‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابي نساء بلا أسماء (2008). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابي نساء بلا أسماء (2008). إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 مارس 2024

فوق حافّة الوجود (من كتابي نساء بلا أسماء 2008)


     كنت اثنتين. ولكنّ أحدًا لم يصدّق. وبقيت اثنتين حتّى اللحظة الأخيرة. ولم يقبل أحد، أصرّ الجميع على اعتباري أقلّ من واحدة.

    عندما اسودّت الدنيا في نظري، هذا ما سمعتم يقولونه في وصف حالتي، فهمت أنّّ الآخرين يرفضون أن يروا ما أرى، لذلك نقلوني إلى المصحّ، لعلّني أرى ما يرونه. لكنّ المكان الذي أُخذت إليه زادني اقتناعًا بأنّ الطريقة التي أتعامل بها مع الوضع هي الأكثر أمانًا والأكثر وعيًا. 

    وحين دخلت في الصمت الضبابيّ وجدت متعة في النظر إلى العالم والناس من خلال حجاب رقيق، خيوطه الدهشة المكبوتة والقبول القانع. ولكنّ أحدًا لم ير ذلك، كأنّ ما يقف بيني وبينهم يسمح لي بالرؤية من جهة واحدة، في حين كانوا يتخبّطون في سعيهم إلى الإدراك والتحليل بلا أدنى نجاح. 

    لذا لم بفهم أحد كيف انتقلت من الصراخ الأحمر إلى الصمت الأصفر. أنا نفسي لم أفهم كيف استطعت إقناعها بأنّي بتّ عاجزة عن تحمّل نوبات صراخها وانفعالها، وبأنّ خوفها من الليل، واختباءها تحت السرير حين تظنّ أنّ خطرًا يهدّدها لن يجديا نفعًا، بل إنّها تلهيني في الحقيقة عن أمور كثيرة يجب أن أفكّر فيها، وأحلام يجب أن أحقّقها. 

    وهكذا أمضيت الليالي وأنا أحتضن رعبها، وأغنّي لتوتّرها كما كانت أمّي تغنّي لها، لعلّها تهدأ وتنام. وحين توصّلت بعد أعوام إلى إشراكها في لعبة الصمت، لم يعترف لي أحد بالنجاح، وظنّ الجميع أنّ الأدوية الملوّنة والصدمات الكهربائية فعلت فعلها أخيرًا.

    أعوام الصمت لم تكن كلّها صمتًا. كانت تفلت منّي أحيانًا ابتسامات أحار أنا نفسي في فهم أسبابها، ولكنّها كانت تمرينًا جيّدًا لوجهي المتيّبس من انحسار الحنان بعد رحيل أمّي.

    عندما ماتت تلك المرأة التي لا أذكرها إلّا منكسرة النفس، اكتشفت أنّني سأشتاق إلى البيت الذي لن أعود إلى زيارته. كأنّ أمّي هي بوّابة البيت. وبغيابها النهائيّ لم يبق ممكنًا الدخول إلى الغرف الأنيقة والسرير الدافئ، واستنشاق العطر الذي لا يوجد إلّا حيث تكون. وحين كنت أزور البيت في مناسبات متباعدة كنت أتزوّد الألوان والروائح وملمس الأشياء. وهناك في المصحّ حيث كلّ شيء أبيض مريض، ورائحة النظافة تحاول أن تلغي خصوصيّة كلّ واحد منّا، كنت أنعزل وأستعيد ألوان المقاعد المتعبة، ورائحة الأغطية الحنون، وخشونة الجدران العتيقة، وأشعر بأنّ أمّي هي الوحيدة التي فهمت صمتي ودخلت فيه من دون أن تزعجه.

    يوم ماتت أمّي كانت جميلة وحزينة. أعرف ذلك ولو لم أشهد عليه. أعرفه كما عرفت أنّها ماتت من غير أن يخبرني أحد أو أسأل أحدًا. ويوم متّ أنا كنت بشعة وغريبة. ولكن ما يعزّيني هوأنّي لم أكن أنا. وحين كنت أنظر إلى النعش البنيّ الذي سُجّيت فيه، في انتظار وصول أفراد قلائل من الذين تذكّروا وجودي، كنت أراقب وجهًا غريبًا لم أعتده طيلة عشرين عامًا من إقامتي في المصحّ. إقامة؟ لا أعرف لماذا أستعمل هذه الكلمة وكأنّي كنت أنزل في فندق فخم لا رغبة لي في مغادرته. لم أكن أملك في الحقيقة أدنى رغبة في الخروج من المصحّ الذي لا يشبه الفندق. فهو مكان كسواه. كنت أريد الخروج منها هي. لقد تعبت من الاهتمام بها.

    في البداية لم يعنني المكان إلى الحدّ الذي كان يظنّه الذين حولي. لا لأنّي لم أعِ وجودي فيه، وما يحوطني من مآس وأمراض نفسيّة كانت تبكيني على أصحابها. بل لأنّي كنت أعتبر أنّ مروري من هنا لن يطول وسأغادر قريبًا هذا المكان الذي لم يستطع أحد أن يحزر سبب دخولي إليه. لا. هذه ليست الحقيقة. أمّي كانت تعلم، وأنا كنت أعلم، والأخرى التي أقيم في جسدها كانت تعلم. ولكننا صمتنا ولم نخبر أحدًا، وقبلنا الإقامة في هذا المكان في انتظار أن يصدّق الآخرون، كما صدّقت أمّي أنّي اثنتان. وأنّ هذا الأمر طبيعيّ جدًّا، ولشدّة ما هو طبيعيّ اعتبره الجميع، ما عدا أمّي، غير طبيعيّ ومرفوضًا.

    في البداية لم يعنني المكان، ولا الزمان الذي يتجمّد لحظة يعبر الحيطان المرفوعة. ولم أخف فعلًا إلّا حين فقدت القدرة على استعادة الألوان التي بهتت في ذاكرتي، والرائحة التي لم تكن لتعود إليّ إلّا في الحلم. ومنذ ذلك الوقت وأنا أنتظر.

    كنت سعيدة في الكنيسة الخالية إلّا من وجوه حائرة بين التأثّر واللامبالاة، والباردة لولا جمرة تحاول أن تغفو فتوقظها حبيبات من البخور تعيد إلى ذاكرتي المتعبة رائحة البيت حين كانت أمّي تحاول أن تطرد عنّي الأرواح التي تريد احتلال عقلي وجسدي، قبل أن تصدّق أن لا علاقة للأرواح الخبيثة بالأفكار التي تضجّ في رأسي والمشاعر التي تصطرع في قلبي، والتي لم يكن الزمن الذي عشت فيه زمنها، ولا المكان مكانها. فرضخت أمّي ورضيت بالأخرى التي أقيم فيها وصارت تستقبلها كما تستقبلني، كأنّها تحاول استرضاءها خوفًا عليّ منها, وتعلّمت مع الوقت كيف تحبّها كأنّها ابنتها. 

    ولو كانت اليوم في وداعها لوضعت على نعشها زهرة. ولكانت الزهرة الوحيدة.

    كنت أقف شابّة جديدة وحرّة، وكانت الأخرى في الجسد الذي أغلق عليه النعش عجوزًا أتعبها الصراخ المحنوق وشوّهها الزمن البطيء. ومرّة أخرى عجزت عن أن أثبت لهم أّنّنا اثنتان، ولا علاقة لي بها سوى أنّي محكومة بالإقامة في جسمها العاجز. مرّة أخرى رحلت إلى المكان الأبيض ولم أجد الكلمات الواضحة. مرّة أخرى خانتني، هي، وانتقمت منّي. فجسدها البارد الآن لن يسمح لي ولو بابتسامة باهتة بلهاء على وجه متيبّس، يشتاق إلى قبلات تساقطت عن شجرة العمر مع رحيل أمّي. أمّي التي لم أعرف أحيانًا من كانت تقبّل فينا.

    لم يجد الكاهن ما يقوله في عظته. أنا نفسي لم أجد طيلة حياتي الكلمات التي تستطيع حمل ما أشتهي قوله. الآخرون الحاضرون كانوا على عجلة من أمره. أنا نفسي كم استعجلت الخروج من الأبيض الضبابيّ وها هو أبيض الساتان الرخيص ينتظرني. السرير في المصحّ متلهّف لاستقبال سواي. أنا نفسي كنت أرغب في الرحيل، في النسيان، في منح الذاكرة أخيرًا متعة الكسل والتثاؤب بلا تفكير، بلا تحليل، بلا انتظار.

    الشمعة في زاوية الكنيسة ترقص رقصتها الأخيرة. في استطاعتي الآن أن أمشي صوبها. منذ زمن بعيد لم أحتفل بعيد ميلادي. هل كنّا عهدذاك نحتفل بأعياد ميلادنا أم هي ذاكرتي تختلط عليها الأمور؟ انحنيت على الشمعة الهزيلة. أغمضت عينيّ وفكّرت في أمنية. جمعت الهواء في رئتيّ. نفخت في قوّّة ادّخرتها طيلة تلك الأعوام. انطفأت الشمعة. وفي الظلام الذي حلّ فجأة شعرتُ بتعب شديد، وأردت أن أنام إلى جانبها في النعش البسيط. رغبت في أن أغفو وأنا أحتضن كهولتها المستسلمة، ولكنّ الرجال أسرعوا في حملها وغادروا.

    مسكينة أمّي.

     

الأحد، 28 أغسطس 2022

نهاية حوار




تذكرُ جيّدًا تلك العشيّة من شهر أيلول. يجلسان إلى جانب الطريق التي لا يمرّ عليها إلّا العاشقون أمثالهما.

تجلس أمامه على حافّة الساقية التي تمرّ إلى جانب الطريق، يجلس وراءها.

تلقي رأسها على صدره. يلفّ ذراعيه حول خصرها وينظران في الوقت نفسه إلى غيمة، ويحاولان أن يتّفقا على شكل لها.

هواء بارد يدفعها إلى الغرق في حضنه، ويدفع الغيمة إلى الابتعاد عن الشجرة.

قالت: أنت الغيمة.

لم يجب.

تابعت: سيدفعك الهواء إلى الرحيل.

لم يجب.

قالت بعد قليل: أنا هذه الشجرة.

سألها: هل أنت عتيقة مثلها؟

هي: ربّما أكثر.

هو: ستبقين في مكانك إذًا؟

هي: على الشجرة أن تبقى في مكانها. أمور كثيرة تتعلّق بوجودها في مكانها. سيضيع كثر من دونها.

هو: العصافير؟

هي: العصافير والصيّادون... والتراب.

هو: وأنا؟

هي: أنت غيمة تحمل المطر.

هو: ألن تحتاجي إلى مطري؟

هي: فلنسأل الهواء إن كان يسمح بذلك!

هو: وإن حملني بعيدًا؟ هل يكون لك غيمة غيري؟

هي: على الشجرة أن تشرب، وعلى الغيمة أن تهب ماءها.

هو: كنّا نبدو متلاصقَين قبل هبوب الريح. والأوراق الصغيرة بدت مطمئنّة في قلب الغيمة.

هي: لو جلسنا في مكان آخر لما رأينا أوراق الشجرة تلجأ إلى قلب الشجرة، ولما حضنت الغيمة رأس الشجرة. يبدو اللقاء وهميًّا إلى أقصى الحدود.

هو: لماذا تحبّين التراب فتنغرسي فيه عميقًا؟

هي: لماذا تحبّ السماء فتحلّق فيها عاليًا؟

هو: ألن يكون لنا لقاء؟

هي: من يدري؟

هو: لنغيّر الموضوع. المشهد مؤلم والهواء يأخذ الغيمة ويكاد يبدّدها.

هي: ويتلاعب بأغصان الشجرة... بدأتُ أشعر بالبرد.

هو: يبدو أنّ الشتاء سيكون قاسيًا.

هي: لن نستطيع أن نأتي كثيرًا إلى هذا المكان.

هو: من يدري متى نعود.

هي: لم يأت غيرنا الليلة.

هو: غيرنا وجد مكانًا آمنًا ودافئًا.

هي: أتمنّى أن نأتي إلى هنا ولو صار لنا مكان آمن ودافئ.

هو: لماذا اخترت أن تكوني شجرة؟

هي: يطمئنني أن يكون لي وطن.

هو: أنا لا أهتمّ.

هي: كالغيمة، لا تطيق البقاء في مكان واحد.

هو: للشجرة صورة لا تتغيّر.

هي: أمّا الغيمة فنسمة واحدة تغيّر شكلها.

هو: كأنْ لا شيء يجمعنا.

هي: مزاجيّة الريح وهذا المكان كوّنا الصورة.

هو: قصّتنا وهم إذًا.

هي: متى ترحل؟

هو: كيف عرفت؟

هي: تحدس الأشجار بمواسم الريح والرحيل عندما تفقد أوّل ورقة من أوراقها.

هو: قد أعود.

هي: ومتى كانت الغيمة تعرف مصيرها. حبّات مائها ستتوزّع، وعندما تلتقي الحبيبات من جديد، تتكوّن غيمة أخرى لا أعرفها.

هو: أتريدين أن أبقى.

هي: ومتى كانت الشجرة تقرّر مصير الغيمة. عندما تهبّ الريح ستغادر الغيمات أماكنها وتبقى الأشجار وحيدة.

هو: سأُنزل إذًا حبّات مطري وأغسل أوراقك، وأسقي جذورك وأمتدّ في شرايينك.

هي: ومتى كانت الغيمة تقرّر موعد تناثرها. لم يأت الأوان بعد، ولم يحن موعد المطر. ستنزل حبّات مطرك لتغسل أوراق شجرة أخرى، وتسقي جذورها وتمتدّ في شرايينها.

هو: وأنتِ؟

هي: أنا هنا. لن أختار غيمتي، كما أنّك لن تختار شجرتك. الريح تقرّر. وما دمتُ قد اخترت أن أكون شجرة، وأنت اخترت أن تكون غيمة، فعلينا أن نقبل قرار الريح.

هو: أشعر الآن بحزن شديد.

هي: لأنّك اكتشفت أنّ ما كنت تظنّه حريّة صار وهمًا، وقرار رحيلك ليس قرارك.

هو: هي الريح إذًا.

هي: نعم، إنّها الريح. تدفعني إلى الغرق بين ذراعيك، وتدفع الغيمة بعيدًا عن الشجرة.

هو: أتصدّقين أنّني أحبّك؟

هي: أصدّق أنّك عاجز عن مقاومة الرغبة في الرحيل.

هو: وأنتِ؟

هي: أنا؟ ماذا؟

هو: أما زلت تحبّينني؟

هي: لا أعرف.

هو: لا تعرفين؟

هي: لا أعرف إن كان حبًّا أن ترغب أغصاني في أن ترتفع لتحضن الغيمة، وأن ترغب جذوري في أن تمتدّ إلى حيث تسقط أوّل قطرة من مائها. ولكنّ الشجرة تعرف أنّ الريح أقوى من ارتفاع غصونها وامتداد جذورها.

هو: ليتنا لم نأت إلى هنا!

هي: ولماذا نهرب من الريح والصور؟ وإلى متى نؤجّل ليلة الوداع؟

هو: أنا لن أرحل الآن؟

هي: مذ عرفتك وأنا أنتظر ليلة رحيلك. كلّ الناس ينتظرون عودة المسافرين وأنا أنتظر سفر القريبين. قد أرتاح عندذاك من هذا الانتظار الثقيل.

هو: أتتمنين أن أرحل؟

هي: صرت أتمنّى أن أنتظر عودتك. أتعبني انتظار رحيلك... ولكنّي... أعرف أنّك لن ترجع كما أعرف أنّني سأنتظر.

هو: لأنّك شجرة؟

هي: ولأنّك غيمة.

هو: غاب النهار. هل نعود؟

هي: هل تقبّلني قبل أن تشتدّ الريح؟

هو: هل تصلّين لي كما كنت تفعلين؟

هي: سأصلّي أكثر... كي لا يأتي يوم تبكي فيه الغيمة كونها غيمة.

الجمعة، 29 يوليو 2022

أفعال ناقصة (من مجموعتي القصصيّة: نساء بلا أسماء - 2008)



اللوحة للفنان وليد عبيد
رسالة اعتذار

من الماء يخرج كلّ حيّ، وعندما يخرج الماء من الحيّ لا يبقى الحيّ حيًّا. يموت. تنطفئ فيه النار.
غريب! تخرج الماء من النار، فتخمد النار وتذوي. أليس مفترضًا أن تدخل المياه على النار حتّى تنطفئ النار؟
من البركان عادة تخرج المياه والنيران معًا. هو لم يكن بركانًا. كان مضطربًا وحارًّا. لكنّها لم تنظر إلى ما يجري، ولو لمرّة، على أنّه انفجار بركان. أيكون زلزالًا؟ لا. الزلزال يغيّر معالم الأشياء، ويبدّل صورها، ويخلق عوالم جديدة. هل يكون الأمر مجرّد هزّة أرضيّة في أدنى سلّم المقاييس، فينفجر قسطل مياه هنا، ويتصدّع بناء قديم هناك، ثمّ تعود الأمور إلى طبيعتها؟ ربّما.
هي. كانت بناء قديمًا. هذا أمر تعرفه جيّدًا.
كانت المياه تخرج منه، فيتعب ويغيب، ويكره أن تلامسه أصابعها، أو تحضنه ذراعاها.
يبتعد فجأة، يلبس الشورت والتي شيرت – لا وقت كافيًا للاغتسال – ويخفي عاره. كأنّ العار أن تراه وقد سالت ماؤه وخفّ وهج رجولته واختفت نيرانه.
يمدّ رجليه على الطاولة التي أمام الكنبة.
يحبّ أن يلتقيا على الكنبة. يقول.
يبعد ناظريه عنها. يتناول الريموت كونترول ويضيء التلفزيون. يكفي أن يكون هو قد انطفأ. تفكّر. ينظر ولا يرى. عيناه غائبتان. شفتاه ملتصقتان إحداهما بالأخرى، لا بشفتيها اللتين انتهت وظيفتهما بقبلة واحدة لدى استقبالها.
يتعب كثيرًا. يتثاءب. يتوجّه إلى المطبخ متمهّلًا كي لا يصطدم بشيء. يأتي بقنينة مياه باردة. بعد أن يشرب، ينتبه. يسألها إن كانت تريد أن تشرب. تشكره ولا تشرب. يترك القنينة على الطاولة فترشح ماء على الخشب. ينظر إلى شاشة هاتفه الخلويّ ليرى إن كان أحد قد اتّصل به. الهاتف كان مخنوق الصوت لئلّا يلهيه. التلفزيون صامت كذلك. تحاول أن تحدّثه، لا يجيب، يرفع صوت الهاتف. يشكو من تعب شديد. يقول إنّه سيرى الطبيب. لا يجوز أن يتعب شاب في عمره من مرّة واحدة.
بالطبع لن يرى الطبيب. يطلب منها أن تتّصل بسيّارة تاكسي لتنقلها إلى منزلها. إذا نامت عنده لن يغفو عميقًا ولديه باكرًا عمل مهمّ. وتعبه لا يسمح له بقيادة السيّارة. يعتذر. يسألها إذا كانت تسامحه. تجيب: بالطبع. تحاول أن تقبّله قبل أن تصل السيّارة. يسبقها ويدير لها خدّه، ثمّ يغلق الباب على مهل.
في الطريق إلى المنزل، تستعيد بداية المشهد.
تسترجع في ذاكرتها وجسدها تفاصيل اللقاء الذي تنتظره دائمًا. تتذكّر كيف كلّمها على التلفون بصوت حنون وملحّ. كان مشتاقًا ومثارًا على نحو مثير. لم تستطع أن ترفض. ألغت كلّ شيء وذهبت. هي التي تقسم بعد كلّ لقاء أنّها لن تذهب إليه ولو ركع عند قدميها. وكانت تعرف أنّه لن يركع.
ذهبت لأنّها تعرف أنّه لن يركع.
ذهبت لأنّها تخاف أن يذهب هو. تخاف من رفضها له أكثر ممّا تخاف من رفضه لها، لأنّ رفضها بالنسبة إليه يعني كبرياء وعنادًا لا يقبل بهما، في حين أنّ لرفضه أسبابًا أخرى كالعمل والتعب والمواعيد. وردّ فعله على رفضها سيكون عنيفًا. وصارت تعرف أنّها وصلت إلى مرحلة من حياتها لا تسمح لها بتحمّل هذا العنف، فتهرب منه إلى اللامبالاة.
استقبلها على الباب عاريًا. كان مستعدًّا. هو دائم مستعدّ. مستعدّ ومستعجل. لم يترك لها الفرصة لإلقاء التحيّة أو لوضع حقيبة يدها على كرسيّ تعرف أنّها موجودة دائمًا قرب الباب. وقعت الحقيبة على الأرض. لم تحسن التقدير. اعتقدت أنّ الكرسي أقرب ممّا هي عليه.
المكان غارق في الظلمة، وأضواء المنازل المواجهة هي التي تجعلهما يكتشفان موقعهما. لم يضئ النور، فتذكّرت الأفلام التي تدمن مشاهدتها، وكيف كانت اليد تمتدّ في هدوء لتطفئ ضوءًا صارخًا في زاوية الغرفة. ولكنّها كانت تأتي في العتمة وتبقى في العتمة وتذهب في العتمة. وكان ممكنًا أن تكون واحدة أخرى سواها دخلت ثمّ خرجت.
تعجبها فكرة أن ترسل واحدة أخرى لتلعب دورها. تعلّمها كلّ الخطوات، تخبرها أدقّ التفاصيل، وتضع لها العطر نفسه. هل سيكتشف يومًا من هي المرأة التي معه؟ تتذكّر أنّها قرأت مرّة أنّ الأزواج الذين أمضوا أعوامًا طويلة من العمر معًا من دون أن يفترقوا، لا يعرفون تفاصيل معيّنة ومهمّة عن شركاء حياتهم.
ولكنّ فكرة واحدة تقذف بها إلى الواقع: ماذا لو بقيت تلك الأخرى مكانها. الأخرى، وبما أنّها ستكون شخصين في الوقت نفسه ستقوم بضعف ما تقوم به هي وحدها. تشعر بخوف وتطرد الفكرة وتتذكّر من جديد:
مشى بها إلى الكنبة وهو يتكلّم. المياه هي التي تتكلّم وشفتاه عاجزتان عن اللحاق بسرعة تدفّق المياه من مجاريها الجوفيّة. كان يقول شوقه وحاجته. يحكي عن رغبته وحبّه. هي جميلة. هي الأجمل. هي الأكثر إثارة. هي لا تصلح إلّا للحبّ، قال. فتألّمت.
كانت المياه تغلي، والبخار يتصاعد، وعليها أن تساعده على إخراج المياه قبل أن تحرق داخله. توسّل إليها أن تفعل. وأخبرها كم اشتاق إلى يديها تداعبان جسده.
استسلم كهرّ بعد الشبع، ارتمى على الكنبة، أغمض عينيه ووضع يديه خلف رأسه.
تعرف ماذا عليها أن تفعل. حفظت الأمثولة منذ زمن. هو أستاذها وستنجح في الامتحان.
تملك مفاتيح جسده، وتعرف المفتاح لكلّ باب. وتعرف متى تقرع قبل الدخول ومتى تقتحم الأبواب بلا استئذان، ومتى تخرج ليغلق الباب وراءها. تحفظ غيبًا قاموس هذه اللغة، تتلو أفعالها كمن يتلو صلاة مسائيّة، وتردّد مفرداتها في هدوء وحذر كأنّها تتلفّظ بكلماتها الأولى.
... وكان يغيب.
كانت تعرفه، وكان يعرف أنّها تعرفه جيّدًا. وهذا ما كان يطمئنه، ويرضي صمته وسكوته الدائمين. دائمان؟ إلّا حين تضطرب المياه في باطن الجبل منتظرة لحظة التفجّر سيلًا لا يرغب إلّا في مجرى، أيّ مجرى في أيّ أرض. وكانت حاضرة. هي التي تعرف. هي التي ترضى. هي التي تنتظر. هي التي تقول إنّ الأرض لا تملك قرار ريّها. وهي لا تستطيع إلّا أن تكون أرضًا منتظرة.
الطريق إلى بيتها قصير. طلبت من سائق التاكسي أن يقوم بجولة أخرى في الطرقات الخالية من السيّارات.
هو ينتظر الآن اتّصالها الهاتفيّ لتسأله إن كان سعيدًا بلقائهما، إن كان مرتاحًا، إن كان يرغب في رؤيتها غدًا. وإذا عادت إلى منزلها الآن فستتصل حتمًا، ولن تستطيع إلّا أن تتّصل. وهي تريد الليلة أن تمنع نفسها عن سماع البرودة التي ستلسعها عبر أسلاك الهاتف، البرودة التي تأتي بعد انطفاء النار، وتؤذي أكثر. وشكرت عجزها عن شراء هاتف نقّال.
صوت المطر على زجاج السيّارة يخدّر أعصابها، وذكريات الساعة الماضية ساهمت في ارتخائها على المقعد الخلفيّ. تغمض عينيها، على عكس ما تفعله حين تكون معه: دائمة الانتباه، تراقبه لترصد إشارات رغبته. ولا تغمض عينيها كما تفعل العاشقات في الأفلام السينمائيّة حين يستسلمن لدفق مشاعرهنّ.
كانت تنظر وتصغي، وتأخذ الدور الذي يرسمه لها، وتنصاع لرغباته المجنونة، وتقوم بما لم تكن تتخيّل أنّ عاشقين يفعلانه في خلوتهما. وكانت الشخص الثالث في لقاءاتهما. تجلس بعيدًا. تراقب. تتعلّم. تُسكِت رغبتها وتمحو أحلامها الساذجة.
تتذكّر كيف يبدو أمامها في صورة مختلفة، ويصدر أصواتًا جديدة، ويتمتم بكلمات لا يقولها عادة، لا قبل ولا بعد. أمّا هي فكانت ترى وتسمع وتحفظ كلّ ذلك في قلبها.
وها هي تستعيده الآن، في السيّارة المتهادية خوفًا من الانزلاق. أليس ذلك ما تفعله بعد كلّ لقاء؟ استعادة كلّ ما رأته وسمعته وحفظته. ثمّ ينتابها غضب مفاجئ، غضب يفاجئها في كلّ مرّة، عليه وعلى نفسها. على أنانيّته ولامبالاته، وعلى تخاذلها وجبنها وتعلّقها الأبله به.
وتقسم، وتعد بأن تتغيّر وتقسو وتطالب بحقوقها، بأبسط حقوقها، بجزء من حقوقها. وكما في كلّ مرّة، تغرورق عيناها بالدموع لأنّها تعرف كم هي مستعدّة لفعل أيّ شيء من أجله، لا من أجله ربّما، بل من أجل وجوده في حياتها، وجود رجل لم تعرف سواه ولم تعد تملك الرغبة في معرفة سواه. وتقنع نفسها بأنّه سيتغيّر، لن يبقى هكذا. سيفتح عينيه يومًا ويراها.
لدى استعادة فيلم لقائهما القصير، تصفعها تلك الاحتياطات التي كان لا يهمل جزءًا منها مهما تكن إثارته شديدة – هو يقول شوقه – واستعجاله واضحًا: النظافة إلى درجة الهوس. كلّا. ليست النظافة. القرف. كان شديد القرف، ولا تعرف إن كان ذلك معها فقط أو مع سواها من النساء اللواتي تشعر بوجودهنّ في حياته، وترفض التأكّد من ذلك أو من قرفه منها، أو من شوقه إليها، أو من معنى وجودها في حياته.
ما تعرفه أنّه لم يضع يده عليها إلّا متسرّعًا أو محتاجًا، ولم يسمح لها باستعمال أيّ غرض من أغراضه الخاصّة. في المقابل كان يطلب منها أن ترتّب المكان قبل رحيلها، وألّا تترك أثرًا، وأن تضع المحارم الورقيّة التي استعملتها في حقيبة يدها. كان عليها ألّا تنسى شيئًا عنده. كأنّها لن تعود. كأنّها لم تأتِ.
تكاد تبكي، ولكنّها تضحك، تضحك في صمت وهي تتذكّر صورة واحدة تطفو فوق أمواج ذكرياتها لتستقرّ أمام قصر الرمال على شاطئ حياتها، صورة قنينة المطهّر. لم يكن هناك موسيقى، ولا شمبانيا، ولا شموع، بل قنينة للتطهير، موجودة دائمًا على الطاولة التي يمدّ عليها رجليه عندما يتعب، عندما ينتهي.
هي المشهد الختاميّ وعاملة التنظيف التي تزيل الآثار فلا يبقى منها شيء، لا من جسدها ولا من رائحتها على يديه، خاصّة على يديه اللتين لا يتوقّف عن اشتمام رائحتهما، قبل أن يسرع – وهي تعرف – بعد خروجها إلى حمّام ساخن يأخذ وقتًا أطول من لقائهما.
سألها السائق ماذا تريد أن تفعل الآن. عادت من عالمه إلى عالمها. اعتذرت منه وطلبت أن يوصلها إلى منزلها.
لمَ اعتذرت من السائق؟ لمَ يسهل عليها الاعتذار ولو لم تكن ارتكبت خطأ؟
لن تحلّل الآن هذه المسألة. نظرت إلى الساعة. لقد تأخّر الوقت، وعليها بعدُ أن تستحمّ وتأكل وتتناول حبوبها المهدّئة للأعصاب.

الاثنين، 1 فبراير 2021

حارسة النوم

 

كان جدّي أوّل إنسان راقبت نومه وأحصيت أنفاسه، لأتأكّد، كلّ ليلة تقريبًا، أنّه ما زال حيًّا.

كان عجوزًا مريضًا، وكنت طفلة صغيرة لم تتخطّ بعد سنواتها العشر، حين وجدت نفسي، من دون أن أعرف كيف، مسؤولة عن صحّته وحياته. فطُلب إليّ أن أعطيه الأدوية في مواعيدها المختلفة، وأراقب أنواع طعامه. و"أقطر" في عينيه المتعبتين، وأحضر له بعد العشاء، الوعاء الكبير ليغسل رجليه بالمياه الساخنة، ولكنّي كنت أفاجأ به، بعد تعب النهار، نائمًا من دون اغتسال.

كنت أستيقظ مرّات عديدة خلال الليل، لأقترب منه، وقد تأهّبت حواسي كلّها لرصد إشارات حياته، كأنّها آتية من كوكب بعيد. وفي عتمة الغرفة، لم أكن أجرؤ على إزعاج نومه المشكوك في أمره، فأنظر إليه لأتأكّد من صعود صدره وهبوطه. وخشية أن أكون مخطئة، أضع يدي فوق أنفه منتظرة الهواء الدافئ ليخرج من صدره. وزيادة في الاطمئنان، أقترب لأسمع صوت أنفاسه المنتظم. وحين أعود إلى فراشي بعد إتمام مهمّتي، حافية، مضطربة، مرتجفة من البرد والانفعال، أفرض على نفسي صلاة قصيرة، وأحيل أمر جدّي خلال فترة نومي المتقطّع إلى عناية القدّيسات والقدّيسين المنتشرة صورهم فوق حيطان البيت، لأنّي سأعود مرّة ثانية، على الأقلّ، خلال الليلة الواحدة، لأحرس نومه.

ولم أكن أحدس في ذلك العمر بأنّ جدّي سيموت قتلًا، وهو يعمل وحيدًا على إنقاذ مقتنيات الكنيسة التي فجّرها من هجّر أبناء البلدة، في حين بقي جدّي مطمئنًّا إلى صداقات العمر الطويل التي خانته. وهربت جدّتي مع مقاتلين غرباء لم يجدوا سببًا يدعو إلى قتل امرة عجوز، وقاموا بإيصالها إلى أقرب مكان تتّصل منه بالذين هربوا قبلها.

كان جدّي وحيدًا يوم قتل أمام مذبح الكنيسة، ولم يحرسه خوفي، وورثت أنا عادة الاستيقاظ ليلًا لأتأكّد من أنّ الذين في البيت، الغارقين في نوم هانئ، تحملهم أحلامه إلى عوالم غريبة، ما زالوا أحياء يرزقون. ولولا سخريتهم وغضبهم، لأيقظتهم، في كلّ مرة، طلبًا لمزيد من الاطمئنان.

إرث غريب حملته من سنوات طفولتي، ومنعني ثقله من متابعة حياتي في ثقة واطمئنان. لكنّي لم أكتشف ذلك، لم أكتشف ما فعله بي هذا الإرث إلّا يوم رحل الرجل الثاني، وهو رحل يوم لم يعد يحتمل خوفي وقلقي.

جدّي كان الرجل الأوّل.

هو أوّل رجل اقتربت منه هذا الاقتراب الحميم. فحين كنت أمدّ يدي من الباب المشقوق لأعطيه ملابسه الداخليّة، كانت نظرات مستكشفة تفلت منّي لترى جسدًا مترهّلًا أبيض حيث لا تخترق الشمس الملابس التقليديّة لرجل قرويّ: قميص كاكيّ وشروال أسود. وحين كنت أقلّم أظافر يديه المحشوّتين ترابًا، وأظافر قدميه المتورّمتين من الملح والعمل، كنت أكتشف أنّني لا أشمئزّ إلّا من الذين لا أحبّهم.

أحببت رجلي الأول.

وأحببت رجلي الثاني.

وبقيت أحبّهما حتّى بعدما رحلا، كلّ إلى غيابه.

يوم رحل الرجل الثاني، تأكّدت من أنّ الخوف على من نحبّ لا يعني أنّنا، بخوفنا، سنتحتفظ بهم. فمتى آن وقت الرحيل، أيّ رحيل، سيغادرون أمكنتهم. ولن ينفع اللوم أو العتب، ولن تجدي محاولات استبقائهم.

أذكر جيّدًا ليلة رحيله: لم يقل إنّه راحل، وإنّني لن أراه بعد ذلك إلّا صدفة، وإنّه لن يلقي عليّ التحيّة لو التقينا.

قال في تلك الليلة إنّه يحبّني كثيرًا، وطلب منّي أن أثق دائمًا، ومهما حصل، بهذا الحبّ. وما حصل هو أنّه رحل من غير أن يردّ هداياي أو يستردّ هداياه، وهو يعلم أنّني لن أتخلّص منها.

لم أحدس بموت جدّي، وكذلك لم أحدس بإشارات الوداع في صوت الرجل الثاني وفي عينيه. كنت أستمتع بالحنان في صوته، وبالرغبة في نظراته. وحين افترقنا متواعدين على لقاء أكثر حنانًا ورغبة، قال لي عند الباب: أرجوك ارحلي الآن، وإلّا لن أدعك ترحلين أبدًا.

غادرت منزله وأنا سعيدة لأنّني تأكّدت أنّه في المرّة المقبلة لن يتركني أرحل.

وفهمت عندما لم يجب على أيّ اتّصال في الأيّام التالية. حزرت بلا سؤال أو عتاب. تقبّلت الأمر كأنّني أعرف أنّ هذه الأساليب لن تعيده إليّ أو كأنّني اكتشفت أنّ هذا الرحيل كان النهاية المتوقّعة التي رفضت رؤيتها في تململه من سهري على حمايته، وفي رفضه لأيّ قيد، ولو كان خوفي عليه، وفي تهرّبه من أيّ سؤال لأنّ الأسئلة تعني في رايه التشكيك، أو إعجابه بأبطال الأفلام السينمائيّة، أولئك الذين يرحلون من دون أن يفسّروا سبب رحيلهم، وكان يجد الأسباب التي تعذر تصرّفهم وتبرّئهم من تُهم الغدر والقسوة والأنانيّة.

لم أبكِ في الأيّام التي تلت غيابه، ولم أبكِ يوم عرفت أنّ جدّي قُتل. كيف أبكي وأنا لم أر جثّته بعد، ولن أراها أبدًا. فذلك ترف لم يُتح إلّا للمحظوظين من ذوي الضحايا.

البكاء على رأس الميت. يقولون.

ربّما لم أبكِ لأنّي لم أصدّق أنّ جدّي قُتل، ولأنّ بكائي يعني الاعتراف بموته، والاعتراف بموته يعني الاعتراف بموته قتلًا، أي القبول بفكرة أنّ جيرانه قتلوه. الأمر الذي يعني أنّ الثقة قاتلة.

ومع ذلك، وثقت بالرجل الثاني، وثقت به وخفت عليه. وعندما رحل لم أبكِ كما لم أبك يوم عرفت أنّ جدّي قتل.

كنت غاضبة. غاضبة فقط لأنّني حين كنت أسهر متوهّمة أنّي أردّ الموت عمّن أحبّ، كانت الحياة تعدو خارجًا وهي تسخر منّي، وكنت طوال الوقت أعتقد أنّها تضحك لي.

الأربعاء، 17 يوليو 2019

أدبٌ بين ورودِ الحبر ومآسي الارتحال - بقلم يوسف طراد

سبعة أناشيد أهي أناشيد للأدب أم من الأدب؟ إنها مؤلفات الأديبة ماري القصيفي، مؤلفات تحضر على طاولتك فترتل ملائكة الأرض والسماء أجمل صلاة دون اعتمار (طابيات).
كاتبة انتحارية، نقلت الحقائق ونشرتها بحكمة راهب مؤمن في خضم كرنفال الغباء. قراؤها لا يبتهلون أمام "سيليكون عابر" ولا يخضعون أمام "بوتوكس شامخ"، لأنها عبرت شقوق الذاكرة من دون تجميل الواقع على جدران الأزمنة الغاصبة، وما زالت الأمكنة قلوبًا يسكنها الخواء طالما تنبض بأحبة هجروا إلى المقلب الثاني للوطن بمواعيد عودة مؤجلة. تطوف حول مؤلفاتها آلام في قلب عاصفة تراقص الأماني الضالة من انتداب ورحيل مشتت فكان (كلّ الحقّ عَ فرنسا). سيدة كاتبة توثق أنين انكسارات دون حدود، وتمضي في سبيلها متأبطةً عنادها الأنيق نحو حلم الفرح والخير في ديوانين (لأنك أحيانًا لا تكون) و(أحببتك فصرت الرسولة).
أصبحت ابنة القصيفي نسمةً لا تنكسر الأ أمام شهداء ووطنية حقَّة بانتظار عناق مستحيل بين أقسام الوطن و الطائفة الواحدة. كلماتها رثاء دائم بعنوان ومجد مرتجل كالسنبلة التي رممت حنطتها بعد زمهرير الشتاء لكن الوطن هدم حلم الحصاد في جبل لديه (خمسة فصول) و فعلة قليلون.
هل زارت وطننا إمرأةٌ غجرية في المنام ومسَّته بلعنة عاشق طائشٍ يهوى الهزائم؟، أين أنت يا ماري لا تفككي الطلاسم المبهمة؟. لماذا لا تلتزمين الحيطة فتبوحين بكاءً وألمًا من الظلم المنشور في فضاء الأثير الإلكتروني؟. دائمًا ودومًا تمطر سطورك ابتسامات تنثر التهكم الهادف لتسقي لامبالات الحكام ورجال الدين. نحتاج الكثير من جنونك وعقلانيتك لكننا نستحق القليل من جرأتك لندرك فسحة الحياة في متاهات وطن غادرته الوطنية وذرفت رموزه دموعًا من تهكمٍ لم تلتقطها مناديل ندمٍ أو حسابٍ أو اعتذارٍ صادق.
إنبلج الوقت وهربت الطرقات، وحده صمت الشمس المتوارية خلف كلماتك المسحورة تعطي الأرجوان لشفق ساحل الفينيق عبر (رسائل العبور) إلى (نساء بلا أسماء). تعَلَّمنا الإصغاء بدهشةٍ لكل كلام عبر قلمك، علِمنا علم اليقين أنك لا تتقنين قواعد (الإتيكات)، فدفعتي ثمن مقالاتك المنشورة في كتاب (الموارنة مروا من هنا) لأن أَحدٌ لم يقرأ بمحبة ولم تلامس كلماتك قلبه البعيد عن الحقائق الثابتة، كان ذلك قبل إتفاقية تخصيب الحبر التي لم تتم بين دول الطوائف الحائرة وبقيت حرية التعبير تحلم بحبر سليم اللوزي وسمير قصير.
ماري القصيفي أفكارٌ مقدسة على مذبح الفضاء الأدبي الشاسع، أسطورة مزركشة وَصَفَت التهجير، المآسي، رحيل سفن الوطنية من موانىء غير شرعية، العشق وغرام القمصان الزرقاء.
يوسف طراد
الثلاثاء 16 تموز 2019

الأحد، 31 مارس 2019

قراءة الأستاذ يوسف طراد لمجموعتي القصصيّة "نساء بلا أسماء" - نقلًا عن موقع مون ليبان





من وحي القراءة.

يوسف طراد

تجدون في كتاب «نساء بلا أسماء» للكاتبة ماري القصّيفي نقشًا للمشاعر على أشعة الشمس، لترتسم أحلامًا قيد التنفيذ.
كاتبة أعطتنا شيئًا نملكه ولا نستعمله لجهلنا طريقة الاستعمال. وضعت في داخل القارئ أحاسيس تضحك على جمال الخارج. كاتبة لن يشيخ قلمها لأنه يتمتع بالقدرة على ترجمة جمال الأدب ورسم الحبّ العذريّ بأجساد غير منظورة. إذا أردتم القراءة وبمحبّة، فأنكم لا تقرأون في الواقع بل في بقعة من مجاهل الطقوس الغامضة.
لا تستطيعون الغوص في النصوص ومهما فعلتم تبقون على السطح. وحده قلبكم الذي يغوص سابقًا وعيكم، كلّما قرأتم وفهمتم فكرة يزداد نبض أوعيتكم الدموية.

تقرأون في الكتاب: أنغامًا سحرية من "يدان بلا عمر". حكاية معلّقة بين الخسارة وعدم الندم. ضياع كلمات أجوبة في زحمة لقاء مفروض بعد أعوامٍ من الغربة. على الجانب الآخر من الحياة تفتّشون عن معنى الآية الإنجيليّة التي تقول (دعوا الموتى يدفنون موتاهم). تحتارون بالصفة المشتركة لرجال القرن الحادي والعشرين ولا تجدون سوى النوم المضطرب. تتأسفون لمحاولة (الصدق الفاشلة) الصادرة عن مخيّلة خصبة وليس عن قلبٍ عاشق. هل تتوقّعون ماذا يحصل (عندما تغضب السماء) وكيف أن قميصين واحدة من حبّ وأخرى من حرير أنهت عشقًا بانتحار غريب ...!

ترون ضحكة رجل ميت تجاري القدر كأنّها هي التي رسمته. فعلًا كانت عاشقة دون اسم تلك التي انتظرت حبيبها البطل بعد خروجه بنفق من المعتقل ودخوله نفقًا آخر في الحياة لا نهاية له. تجدون (حالة رعب) مستمرّة في أرجاء الوطن يوميًا بتقنيات متطوّرة، وقصصًا أخرى غريبة عن واقعنا تعيش في دقائقنا.
المراحل التسعة للسيّدة (ياء) في الكتاب لا تشبه مراحل درب الصليب ولا أسرار البيعة السبعة التي هي شرط الكنيسة للخلاص بعد الوصايا العشر التي أُنزلت أوامر إلهيّة للبشرية.

التساؤل سيّد الموقف: هل أن السيّدة (ياء) من العذارى التي انتظرت العريس وكان سراجها مملوءًا بالزيت وكيف يمكن أن تنتظر النهاية بشوق لترى إلهًا ينتظرها إشباعًا لرغبة فضولها.
(ثقة) في سطورٍ تبيّن أن الجميع مشغول عن الجميع وتأتي المنية ولا تثنيهم عن أعمالهم. تجدون حالة حبّ لامرأة (كممثّلة تؤدّي في صدقٍ مؤثّر دورًا في مسرحيةٍ عنيفة). عندما تدخل في صمتها الضبابي المريع إنّما تذهب إلى الذي (ليس له أين يسند رأسه- مت 29:8) ونحن نخفي الهفوات التي نحاسب عليها كي يُقال عنا "كاملون" ونهمل الكمال الحقيقي ومواجهة الحياة. هل أن النسك يعوّض خسارة حياة عشناها ولم نعشقها؟

عندما وصلت السيّدة (ياء) إلى ياء أبجديّة الحياة وصفت بأسف الموتى الذين يدفنون موتاهم واهتمامهم بأمورٍ كثيرة والمطلوب واحد.
مخيّلة ماري قصيفي ابتسمت عارية كالشمس وأسدلت ظلالها على همسات مترقرقة في ثنايا الروح فولد كتاب (نساء بلا أسماء).
يوسف طراد

الجمعة 29 آذار 2019


الأحد، 20 سبتمبر 2015

إنسان من القرن الحادي والعشرين (2008)



(من كتابي: نساء بلا أسماء - 2008 - دار مختارات)

     استيقظ رجل يعيش في القرن الحادي والعشرين وهو يشعر بضجر شديد. حاول أن يفكّر لعلّه يجد سببًا لمشكلته، فأعياه التفكير. ثمّ قام بجردة حساب استعاد فيها ما فعله خلال اليوم الفائت، فلربّما كانت المشكلة في أنّه لا يحسن تنظيم وقته أو ملئه بما يناسب. فوجد أنّه يفعل ما يفعله كلّ الرجال من أمثاله: يستيقظ باكرًا، يستحمّ، يحلق ذقنه، يشرب القهوة، ينطلق إلى العمل، يعمل، يتناول غداءه، يتابع العمل، يعود إلى البيت، يرتاح قليلًا، يشاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ يخلد إلى نوم مضطرب.
     من الطبيعيّ أن يضجر. عليه أن يفعل شيئًا، أن يدخل بعض التعديلات على هذا البرنامج الرتيب. وهذا ما حصل في اليوم التالي: استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، اتصل بصديق قديم ودعاه لتناول فنجان قهوة، قبل الصديق الدعوة، شربا القهوة، استعادا أحاديث قديمة، افترقا على أمل لقاء جديد، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا ثمّ خلد إلى النوم المضطرب.
     في اليوم الثاني، قرّر أن يدخل تعديلًا آخر. استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، ذهب إلى النادي الرياضيّ، اتّفق مع المدرّب على أيّام التمرين، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثالث، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الرابع، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الخامس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، التقى صديقًا آخر، تناول معه العشاء الخفيف، عاد إلى البيت متأخّرًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة (غير التي كان يشاهدها في وقت أبكر)، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السادس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السابع، لم يستيقظ باكرًا، لم يستحمّ، لم يحلق ذقنه، شرب القهوة، لم ينطلق إلى العمل، لم يعمل، فكّر، فكّر كثيرًا في الأسبوع الذي مرّ، وفي الأسابيع التي ستمرّ، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة، تناول غداءه، حاول أن ياخذ قيلولة، لم ينجح، خرج من المنزل، ذهب إلى النادي، تمرّن، استحمّ، التقى بعض الأصدقاء، تحادثوا في موضوعات سبق أن تحادثوا فيها، شعر بالضجر، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثامن، ضجر من الاستيقاظ باكرًا، ضجر من الاستحمام، ضجر من حلاقة ذقنه، ضجر من العمل، ضجر من تناول الغداء، ضجر من الأصدقاء، ضجر من النادي، ضجر من السينما، ضجر من المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، ضجر من البرامج التلفزيونيّة مع العشاء الخفيف، ضجر من النوم المضطرب.
    صار عليه أن يختار أمرًا من ثلاثة: الانتحار أو الزواج وإنجاب الأولاد أو البحث عن قضيّة يبشّر بها.
***

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.