‏إظهار الرسائل ذات التسميات الموارنة مرّوا من هنا جزء 2. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الموارنة مرّوا من هنا جزء 2. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 أغسطس 2022

من شارل القرم إلى الموارنة الجدد

 

مرّة ثانية، وفي مرحلة توديع قسم آخر من مكتبتي الخاصّة، وضمن إطار "الفلفشة" بين الكتب التي تغادر مكانها في اتجاه مكتبة جبران خليل جبران العامّة في بشرّي، أقع على نصّ من مجموعة "الجبل الملهم" للشاعر شارل القرم وقد عرّب الكتاب وقدّم له الدكتور جميل جبر. أنقل من الصفحة 66 هذه المعاني التي إن قرأناها في ضوء الواقع المارونيّ الحالي نفهم أين كان أبناء هذه الطائفة وإلى أين انحدروا:

آه! حدّثينا خصوصًا عن العصور الرائعة

حين نعمنا على الدوام بقلب دينيّ؛

ويا لها من معجزة لا تصدّق، مع أنّها حقيقيّة،

أن نستمرّ أوفياء لله.

**

قولي لنا كيف أنّ مسيحنا جوهر النور،

اختار، لكي يتجلّى، جبلًا من جبالنا،

بعد أن أتى لإحدى أمّهاتنا،

لكي يطرد الشيطان.

**

وكيف قدّيسنا جرجس، في سفح تلالنا البحريّة

قضى على التنّين بطعنة رمح،

فأصبح الفارس المغوار الذي جعله الإنكليز

شفيع جيوشهم.

**

وكيف أبناء جبلنا، المحصورون في حدودنا،

استطاعوا، من شاطئ البحر إلى قبب السماء،

بناء الجلول الحافظة أراضينا،

وأمواتنا وعسلنا.

**

كيف امراؤنا القدامى وشيوخنا وبطاركتنا،

وقد آلمتهم العباءة وأوهنتهم المسوح،

دافعوا عن أرضنا في الوهاد

وعاشوا في قلب الصخور.

**

حدّثينا عن نسائنا الطاهرات

كيف كنّ يحملن في الأحشاء جنينًا،

وعلى الصدر طفلًا، وفي الروح

ملائكة وقدّيسين.

(انتهى الاقتباس)

لستُ هنا في معرض الحديث عن المنحى القوميّ اللبنانيّ الفينيقيّ في فكر القرم وشعره، ولا في قيمة فنّه مقارنة بشعراء كتبوا بالعربيّة أو بالفرنسيّة عن الهويّة اللبنانيّة، لكنّي أرغب في التوقّف قليلًا عند الفقرة الأخيرة من النصّ، تلك التي تشيد بالإنجاب وتفتخر به، وتربطه بالطهر والملائكة والقدّيسين، كأنّه واجب روحي أكثر ما هو جسديّ، لا بقاء لهذا الجبل الملهم إلّا به.

سأفترض أنّ هذا الكلام محصور بالموارنة الذين ينقص عددهم يومًا بعد يوم، بالموت والهجرة، وتحديد النسل، إذ تكتفي أكثر العائلات بولد أو اثنين.

هؤلاء الموارنة أنفسهم يسخرون من كثرة الولادات عند اللاجئين السوريّين، وعند الشيعة، قائلين: بالبطن ولد وع الإيد ولد... أليست هذه كلمات القرم عن العائلات المسيحيّة؟ وكيف انتقل الإنجاب من مدعاة فخر وواجب مقدّس إلى سبب للسخرية والتعالي؟

لا شكّ في أنّ الإنجاب – وهو في التقليد المسيحيّ إلى زمن ليس ببعيد هدف الزواج وغايته، مطلوب في المجتمعات الزراعيّة التي كان عليها الموارنة بهدف تأمين اليد العاملة، ولكن ألا يفترض حبّ البقاء الإكثار من الولادات كذلك، ولو انتفت الحاجة إلى اليد الزارعة القاطفة الحاصدة؟ أليس هذا ما تفعله المجتمعات المهدّدة بالانقراض؟ وكيف يتوقّع الموارنة أن يحافظوا على وجودهم، وبالتالي على الرئاسة الأولى، وهذا موسمها، إن قلّ عديدهم وخسروا أرضهم؟

الموارنة الجدد لا يعرفون شيئًا عن شارل القرم، ولا يعنيهم في شيء تاريخ لبنان أو هويّته أو مستقبله،... والكنيسة ليست في صدد تشجيع الولادات عبر المساعدات المدرسيّة على الأقلّ، واللواتي يحملن في البطن جنينًا وعلى الصدر طفلًا لسن مارونيّات ... وعلى هذا الأساس تبدو النتيجة معروفة.

الثلاثاء، 9 فبراير 2021

رسالة العيد إلى القدّيس مارون

 

عزيزي القدّيس مارون،

اسمح لي أن أهنّئك في عيدك هذه السنة، إذ قد تكون هذه السنة مميّزة في تاريخ الاحتفالات بعيدك. فأنت يا عزيزي الناسك، وربّما للمرّة الأولى منذ زمن بعيد، واحد منّا. صحيح أنّنا لم نختر، كما فعلتَ أنت، النسك والزهد والفقر، لكنّنا، ولأسباب كثيرة، منعزلون في بيوتنا، نقترب من الفقر، محاطون بالاضطهاد. صحيح أنّ صلاتنا لم تصل بعد إلى سموّ صلاتك، وعلى الأرجح لن تصل، لكنّنا بتنا نعرف، ولو قليلًا، شيئًا عن العزلة على الرغم من وسائل التواصل الموجودة بين أيدينا.

وأهنّئك ثانيًا لأن لا قداديس تقام في ذكراك، وخصوصًا تلك الاحتفالية الرسميّة التي لن يكون مرحّبًا بك فيها لو حضرت بسبب ملابسك الرثّة، وقدميك الحافيتين المشققتين. وهذه مشكلتك يا صديقي، فلا أنت من وجهاء القدّيسين ولا من صانعي العجائب. بربّك قل لي متى كانت آخر أعجوبة اجترحتها واحتلّت صفحات المواقع الاجتماعيّة والصحف؟ أنت تعرف أنّ الناس لا يؤمنون إلا بشفاءات الجسد، لذلك سبقك شربل وصار طبيب السماء، بينما أنت تغرق سنة بعد سنة في النسيان والغياب، ولا تحضر إلّا يوم عيدك، في احتفال رسميّ لا شعبيّة له.

لاحظ معي يا ناسكي الفقير كيف أن أبناء الطائفة التي صارت على اسمك ما عادوا يطلقون اسم مارون على أبنائهم الذكور، وبات اسم صديقك شربل السبّاق في هذا المجال. أتعرف لماذا، لأنّ الموارنة باتوا يؤمنون بما يرون، وأنت قديم عتيق بالكاد يعرف تاريخك نخبة من مؤرّخيهم وأساقفتهم. حتى أنّ أتباعك لم يجدوا في حياتك ما يستحقّ أن يخرج في فيلم يحكي سيرتك... فأنت لم تفعل سوى الصلاة. فهل تتخيّل فيلمًا كلّه عزلة وصلاة؟ لا إثارة فيه ولا تشويق ولا شبّاك تذاكر؟

مارون يا صديقي، بعض الموارنة صاروا شربليين، ورفقاويين، حتّى الحرديني لن ينال حظوة، فهم يريدون أطباء سريعي الفعالية، أمّا أكثرهم فتوزّع بين العونيّين والباسيليّين والجعجعيّين والفرنجيّين، يعني صارت جماعتك من محبّي الخدمات، يعني "كما تراني يا جميل أراك"، بتخدمنا منآمن فيك. وأنت بم خدمتنا؟

فلا نحن أمّة ولا قوم ولا إثنيّة ولا شعب... ولولا يوحنا مارون الذي يترافق وجوده مع كثير من علامات الاستفهام، لبقيت ناسكًا لم تصل أصداء سيرتك إلينا. فاخدمنا واشف مرضانا واحم كرسي رئاستنا لنسمّي أولادنا على اسمك. ادخل إلى أي صفّ في مدرسة تابعة لإخوتنا الشيعة واصرخ يا علي أو يا حسين، وسترى الصفّ كلّه وحدة متراصة لبّت النداء. وادخل إلى صفّ في مدرسة لإخوتنا السنّة ونادِ على محمّد، وستجد كيف لبّى أكثر من في الصفّ النداء. ألم تسمع بالمحمودات عند زياد الرحباني؟

لذلك يا مارون، أيّها السيّد الصغير بحسب ما يعنيه اسمك، عليك أن تقرّر من أنت وماذا تريد من أتباعك؟ أتريدهم نسّاكًا مزراعين كما كنت؟ حسنًا قل لهم إنّ مجد لبنان في التراب المزيّن بالزهر والشجر لا في العباءات المطرّزة، وفوق قمم الجبال لا فوق قبب الكاتدرائيّات، وفي صلابة الصخر لا في تيسنة الماعز.

في رأيي المتواضع، ولست مؤرّخة أو لاهوتيّة ولا عالمة آثار أو اجتماع ، المارونيّة رهبنة نسكيّة تكوّن مجتمعًا يساوي بين المعلّم والمتعلّم والعامل، يترك رهبانها وراهباتها ومن ينضمّ إليهم  الكراسي ليجلسوا على الأرض، فيرتقون بالحريّة كالأشجار. ويتمسّكون بالمعول والقلم ليعرفوا السكينة، ويتقاسمون الرغيف فلا يكون بينهم متخم أو جائع. وهؤلاء موجودون في كثير من الطوائف والمذاهب والأحزاب، لكنّهم لا يعرفون أنّهم موارنة على صورتك ومثالك، وربّما أكثر من الذين ولدوا موارنة.  

ملاحظة أخيرة: لا تعتب على موارنة اليوم الذين احتفوا بإعلاميّة زيّنوا بصورتها صفحاتهم، وتناقلوا كلماتها التي لا شيء جديدًا فيها، ولم يتركوا لصورتك ولو زاوية.

 

الجمعة، 7 فبراير 2020

القدّيسون الموارنة ودروس الانتماء والالتزام 2010(من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

القدّيس شربل

القدّيسة رفقا
القدّيس نعمة الله الحرديني
الطوباويّ إسطفان نعمة
لا يكفي أن يكون للموارنة عدد كبير من القدّيسين.
فحين تصير الأرض أضرحة ومزارات لا تجد من يزورها أو لا يعرف كيف يتعلّم من تجارب أوليائها وقدّيسيها، لا تبقى قيمة لعدد المكرّمين والطوبايين والقدّيسين.
فالأجساد التي لا تبلى موجودة عند مختلف الشعوب،
والصالحون المتواضعو القلب موجودون في كلّ طائفة،
ومقامات الدعاء والصلاة رافقت الإنسان مذ تفتّح وعيه على ما وراء المحسوسات.
العبرة في دروس الانتماء والالتزام: الانتماء إلى مكان والالتزام بإنسان هذا المكان. ومتّى فعل كلّ إنسان ذلك في بقعته الصغيرة صار ثمّ أمل للإنسانيّة.
لم يتعلّم الموارنة من شربل الناسك أن يسكروا بالله كما فعل، بل سكّر أكثرهم قلوبهم دونه وفهموا عزلته انعزالاً، وصمته سذاجة، ومحبسته مستشفى إلى أن يجد الأطباء علاجًا...
ولم يتّعظوا من علاقة رفقا بالألم بل استغلّ بعضهم آلام الناس للمتاجرة فسرقوا الدواء وأقفلوا أبواب المستشفيات في وجه المتألّمين، 
ولم يستفيدوا من تجربة الحرديني في المسؤوليّة والتعليم (تلميذه القدّيس شربل) بل استغلّ المسؤولون في المدارس مراكزهم للتسلّط والظلم،
ثمّ رفعوا مزارعًا اسمه إسطفان نعمة إلى مستوى التطويب ولا أرض باقية لهم وطنًا، فيه جذورُهم وإليه الانتماء.
وتطول اللائحة ولا من يتعلّم أو يقتدي...
وهم بقدر افتخارهم بقدّيسيهم يثيرون علامات استفهام وتعجّب عند سواهم من أبناء الطوائف والمذاهب الأخرى. فما بين طرفة وسؤال، يتبيّن لنا أنّ ثمّة شرخًا واضحًا في طائفتنا لا نراه واضحًا، أو لا نريد الاعتراف بأنّنا نراه، بينما يبدو لسوانا فوهة خطيرة تجرفنا، موارنةً، وتجرّ معنا الآخرين، مسيحيين وغير مسيحيين.
فحين يتساءل غير المارونيّ عن كثرة القدّيسين وكثرة الصراعات الدامية في طائفة واحدة وزمن واحد، يخجل المارونيّ ويصمت.
وحين يسأل غير المارونيّ عن غياب القدّيسين عن رهبنات أخرى أو عن العلمانيّين، يتردّد المارونيّ في الإجابة.
وحين يريد غير المارونيّ أن يعرف كم تبلغ كلفة احتفالات التطويب وكم من أمتار أرض تشتري ليبقى المارونيّ في وطنه، تمنّى المارونيّ لو تنشقّ الأرض وتبتلعه.
ومع ذلك ولذلك، لا يجد الموارنة اليوم إلاّ تعليق الآمال على هؤلاء القدّيسين والطوبايّين بعدما تعذّر الحلّ عند أهل الأرض والسياسة.

الخميس، 6 فبراير 2020

كتاب مفتوح إلى مار مارون - صحيفة النهار - الثلاثاء 8 شباط 2011 (من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)






في مرحلة تكثر فيها الكتب المفتوحة إلى الزعماء والقادة، وتتلاحق الرسائل الملغومة والمفضوحة ما بين الموالين والمعارضين، وفي أيّام تشهد تغيّرات جذريّة تذكّر بما كانت عليه الأمور منذ أكثر من 1600 عام (تفكّك وتشكيك واضطهاد وبِدع)، أحببت أن أراسلك أيّها الناسك العزيز.

لكن اسمح لي أولاً أن أنبّهك إلى أنّني سأخاطبك بغير اللغة التي ستسمعها خلال هذا الشهر الذي يبدأ بعيدك في التاسع منه أي غدًا وينتهي برفع تمثالك في عاصمة الكثلكة. ولا أكتمك، أنّ رفع الكلفة ما بيننا يغريني، فكونك سابقاً للطائفة التي تحمل اسمك جعلك تنجو من لوثة الغرور وادّعاء المعرفة والتفرّد بالرأي، ولن يزعجك أو يحطّ من قدرك أن تسمع نصيحة أو أن يشير إليك أحدهم برأي، في حين غرق أكثر أتباعك في كلّ ذلك وفي ما هو أخطر منه.
سأحدّثك أيّها الناسك اللطيف عن الحقائب، وأنت الذي عاش بلا بيت أو حقيبة أو حرّاس، لأخبرك كيف أنّ أبناء شعبك موزّعون ما بين الذين يبتاعون حقائب الهجرة وأولئك الذين يتهافتون على الحقائب الوزاريّة. وسأحدّثك، يا من زهدت بالدنيا وافترشت التراب والتحفت عباءة النسك، عن الكراسي التي يتقاتل حاملو اسمك للحصول على أعظمها وأفخمها. لكن دعني بداية أعتذر بالنيابة عن القادة الموارنة المهمومين، وأطلب منك ألاّ تؤاخذهم إن صدعوا رأسك بالطلبات والتمنيّات التي لن تكون إلاّ على مستوى الدرك الذي انحطّوا إليه. غير أنّ القليل الذي أعرفه عنك والكثير الذي أعرفه عن موارنة اليوم يسمحان لي بالاعتقاد بأنّك لن تفاجأ بصلواتهم التي تثقل كاهلك وتتعب قلبك وتؤلم روحك، وإن كان لا ألم ولا تعب ولا عبء حيث أنت.
أيّها الناسك القدّيس،
كلّ سياسيّ مارونيّ يطلب منك اليوم منصبًا رسميًّا يرضي طموح والديه ويشبع رغبات حرمه المصون ويميت المارونيّ الآخر غيظاً، وكلّ صاحب سيادة من المطارنة يراهن عليك كي توصله إلى سدّة البطريركيّة المارونيّة ليستقرّ سعيداً على كرسي إنطاكية وسائر المشرق، وكلّ كاهن يحلم بعصا المطرانيّة، وكلّ علمانيّ يأمل في أن يكون من المنعَم عليهم في العهد الجديد المنتظر في آذار. وكلّ ذلك بشفاعتك ومن أجل الطائفة التي تحمل اسمك.
غير أنّ هذا الوضع لا يعني أنّ الموارنة لم يحقّقوا إنجازات سجّلها لهم التاريخ، فهم رغم اختلافاتهم وخلافاتهم، توصّلوا، وانسجامًا مع تاريخهم في المحافظة على اللغة والتواصل، إلى وضع معجم حديث للكلمات والمصطلحات التي تعلّمها زعماء الطوائف الأخرى واستخدموها وقاسوا عليها بحسب ما تقتضيه الظروف، حتى تفوّقوا على الموارنة. وإليك بعض الأمثلة كي لا تكون غريبًا عن لغة أبنائك: الحريّة صارت تعني الانفلات الأخلاقيّ، والمأسسة تعني تأمين مصالح ذوي القربى، والكهنوت وظيفة تؤمّن الدخل المحترم للمحترم، والرهبنة أسرع طريقة للشهرة، والمدرسة شركة مساهمة في نشر الجهل، والجامعة مزراب ذهب، والدير ثكنة عسكريّة ثمّ خليّة حزبيّة ثمّ محطّة للسياحة الدينيّة، والمغتربون ورقة ضغط تستعمل عند الحاجة، ومحاكم الطلاق خلايا نحل، وتحوّل العلمانيّ من حجر بناء إلى حجر رشق وتكسير، أمّا التطوّر فانتقال من الصومعة إلى الفندق، ومن العمل في الأرض إلى المتاجرة بها، ومن الكنيسة إلى الملهى، ومن تحت السنديانة إلى الصحراء. ولن أحدّثك عن المارونيّة السياسيّة لأنّ الشيعيّة السياسيّة تخطّتها بأشواط في مجال تهميش الآخرين، والسنيّة السياسيّة سبقتها بكثير في مجال سوء الرؤيا، والدرزيّة السياسية سجّلت عليها نقاطًا كثيرة في مجال التقوقع والتقلّب، وهكذا سائر المذاهب.
غداً يا أبانا مارون يحتفل الزعماء الموارنة بعيدك، ويطلبون من الله بشفاعتك سلامًا على قياس رغبات كلّ منهم، وأن يقبل بمحبّته وحنانه الذبيحة المقدّسة التي قدّموها وأن يجعل بها:
للخطأة (هم طبعا ليسوا منهم) غفراناً، وللمرضى (الذين أهملوهم لانشغالهم بمصالحهم) شفاء، ولمنكسري القلوب (زعاماتهم لا تصل إليها أصوات الأنين) رجاء، وللحزانى (الذين تسبّبوا بفقرهم) عزاء، وللموتى (الذين قتلوهم) راحة، وللأسرى (الذين لا يجرؤون على فتح ملفّاتهم) خلاصًا، وللمسافرين (الذين هجّروهم بحروبهم) رفيقا، وللبعيدين (الذين أبعدوهم بجشعهم) مرشداً، وللقريبين (الغارقين في اليأس) حافظًا، وللحكّام المؤمنين (كلٌّ منهم يؤمن بنفسه) نصرًا.

غداً، يا صاحب العيد، لا تأت إلى العيد، فثيابك الرثّة لا تليق بالعباءات المطرّزة والبذلات الأنيقة، ولحيتك الكثّة ستسرق الأضواء عن الذقون الناعمة، ونحول جسمك سيفضح ترهّل الأجساد.
غداً أيّها السيّد الصغير لا تأت إلى العيد لأنّ مرافقي السادة الكبار لن يسمحوا لك بالدخول إلى حيث الاحتفال بك راحلاً وتاركا لهم ما يتنعّمون به ويعيشون من خيره. ولكنْ في بيتك يا مارون منازل كثيرة، وعشرة صالحون يستحقّون شفاعتك وصلاتك. فلأجل هؤلاء أنقذ الموارنة ممّا هم فيه، وعلّمهم أن يتاجروا بالوزنات التي أعطيت لكلّ منهم لا بالوطن الذي بنوه، وأن يشعلوا المصابيح وينتظروا الخلاص لا أن يحرقوا الأرض ويتخلّصوا من بعضهم بعضاً، وأن يكونوا أصحاب دور حضاريّ لا أصحاب طموح آنيّ، وأن يتحالفوا مع السماء لا مع الشيطان، وأن يفهموا النسك طريقًا للآخر وملجأ له لا انعزالا عنه وهربًا منه، وأن يعرفوا أنّ الحريّة بمعناها الحقيقيّ هي رسالتهم أينما وجدوا، وأن يفهموا أنّها لا تكون من دون ثلاثة: الشجاعة لكي تُمارَس، والمحبّة لكي لا تكون على حساب الآخر، والوعي لكي لا تكون غرائزيّة هوجاء.
فهلاّ تشفع للموارنة يا مارون ليستعيدوا المجد الذي كان لهم؟
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 8 شباط 2011



الأربعاء، 5 فبراير 2020

أين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟ (2010 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)


قطعُ الأشجار في وادي قنّوبين... اقتلاع تاريخ




* صحيفة النهار - الثلاثاء 4 أيّار 2010

     بعيداً عمّا إذا كانت المقارنة تصحّ بين الموارنة والأرمن باعتبار الاختلاف بين أن تكون المارونيّة مذهبًا لا قوميّة، وبين ما إذا كانت مسيرة الأرمن التاريخيّة محكومة بكونهم أبناء مذهب مسيحيّ أو بكونهم شعبًا لوطن له اسم وكيان وتاريخ. بعيدًا عن كلّ هذا، يمكننا أن ننظر إلى الشعبين كأقلّيتين مسيحيّتين تعرّضتا للاضطهاد أو المجازر، فتعاملت كلّ منهما مع الأمر بأساليب مختلفة، وكانت النتيجة أنّ الأرمن يحقّقون رغبتهم في الحصول على اعتراف بقضيّتهم وبالمجازر التي تعرّضوا لها ونجحوا في فرض وجودهم في دولة خاصّة بهم أو في مناصب رسميّة واجتماعيّة في الدول التي حلّوا فيها، في حين يتعرّض الموارنة لخيبة تلو أخرى. فأين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟

     1 - العامل الأوّل الذي جعل الأرمن ينجحون هو تكتّلهم في وحدة متراصة متضامنة. فعدا عن تجمّعهم في أماكن خاصّة بهم، شبه مغلقة من غير أن تكون منغلقة، حياديّة من غير أن تكون منعزلة، بقيت صلاتهم بعضهم ببعض قويّة مهما بعدت المسافات بين النازحين والمقيمين، وبين المهاجرين إلى الغرب والمتشبّثين بأرض الشرق. لذلك نراهم يتعاضدون ويتبادلون الخدمات مهما اختلفت آراؤهم في معالجة قضيّتهم الجوهريّة. وهذا ما لم يستطع الموارنة تحقيقه، فلا قضية واحدة تجمعهم، ولا تضامن بينهم، ولا صلات وصل قويّة وفاعلة بين المقيمين منهم في لبنان وبين المستقرّين في بلاد الانتشار. وفي حين يجذب الأرمنيّ سائر الأرمن الذين يعرفهم إلى حيث يعمل أو يقيم، نرى المارونيّ يهرب من الموارنة بذريعة الانفتاح ورفضًا لتهمة الانعزال، فكان الزواج من الأجانب وعدم السعي الى حمل الجنسيّة اللبنانيّة وبيع الأراضي.

     2 - العامل الثاني هو اللغة. فلقد اعتبر الشعب الأرمنيّ أنّ اللغة هي الرابط بين تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهي الجسر الآمن بينهم مهما تفرّق شملهم. وهذه اللغة تحمل حكاياتهم وأحلامهم وحضارتهم، ومن دونها لا بقاء لهم. في المقابل لا يملك المارونيّ لغة خاصّة به: فمن الآراميّة إلى السريانيّة إلى العربيّة إلى الفرنسيّة ثمّ الإنكليزيّة، تنقّل اللسان المارونيّ غير قادر على حسم أمر انتمائه. لذلك، يبدو من الطبيعيّ أن تطالب فئة من الموارنة بإعادة تدريس السريانيّة في المدارس المارونيّة لحفظ لغة الأسلاف، ويبدو من الطبيعي كذلك أن تنظر فئة مارونيّة أخرى إلى هذا الطلب متسائلة عن جدواه في وقت تكاد اللغة العربيّة نفسها تنقرض أمام هجمات اللغات الأجنبيّة أكانت غربيّة أم آتية من أقصى الشرق. ويرتبط باللغة حكمًا كلّ ما له علاقة بالتاريخ والتراث والفنون، ما يجعل الأرمني في ذلك قادرًا على استحضار ماضيه بكلّ ما فيه من خيبات وإنجازات، ويعجز المارونيّ عن تحديد هويّته الحضاريّة.

     3 - العامل الثالث هو العمل: فلقد فهم الأرمنيّ مذ طاولته يد الإجرام أن عليه أن يعلّم أولاده الناجين حبّ البقاء، في انتظار العودة إلى أرمينيا. لذلك، كان العمل هدفًا أساسًا لم يأنف الأرمني من السعي إليه مهما تدنّى مستواه أو ضؤل أجره. فعمل الشعب الأرمنيّ في كلّ المجالات، ولا يذكر أحد أنّه يعرف متسوّلاً أرمنيًّا. وهذا الإصرار على العمل بنشاط جعل الأرمن ينجحون في مجالات لا يمكن حصرها، حتى بات بعض الحرف والمهن حكرًا عليهم، وصولاً إلى مراتب عالية في الوظائف والإدارات. وهذا ما لم يفعله الموارنة الذين خرجوا من الوظائف الحكوميّة والإداريّة وتعالَوا عن الانضمام إلى الجيش وتخلّوا عن العمل في الأرض والحِرف، واكتفوا عمومًا بقطاع الخدمات حيث ينصاع الإنسان لأوامر من يدفع له أكثر، مما انعكس سلبًا على نفسيّاتهم التي صارت أسيرة مقيّدة بعدما كانت حرّة طليقة.

     فَهِم الأرمن بعد المجازر الرهيبة أنّهم ضحايا مؤامرات دوليّة وأنّهم أقليّة تعرّضت للإبادة أمام صمت العالم كلّه، ولذلك عليهم الاتّكال على قدراتهم والرهان على الوقت. أمّا الموارنة فآمنوا بأنّهم محور الأرض وأنّ سياسات الدول تبنى على قياس رغباتهم وأنّ السماء لن تتخلّى عنهم وأنّهم حاصلون على خبزهم لأكثر من يومهم ولو لم يعملوا أيّ شيء. وبنتيجة هذين الاقتناعين، تقترب المسألة الأرمنيّة من فرض نفسها في كلّ مكان وعلى كلّ الناس حتّى في تركيا نفسها وعلى المثقّفين الأتراك في الدرجة الأولى، بينما يفقد المثقّفون الموارنة الثقة يومًا بعد يوم بأهليّة زعمائهم وقادتهم الزمنيّين والروحيّين، ويجدون أنفسهم في دفاع سخيف عن قضيّة لا يعرفون ما هي في الحقيقة ولا كيف يقنعون غيرهم بها. وإن لم تكن هذه الحال نهاية الموارنة فثمّة خوف مشروع في أن تكون النهاية أقرب بكثير مما يظنّ المتعامون عن الحقائق والأرقام، والمتجاهلون واقع المجتمع.


الثلاثاء، 4 فبراير 2020

المسيحيّون اللبنانيّون بين معتقل العيب وحريّة المحبّة - 2018(من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

القدّيس مارون بريشة الفنّان مارون الحكيم


العائلات المسيحيّة، المؤسّسات المسيحيّة، المناسبات الاجتماعيّة المسيحيّة، محكومة، ما عدا استثناءات نادرة، بتلافي العيب لا بمعانقة المحبّة.
عيب أن يسمع الجيران أصواتنا، عيب ألّا ننتخب فلانًا، عيب ألّا نشارك في مأتم أو عرس، عيب ألّا يكون بيتنا على مستوى الزائرين، عيب أن تكون سيّارتنا قديمة الطراز، عيب أن يتخصّص أولادنا في المجال المهنيّ، عيب أن نرتدي الثوب نفسه مرّتين...عيب ألّا نأتي بخادمة... عيب أن أضع والدي في بيت العجزة، عيب ألّا يكون على المائدة مئة صنف من المازة، ...
عيب وشو رح يقولوا الناس، وجرصة، ومش ناقصنا حكي، استرونا،...خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح، وغيرها من العبارات والكلمات التي تفضح طبيعة قائليها وخلاصتها أنّ الخوف من كلام الناس هو الذي يدير شؤون حياتنا، فلا محبّتنا لهم تجعلنا نهتم بهم، ولا محبّتهم لنا تطمئننا إلى أحكامهم، وبالتأكيد لا علاقة لله بكل ذلك.
ولكن الكارثة هي حين تغيب المحبّة ويتغاضى الإنسان عن العيب، عند ذلك نصير على ما نحن عليه الآن: لا حدود للعهر والخبث والكذب، ولا ضوابط للأخلاق، ولا موانع تقف سدًّا أمام الفساد والشرّ.
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يكره سياسيّ مسيحيّ سياسيًّا آخر ثم يتناولان القربان المقدّس نفسه؟ أين هي المحبّة المسيحيّة حين تضرب حاملة شهادة اللاهوت أباها وتطرده من البيت، وحين يتقاتل الأشقّاء على الإرث، وحين لا يتخاطب اثنان وهما خارجان من القدّاس نفسه، وحين يغار كاهن من آخر ويحقد عليه، وحين يرتشي الموظّف ثمّ يذهب إلى الكنيسة كأنّ شيئًا لم يكن؟
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يعمّ الفساد في المستشفيات والمدارس والجامعات؟ وحين تسرق أموال الفقراء في المؤسّسات الخيريّة الإنسانيّة؟ وحين تهدر أموال الكنيسة على ما لا يضمن بقاء المسيحيّين؟ وحين يُقتل الشهداء مرّة بعد مرّة؟
أين هي المحبّة المسيحيّة، جوهر الإنجيل، والموضوع المفضّل في عظات الكهنة من كلّ ذلك؟
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت حين تلجأ إلى كاهن شاكيًا أمرًا أو طالبًا خدمة يحوّلك إلى الصليب الأحمر أو الطبيب النفسيّ أو القوى الأمنيّة؟ فهو ليس حلّال مشاكل ولا حائط مبكى! ويللي مش عاجبو مع السلامة...
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت إن نظرت إلى معلّم مسيحيّ رأيت النقمة، وإلى طبيب مسيحيّ رأيت الغرور، وإلى مهندس مسيحيّ رأيت الزعبرة، وإلى محام مسيحيّ رأيت السمسرة، وإلى قاض مسيحيّ رأيت الظلم، وإلى موظّف مسيحيّ رأيت الرشوة، وإلى مصرفيّ مسيحيّ رأيت الجشع، وإلى رجل أمن مسيحيّ رأيت الغضب، وإلى إعلاميّ مسيحيّ رأيت الزحفطونيّة، وإلى عامل مسيحيّ رأيت الكسل، وإلى طالب جامعيّ مسيحيّ رأيت طلب هجرة؟
***
لا يحتاج المسيحيّون اليوم إلى مجامع لاهوتيّة تقرّب وجهات النظر، أو مؤتمرات تأسيسيّة تدرس الهيكليّة التنظيميّة، أو حركات تصحيحيّة تبعد فلانًا وتعيد فلانًا، أو مساءلة في روما وتحقيق. وبالتأكيد لم يعودوا في حاجة إلى أحزاب وعقائد وتيّارات، بعدما أثبتت كلّها فشلها في حلّ الأزمات أو على الأقلّ إدارتها.
مسيحيّو لبنان في أمسّ الحاجة اليوم إلى لقاء روحيّ لا فضل فيه، إلّا بالتقوى، لرجال الدين على علمانيّين مشهودٍ لهم بالحريّة والشجاعة والالتزام، بهدف العودة إلى جوهر المسيحيّة؛ وإلى خلوة فلسفيّة فكريّة اجتماعيّة تنظّف المسيحيّ من أدران الحروب وتبعات الشرذمة؛ وإلى انتفاضة تأريخيّة تعيد النظر في مفاهيم البطولة والقداسة والشهادة، فتنفض الغبار عن الفكر المضطَهد وتعتذر عن الأخطاء/ الخطايا.
مسيحيّو لبنان اليوم في حاجة ماسّة اليوم إلى مؤسّسة رسوليّة جامعة تنشر الكتب وتكرّم الشعراء والروائيّين والصحافيّين، إلى رجال اقتصاد يوزّعون فرص العمل ويعالجون البطالة ويستفيدون من ممتلكات الكنيسة لما فيه خير الجميع، إلى وسائل إعلام تستضيف نساء ورجالًا يملكون مواهب وأفكارًا تحرّك المياه الراكدة في مستنقعات الحياة.
هل هو كلام طائفيّ محدود النطاق؟ لا، بل هي دعوة لطائفة أعرف تاريخها ومزاياها بقدر ما أعرف أخطاء كثيرين من مسؤوليها وأتباعها لكي ينظّف أبناؤها حياتهم الروحيّة وبيوتهم الروحيّة ومؤسّساتهم الروحيّة ليستطيعوا بعد ذلك أن يطلبوا من الآخرين أن يحذوا حذوهم، فيلتقي الجميع في بوتقة المواطنيّة.
فهذا التكوين اللبنانيّ القائم على التقويم الطائفيّ لن يحلّ أزماتِه المغرقة في التاريخ والجغرافيا زواجٌ مدنيّ، أو تحسم أموره ثورة نعلم كلّنا أنّها لن تجتمع على هدف. ولعلّنا مدعوون إلى حركة تحرّر داخليّة، تعيد ما لله لله كي نستطيع في مرحة لاحقة أن نعطي القيصر ما له.
وإلّا، وبعدما تحوّلت المحبّة تهمة سذاجة، وبعدما صار العيب موضة بائدة، على المسيحيّين أن يكفّوا عن الشكوى والنقّ، وعلى زعمائهم السياسيّين أن يخجلوا من الحديث عن بطولات وهميّة، وعلى قادتهم الروحيّين أن يتوقّفوا عن التطلّع إلى سماء لا تنحصر اهتماماتها بالهمّ المسيحيّ اللبنانيّ!  

الاثنين، 3 فبراير 2020

استقالة مارونيّة شبه جماعيّة (2018)



الموارنة – ما عدا قلّة منهم تقاوم حتّى الشهادة كي تبقى الخميرة الروحيّة والخمرة الجيّدة – مستقيلون من دورهم، دورهم الوحيد المطلوب منهم بلا حصريّة أو تقوقع: أن يكونوا جماعة نسك وحريّة وعِلم.
أساقفتهم وكهنتهم وراهباتهم مستقيلون: يريدون كلّ شي وهم يردّدون أنّهم لا يريدون شيئًا: يريدون الرسالة والوظيفة والشهادة والسفر والحياة الاجتماعيّة وتأمين العائلة فلا يجدون وقتًا لحوار لا يؤمنون مسبقًا بأنّهم منتصرون فيه. مشغولون دائمًا بألف همّ وهمّ، ما يوتّر أعصابهم ويبعدهم عن سكينة لا تستقيم حياة روحيّة من دونها. مهتمّون بأمور كثيرة والمطلوب واحد. يعطون لقيصر ما له حين يكون القيصر من حزبهم، ويقاسمونه حين لا يناسب تطلّعاتهم. مدّعو معرفة وفَهم كأنّهم وحدهم يملكون الحقيقة. لا وقت عندهم لحلّ مشكلة عائليّة، ينأون عن حاجات الناس، يحكمون كدكتاتوريّين على أساس أنّهم غير منتخبين ولا رأي للجماعة في أدائهم إن في الرعيّة أو المدرسة أو الجامعة أو المستشفى... نفّذ ثمّ اعترض ... وفي أكثر الأحيان لن تجد مجيبًا مهما اعترضت. إن بان عليك تعب أو قلق أحالوك إلى طبيب أمراض عصبيّة، إن تشاجر أخوان يوجّهونهما إلى القوى الأمنيّة، إن كنت فقيرًا وجّهوك إلى وزارة الشؤون الاجتماعيّة، إن كنت ثريًّا أجلسوك في صدور مجالسهم، إن طالبتهم بحقوقك قالوا لك: لا تكنزوا في الأرض، ولا يهمّكم ما تأكلون وتشربون، وإن زايدت عليهم في الترفّع عن الأمور الماديّة قالوا لك: القانون لا يحمي الأغبياء، وكونوا حكماء كالحيّات. على مزاجهم أنت ابن الدولة، وعلى مزاجهم أنت ابن الكنيسة. مؤسّساتهم الإعلاميّة تجذب العجزة والمرضى ولا تطلق ثورة. كنائسهم صالونات فسيحة لا هويّة واحدة لها. 
أمّهاتهم وآباؤهم مستقيلون: الفقراء ينجبون ويرمون على طرقات الغربة، والأثرياء ينجبون ويرمون في المدارس. خذوهم عنّا، هي عبارتهم الأثيرة، وردّوهم إلينا حملة شهادات. كان ينقصهم الهواتف الخلويّة، والنوادي الرياضيّة والرحلات السياحيّة ومن يؤمّن لهم الخدمة المنزليّة، كي يكتمل اغترابهم عن أولادهم وأرضهم. لغتهم هجينة، تصرّفاتهم مستوردة، صلواتهم واجب بين الترويقة والغدا... يَصِلون إلى القدّاس متأخّرين، يتأفّفون إن لم يجدوا مقعدًا يعجبهم، يستعجلون الانصراف، وفي خلال كلّ ذلك أولاد يصخبون ويلعبون والحجّة أنّ المسيح قال: دعوا الأطفال يأتون إليّ. عبارة وحيدة يحفظونها من غير فهم ومن خارج السياق. غير ملتزمين بأرض أو هويّة أو وطن، متنكّرون لتاريخهم وتراثهم وأهلهم، متسكّعون بين المتاجر، كانوا يربّون الماعز ويتخلّقون بأخلاقها العنيدة الأبيّة صاروا يربّون الكلاب ويكرّمونها وينظّفون قذارتها. أسنانهم أكثر بياضًا من قلوبهم، سيّاراتهم أكثر حداثة من أفكارهم، ملابسهم أكثر أناقة من أخلاقهم. أولادهم مدمنون، طائرون في سيّارات، مثليّون من باب التجريب والتحدّي والموضة، لا قيمة عندهم لكتاب أو شجرة أو التزام. صناعاتهم وحرفهم إلى زوال، حقولهم دائمًا مطروحة للبيع، زراعاتهم موضة بائدة قديمة، مدارسهم وجامعاتهم تجارة، فنّانوهم الأصيلون مهمّشون، والمزيّفون مغنّون في بلاطات الأثرياء، مفكّروهم منسيّون، أحرارهم مضطهدون، شهداؤهم يموتون كلّ يوم، أحلامهم هجرة، وآمالهم ثروة سريعة، وطموحهم وظيفة في دولة عربيّة غنيّة، أعراسهم ومآتمهم تجارة وثنيّة، يثرثرون أكثر ممّا يقرأون، بيوتهم من زجاج، نساؤهم من سيليكون، أطفالهم من كوكا كولا، رجالهم من تَنْبك.
وما سياسيّوهم سوى انعكاس أصيل لهذا المجتمع الهجين.
وكلّ من يرى غير ذلك متعامٍ عن الحقيقة، ينظر ولا يرى، يسمع ولا يصغي... يعيش على بقايا تاريخ من القداسة والانتصارات، يستعيدها يومًا بعد يوم، وعظة بعد عظة، لعجزه عن إحداث ثورة روحيّة فكريّة ثقافيّة حضاريّة.
والآتي أخطر...

الأحد، 2 فبراير 2020

ترانيم الآلام في الطقس المارونيّ تؤرّخ مسيرة الاضطهاد (2 شباط 2020)



    يسيطر الشجن والأسى على الترانيم والتراتيل المارونيّة السريانيّة، ولا يكفي أن يحتفل المؤمنون بالميلاد أو الفصح أو يصلّون للعذراء كي تخفّ نبرة الشكوى. فلا الترنيمة الميلاديّة "أرسل الله ابنه الوحيد" تصدح بالفرح، ولا طلبة الفصح التي تبدأ بمريم كفّي البكاء تكفي لمحو آلام الجمعة العظيمة، ولا ترنيمة "إليك الورد يا مريم" تبعدنا عن واقع مأساوي بكلمات مثل: على الأبواب أطفال/ لهم في العمر آمال/ يذوب القلب إن قالوا/ جودوا علينا/ فإنّ الجوع يضنينا...
    ومع ظهور قدّيسين جدد كشربل ورفقا والحرديني وغيرهم، نظمت لهم ترانيم وتراتيل، على ألحان تراثيّة معروفة، حزينة الإيقاع، شجيّة النغم، وكلّها تشي بحال الأسى وانتظار الخلاص وطلب المساعدة، كأنّ المسيح لمّا يأتِ بعد، ولبنان لم يكن يومًا ملجأ أمينًا.
    لذلك تبدو هذه الصلوات صوت جماعة متواضعة الثقافة لا فلسفة ولاهوت يعيقان فهمها، تصدر عن حرقة ولوعة لا عن عظمة وانتصار ولا عن مجد يُفترض أنّه للبنان وأعطي لهذه الطائفة.
     وأرى أنّ دراسة هذه الترانيم والتراتيل، بكلماتها وألحانها، وبغض النظر عن تأثيرات مشرقيّة مختلفة، أو لاتينية متنوّعة المصادر، سيوضح كيف أنّها، أي هذه الترانيم والتراتيل، إنّما هي صورة عن الواقع المارونيّ ببعده السياسيّ المأزوم دومًا، والاجتماعيّ المنطلق من بيئات زراعيّة فقيرة. ولافت كيف أن بعض الترانيم المستوردة بألحانها "تمورن" أي صار مارونيًّا، أي حزينًا، بطيء الإيقاع، مقطوع النفس، كأنّ من يؤدّيه عانى الأمرّين.
    وللدلالة على ذلك، ليس كترانيم الآلام المارونيّة العتيقة التراثيّة، بكلماتها البسيطة ولحنها الشجيّ، ما يصلح لوصف الوضع المارونيّ ماضيًا وحاضرًا وأكاد أقول مستقبلًا.
    فحين أسمع "يا شعبي وصحبي" تصل إليّ من خلال كلماتها أصوات جماعة مضطهدة تهرب في وادي قنّوبين من مغارة إلى أخرى. وإذا بحثتُ عن صوت المصلوب فيها فلا أسمعه سوى من خلال حزنه على مصير هؤلاء الناس أكثر من حزنه على مصيره.
    وحين ينطلق الصوت بعبارة "أنا الأم الحزينة"، لا تطالعني صورة مريم عند الصليب، بل لوحات للأمّهات المارونيّات يندبن، جيلًا بعد جيل، أولادهنّ المأخوذين أسرى، الممزّقين بين أحزاب وفئات ومناطق وتيّارات، الباحثين عن بلدان بعيدة عن هذه الأرض تأويهم وتحميهم...
    وحين تنادي الأمّ الحزينة "وا حبيبي"، أسمع أصداء الحزن في أجراس الكنائس، تتردّد في الأودية المهدّدة في كلّ زمن بغاصب أو مجتاح أو محتلّ... أو فاسد يبيعها أو يشوّهها!
    وحين يعلن المرنّمون أنْ "مات المسيح معذّبًا" قبل أن يقولوا "قامت مريم تندب ابنها"، تجيب الجبال بأسى: أما من نهاية لهذا الندب؟ أما من حظيرة آمنة لهذا القطيع التائه؟
    ما أعرفه عن تراتيل الآلام عند غير الموارنة – ولا أدّعي الإحاطة بها – لا تثير الشجن والحزن اللذين تنضح بهما رتبة الآلام عند الموارنة. فهل هو تاريخ هذه الطائفة يضع نقاط الدم فوق حروف المعاناة، أم هي لوعة البسطاء تفيض دمعًا في كلمات تعبّر عن سوء حظّهم بزعمائهم ورعاتهم عبر تاريخهم الطويل؟
    لقد باءت بالفشل محاولات كثيرة قامت بها الكنيسة لتجديد كلمات رتبة الآلام، والتذكير بأنّها آلام خلاصيّة تنتهي بالقيامة. وفي حين استطاعت بعض الترانيم اختراق الموروث، بقيت الذاكرة  الشعبيّة الجماعيّة حريصة على استعادة دربِ صليب مشته الطائفة مرغمة بين معابر الجغرافية ودروب التاريخ، بحثًا عن وطن لا يزال مفقودًا.
    ولكن الترانيم الجديدة كذلك لم تنجُ، لكونها لصيقة بالموسيقى المتوارثة أو مستوحاة منها، من تأثير وجعٍ يعصر القلب، ويتّخذ من موت المسيح مناسبة للتفجّع على الأحوال، وإن بكلمات شعريّة مختارة ومضمون أكثر انسجامًا مع اللاهوت.
    ولكي تكتمل صورة الفجيعة، تزدحم الكنائس بالناس. حتّى أولئك الذين يغيبون عادة عن الاحتفالات الدينيّة، يحضرون للمشاركة في مأتمٍ تَدفن فيه هذه الطائفةُ أملها بالخلاص، وترتدي النساء أثواب الحداد، اعترافًا بموت جماعة يُخشى ألّا تكون بعده قيامة.
    نعم، ثمّة حزن طاغٍ يتعارض مع أبسط شروط الإيمان بقيامة تمّت لحظة الصلب. ولكن متى وضعنا حزن هذه الترانيم في إطار الجماعة المضطَهدة عبر العصور فهمنا سبب هذا الندب والعويل والعتب والتساؤل عن مصير ظالم غير مبرَّر، يبدو فيها المسيح ناطقًا باسم جماعة تدفع ثمن انتمائها إليه.
    وأرجّح أن تبقى هذه الترانيم لصيقة بالوجدان المارونيّ لا من باب المحافظة على التراث، والتراث عرضة للزوال والتشويه، بل لأنّ الواقع يزداد مرارة، ودرب الصليب تطول وتصعب، في حين تسهل دروب الهجرة وتنفتح مشرعةً أبوابُ اليأس.

السبت، 1 فبراير 2020

الموارنة بين قنديل الكاز وبئر النفط (2014 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

من أقدم الصور لمزار السيّدة العذراء في  حريصا - لبنان


قبل وزارة الزراعة، كان الموارنة يروّضون الوعر ويحوّلون الجبال جلولًا...

قبل وزارة الصحّة، كان الموارنة يلجأون إلى الرهبان والراهبات القديّسين والقدّيسات طالبين  الشفاء...

قبل وزارة التربية، كان الموارنة يتحدّون العثمانيّين ويهرّبون إلى الشرق أوّل مطبعة، ويعلّمون الفتيات والصبيان القراءة والكتابة...

قبل وزارة العمل، كان الموارنة يعملون في المعامل والمصانع وتجارة الحرير وتجارة الكشّة...
قبل وزارة الدفاع، كان الموارنة مقاومين مقدامين...

قبل وزارة الخارجيّة كان الموارنة يتمثّلون في الخارج بالأدباء والشعراء والمفكّرين...

قبل وزارة الطاقة كان الموارنة يدرسون ويسهرون على قنديل كاز نمرو 4...

موارنة اليوم يزرعون الريح، ويتعالجون على نفقة زعيم المحلّة، ويربّون أولادهم على الحلم بالهجرة، ويأنفون العمل اليدويّ، ويشجّعون على الهجرة... 

فهل صار النفط طاقة الأمل الوحيدة في ليل فكرهم، ونحن شهود على ما أنتجته "حضارة" الذهب الأسود وملحقاته؟

موضوعات ذات صلة:

الجمعة، 31 يناير 2020

الموارنة والإعلام (2014)


رسالة أولى إلى مار مارون - عن الإعلام (1 من 9 حلقات)

     أنا المارونيّة العنيدة – وبحسب فهمي لدور الموارنة في المشرق والعالم - لا أجد وسيلة إعلام تمثّلني، ولا أرى في أيّ إعلان ما يثير اهتمامي.
     اليوم الأحد مثلًا، في نشرة أخبار LBCI، تقرير بالتفاصيل المعيبة عن تحرّش المخرج الهوليوديّ وودي آلان بابنته بالتبنّي. والداي العجوزان كانا في حال صدمة واشمئزاز، وهما يسمعان ما لا يفهمان أهميته في حياتهما اللبنانيّة المرتبطة بالتهديد بالسيّارات المفخّخة، والخوف على مصير أولادهما وأحفادهما، وشحّ المياه، وتقنين الكهرباء، وغياب ضمان الشيخوخة، وكلفة الوصفات الطبيّة لأمراضهما، وغير ذلك من أعباء الحياة.
     فكيف أشرح لوالديّ أنّ الـ LBC و MTVو OTVمحطّات تلفزيونيّة لا علاقة لها بمارونيّتهما واهتمامهما وهمومهما؟ كيف أشرح لنفسي أن لا وجه شبه بيني وبين هذه المؤسّسات التي تصرّ على أنّها ناطقة باسم المسيحيّين؟ وكيف أشرح لبنات أختي الشابّات أنّ تيلي لوميير ليست لأعمارهنّ، بل للمرضى في المستشفيات، وللعجزة في دور المسنّين، وللعاجزين عن السهر خارج المنزل أو فهم ما يجري على المحطّات الأخرى؟
     لا تمثّلني محطّات لا علاقة لها بالفكر والحريّة، ولا تمثّلني صحف لا تفتح صفحاتها إلّا للعهر السياسيّ والسمسرة والتحريض، ولا تمثّلني إذاعات تلوّث الهواء بالثرثرة العقيمة أو الوعظ المملّ.
     ولا علاقة لي بوسائل إعلام وإعلان رأسمالها سيقان، ورصيدها صدور، وموهبتها اجترار، ونقاط قوّتها نكران جميل المؤسّسين وتجاهل المثقّفين، وبضاعتها مآسي الناس وفضائح الجنس، وأهدافها غسيل الأموال والعقول، وخطّة عملها إبعاد المبدعين وتقريب مدّعي القراءة والكتابة.
     لا تمثّلني وسائل إعلام عملها التشهير والشهرة، وإثارة الغرائز الدنيا، وتشويه الجمال، والإضاءة على العهر، والتعتيم على الفكر، والترويج للصراخ والشتائم والتضارب، وإطلاق النكات البذيئة، والسخرية من كلّ شيء وأحد.
     لا تمثّلني وسائل إعلام لا لغة معروفة لها، ولا هويّة، ولا رسالة، ولا أفق، ولا بُعد نظر، ولا سياسة واضحة...
     لا تمثّلني وسائل إعلام تُعلمني بما أعرفه، وتخفي عنّي ما يجب أن أطّلع عليه...
     لا تمثّلني وسائل إعلام هي مسيحيّة قبل الظهر، وعلمانيّة بعد الظهر، وملحدة في المساء...
     لا تمثّلني وسائل إعلام تنتظر الجريمة بلهفة الحيوانات آكلة الجيف، وتلاحق الضحيّة، وتتسابق في عرض مشاهد العنف والموت...
     لا تمثّلني وسائل تمنع العقل عن الحمل، وتعقّم الخيال، وتقتل العاطفة...
     لا تمثّلني وسائل تمثّل بالمشاهد والقارئ والمستمع وتمثّل على الجميع...
    فيا أيّها الناسك مارون، يا من تاجر هؤلاء بك، واستغلّوا اسمك، وادّعوا أنّهم أبناؤك، لاحظ معي أنّهم لن يذكروك قبل الأحد المقبل، حين يحتفلون بعيدك (9 شباط) على شاشاتهم المخادعة، وفي مقالاتهم المستعادة، قبل أن يعيدوك إلى كتب التاريخ المنسي في مغارة نسكك...
وغدًا أخبرك عن التربية... 

الأربعاء، 17 يوليو 2019

شربل مش موضة وعنّايا مش مول (تمّوز 2018- من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)



عن شربل البقاعكفري:
لكم ضجيج إحتفالاتكم به وله صمت محبسته...(سمير غصن)
***
يا جماعة "المؤمنين" يللي هجمتوا الليلة ع عنّايا ت تعيّدوا مع شربل، انشالله تكونوا ع السمع وحدا منكن واعي:
زيارة شربل مش موضة ولا واجب، إنّو يعني مش مجبورين تنتعوا حالكن وتقعدوا بالعجقة ع الطريق ساعتين ت توصلوا وتزوروا خمس دقايق وبعدين تنصرفوا للعشا والأركيلة، وعنّايا مش مول يعني مش متل الـ ب  ABCفما فيكن توصلوا تتجوّلوا وتتطلّبوا وتتفلسفوا، وما فيكن تتصرّفوا بمديغوريه بطريقة وبعنّايا بطريقة، يعني هونيك ما في أراكيل ولا مخيّمات ولا غناني وهوّارة ودبكة... صحيح هودي حلوين بس مش هنّي الهدف من زيارتكن. أصلًا ببلاد العالم كلّا بتصيروا متل الشاطرين مجبورين بنمط لباس معيّن بأيّ مكان بتزوروه.
من أكتر من عشرين سنة، زرت عنّايا بمتل هالليلة، بس ما كانت الأركيلة دارجة، وكان في بوسطة جايي من دير الأحمر وفيا ختياريه، نزلوا ونصبوا خيمة ودبكوا وغنّوا بعد ما زاروا وشاركوا بالقدّاس، ومن وقتا افتكرت إنّو الجو بعدو هيك، تاري لأ، تغيّرت إشيا كتيرة، وصارت الزيارة لعند شربل مشوار وتنزيهة وسهرة وغدا أو عشا وأركيلة طبعًا.
بعدين إنت يا خواجه مبسوط بسيقانك وهالشورت يللي لابسو إنت وجايي تحجّ، ويا مدام لشو ناتعة هالكعب وجايي تعربشي ع المحبسة، ونازلة شدّ بالتنّورة، وتدفيش بالناس، إنّو فكرك شربل قاعد ناطرك، يا مدام، هوّي إمّو ما قابلا، رح يقابل حضرتك إنتي ومستعجلة ومعجوقة بالتلفون والجزدان؟
يا جماعة إذا كنتو مآمنين بقداسة شربل ما فيكن تغيّروه ليصير ع قياس العصر تبعكن، أو بتاخدوه بشروطو أو بلا كلّ هالشغلة، صحيح القدّيس بيصير برّات المكان والزمان، ولكن معليش احترمو شيبتو وحكيو وقيمتو، وشويّة لياقة واحترام باللبس والتصرّف، وما حدا أصلا جابركن ع زيارتو، بس مش الحقّ عليكن، الحقّ ع يللي متساهلين معكن ت تتساهلوا معن.
يا جماعة، شربل ابتعد عن الناس وقعد لوحدو ع رواق ت يصلّي، لوين لاحقينو إذا ما بدكن تصلّوا، اطلعوا ع بشرّي احضروا شاكيرا وما تلبسوا وانشاالله تدنقوا، اطلعوا ع بيت الدين احضروا مرتو لساركوزي والبسوا شو ما بدكن، بس معليش فيكن شوي تتضبضبوا بعنّايا وحريصا وسواهما، وياريت أصلًا في أشكال حلوة تستاهل الخطيّة، بشاعة ع الحلّ، ووقاحة وجهل وغبا...
يمكن يللي بدّن يصلّوا ما قصدوا عنّايا الليلة، هودي بيروحوا ع السكت ومن دون ضجّة، متل ما هوّي عاش، وهيك بيصلّوا معو ع رواق. أمّا إذا كنتو مفتكرين إنّو هيدي هيي شروط البقاء المسيحيّ بلبنان، وإنّو هيدا هوّي الانفتاح والنوعيّة بتكونوا كتير غلطانين، لأنّو الشرطيّات ببرمانا مش هنّي خطّ الدفاع الأوّل عن هيدا الوجود...  

الاثنين، 15 يوليو 2019

المسيحيّون اللبنانيّون بعد أربعين عامًا على حرب 1975 (2014) (من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

وادي قنّوبين

     حين انطلقت شرارة الحرب الأهليّة عام 1975، قيل إنّ فوفو ونونو (في إشارة إلى أنّ الشابّ المسيحيّ مدلّل غنّوج) لن يقفا في وجه الفلسطينيّين والأحزاب الوطنيّة... لكنّ فوفو ونونو فاجأا العالم، وجعلا الحربَ تطول، والمسيحيّين يصمدون.
     لكنْ... لكن في تلك المرحلة لم تكن الأركيلةُ سيّدةَ الساحات، ولم تكن المساعِداتُ الأسيويّاتُ يجمعن الغسيل الوسخ عن الأرض، ولم تكن المخدّراتُ مخدّاتِ الأحلام السعيدة وصولًا إلى الموت السريع، ولم يكن الشذوذ الجنسيّ موضة، ولم تكن النكات السمجة والبذيئة آخرَ صيحة في عالم الحوار وعِلم الكلام، ولم تكنِ الأمّهاتُ رائداتِ نوادي الرياضة والتدليك...
     في تلك المرحلة،
     قبل جينز البطريرك الراعي، وأغنيات الأب فادي تابت، وفضائح الرهبان الجنسيّة والماليّة، كان نسك الأودية والقمم ينجبُ ثورةَ المطران الأحمر غريغوار حدّاد وفلسفة المستقيم الرأي شارل مالك وفكرَ العالِم يواكيم مبارك وشعرَ اللاهوتيّ ميشال الحايك... وقداسة الشهداء.
     في تلك المرحلة،
     قبل إطلالات ميشال الحايك ومايك فغالي وليلى عبد اللطيف ومالك مكتبي وديمة صادق ومريم نور وتيتا لطيفة وأرزة الشدياق وماريو باسيل وجو معلوف وفادي وكارين ومايا دياب ومريم كلينك عبر شاشات محسوبة على المسيحيّين، كانت برامج فؤاد افرام البستاني وإيلي صليبي وعادل مالك وجان فيّاض وجان كلود بولس وكميل منسّى ورياض شرارة ونجيب حنكش وميشال معيكي ومي منسّى وشارلوت وازن الخوري وجاندارك فيّاض ونهى الخطيب سعادة وكابي لطيف، تؤنسُ ليلَ الناس وتنيرُ عقولهم...
     في تلك المرحلة،
     قبل "جسد" جمانة حدّاد (العلمانيّة الملحدة) كان (ت) هناك "شعر" أنسي الحاج (عاشق القدّيسة ريتا ومترجم نشيد الأناشيد) ويوسف الخال (مترجم الكتاب المقدّس)، وقبل متسوّلي شارع الحمرا كان هناك صحافيّون حوّلوا المقاهي منابرَ، وشعراءُ حوّلوا الأرصفة قصائدَ، وقبل حجابٍ يُخفي الوجوه كانت تنّورة "الميني جوب" تكشف الساقين ...
     في تلك المرحلة،
     قبل جبران باسيل وستريدا جعجع وميشال فرعون ونقولا فتّوش، كان الأخوان رحباني وزكي ناصيف ووليد غلمية وروميو لحّود يبنون لنا وطنًا شامخًا، ذكيًّا، عفيفًا، هادئًا،...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يصيرَ خروجُ التلامذة للنزهة تحت الأشجار نشاطًا تربويًّا تفتخر المدرسة بإنجازه، كان المسيحيّون يتبادلون قصص التدريس تحت سنديانات عتيقة تنشر فيئَها على كنائسَ تحضن العِلم... وكنّا مقتنعين بأنّنا معلّمو معلّمي العالم، كما أقنعنا أنطون سعادة وسعيد عقل، لا تلامذة أغبياء أمام مفتّش تربويّ من أميركا (أميركا نفسِها التي تفتّت بلادنا) أو فرنسا (فرنسا نفسِها التي استعمرتنا) نرجوه كي يزور مدارسَنا، ليعلّمنا كيف نعلّم...
     في تلك المرحلة،
     قبل أن يأسرَ المسيحيّون أنفسَهم بين نفقَي نهر الكلب وشكّا، كانت بعلبّك قِبلة مهرجاناتٍ أنشأتها السيّدة الأولى زلفا شمعون، وكانت صيدا حكايةً من حكايات سعيد عقل، وكانت صورُ أميرةُ البحار جرنَ معموديّةٍ خرجت منه أليسار، وكانت طرابلس عاصمةَ الشمال حيث القلب، لا عاصفةً تحمل غبارَ التعصّب وتذروه في عيون الإنسانيّة...
     في تلك المرحلة،
     وقبل أرحامٍ على صورة سوبرماركت أطفال، كانتِ النساء يُنجبن رجالًا وأخواتِ رجال، وقبل أثداءَ تشرئبُّ بالسيليكون، كانت الصدور تدرّ حليبًا صافيًا، وقبل رؤوس محشوّة بسخافات التلفزيون وترّهات التحاليل السياسيّة عبر تويتر وواتس آب، كانت العقولُ تحلّق بحثًا عن المعرفة...
     في تلك المرحلة، كان فوفو ونونو وأترابُهما أطفالًا عندهم جدّاتٌ يُحكنَ الكنزات ويحكين القصص لا جدّاتٌ مدمنات فيسبوك، وكان عندهم أجدادٌ يزرعون الوعر، لا أجدادٌ يزرعون الطرقاتِ جيئة وذهابًا من الضجر، وكان عندهم آباء وأمّهات يجلسون قربهم عند الصلاة والدرس لا آباء وأمّهات غارقون في قضايا الخيانة والطلاق وتحديد نسب كلّ ولد من الأولاد...
     في تلك المرحلة، فاجأ فوفو ونونو العالم بصمودِهما...
    أمّا اليوم، فرجاءً لا تضعوا في رأسيهما أنّ الحربَ لعبةٌ سهلة، وأنّ البندقيّةَ خفيفةُ الحمل، وأنّ لبنانَ وطنُ الرسالة، بل حمِّلوهما جوازَي سفر (الشهادة المدرسيّة والجامعيّة أمر بسيط)، ليرحلا إلى بلد آمن، أو على الأقل أقنعوهما بأنّ هذا الوطن لا يشبه في شيء ما كان عليه منذ أربعين عامًا... وأنّنا - ما لم نُطلقْ ثورة روحيّة تربويّة اجتماعيّة فكريّة ثقافيّة -  لن "نبقى هون مهما العالم قالوا"... وأنّ لبنان مش "راجع يتعمّر" على قياس لبنانَ أجدادهم، وأنّ الوقوف على أطلالِ "مجد لبنان أعطي له" يتطلّبُ رِجلين ثابتتين على أرض صلبة... لا جناحَي طائرة تحمل الراعي وخرافَه بعيدًا عن مزارات شربل ورفقا والحرديني... ومتاحفِ جبران ونعيمة والريحاني... وأرزات بشرّي وجاج الباروك...

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.