‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص وجدانيّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص وجدانيّة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 13 نوفمبر 2025

حكايات القميص الأزرق (2)


 

حكايات القميص الأزرق (2)

     حين سألتني عن قمصانك الزرق المختفية من خزانتك ضحكت قبل أن أخفي وجهي في الوسادة كأنّها ستعفيني من مواجهة تبدو علاماتها على وجهك. وإذا بك تنتزع الوسادة وأنت تقول بلهجة لا تخلو من المداعبة: لا تتهرّبي من الإجابة. هناك قمصان ناقصة. واجهتك وأنا أقف على الكنبة كي أبدو أكثر طولًا منك، وفي محاولة منّي للهيمنة على الوضع: حسنًا. لقد أخذت بعضها وصارت لي.

     أمام ضحكتك الصاخبة شعرت بأنّني هُزمت. فسألتك لماذا تضحك. قلت لي: لكنّك ارتديتها كلّها فما حاجتك إلى بعضها. أجبت وقد شعرت بانّني سأحقّق انتصاري الموعود: لا. الوضع الآن مختلف. فهذه القمصان المصادرة لن تعود إلى خزانتك. أصلًا هي صارت قديمة وبات عليك أن تشتري غيرها.

     سألتني: ما دامت قديمة فماذا ستفعلين بها؟ جلست "متربّعة" على الكنبة وبدأت أحصي على أصابعي: القميصان الرقيقان للنوم، والقميص السميك للعمل في الحديقة، والقميص المخطّط بالأبيض للعمل في المطبخ، والـ "تي شيرت" لممارسة الرياضة، والقميص القطنيّ أرتديه بعد الاستحمام... أنا أؤمن يا حبيبي بإعادة تدوير الأقمشة ولا أسمح لقمصانك بمغادرة هذا المنزل.

     أذكر جيدًا كيف كنت تنظر إليّ وأنا أتكلّم وأحصي وأقرّر. كنت تفكّر في أنّ القدر وضع في طريقك امرأة مجنونة لا يمكنك أن تحزر ما قد يدور في رأسها.

     آخ من رأس حبيبتك يا حبيبي. ليتك تفرغه من كلّ ما ومن فيه وتبقى وحدك.

     كنت تفعل ذلك حين تنتابني نوبات الكآبة وأعجز عن الكتابة وأغرق في نوبة بكاء لا أعرف سببها. كنت تأخذ رأسي وتغرقه في صدرك وأنت تهمس: اغرقي هنا، في صدري، أفكارك السوداء. أفرغي هنا، في صدري كلّ دموع عينيك. ولا تتكلّمي لأنّني أفهم ما تمرّين به.

     من علّمك كيف تأتي إليّ من باب الحنان؟ أعرف أنّك قرأت كتبي ومقالاتي ومنشوراتي قبل أن نلتقي، وأعرف أنّ النساء بشكل عامّ يحتجن إلى حنان الرجل. لكنّك كنت الرجل الذي لا يريد أن يكسر القاعدة ليثبت للمرأة أنّ الجنس قد يكون متنفّسًا لكآبة أو مهربًا من مشكلة.

     كنت تعلم أنّ البكاء قد ينتهي بعناق لكنك لم تعترض حين كنت أبتعد، وأنّ الكآبة قد تقود إلى الكتابة لا إلى السرير. فتتركني ولا تحاول لمسي حين أرغب في أن أنزوي في عالمي الداخليّ، حيث أنت بلا جسد وبلا رغبات. بل وجود مطمئن كطاقة داخليّة تشتعل شيئًا فشيئًا قبل أن تراك مجسّدًا أمامها فأبحث عنك لأشمّ رائحتك.

     الرائحة! أنا الشديدة الحساسيّة تجاه الروائح والعطور كيف حصل أن صار لك رائحة هي مزيج من بوح مسامك وعطرك الذي لم تكن تدلقه كما يفعل بعض الرجال. آه من رائحتك التي تبدو من إنتاج الطبيعة لا خارجة من مصنع. آه منها حين تضعف مقاومتي وتخدّرني فأستسلم طوعًا لها، وأشعر بأنّني في غابة مسحورة يجتمع فيها ضوء يتسلّل بين الأغصان وعبق يفوح من نباتات بريّة وهدير شلالات يغري بالارتماء فيه... فأرتمي بك!

حكايات القميص الأزرق (1)

 


حكايات القميص الأزرق (1)

     لم أجد أنسب من كلمة "حكايات" تليق بقميصك الأزرق. وتقصّدت ألّا أكتب "حكاياتي". فهذه الياء التي تنسب حكايات قميصك إليّ أفضّل أن أتركها للقميص حين أرتديه فيصير قميصك قميصي، وأصيرك. وأنا في الأصل "حكواتيّة". صحيح أنّ كثرًا يعتبرونني أديبة أو روائيّة أو كاتبة. لكنّي، ولكي أكون صادقة مع نفسي أوّلًا ومعك ثانيًا أشعر بأنّي من سلالة جدّتي شهرزاد. أحكي لأنجو. أحكي وأحيك كجدتي أمّ والدي وكما غنّت فيروز: بحيّك حكاية وبحيّك تكّاية. أمّا صفة شاعرة فأهرب منها كما كانت ساحرات القرون الوسطى يهربن من تهمة الشعوذة. لا أعتقد أنّني سأتحمّل أن أكون شاعرة. فهذه مسؤولية مخيفة، ورسالة لا أجرؤ على تخيّل فكرة حملها وإيصالها. أمّا كلمة الحكّاءة فثقيلة الوقع وقد تحمل معنى الحكي الكثير والذي قد يكون لا قيمة له. وهذا ما لا أرضاه لقميصك. قميصك الأزرق الذي يصيّرني زهريّة اللون حين أرتديه مجترحًا أعجوبة تحويلي أنثى بطعم الحلوى، تلك التي يلّفونها بورق رقيق كي لا تذوب بين الأصابع بل بين الشفتين.

     لا أذكر متى بدأت حكاية قميصك الأزرق ولا كيف. أذكر أنّني حين رأيتك ترتديه في لقائنا الأوّل خطر لي أن أجعلكه. وهذا ما حصل فعلًا. لقاء أوّل كان دوره أن نتعارف فأذا بنا نتعانق كأنّنا نعرف بعضنا من حيوات سابقة كثيرة ومتنوّعة الأمكنة والأزمنة. حتى أنّ جسمك كان أليفًا كأنني داعبته مئات المرّات قبل ذلك اللقاء، لقاء التعارف الذي صار لقاء عارفَين يعلمان جيدًا ماذا يريدان. بعد هذا اللقاء صار قميصك حلمًا أراني كلّ ليلة أجعلكه وأكويه لأعود فأجعلكه. صحيح أنّك كنت ترتدي قمصانًا غيره، لكنّ اللون الأزرق صار لونك المفضّل، تبحث عن تدرّجاته في قمصان  من أقمشة مختلفة تلائم الفصول، وكنزات تتحدّى أصابعي التي تريد تجميعها في قبضتي وجعلكتها. فأخلعها عنك وأنا أردّ التحدّي بآخر.

     هل لأنّ الازرق ارتبط بلقائنا الأوّل الذي يعود لماض بعيد صار هو الحبّ والحبيب؟ مذ كتبت عن لقائنا في تلك الصحيفة التي بدأت نشر مقالاتي فيها والأزرق يصول ويجول في عناوين روايات ودواوين، وفي أحلام نساء تقيم البرودة في حياتهنّ. لكنّ الأزرق الذي لم يلامس جسمي ليس هو الأصيل والأصليّ. سيبقى عندهنّ وعندهم عابرًا، مجرّد لون سيبهت مع الزمن. إن كان صفة لبيت فمع الوقت سيحتاج إلى طلاء. إن كان لقميص غير قميصك فسوف يعتق ويُستبدل بآخر. لكنّ قميصك حالة عشق تتجدّد مع كلّ لقاء، ولونه همسة خلف أذني حيث عرفتَ من اللقاء الأوّل أنّ رغبتي تفور من هناك لنسبح معًا في مائها.

     ارتديتَ مرّة قميصًا أزرق مخطّطًا بالأبيض، كنّا في المقهى الذي اعتدنا اللقاء فيه حين نخرج إلى العلن، فكتبت لك على محرمة ورقيّة تناولتها من على الطاولة:

كلّ خطّين أبيضين متوازيين

في قميصِك الأزرق المقلّم

يلتقيان

عند نقطة من نقاط لهفتي.

     كنت أغريك لنعود سريعًا إلى البيت. ضحكت وأنت تقرأ الكلمات وعيناك تلمعان وقلت لي: دعينا على الأقل نشرب القهوة. عيب. سيزعل صديقك النادل إن رحلنا بسرعة.

     دائم السخرية أنت من علاقتي بنُدل المقاهي. تسألني كلّ مرّة: لن أفهم أبدًا كيف يسهل عليك إقامة حوار مع هؤلاء الغرباء وأنت تهوين العزلة وأصدقاؤك لا يتجاوز عددهم أصابع يد واحدة.

     وفي كلّ مرّة كنت أجيب: لأنّهم عابرون. منهم من ينتظر عملًا آخر أعلى أجرًا. ومنهم من ينتظر تأشيرة هجرة. ومنهم من يصبر على وقاحة بعض الزبائن كي يجمع قسط الجامعة... لكنّهم في النهاية سيرحلون.

     أجبتني مرّة: أصدقاؤك هؤلاء يبحثون عن مستقبلهم في مكان ما من هذا العالم. متى تؤمنين بأنّنا أولاد الحاضر الذي يجمعنا؟ الماضي قاد أحدنا إلى الآخر وانتهى دوره. أمّا المستقبل فهو ما سيحدث بعد قليل. ثم ابتسمت وأنت تمدّ يدك طالبًا أن تلاقيها يدي وقلت: تعالي لأخبرك عمّا يخبّئه لك هذا المستقبل الذي ينتظرنا في البيت. وغمزتني وتابعت: وبالتأكيد لن تجديه جالسًا في صالة الاستقبال.

الأحد، 28 أغسطس 2022

صلاة لإله الغضب (2013)

المسيح يطرد الباعة من الهيكل



تتساقطون
رمادَ سيكارة في يد عجوز
سنونواتٍ طالتها رصاصات الطيش
شعراتٍ من رأس طفل يصلبه العلاج الكيميائيّ
ثمراتٍ مهترئة استعصت على القاطف
وريقات ذابلة نفضتها الريح عن الأشجار
قطرات عرق عن جبين كنّاس آسيويّ غريب
تتساقط أجسادكم
عضوًا بعد آخر
وأنتم عاجزون عن لملمة أشلاء بعثرها الخوف،
فتذروكم نسائم مشبعة بالنتن فوق ركام المدينة المنخورة!

لا يسقط الحكّام فقط
لا تهتزّ العروش فقط
فالله نفسه يسقط مع كلّ دمعة!
نعم، نعم،
تتساقطون كلّكم:
الأمّهات والآباء
الشقيقات والأشقّاء
العائلات والقبائل
الزملاء والأصدقاء
الجيران والأقرباء
العشّاق والمعجبون
كلّكم تسقطون
وتتساقطون
فلقد تعبت منكم الحياة
وخجلت منكم الإنسانيّة
وتركتم المحبّة إلى غير رجعة!

لو كان للكلمات أن تختار
لاختارت أن تنبذكم من قاموسها!
لو كان للهواء أن يختار
لاختار ألّا يتلوّث بكم!
لو كان للشمس أن تختار
لاختارت أن تنطفئ
قبل أن تلامس جلودكم الدبقة
وعواطفكم الدبقة
وأفكاركم الدبقة!
كم أنتم قبيحون وأنانيّون وأغبياء
كم أنتم مغرورون وفارغون وجبناء
كم أنتم أشباه رجال وشبيهات نساء
أتريدون أن تمحوا الأوطان يا حكّامًا محكومين بالجشع والعهر؟
أتريدون أن تسقطوا أنظمةً يا شعوبًا لا تعرف كيف ترفع الفاعل؟
أتحلمون بنشر الإيمان يا قطعانًا آلهتها تمرٌ وكلأ وفخذا امرأة وجيب رجل؟
أتبشّرون بربيع يا كهول الفكر وعجائز الشعر؟
كيف يكون كلّ ذلك والأمّ ترضع طفلها خوفها وعبوديّتها؟
كيف يتحقّق كلّ ذلك والأب حيوان منويّ روّضه الفقر والجهل؟
كيف يمكن كلّ ذلك وقايين العاجز عن قتل الله يقتل أخاه هابيل؟
كيف نتوقّع تحقيق كلّ ذلك والطفلة تغري العجوز والكاهن يتحرّش بالطفلة؟
كيف نحلم بأيّ شيء من ذلك والابنة تضرب أباها، والشقيق يغتصب شقيقته، والأم تقتل أطفالها؟
كيف نرجو أيّ شيء من ذلك والحبّ عبور، والصداقة وهْم، والأخوّة مصلحة، والزمالة غدر، والجيرة اعتداء؟

يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:
فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات
ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة
ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة
ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين
ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد
ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار
ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح
ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم
ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم
ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة
إلى جوف الجحيم
فيركلها الشيطان إلى نار حقده
تحت أنظار إلهٍ ندم
لأنّه استراح في اليوم السابع
ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!

السبت، 16 مايو 2020

ثلاثية الستّين – بين الشلل والكورونا – جزء ثالث وأخير



لا أذكر أنّني أقحمت الله في مسألة شلل الأطفال مذ تفتّح وعيي على واقع الأمر، فلا ألقيت اللوم عليه أو جعلته السبب في ما أصابني، ولا طلبت منه "عجيبة شفاء" على الرغم من الزيارات الكثيرة التي قامت بها العائلة، على شرفي، إلى الكنائس والأديرة ومزارات القدّيسين. وأذكر أنّ إحدى عمّاتي اصطحبتني مرّة إلى منطقة النبعة، حيث قيل إنّ القدّيس شربل جعل التراب يرشح زيتًا، وحين غادرنا المكان سألتني إن كنت صلّيت بحرارة طالبة شفائي، فأومأت برأسي أن نعم فعلت، لكنّي لم أصارحها بأنّني طلبت ألّا يتساقط شعري الأسود الطويل. كنت أحبّ شعري، ولكن كلّما طال قليلًا وصار يستحقّ أن أتباهى به، أجبر على قصّه كي يسهل على والدتي غسله وأنا مسمّرة أكثر الوقت في السرير. وكان شعري في تلك المرحلة من عمري أهمّ من مسألة شفاء رجلي، ولأنّني كنت، وما زلت، أضع علامات استفهام كبيرة حول مسألة الأعاجيب والمعجزات. وحين تبيّن أنّ المكان في النبعة كان معملًا للشمع، ما جعل التراب مشبعًا بالزيوت، قلت: منيح ما صلّيت ع الفاضي.
أكثر الناس اليوم يعتبرون الكورونا غضبًا إلهيًّا، حتّى في الصلاة التي تصل أصداؤها إليّ من غرفة الجلوس، أسمع: إرحم يا رب إرحم شعبك ولا تسخط علينا إلى الأبد... فأسأل نفسي ما الفرق بين إيمان أمّي البسيط والعفويّ وإيمان البطريرك المارونيّ الذي يرأس الصلاة كلّ ليلة من أجل الخلاص من الوباء، ولماذا لا يزال الله ساخطًا مع أنّنا صرنا في "العهد الجديد"؟
قد يتساءل البعض عن هذه الأهميّة التي أعطيها لشلل الأطفال وقد مضت على إصابتي به ستّة عقود، وفي العالم أمراض وأوبئة وإعاقات لا تُعدّ ولا تُحصى. محقّون في تساؤلهم، لكنّ شلل الأطفال نفسه، وفي لبنان تحديدًا، لا ذكر له في أدبياتنا ومراجعنا الطبيّة. ولعلّ قصّة "الصبيّ الأعرج" لتوفيق يوسف عوّاد، الوحيدة التي تشير إلى هذه الإعاقة، في معالجة أراها تجنح إلى الكثير من العنف والقسوة إن نحو الأعرج أو في تصرّفاته. ويوم نشرت في جريدة النهار نصًّا بعنوان "عرجاء... ولكن" (العنوان مستوحى من الفيلم المصريّ "عذراء ولكن")، استغرب الأصدقاء تطرّقي إلى المسألة، ولم يفهموا أسباب رغبتي في ردّ الاعتبار إلى العَرج الذي لا يحلو لمعلّم قواعد اللغة إلّا أن يعطيه مثلًا حين يشرح درس أفعل التفضيل، وكيف يصاغ، فيضعه في خانة العيب حين يقول أعرج/ عرجاء... فيلتفت إليّ بعض التلامذة!
وعند البحث عن هذا الوباء وضحاياه عبر شبكة الإنترنت لا نجد ما يستحقّ الذكر عن تلك المرحلة، لكن هناك إشارة إلى طابع بريديّ صدر عام 2017 في مناسبة خلو لبنان من الشلل للعام الرابع عشر على التوالي، ما يعني أنّ الشلل بقي إلى عهد قريب ينال من الأطفال. فلماذا حُيّد عن الرواية والشعر والتأريخ؟ ففي مقالة للشاعر والناقد عبده وازن في الأندبنت العربيّة، تحمل عنوان "الأوبئة تجتاح الرواية"، نجد الطاعون والكوليرا والعمى والإيدز وكورونا، ولا نجد شيئًا عن الشلل.
عهدذاك، لم تكن وسائل الإعلام والتواصل متاحة كما اليوم ولم يكن ثمّ وقت للحديث عن الأمراض، ولم تكن تسمية "ذوو الاحتياجات الخاصّة" قد استحدثت، وكان العَرج علامة فارقة، لكنّي كنت صاحبة وجه جميل وذكاء لا بأس به، ما علّمني كيف أجعل موضوعًا كانتعال حذاء أنيق ذي كعب عالٍ أمرًا غير ذي أهميّة في لوحة المرأة التي رسمتها بنفسي لنفسي، ولوّنتها بتجاربي مع الناس.
هذه المرأة هي التي تكتب الآن الجزء الأخير من ثلاثيّة الستّين، وتودّع جزءًا بسيطًا من قصصها الشخصيّة مع شلل الأطفال لتنظر بأسى إلى عالم مشلول عاجز عن إيجاد علاج للسرطان والعمى والشلل والصَّمم والبكم والباركنسون والإلزهايمر والفشل الكلويّ والتصلّب اللويحيّ والإيدز والسارس والكورونا والأمراض النفسيّة والعقليّة والتشوّهات الخلقيّة... عالَم عاجز عن الحبّ: أساء إلى الطبيعة، وقتَل الحيوانات لمجرّد الهواية والمتعة، ولوّث الماء والهواء والتراب...
هذه المرأة هي التي تكتب الليلة، بالنيابة عن جميع المتألّمين الموجوعين والوحيدين المتروكين والمخطوفين المعذَّبين، تحتفل بعيدها الستّين برفقة الكلمات التي ما خذلتها يومًا، وتقول كما في كلّ سنة: لا يعنيني يا سنة جديدة ماذا ستحملين لي، بل أخبرك ماذا أحمل لك أنا: سأكون أكثر جنونًا وعنادًا وثورة وشغفًا ممّا كنت عليه/ سأكون أكثر تطلّبًا في العشق، وأكثر رفضًا للظلم والغباء والجبن، وأكثر إصرارًا على إحداث فرق/ سأكتب أكثر وأضحك أكثر وأبكي أكثر لأنّني في كلّ ما أفعل لن أكون إلّا أنا / كوني كما تريدين أن تكوني يا سنة جديدة / وأنا سأكون كما أريد أن أكون، مالكة كلماتي، رافضة ما لا ينصاع له فكري، متمسّكة بحريّتي في أن أقول نعم أو لا، وحيدة وحيدة وحيدة كالشمس والقمر ونجمة الصبح!
هذه المرأة هي التي تكتب الليلة: تستحضر وجوه الرجال الذين عبروا ويعبرون، تبتسم لهم في حنان، تشكرهم على قصص الحبّ التي أوحوا ويوحون لها بها، تعذر مخاوفهم الموروثة، وتعتذر عن جنونها حين تُقدِم، وعن جرأتها حين لا تلتفت إلى الوراء، وعن غضبها حين تصبّه عليهم حممًا لأنّهم لا يشبهون صاحب القميص الأزرق، ولا يشبهون الكلمة، ولا يشبهون الكتابة، ولا يشبهون الأشجار وعشب الحقل...
هذه المرأة التي يظنّ كثر أنّهم يعرفونها - وهم مخطئون- هي التي تكتب...
هذه المرأة التي اعتقد كثيرون أنّهم خدعوها - وهم مخطئون - هي التي تكتب...
هذه المرأة التي تحبّ أن تُخضع الناس لاختبارات صعبة تعرف أنّهم لن ينجحوا فيها هي التي تكتب الآن، 
هذه المرأة التي تتنفّس برئة هي الكتابة والصمت ورئة هي الحبّ هي التي تكتب الآن لتشكر الحياة والألم ورِجلها المشلولة العنيدة، ورِجلها السليمة التي تحمّلت معها الكثير، ثمّ تجلس لتراقب وطنها وهو يتعثّر في مشيته، وتشاهد العالم وهو يحاول أن يقف على رجلين اثنتين سليمتين... 

الجمعة، 15 مايو 2020

ثلاثية الستّين – بين الشلل وكورونا– جزء 2



ارتبط وباء الشلل بالأطفال، أمّا الكورونا فهدفه المتقدّمون في العمر. لذلك بدا لي الأمر مزحة سمجة تلقيها الطبيعة على مسمعي وهي تحذّرني: نجوتِ من الموت طفلة، فانتبهي كي لا يقضي عليك هذا الوباء، فأنت لم تعودي صغيرة.
في الواقع لم تعن لي شيئًا مسألة العمر التي عالجتها بأسلوبي الخاصّ: فالشلل حرمني من عشرين سنة، كنت فيها أسيرة البيت أو المستشفى، وهذه ليست مسؤوليّتي، فأنا الآن إذًا في الأربعين من العمر!!! قد يبدو الأمر لبعضكم طرفة مضحكة، لكن حياتي بدأت فعلًا في العشرين، حين تحرّرت من انتظار مواعيد الأطباء والعمليّات الجراحيّة والمشي بأقل نسبة من العَرج. لكنّ التحرّر الأهمّ – كما أقنعت نفسي في تلك المرحلة – هو التحرّر من الألم. فأنا قد نلت حصّتي منه وليس من العدل في شيء أن أتعرّض لألم آخر ولو بسيطًا.
أعرف الآن، وبالتأكيد عرفت دومًا، أنّ الأمر لن يكون بمثل هذه البساطة... ولكن هذا موضوع آخر، فلنبق في مسألة العمر الذي صودف أنّ شكلي لا يفضحه، فكنت أبدو دائمًا أصغر سنًّا ممّا أنا عليه.
ففي الأعوام التي أمضيتها في السرير، كان الوقت طويلًا بطبيعة الحال، وعهدذاك كان الترفيه الوحيد، بالنسبة إليّ هو المطالعة وتلفزيون لبنان (تابعت عبره في العاشرة من  عمري تفاصيل مأتم جمال عبد الناصر)، وإذاعتا لبنان ومونت كارلو... فضلًا عن استقبال الضيوف العُوّاد وكلّهم من عمر والديّ. في بداية الإصابة وكان عمري سنة وثلاثة أشهر أبعد الأهل أطفالهم عنّي خشية العدوى، ثمّ صار أترابي يبتعدون شيئًا فشيئًا كي يلعبوا أو يذهبوا إلى المدرسة. ما يعني أنّ مجتمعي صار محصورًا بمن هم أكبر منّي، إن عبر التلفزيون والراديو (برامج الأطفال لم تستهوني يومًا)، أو عبر الضيوف. حتّى الكتب التي قرأتها كانت ممّا يتوفّر في مكتبة خالي ميلاد حين أقيم عند بيت جدّي في عاليه، خصوصًا في الصيف. وهي طبعًا ليست كتبًا للأولاد.
نستنتج إذًا أنّني عشت طيلة عشرين سنة متألّمة وأسيرة وأقرأ كتبًا للكبار، فضلًا عن أنّني كبيرة إخوتي، ما تطلّب منّي ولو عن غير قصد من الأهل أن أكون مسؤولة وقدوة، ما جعلني أكره المثل الذي كانت تردّده أمّي: الوِعي الكبير بيساع الزغير. فكتبت لاحقًا: الوعاء الكبير، فارغًا فقط، يتّسع للوعاء الصغير...
وأنا كنت ممتلئة ببياض المستشفيات، ورائحة المعقّمات، وأنين المرضى، وصار من الملحّ أن أكتشف الألوان... لكن الحرب التي كانت بالمرصاد وتدخّلت في مسيرة حياتي وأنا في الخامسة عشرة، نقلتني إلى رماد الدخان وأحمر الدم وسواد الحِداد، فكيف أبدأ حياتي من جديد وآخر عمليّة جراحيّة خضعت لها جعلتني على تماس مع الجنون، ما جعلني أكتب لاحقًا:
"أذكر في كثير من الأسى تلك الشابّة التي وضعوها في غرفتي في المستشفى لأنّها كانت مصابة بنزيف. كنت صغيرة وخاضعة لعمليّة جراحيّة في رجلي تمنعني عن الحركة. وفي أوائل الليل، انفجرت أصوات القصف في مكان ما من بيروت، فتوتّرت أعصاب المريضة وخرجت عن إطار السيطرة. علمت فيما بعد أنّ المرأة كانت في مركز للأمراض العقليّة، وأتوا بها إلى هذه المستشفى لعلاج نزيفها. ولم يكن من المسموح أن يضعوها مع أحد
     في ذلك الوقت كانت الحرب تسمح بمخالفات كثيرة فهل سيهتمّ أحد بمجنونة موضوعة في غرفة واحدة مع طفلة
     أذكر المشهد كما لو أن الأمر حدث اليوم: كيف كانت تحضن المخدّة على اعتبار أنّها ابن أخيها الذي كانت تحبّه على ما يبدو بشكل مميّز، وتغنّي للمخدّة، وتقفز بها من زاوية إلى زاوية هربًا من قصف موجود في تلك اللحظة في رأسها فقط، إلى أن اختبأت تحت السرير وهي تصرخ.
     ثمّ أخذت تقترب منّي لتخبّئني تحت الغطاء كي لا يطالني القصف
     لم تنفع محاولات الأطباء والممرضات في تهدئتها رغم الأدوية التي أعطيت لها والحقن. ولما لم يكن هناك مجال لوضعها في غرفة أخرى بقي طبيب وممرّضة طيلة الليل حاجزين بيني وبينها.
     لا أذكر أنّني كنت خائفة منها، بقدر ما كنت أراقب ما يجري وأحاول أن أفهم. كان الدم النازف منها يملأ المكان ويلوّث ملابسها وفراشها وغطاءها ولم يكن من مجال لترتيب وضعها وتصحيحه قبل أن تهدأ. وكانت عيناي المفتوحتان ترصدان كلّ حركة وكلّ كلمة وكلّ نقطة دم. وساعدني الضوء الذي أبقوه مشتعلاً على تثبيت نظري عليها وملاحقتها في رقصة رعبها الطويلة والمرهقة.
     في ساعات الفجر الأولى، غرقت المرأة النازفة في نوم عميق بعدما أعطى خليط الأدوية مفعوله أو بعدما تعبت. لا أدري. ولكن حين تمّ نقلها على سرير متحرّك إلى سيّارة إسعاف لإعادتها إلى المصحّ العقليّ كانت المرأة لا تزال نائمة. أهلها الذين أتوا لمرافقتها اعتذروا من أهلي عن ليلتي الصعبة كما وصفوها. وقالوا إنّ الحرب هي التي فعلت ذلك بها، وأنّها فعلًا متعلّقة بابن أخيها الطفل وتخاف عليه.
     أعتقد أنّ ارتباط الجنون بالحرب وثيق، فالجنون يولّد الحرب والحرب تنتج الجنون. حلقة مفرغة يدور فيها الإنسان. ولهذا سيبقى العقل البشريّ بالنسبة إليّ أمام علامات استفهام وعلامات تعجّب لا نهاية لها".
حين أستعيد كلّ ذلك وأنا أكتبه، أتأكّد أنّ مشكلتي لم تكن في رِجلي، بل في ذاكرتي التي تحتفظ بالصور والروائح، في مراقبتي ما يجري وحفظ ما يُقال، في رغبتي الجارفة في معرفة الأسباب وتحليل النتائج... هل كنت سأكون هكذا لولا الشلل؟ لا أعرف. لكنّي أعرف أنّ الشلل أعطاني الكثير من الوقت للتأمّل والتفكير والقراءة... ثمّ الكتابة التي جعلتها حيلتي وحبل خلاصي من الأسر. فحين كتبت روايتي الأولى وأنا في الرابعة عشرة من عمري، بل اشترطت على شقيقتيّ وقريباتي (الصبيان لن يتركوا اللعب من أجل رواية حبّ) أن يأتين لأقرأها لهنّ... وهذا ما حصل. فهل الشلل هو ما جعلني أكتب لجذب شِلل الأولاد، وهل كنت لولاه سأكتب... لا أعرف، لكن، لولاه لكنت أردت أن أكون ممثّلة مسرح...
ليت العالمَ مسرح كبير جميل، هو حلبة صراع بلا قوانين أو ضوابط، هكذا كان وهكذا سيبقى... وكلّ ما فعله فيروس كورونا أنّه فضح الأمر أمام من كان يتجاهله!
(يتبع جزء ثالث وأخير)


الأربعاء، 13 مايو 2020

ثلاثية الستّين – بين الشلل والكورونا – جزء 1

أنا عند بيت جدّي في عاليه، بعد خمسة أشهر في السرير / كما أشير بيدي (تبقّى لي بعدها ثلاثة عشر شهرًا)
  وذلك بعد العمليّة الجراحيّة الأولى وكنت في العاشرة من عمري
أضع خاتمًا ذهبيًّا أهدانيه جدّي لأنّني درست في البيت 

ونجحت في السرتفيكا
وقد حملني المرحوم خالي ميلاد إلى مركز الامتحانات
وكافأني بعدها بمشاهدة فيلم هنديّ في بيروت 

أن أبدأ مشوار حياتي مع شلل الأطفال، وأن أحتفل بعيد ميلادي الستّين مع الكورونا أمر لا فرادة فيه. ففي نهاية خمسينيّات القرن العشرين وبدايات الستينيّات كان وباء شلل الأطفال يصيب ملايين الناس تاركًا خلفه الموتى والمعوّقين المشلولين، واليوم، وبعد ستّين عامًا، ينتشر وباء الكورونا في كافّة بقاع الأرض شالًا الحركة في العالم كلّه.
ولكن أن يكون المرء ذا حساسيّة مفرطة تجاه الألم والمرض والموت، فهذا ما يجعل الأمر مميّزًا، ويضعني في خانة لا أُحسد عليها، بل يجب على الأرجح أن يُرثى لحالي.
لقد تمنّيت دومًا لو أنّني نظرت إلى واقع إصابتي بالشلل على أنّها أمر خاصّ وشخصيّ، أكتب عنه مرّة واحدة أفرغ فيها مكنونات الصدر وأرتاح. لكنّي عجزت عن تحقيق ذلك، لا بل أجرؤ على القول إنّني تخطّيت موضوع الشلل والمشية العرجاء منذ البداية، لكنّي بقيت أسيرة الأسئلة التي يطرحها المرض بشقّيه الجسديّ والنفسيّ، وصولًا إلى الموت. وما زلت أذكر كيف أنّني مذ وعيت طبيعة حالتي كتمت مرارًا صوت ألمي لأصغي إلى أنين المرضى وصراخهم. وها أنا وقد تقدّم بي العمر ما زلت أحفظ، في وضوح تام، تفاصيل الإقامة في المستشفى، ويوميّات الحياة فيها، ولكن من خلال المرضى والطاقم الطبيّ والزائرين، ما شكّل مادة دسمة لعدد من القصص القصيرة والمقالات التي نشرتها.
واليوم، مع انتشار وباء جديد، شبّهه بعض العلماء بشلل الأطفال بل اقترحوا أن يكون لقاح الشلل علاجًا له، عادت التساؤلات التي ظننتني شفيت منها لتفرض نفسها عليّ. كيف لا والحجر الصحيّ يعيق ما اعتبرناه حياة طبيعيّة، والوضع الاقتصاديّ يهدّد أبسط مقوّمات الحياة؟
بين الوباءين، شكّل السرطان حالة خبيثة لم توفّر صغيرًا أو كبيرًا، وحصدت أمراض أخرى غريبة عجيبة أرواح كثيرين، وكذلك حوادث السير، والحروب، وأمام هذه كلّها كنت أراقب وأحفظ وأنا أتمنّى لو أنّني لا أراقب ولا أحفظ.
ستّون عامًا من انتظار الأجوبة إذًا، والنتيجة وباء جديد تنقسم الآراء حول نشأته وطبيعته ووسائل علاجه، بل يشكّ كثر في حقيقة وجوده ويضعونه في خانة المؤامرات العالميّة.
ستّون عامًا من انتظار الشفاء من الأسئلة، والجواب الوحيد والأكيد سؤال جديد.
ستّون عامًا من الانتظار: انتظار الخروج من المستشفيات، انتظار العمل والانطلاق في الحياة، انتظار نهاية الحرب وتحرير القدس، وقف إطلاق النار، فتح المعابر، الكهرباء، قيام الدولة، عودة المغتربين،... والنتيجة ثورة لا تعرف ماذا تريد.
ستّون عامًا من الانتظار: انتظار الحبّ، انتظار رجل على قياس القميص الأزرق، لا يضجر من أسئلتي، ولا يستقوي على رِجلي ويخاف من رأسي...
***
الرئة الاصطناعيّة 
منحوتة تمثّل مصابًا بشلل الأطفال في العصر الفرعونيّ
1403–1365 قبل الميلاد
خطر لي منذ بدء الحديث عن كورونا، ومن دون أيّ متّكأ علميّ طبيّ أنّه يشبه شلل الأطفال الذي كنت أعرف الكثير عن نشأته (منحوتات فرعونيّة تشير إليه) وتاريخه وانتشاره ولقاحه. ولكنّ أمورًا محدّدة جعلتني أربط بينهما كآلة التنّفس المرعبة التي يوضع فيها المصاب بشلل يعيق رئتيه عن العمل (عاد الحديث عنها)، أن يحمله أحد ولا يصاب به بل لا يعلم أنّه أصيب به، وكيفية انتقاله. لاحظوا كيف تصفه منظمّة الصحّة العالميّة عبر موقعها: "شلل الأطفال مرض فيروسيّ شديد العدوى يغزو الجهاز العصبيّ وهو كفيل بإحداث الشلل التامّ في غضون ساعات من الزمن. ويدخل الفيروس جسم الإنسان عبر الفم ويتكاثر في الأمعاء. وتتمثّل أعراض المرض الأوّلية في الحمى والتعب والصداع والتقيّؤ وتصلّب الرقبة والشعور بألم في الأطراف. وتؤدي حالة واحدة من أصل 200 حالة عدوى بالمرض إلى شلل عضال (يصيب الساقين عادة). ويلاقي ما يتراوح بين 5% و10% من المصابين بالشلل حتفهم بسبب توقّف عضلاتهم التنفسيّة عن أداء وظائفها". (الوفاة لا تكون إذًا إلّا عند تعطّل عمل الرئتين).
أمّا طرق انتقال الشلل بالعدوى فتتمّ بملامسة مُخاط أو بلغم الشخص المُصاب بشلل الأطفال، أو ملامسة البراز للشخص المصاب، أو الاتّصال المُباشر مع المُصاب بشلل الأطفال، وفيما يتعلّق بفترة الحضانة فهي تتراوح هذه الفترة بين 5-35 يوم، ويُشار إلى إمكانيّة نقل الشخص العدوى للآخرين بشكلٍ فوري قبل ظهور الأعراض، وحتّى أسبوعين بعد ظهورها.
فضلًا عن كلّ ذلك، استعدت أحاديث سمعتها عن انتشار شلل الأطفال في لبنان مثلًا:
غياب الدولة عن الاهتمام وتأمين اللقاحات (اضطرّت عائلتي لتوسيط إحدى المسؤولات في وزارة الصحّة لتأمين اللقاح لشقيقتي المولودة حديثًا)، وعدم اقتناع الأطباء بجدوى اللقاحات ورفضهم إعطاءها ما تسبّب بحالات شلل كثيرة، وغياب التوعية، طبعًا عهدذاك كانت وسائل التوجيه محصورة بتلفزيون لبنان والإذاعة الرسميّة والصحف، وهذه كلّها كانت غير متاحة للجميع خصوصًا في الأرياف والجبال وعند الطبقة المتوسّطة وما دون.
واليوم، مع الحجر الصحيّ المفروض في العالم كلّه، يتخوّف مسؤولون في منظّمات صحيّة من عودة شلل الأطفال إذا صرّح ميشال زافران من منظمة الصحة العالمية الذي يرأس المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال "لقد دمرتنا حقيقة أننا يجب أن نوقف نشاطاتنا التي نقوم بها من أجل القضاء على مرض عملنا بجد للتخلص منه".
وأضاف أن المنظمة "لم تضطر" إلى وقف البرنامج بهذه الطريقة من قبل. وما زالت هناك دولتان فقط حيث يستمر فيروس شلل الأطفال الموجود في الطبيعة بالانتشار هما باكستان وأفغانستان، لكن السلالة المتحوّرة من اللقاح نفسه تسبّبت أيضًا في تفشي المرض في العديد من دول إفريقيا."
وما بين أن يكون لقاح الشلل علاجًا للكورونا، أو أن ينتشر الشلل بسبب كورونا، يبدو العالم كلّه مشلولًا عاجزًا عن إنقاذ نفسه. أمّا أنا فأنظر إلى الطفلة والمراهقة اللتين كنتهما وقد خضعتا لعمليّات جراحيّة رائدة في ذلك الوقت، وأفكّر في أنّني عشت في حرب طويلة مريرة، وبين وباءين، وتقدّمت في العمر والخيبة، ومع ذلك ما زلت أؤمن بالحبّ... فأبتسم ولا أعرف لماذا...
بعد الخضوع للعملية الجراحيّة الثانية
رجلي اليمنى في الجبس (الجفصين)
(يتبع جزء ثان)

الأربعاء، 3 أبريل 2019

إلى ألكسندر شربل المولود من صلابة الإيمان ورحمة السماء



إلى ألكسندر شربل المولود من صلابة الإيمان ورحمة السماء

وُلِدْتَ يا صغيري مرّة أولى من صُلب رجل ورحم امرأة، وولدت مرّة ثانية من صلابة إيمان رجل ورحمة قلب امرأة. فما أسعد حظّك وما أكرم السماء التي منحتك ولادتين لا يفصل بينهما سوى ثلاثة أسابيع.
وجدوك ملقى في أقمطة على باب دير، وبين عيد مار يوسف، الرجل الذي تبنّى المسيح، وعيد الأمّ، صرت من نصيب أبوين ينتظران منذ اثني عشر عامًا طفولة تحبو في بيتهما الجميل. وحين عجز الطبّ عن منحهما ذلك، تدخّلت السماء وأرسلتك ملاكًا ينشر البهجة كلّما رفرف بصوته مناديًا حنانًا تخمّر في أقبية العمر الواعد.
سيأتي يوم تعرف فيه يا صغيري أنّ السماء أنجبتك، وأنّ الأرض حضنتك، وبينهما كان كلّ ما في الكون ينبئ بمجيئك الثاني، إلى حيث تنتظرك حياة جديدة. لا أعرف كيف ستكون ردّة فعلك حين تعلم، ويجب أن تعلم، أنّ أبوين جسديّين كانا سبيلك إلى أبوين روحيّين: قد تغضب، قد تعاتب، قد ترفض، قد تطرح أسئلة، وهذا كلّه من حقّك، لكن حين تنظر إلى صورك التي يوزّعها والداك الفخوران علينا ستكتشف كم كانت طفولتك جميلة وهانئة ودافئة، وكم أحاط بك حبّ تعدّى الوالدين ليطال العائلة الكبيرة كلّها والأصدقاء والزملاء والجيران، وكم ذُرفت دموع سعادة ابتهاجًا بك. وحينذاك ستبكي فرحًا، وستشكر السماء التي أرسلتك شاهدًا على سخائها، وتقبّل الأرض حيث وضعوك وكان عمرك أسابيع قليلة، وستسامح والدَين قد لا تعرف ظروف تخلّيهما عنك ولا مصيرهما بعدك. 
ولادتك الثانية ستليها معموديّة مباركة تثبّتك ابنًا لمي وفراس، وسيكون شفيعك شربل رفيقك في دروب القداسة، وفي شعنينتك ستكون شمعتك الصغيرة باهرة الضوء دافئة العطاء، وحين تتناول قربانتك الأولى ستذوق طعم السماء التي باركتك مذ ولدت، وفي يومك الأوّل في المدرسة ستكتشف أنّ العلم طريق إلى الله صعب وجميل في الوقت نفسه، وستتوالى عليك مناسبات، فيها بسمة وفيها دمعة، لكنّك، فيها كلّها، لن تكون بعد اليوم متروكًا، وحيدًا، حزينًا.
فيا أيّها الصغير الذي لا أعرف متى وكيف ستقرأ رسالتي هذه، ولا أين سأكون أنا، ابقَ ملاكًا مرسَلًا، كن دائمًا ابن الإنسانيّة التي تجمّعت حول سريرك مذ وصلت إلى بيتك الآمن، كن نجمةً ترشد الضالين إلى مغارة فيها طفل يشبهك، وكن سمعان القيرواني لا يتردّد في مساعدة المحتاج، ولا تخشَ أن تحمل صليبًا قد يكون في انتظارك عند مفارق الحياة، إذ لك من اسمك الأوّل شجاعة الرجال ومن اسمك الثاني قداسة النسّاك، وما أحوجنا يا صغيري إلى من يحمل هاتين الصفتين في زعمائنا الروحيّين والمدنيّين والعسكريّين.
فيا صغيرًا بحجم حبّة قمح واعدة، وجميلًا كزهرة بريّة نضرة، انمُ بالحكمة والقامة، وطرْ كفراشة، وحلّق كنسر. فأنت ابن الحبّ، وصنيعة الرجاء، وهديّة السماء... ولا تقبل بأقلّ من ذلك، لأنّك مستحقّ!

الجمعة، 2 نوفمبر 2018

عن رحيل الناس وموت الأوطان (2015)



(إلى كثيرين طالبوني بالكتابة عن الأحياء لا الموتى)

     الكتابة عن الراحلين رِحلة في عوالم داخليّة لا نطالها إن أردنا الكتابة عن الأحياء!
    الراحلون، صورُ الله وأمثلتُه الكثيرة، يصيرونه متى صاروا عنده. يفهمون، ويعرفون، ويغفرون، ويحبّون، ويقرأون الأسطر وما بينها. ونصير نحن الذين نكتب عنهم أقلامًا في أيديهم، ننقاد خلف نورٍ انبثق من موتهم ليقودنا إلى حياة لا مكان فيها للعتب والزعل والمساءلة.
     نحن لا نتعالى عن سيّئات موتانا كرَمًا منّا وفعلَ خير، ولا خبثًا أو مسايرة، ولا لأنّنا أنقياء أبرياء، بل لأنّ الموت طهّرنا عنوة، ورفعنا بالرغم منّا فوق اهتماماتنا اليوميّة العابرة. وموتًا بعد آخر، نُجبَر على النمو بالحكمة والمحبّة. أمّا القدّيسون المختارون فأولئك الذين يختصرون الدرب، ومن الموت الأوّل يفقهون ويتّعظون. وطوبى لمن كان منهم!
   
أمّا الكتابة عن الأحياء فطريق محفوف بأشواك الشكّ، ومزروع بألغام التوقّعات، ومرصوف بحجارة مسنونة من الاتّهامات، لا يمكن أن يعبرها إلّا من حصّن نفسه كما يجب ضدّ سوء الفهم والتأويل والتحليل... وفي أكثر الأحيان لا يرى الكاتب الحقيقيّ أنّه راغب في خوض معارك من هذا النوع، لا تقدّم ولا تؤخّر في تغيير علاقته بنفسه وبالعالم، فينصرف عنها إلى عالمه الخاص الصامت.
***
    رحيل الناس في زمن موت الأوطان له شأن آخر... طقوسه مختصرة، إيقاعه سريع، حزنه ممزوج بالخوف. كأنّ المطلوب منّا أن ندفن موتانا على عجل، لأنّنا لا نعرف ماذا ينتظرنا، أو لأنّا نعرف أنّ الذي ينتظرنا غامض وخطير ومخيف إلى حدّ أنّه يجعلنا نحسد الراحلين على رحيلهم محاطين بالأهل والزهر والصلاة... 
***
    تكثر الأسئلة في زمن الرحيل، قد تبدو أسئلة عن الموت والغموض الذي يحيط به، لكنّنا على الأرجح نسأل عن الحياة نفسها، عمّا إذا كنّا عشنا وأَحببنا وأُحببنا وحقّقنا أحلامنا. غير أنّ خوفنا من الأجوبة التي نعرفها ونخشى مواجهتها، يحوّل الموت متَّهمًا أوّل مسؤولًا عن إخفاقاتنا وفشلنا. 

***
     المآتم مناسبات يجبر الناس أنفسهم على التواجد فيها، مهما بعدت المسافات وكثرت ضغوط الحياة. كأنّهم يبحثون في احتفاليّة الموت عن نفحة حياة، تعيد الأمل باللقاء. أو كأنّ الموت حجّة وحيدة نقدّمها لأنفسنا كي نترك كلّ شيء ونتبع الراحل على درب رحيله، ونحن نفكّر في الحزن والفراق والشوق والغياب والنسيان. أو كأنّنا نواجه الموت متعانقين لنقول له إنّنا متّحدون ضدّه.



الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

أنتَ لي


(Details from Gustav Klimt’s The Kiss (1908

تقولين له: أنتَ لي!
وتعرفين جيّدًا أنّه ليس لك
تصرخين به: كلُّك لي!
لكنّك لا تصدّقين صوتك
تهمسين بحياء: جسدك كلّه لي...
ثمّ تعترفين بأنّه لم يكن يومًا لك وحدك...
تكادين تهدّدين: أقتلك إن لم تبقَ لي...
لكنّك تصمتين وأنت تكتشفين أنّك لست قاتلة
وأنّه لن يبقى لك وحدك...
يموت شيء منك
يموت شيء فيك
تنوصين كضوء قنديل في بيت عتيق
تنطفئين كنيزك توهّج لبعض الوقت
ثمّ تعبرين إلى داخلك بعدما كنتِ متوغّلة فيه
تهربين منه وتختبئين فيك
يجدك
مهما ابتعدت، وركضت، وتعثّرت، ووقعتِ
ثمّ عاودتِ الوقوف، وتابعت الجري...
يجدك
شرايينه التي ليست لك تلتقطك فلا تقعين
جلده الذي ليس لك يحيط بك فلا تبردين
عيناه اللتان ليستا لك تطبقان عليك فلا يراك أحد
تنتحبين: كيف يريدني له وهو ليس لي؟
يصفعك جواب ينبت كعشب الحيطان من شقوق أحشائك:
أيّتها الغبيّة المدعيّة!
انظري جسده ملهوفًا عليك!
سلي جسدَك يخبرْك
أنّه لا يريد سواه
ولغة الأجساد
في العشق والألم
كعيون الأولاد
تعرف الأحلام
لكنّها
لا تعرف الكذب!

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.