مقبولاً يسهل التسويق له وفرضه على مجتمع السهل. عدا عن أنّ عائلات السهل المسيحيّة لا تشبه عائلات الشمال مثلاً وليست ملتزمة دينيًّا، وبالتالي فحبيب لا يذكر ممارسات مسيحيّة في عائلته، فلا صلاة قبل تناول الطعام ولا تلاوة المسبحة مساء ولا أحد يوقظ الأولاد صباح الأحد للذهاب إلى الكنيسة ولا قدّيسين عندهم يقيمون في الأديرة أو لهم مزارات، عدا عن أنّه لم يشهد حضورًا لرجال الإكليروس في حياته أو حياة عائلته إلاّ عند مراسم الدفن أو الإكليل. وأصدقاؤه وجيرانه وزبائنه وشركاؤه أكثرهم من المسلمين، وهم الضيوف الدائمون إلى مائدته (حلّ مكانهم الضبّاط السوريّون خلال الحرب)، فلماذا يقف في وجه سعادة أخته من أجل سبب غير منطقيّ كهذا؟
اقتنعت نجلا بهذا الكلام، فباركت الزواج والطفل الذي عندما صار رجلاً، ومصابًا بمرض القلب، ووحيدًا في أميركا في مواجهة مقتل شقيقه، صرخ سائلاً جدّته عمّا فعلته بهم.
"ماذا فعلتِ بنا يا ستّي؟" سألها وهو يستعيد رواية الشرطة عن الجريمة ويبكي أخاه القتيل وأخاه المفقود وأمّه وأباه.
أحمد مات قبل ملفينا بعدما ترك لها أربعة أولاد: ابنة واحدة وثلاثة شبّان. ولم يمض وقت على وفاته حتى لحقت به ملفينا. وكان من حسن حظّ الاثنين أن ماتا قبل أن يختبرا اختفاء ابنهما الأصغر شادي في ظروف غامضة، ومقتل ابنهما الثاني في أميركا على يد زوجته وعصابة أبيها التي تتاجر بالمخدّرات، ورحيل ابنتهما شادية إلى مصر حيث تزوّجت واستقرّت، وهجرة كمال إلى الولايات المتحدّة حيث تزوّج ابنة عمّه ثمّ طلّقها وبكى أخاه وندبه وعاش وحيدًا مريضًا بضعف قلبه الذي يذكّره بأنّه فلسطينيّ، ولو كان يشعر بأنّه لبنانيّ، ولكن عليه أن يبقى في أميركا حيث جثّة أخيه القتيل وولداه الأميركيّان.
هل كان كمال مسلمًا أم مسيحيًّا؟ لبنانيًّا أم فلسطينيًّا أم أميركيًّا؟ الولد مهما كان الأمر يطلع لأخواله بحسب الأمثال اللبنانيّة، فهل هو شبيه خاليه المسيحيّين المارونيّين البقاعيّين، أم هو ابن أحمد الفلسطينيّ الحيفاوي السنيّ البيروتيّ؟ لا يعرف. هذه هي مأساته التي لم تداوها الهجرة أو الزواج أو إنجاب أولاد سيضيعون في زحمة الحياة الأميركيّة، ولن يبقى منهم، بغضّ النظر عن جنسيّتهم أو مذهبهم، إلاّ الذكرى في تاريخ عائلة نجلا التي اعتادت أن تكتب تواريخ ميلاد أولادها على الحائط خلف الباب. وحين توفّر للمرأة بعض المال، استدعت الدهّان ليطرش البيت من آثار موقد الحطب وبابور الكاز، وهي تردّد المثل القائل: "ما عندك فرش بس عندك طرش"، ولمّا وصل الدهّان إلى حائط سجّلات نفوس العائلة، وبما أنّ أحدًا لم ينتبه وينسخ المعلومات على ورقة، اختفت تواريخ الميلاد تحت طبقة سميكة من الكلس الأبيض. وحين كان أفراد العائلة يتندّرون بالحكاية ويأسفون لأنّ الكبار منهم لا يعرفون ما هي أبراجهم، كانت روز تجيب بهدوء:
"كلّنا مولودون تحت برج التعتير".
ومع مرور الأيّام، تعلّم الجميع أن يرى في عبارة وردة نوعًا من الرؤيا والنبوءة، كأنّ تلك المرأة الصغيرة كانت تعرف ما ينتظر كلّ واحد منهم.

(أحمد)
"أنا أحمد الفلسطينيّ العربيّ السنيّ البيروتيّ. أحببت ملفينا اللبنانيّة البقاعيّة المارونيّة مذ التقيتها مع شقيقتها وردة وصديقي ناجي. وكنت أعرف أنّني سأواجه صعوبات كثيرة قبل أن يسمحوا لي بالارتباط بها. ولكنّ حبّها لي سهّل الأمر فهربت معي وتزوّجنا سريعًا. ولولا خشية شقيقها حبيب من أن تسبّب ممانعته مشاكل له في عمله مع الفلسطينيّين المسيطرين على معابر التهريب مباشرة أو بالواسطة لما وافق وأقنع الآخرين وأوّلهم والدته التي تكفّلت بأمر زوجها كما هي العادة عندهم. مسكين عمّي يوسف، لم يكن له كلمة في بيته مع أنّه كان يحبّ الكلمات الجميلة ويبحث عنها في الكتب التي يحصل عليها من هنا وهناك عدا تلك التي أحملها إليه. لم يكن الزمن زمن طائفيّة ظاهرة ومعلنة، أو ربّما أنا لأنّني فلسطينيّ كنت أشعر هكذا، فنحن لا نعير هذا الموضوع الأهميّة التي يعطيها اللبنانيّون له، في السرّ طبعًا. ولكنّ الأمور لا بدّ من أن تفضح نفسها حين يتعلّق الأمر بالزواج وانعكاسه على الأولاد. ظهر لي ذلك بوضوح بعد ولادة كمال الذي ما كانت جدّته لتستقبله في حضنها لو لم يكن ذلك يوم عمادته في الكنيسة التي تعمّدت فيها والدته. يومها وضعت الصبيّ في حضنها وقلت لها:
(سمّي على الصبي يا ستّ إم حبيب)
فأخذته وقبّلته ورسمت على وجهه وصدره علامة الصليب فصار ابني حفيدها الذكر الأوّل بعدما تأخّر أولادها الآخرون في إنجاب الصبيان. ولا أعتقد أنّها غفرت لي ذلك، مع أنّ حفلة الغداء التي تلت العمادة كانت فاخرة "تعمّدت" حماتي أن تظهر فيها براعتها في تحضير الطعام كوني أتناول الطعام عندهم للمرّة الأولى مع شقيقاتي اللواتي أردن أن يظهرن انفتاحنا وعدم تعصّبنا. ولكن هذا لا يعني أنّ الحفلة مرّت من دون لطشات، ولولا عمّي يوسف وعيون ملفينا وعقل روز الكبير كنت حملت الصبيّ وغادرت البيت لتفادي مشكلة طويلة عريضة وذلك حين قرّر نجيب أن يتحدّى أخاه في قول ردّيات زجليّة تأخذ الكثير من وقته في صياغتها. وكان الرجل قد شرب ملء رأسه عرقًا واحمّرت عيناه وثقل لسانه، فقال ما معناه إنّ الصبيّ مسيحيّ من فوق مشيرًا إلى وضع الميرون على رأسه ومسلم من تحت وهو يقصد أنّنا طهّرناه. أزعجني كلامه الذي ينقصه الذوق واللياقة والجماليّة، خصوصًا في وجود شقيقاتي، فما كان من عمّي يوسف إلاّ أن قال له:
(إذا عندك كلمة حلوة قولها وإلاّ فيك تاكل على السكت).
غضب الشاب وغادر البيت، وأراد مراد زوج سعاد أن يلحق به، فقال له عمّي يوسف:
(اتركه فقد ذهب إلى مطعم النهر ليتابع شرب العرق).
 أعتقد أنّ هذه المناسبة كانت من المرّات النادرة التي يتّخذ فيها بو حبيب موقفًا حازمًا من دون أن تتدخّل حماتي. ربّما لأنّ الأمر كان يتعلّق بنجيب لا بحبيب.  
مع الوقت تناسى الجميع جنسيّتي ومذهبي وانشغلوا في مشاكلهم التي لا تنتهي. أنا كنت أبسطها على ما أعتقد. حين انضمّ إسبر زوج كاميليا إليّ أنا وناجي، صرنا نهرب من أخبارهم بالكلام عن الكتب والموسيقى والسياسة، ونترك للنساء حلّ ما علق إن استطعن. ولكنّ ملفينا هي التي جعلتني أحتمل أخبارهم، كنت إكرامًا لعينيها أسمع وأساعد وأتدخّل كي أخفّف عنها ما سوف يلقى عليها وحدها إن لم أكن قربها. أتعبوها أولاد بو حبيب، كأن لا يكفيها ما عانته في محيط غريب كليًّا عليها وما سمعته من نصائح وتوجيهات تبدأ كلّها بعبارة:
(عندنا لا نفعل كما تفعلون أنتم)

ولم تكن ملفينا تفهم إن كان المقصود في لبنان أو في البقاع أو عند الموارنة". 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.