‏إظهار الرسائل ذات التسميات وداع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وداع. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 23 أكتوبر 2025

ماذا نتعلّم من حياة زياد وموته وقيامته؟

 


ماذا نتعلّم من حياة زياد وموته وقيامته؟

قد تبدو نافرةً كلمة قيامة في العنوان، مع العلم أنّ الإيمان بقيامة الموتى من شروط الديانات التوحيديّة. لكنّ القيامة التي أقصدها في هذه المقالة من نوع آخر. هي قيامة موجة لافتة من الوعي تجاه فنّ زياد الرحباني، فضلًا عن إعادة قراءة مواقفه السياسيّة والاجتماعيّة.
فمن يتابع صفحات التواصل والمقالات عنه يجد أنّ الناس لا يتردّدون في الاعتراف بأنّهم يسمعونه الآن بطريقة مختلفة، يمكن وصفها بأنّها أكثر عمقًا وأوسع فهمًا لما كان يريد إيصاله لهم سحابة عمره، من خلال موسيقاه ومسرحيّاته وأحاديثه.
أعود إلى السؤال عمّا علينا تعلّمه من تجربة هذا الفنّان.
زياد الرحباني ظاهرة لن تفيها حقّها مئات المقالات التي كتبت، والبرامج التي عرضت، والشهادات من عارفيه ودارسيه حاولت قراءة تجربته. وسيبقى لأجيال جديدة آتية محور دراسة وتحليل وتقييم.
لكنّي شخصيًّا سأكتفي بثلاثة أمور لافتة في حياة زياد وموته وقيامته من النسيان الذي أراده لنفسه في السنوات الأخيرة من عمره.
***
أوّلًا: عاش زياد ومات أمينًا لمبادئه الإنسانيّه وخطّه الفكريّ. فهناك فنّانون من جيله ومعاصريه اعتبروا أنفسهم "ملتزمين"، لكنّهم أكلوا القضايا إذا جاز التعبير، وهناك من أكلتهم القضايا وزياد على رأسهم. لقد ذهب هذا الرجل بعيدًا في التزامه ولم يستفد منه. ذهب إلى الصلب عن سابق تصوّر وتصميم، رافضًا الانصياع لإغراء ماديّ أو مكسب آني أو مساومة عائليّة. اختار طريقه ومشى وحيدًا نحو جلجلة عطائه بلا مرافقين أو ألقاب أو امرأة تمسح وجهه المتعرّق الدامي، أو عابر سبيل يساعده في حمل صليب العمر والغربة.
***
ثانيًا: الحبّ عند زياد واقعيّ معيوش. صحيح أنّ أغنيات الحبّ عند الأخوين رحباني ليست بالطهر الذي يحلو للبعض أن يضعوها في خانته، لكن زياد الرحباني راح نحو المباشرة وفضح المشكلات وترك للمرأة مجالًا كي تطالب بتحقيق رغباتها فتطالب ببيت آمن وحياة طبيعيّة، وعلاقة جسديّة...
منذ زمن أراه الآن غير بعيد كما كنت أشعر قبل موت زياد، كنت أدرّس في الصفّ الثانويّ الأوّل ما اصطلح على تسميته بالغزل العذريّ. فطلبت من التلامذة أن يقيموا مقارنة بين قصيدتَي غزل (واحدة لجميل بن معمر وثانية لقيس بن الملوّح)، وأغنيتين لزياد الرحباني تؤدّيهما سلمى، هما "ولّعت كتير" و"حبّك مش حقيقيّ". اعتبر "الأهالي" هذا النشاط التربويّ عملًا ثوريًّا في مدرسة كاثوليكيّة، لكن آفاقًا جديدة فُتحت أمام أعين التلامذة الذين اكتشفوا زياد (كما اكتشفوا في مناسبات أخرى فيروز ومرسيل خليفة ومحمود درويش وطلال حيدروميشال طراد وغيرهم من شعراء وفنّانين من خارج المنهج).
وما لم يدخل زياد الرحباني بهذا الأسلوب إلى المنهج التعليميّ فكلّ تكريم له باطل وآنيّ ولا يعوّل عليه.
***
ثالثًا: لا يختلف اثنان على عبقريّة زياد الموسيقيّة التي تبدّت ملامحها منذ الصغر. لكن ما يجب أن يتعلّمه جيل جديد من كتّاب المسرحيّات والأغنيات تحديدًا هو اختيار مواضيع لم يلتفت إليها أحد بعد. إنّ الشجون التي تحملها أغنيات هذا الرجل تستحقّ أن تكون مادة لدراسة علميّة اجتماعيّة تكشف عن عمق التصاقه بالمجتمع ويوميّات الناس.
فلنأخذ مثلًا عبارة: "بعلمي أكلنا رجعنا جعنا لازم ناكل عن جديد" من أغنية إسمع يا رضا التي يؤدّيها جوزف صقر توأم زياد الفنيّ. ففي عبارة من بضع كلمات يطالعنا الهمّ اليوميّ المرتبط بحاجة الجسد إلى الغذاء، وما يتطلّبه ذلك من عمل وتضحيات. ويمكن الاستطراد إلى سوق العمل ومعاناة المزارعين ودوّامة الحياة التي تفرض على الإنسان غريزة حبّ البقاء... وهذا كلّه يحتاج إلى صفحات كثيرة من التحليل والتأمل.
إنّ كتابة زياد أغنياته، عدا ما لاءم همّه الإنسانيّ كشعر جوزف حرب مثلًا، لصيقة بحياته، إذ كتب كما عاش، وعاش كما كتب. لذلك لن يسهل تصديق فنّان آخر يكتب من برجه العاجيّ عن الفقر، وآخر يغنّي من منتجعه الصيفيّ عن أتون الحرّ ولا كهرباء عند الناس، وثالث يصدح من بلده الثاني المضياف الدافئ متحسّرًا على الذين يموتون دنقًا.
صدق زياد مع نفسه ومع الناس هو الذي سيصعب إيجاد شبيه له. فالعباقرة يولدون في كلّ زمن، ولكن من النادر أن نجد فنّانًا صادقًا إلى حدّ بذل نفسه في الموسيقى والكتابة والموقف في حين أنّ العصر عصر رفاهيّة وأنانيّة وتهافت على الشهرة والظهور.
لا شكّ أنّ ثمّة مغنّين ومغنيّات بدأوا بالتعاون مع شعراء مميّزين برصد حاجات الناس، فيطرحون في أغنياتهم أفكارًا جديدة على الأغنية اللبنانيّة. لكنّ المسار طويل والعمل ليس سهلًا من أجل تأسيس جمهور يتذوّق هذه الأعمال ويفهمها. وهذان التذوّق والفهم هما ما افتقده زياد في جمهور بات مع الوقت عبئًا عليه بدل أن يكون دافعًا له لمزيد من العاء وحبّ الحياة.
***
هي دروس ثلاثة في مسيرة زياد الذاهب عميقًا في دمنا، الذاهب عميقًا في الطحين (بحسب تعبير محمود درويش) ليتنا نعمل على الاستفادة منها آملين ألّا نسمعه يصرخ بنا حين نسيء إلى إرثه: وقمح!

السبت، 2 مايو 2020

الموت في زمن الكورونا (عن رحيل بطرس بو نادر)




مات اليوم بو عبدو، عمّو بطرس بو نادر، إشبين والدي ورفيق عمره، وعرّابنا نحن الأولاد الخمسة. مات في تسعينات عمره، كما يفترض بالإنسان أن يموت. مات بعد صراع طويل مع المرض وصعوبات الحياة وآلام الفقد، كما هي حال أكثر الناس في هذا العصر، مات وحيدًا في غرفة العناية الفائقة كما يجري عادة حين تتدهور حال المريض.
لكنّ الرجل الطيّب، ذوّاقة الزجل ونبع الحكايات، لم يكن وحيدًا كما تظنّون. فمن سلمت له ذاكرته كما أتيح له لا يموت وحيدًا، ومن لم يتأخّر عن واجب عزاء أو عيادة مريض، لا يموت غريبًا بين الغرباء، ومن يهرع عارضًا خدماته حين تلمّ بأحدهم مصيبة لا يمكن أن يبقى بمفرده ولو حوصر الناس في بيوتهم.
وغدًا، في مأتمه، لن يستطيع من سلّفهم محبّة وسؤالًا وزيارة أن يردّوا له الدَّين ويشاركوا في وداعه، لكنّهم سيقولون دائمًا حين يتذكّرونه: مات ودفن في زمن الكورونا، حين كنّا نموت مئة مرّة في اليوم.
لكنّ عمّو بطرس الذي مات في اليوم الأوّل من الشهر المريميّ عرف قيمة الحياة، واختبر حلوها ومرّها (يكفيه فقدُ حفيدين صغيرين في حادث سير مروّع وقع منذ أعوام). لكنّه تعلّم كيف يقاوم اليأس (لا الحزن) وكيف يتحدّى المرض ولو بربع رئة، وربع أمعاء، وربع نَظر، لكأنّ الربع الرابع منه وقد جُبل بالإيمان هو الذي أنقذه، أضف إليه حكايات قديمة عن صيد السمك سكّنت أوجاع روحه، وقصائد زجل يحفظها مغربلًا السخيف منها والسطحيّ، محتفظًا بالقيّم الدسم.
مات جسده مرارًا وتكرارًا، عمّو بطرس، مات مع موت شقيقيه، وابن شقيقه شهيدًا في الحرب، وزوجته، وحفيديه، لكنّ تفصيلًا واحدًا من تفاصيل العمر لم يغب عن باله، فما أخطأ في تذكّر اسم، أو تردّد في استرجاع بيت شعر، أو تلعثم عند سرد حكاية. وكنت أسأل نفسي وأنا أصغي إليه إن كانت الذاكرة تؤلم صاحبها إن احتفظ فيها بكلّ مجريات حياة ناهزت التسعين. ولماذا لا يستسلم هذا الرجل ويسأم كما فعل صاحبنا زهير بن أبي سلمى؟
أعتقد أنّ عمّو بطرس قاوم النسيان والموت من أجل وحيده عبدو ومن أجل ابنتيه نجلا ونهلا وأولادهما. صحيح أنّه كان يستمدّ منهم القوّة والعزيمة، وكان وجودهم سنده وعكّازه بعدما صاروا هم أولياء أمره، لكنّه في الوقت نفسه كان يشعر، على الرغم من أمراضه وشيخوخته، أنّه لا يزال مسؤولًا عنهم، ويخشى أن يتركهم بعدما تركتهم أمّهم باكرًا.
لكن ليس ذلك فقط ما أردت قوله عن رحيل عرّابي، أردت الكتابة عن حزن والديّ على إشبينهما، عن غضبهما علينا لأنّنا نحن أولادهما نمنعهما عن المشاركة في مأتمه: والدي يخبّئ دمعة ويصمت، والدتي تقول: كان يحمل قنينة الأوكسجين ويأتي لزيارتنا، إنّه إشبيننا! ولكن كيف نقنع زوجين عجوزين مريضين بأنّ جائحة الكورونا غيّرت نمط حياتنا ونسفت تقاليدنا الاجتماعيّة من أساسها، وحرّمت علينا الفرح والحزن، ولم تترك لنا سوى الخوف من الموتى والأحياء على حدّ سواء.
حزن والديّ العجوزين، وهما يطفئان التلفزيون بعد نشرة الأخبار، ثمّ ينزويان في غرفتهما، يختزل حزن العالم كلّه، لا لأنّهما يبكيان رجلًا تسعينيًّا في زمن صار فيه الموت مشهدًا يوميًّا أبطاله كبار وصغار، بل لأنّهما يحصيان في صمتهما الراحلين من الأهل والأصحاب والجيران، ويسترجعان زمنًا كان فيه للموت قيمة، ويخافان: يخافان علينا، على نفسيهما، على البلد، على الحياة وقد صار الجميع يستعجل إتمام مراسم الدفن استعدادًا لرحيل آخر. هو خوف من نوع آخر لم يعرفاه قبل اليوم، ولم يخبرهما عنه أحد، إذ لم يسمعا قبل اليوم عن عجائز تؤخذ منهم آلات الأوكسجين لتعطى لمن هم أصغر سنًّا. خوف مشروع لا علاقة له بالعمر أو الخبرة أو تراكم التجارب لأنّه خوف على مصير الناس كلّهم، وقد ارتبط بمأتم رجل لم يره أحد إلّا مبتسمًا وحنونًا، ومع ذلك مات في زمن الكورونا (لا بسببها)، فلماذا عليه أن يدفع الثمن فيدفن بصمت وكأنّه قد ارتكب ذنبًا؟
عمّو بطرس، إشبين والدي وعديله (كما كنت تحبّ أن تناديه) وعرّابي: لقد أحببتَ كثيرًا فادخل إلى فرح سيّدك القائم من الموت، ولا تتوقّف عند تفصيل صغير اسمه مأتم... فالمسيح قبلك دفن على عجل قبل أن يبدأ يوم السبت، ولا تخف على والديّ من حزنهما، لقد تركت عندنا إرثًا من الفرح، وثروة من الحكايات، وتاريخًا من الذكريات، بها نقاوم الوباء والحَجْر والفراق، ولا تخف على أولادك وأحفادك، إذ يكفيهم فخرًا أنّك لوّنت أيامهم بالأمل، ورويت أمسياتهم بالشعر فلم يعرفوا الملل، وزرعت فيهم الوفاء فوزّعوه خيرًا ومحبّة.
#ماري_القصّيفي






الاثنين، 6 مايو 2019

فوزي سعادة وحيدًا في رحلته نحو السماء (أيّار 2019)

أنا والزميل فوزي سعادة في خلال استقبال فريق الحكمة لكرة السلّة عام 1998


هو نوّار، موسم الرحلات المدرسيّة!
هو نوّار، الشهر المريميّ الذي فيه ولدتُ!
هو نوّار، وسيّد الرحلات المدرسيّة الصاخبة، رحل بصمت وهدوء!
هو نوّار، والزميل الذي كان يفاجئني في كلّ رحلة باحتفال لعيد ميلادي، ولمّا بهت زمن الرحلات، بمعايدة هاتفيّة ما تأخّرت يومًا عن موعدها، هذا الزميل، يطفئ شمعة الحياة هنا، ليضيء لنا الطريق إلى هناك!
غابت وجوه كثيرة التقيت بها في الحكمة برازيليا: المونسنيور لويس الحلو، الخوراسقف مرسيل الحلو، الأخوان طعمة ونهاد بو جبرايل، الدكتور سليم قهوجي، يولاند عون، نيكول حاتم، وغيرهم من المربّين، فضلًا عن تلامذة في مقتبل الحياة، انقصفت أغصان حيواتهم قبل أن تعطي ثمارها الواعدة.
لكنّ غيابَ فوزي سعادة وجع من نوع آخر، هو غياب الضحكة الهازجة والسخاء الصامت، هو غياب الألوان عن صور رحلات ورحلات في بقاع لبنان وجباله وسهوله، هو اعتراف بهزيمة المرتفعات أمام الكسّارات، والأنهر أمام أنابيب الصرف الصحيّ، والأشجار أمام النفايات، والنقاء أمام التلوّث...
أحبّ فوزي تلامذته، وهم أحبّوه. والجميل أنّه لم يحبب أحدًا كما أحبّ أهله وزوجته وأولاده وأحفاده وبلدته، وكنت أسأل نفسي مذ عرفته عن سرّ هذا المخزون من العاطفة يغدقها على من حوله ولا يحرم أحدًا من صدقها وسموّها ومجّانيتها.
وأحبّ فوزي التعليم، لكنه لم يكن المعلّم التقليديّ الجامد الملقّن، بل حوّل التاريخ جلسة حوار، والجغرافيه مشهديّة رائعة، والتربية نمط حياة راقٍ.
وأحبّ فوزي لبنان، فدرّس تاريخه وجغرافيّته بكلمات العاشق لا بمصطلحات المعلّم، لذلك كانت الرحلات التثقيفيّة الترفيهيّة وسيلة لتقريب الأرض من التلامذة، ولغرس التلامذة في الأرض، ولفهم التاريخ فهمًا واعيًا ناقدًا، ما جعلنا نحن المعلّمين الذين كنا نرافقه نستفيد، كما التلامذة، من دروسه في التاريخ والجغرافية والتربية. وستبقى قلاع لبنان وآثاره ومعالمه السياحيّة والدينيّة شاهدة على أنّ في التربية، كما في الفكر والفلسفة والأدب والعلم والسياسة، كبارًا من طراز فوزي سعادة، وعظماء من طينته.
وهل الكِبر والعظمة سوى المحبّة التي من دونها نحن "صنوج ترنّ"؟ فكيف إذا اقترنت محبّة هذا المربّي بالعلم والمعرفة؟
أبكيتني يا فوزي! أبكيتني على لبنان الذي أحببناه وأردنا أن يحبّه تلامذتنا! على تراثه وأرضه وهما مهدّدان في كلّ لحظة، على تاريخه المغيّب، وجغرافيّته الشوهاء، ودروس تربية لن تعلق في ذهن تلامذة يسمعون عن الفساد ما يجعلهم يكفرون بالبلد.
لكنّي أراك، من خلال ضباب الدمع، ترشد سائق الحافلة إلى درب السماء وتضحك، تضحك كثيرًا لأنّك ترى الآن ما لم تره عين، وتسمع ما لم تسمعه أذن، ولأنّك في رحلة يخيّل إلينا نحن البشر أنّها الأخيرة.
لكنّك عرفت مذ انطلقت في رحلتك هذه أنّ السماء لا تعرف رقمًا ولا عددًا، وأن لا خاتمة لأفراحها الكثيرة و"رحلاتها" السعيدة!
لقد علّمت التاريخ يا صديقي وها أنت تدخله من باب الشرف، ودرّست جغرافيا الأرض فصار من حقّك أن تكتشف السماء، وشرحت أمثولات التربية الوطنيّة، فكنت مثال المربّي الوطنيّ الصالح!  
لست خائفة عليك يا صديقي فأنت في أمان الله! بل على مستقبل لبنان، فصلِّ من أجله!
ولست قلقة على عائلتك وقد زرعتَ فيها إيمانًا ورجاء وعلمًا وشجاعة، بل علينا جميعًا في هذا الوطن المظلوم، فادعُ له ولنا بالسلام والطمأنينة!
ولترافقك في رحلتك، وحيدًا (للمرّة الأولى) نحو الْهناك، أغنيات رحلاتنا ووجوه تلامذتنا، فلا تشعر بهباء التعليم وعقوقِه، ولتصحبك ضحكات أولادك وأحفادك فتطمئنّ إلى جهادك الحسن، واذكرني حين تجلس إلى طاولتك العامرة في مطعم السماء، رافعًا كأسك البيضاء!
في رحلة إلى إهدن - 1993

في الحكمة برازيليا - 1994

في رحلة إلى شليفا - 1993

فوزي سعادة ووالده ووحيده ألكسندر


السبت، 26 مايو 2018

تتغيّر صورة الإنسان حين يكون حروفًا مكتوبة

إم جريس وأبو جريس


تتغيّر صورة الإنسان
حين يكون حروفًا مكتوبة

*إلى إم جريس، إلى ثريّا، إلى كلّ الرّاحلات بصمت الرّضا.

توقّفت أمام ورقة النّعي الملصقة على حائط المزار، في وسط السّاحة، وقرأت الاسم وكأنّي أكتشف صورة لصاحبته، جديدة.
للمرّة الأولى، تظهر تلك السّيّدة للعلن، ويكتب اسمها، للمرّة الأولى والأخيرة، بالقلم العريض، بالخطّ الأسود العريض، في وسط الصّفحة، وتحته اسم زوجها الرّاحل بحروف أصغر.
على تلك الورقة البيضاء، داخل الإطار الأسود، اجتمعت العائلة حولها، أولادها وشقيقاتها وأشقّاؤها وأنسباؤهم في الوطن والمهجر، وكانت هي سبب اللّقاء، ونجمته البيضاء.
للمرّة الأولى في حياتها، وفي مماتها، تثير ضجّة وتجمع حولها النّاس الباكين الآسفين، هي الّتي عاشت بصمت، وما أحبّت الأضواء يومًا وما أحبّت الظّهور يومًا، وما أحبّت أن تكون محطّ الأنظار.
تزوّجت صغيرة جدًّا، وحضنت إخوة زوجها وأخواته، وأنجبت عشرة أولاد، ورافقت مرض زوجها خمسة عشر عامًا، وبعد وفاته، رافقتها أمراضها، ورافقتها الآلام المبرحة، ورافقتها الابتسامة الدّافئة.
وتعلّمت، منذ صباها، كيف تقبل صعوبات الحياة، وكيف تحسن تربية أولادها، وأجادت، بالفطرة الحكيمة، الانسحاب حين كان دورها ينتهي.
~~~
رأيتها مسجّاة على الفراش الأبيض، متضايقة من نفسها، سبّبت الحزن والألم لمن أحبّتهم أكثر من حياتها، ولكن، أليس هذا ما صلّت طيلة حياتها من أجله، أن ترحل قبل أن يصاب أي من أولادها بأذى.
ورأيتها خجولة، صارت محطّ أنظار النّاس ومحور أحاديثهم، يراقبونها بفستانها الأبيض، ويتابعون تغيّرات لونها.
تلك السّيّدة الّتي لم يتح لها أن تقرأ اسمها على بطاقة العرس، زمن كان هذا التّقليد غير شائع، كتبوا اسمها بالأحرف الكبيرة على الأوراق البيضاء المكلّلة بالسّواد والمعلّقة على حيطان الحيّ، فأشعروها بالإحراج.
تلك السّيّدة الّتي رحلت بصمت وهدوء وهي تسأل لماذا يبكي حفيدها، تذكّرت في ساعاتها الأخيرة والدها الّذي كان يحبّها ويعاتبها لأنّها تسهو، وقالت لابنتها المسمّرة على قدميّ السّرير: شو حلوي هالدّني.
~~~
يقول الإعلان:
"توفت ثريّا... أرملة يعقوب... في دارة العجزة. في تاريخ 19/ 10/ 1991. عندها عفش قديم مكسّر وغير صالح، موجود أمانة عند شركة ... شتقوم الشّركة برمي هذا العفش في مكبّ النّفايات بعد أسبوع من تاريخه إذا لم يتقدّم أحد لأخذه أصولاً بحسب القانون".
"النّهار" 15 تمّوز 1994
مسكينة ثريّا
بقي عفشها أمانة لثلاث سنوات، ولم يطالب به أحد، فرمي في مكبّ النّفايات.
أغراضها الخاصّة، رفيقة العمر، حاملة الحنين، صديقة الأفراح والأتراح، لم تبق صالحة إلاّ لمكبّ النّفايات.
كرسيها وسرير عرسها وخزانة الثّياب اختصرت بعبارة واحدة، عفش قديم مكسّر.
طاولة الصّبحيّات ومقعد يعقوب المفضّل والمرآة المؤطّرة بخشب عتيق صارت مسرحًا للجرذان.
ماتت ثريّا، ورمي العفش، وانتهت قصّة الأرملة الوحيدة المحوطة بالعجائز والذّكريات والأنين.
ماتت دون أن تسأل عن مصير حاجاتها بعدما حاصرها النّسيان والإهمال، والعفش الّذي لم يطالب به أحد لثلاث سنوات هل يكون أحسن حظًّا من صاحبته؟
ثريّا الفقيرة لم تجد من يحضنها في حياتها، ولا من يمشي خلف نعشها، ولم تترك بعدها إرثًا أو صندوق مجوهرات يتسابق إليهما الأقرباء.
ثريّا العجوز المعلّقة بين الذّكرى والواقع تحوّلت إلى إعلان مبوّب وصارت موضوعًا لكتابة نبيعها من صحيفة يوميّة.
كم تتغيّر صورة الإنسان أمام أعيننا عندما يتحوّل إلى حروف مكتوبة فوق صفحة بيضاء.
ميّ م. الرّيحاني
(الاسم المستعار لماري القصّيفي)
جريدة "النّهار" الأربعاء 21 أيلول 1994

*إلى إم جريس، إلى ثريّا، إلى كلّ الرّاحلات بصمت الرّضا.





الأحد، 22 أبريل 2018

"حبيب مشلب" آخر عمالقة الطفولة

الراحلون سليم وإميلي وحبيب
ومعهم جورج أطال الله في عمره


هل كنت أنتظر رحيل هذا الرجل كي أحكي عن ستة رجال عمالقة كأعمدة بعلبك أحاطوا بطفولتي: خالي "سليم" وخالي "ميلاد مشلب" و"فؤاد ميلان" زوج "حنينة" خالة والدتي و"عبده كرم" زوج عمّتي "روزالي" وابنا عمّ والدتي "نجيب" و"حيبب مشلب"؟
والدي ممشوق القامة، لكنّه والدي، أعمامي ليسوا قصارًا، لكنْ في هؤلاء الستّة طول ممزوج عند بعضهم بضخامة جعلتني أنا الطفلة بكر والديها والمصابة بشلل الأطفال - أي المحاطة باهتمام خاصّ -، أشعر حين يحضر أحدهم بأنّني لن أبقى على الأرض، بل سأطير بعد قليل فوق ساعدين مفتولين ولن أقع، ولن تعيقني رِجل أو تؤخّرني دعسة ناقصة.
لم يكن يعنيني عهدذاك ماذا يفعلون في الحياة، أو كيف هي حياتهم مع زوجاتهم وأولادهم، أو كيف هي طباعهم وتصرّفاتهم مع سواي. فهم بالنسبة إليّ رجال كبار: ضخمة أجسادهم لا تنحني إلّا لي، صلبة قلوبهم لا تلين إلّا لتحنو على ضعفي، عنيدة أفكارهم لا تتراجع عن مواقفها إلّا أمام أوجاعي.
في تلك المرحلة التي امتدت من الطفولة إلى الصبا، لم أعِ ما كان يحدث، ولو سئلت يومها عمّا أراه في هؤلاء وغيرهم من أهلي وأقربائي والجيران والأصدقاء فما كنت لأعرف بماذا أجيب، إذ كنت مشغولة إلى آخر نبض في عروقي بهاجس المشي والخوف من إعاقة تحرم خطواتي معانقةَ الدروب والطرقات. ثمّ أتت مرحلة العمل والبحث عن الحبّ، فابتعدت عن غير قصد عمّن أحاطوا بسرير الوجع، كمن يهرب من ذكريات تجرح ولا فائدة من مواجهتها لأنّي لن أعرف كيف أداويها، أو كم يعترف بعجزه عن مشاهدة انطفائهم الذي لا يشبه ما كانوا عليه.
وفي تلك المرحلة أيضًا، كان أترابي يلعبون ويتّسخون بالتراب، في حين كان أهلهم عُوّادي وزائريّ، يتحدّثون في شؤون الكبار وشجون الحياة، ما علّمني الهرب عبر شبابيك الخيال إلى عوالم أخرى فلا أسمع الأحاديث ولا أنخرط في الحوار.
وكبرتُ، وتقدّم هؤلاء الستّة في العمر وتراجعوا في العافية، وحين مرضوا واحدًا بعد آخر، خفت من مواجهة ضعفهم فهربت إلى طفولتي لأستعيدهم عمالقة يحملونني ويطيرون بي فوق سواعد ما عادت تساعدهم على قضاء أبسط حاجتهم.
"نجيب" احدودب ظهره وانحنى كعلامة استفهام تبحث في الأرض عن نقطتها.
"عبده" ضربه المرض في رأسه فتألّم ومات.
"سليم" و"ميلاد" و"فؤاد" و"حبيب" ذابوا، على اختلاف أعمارهم، في حضن أسرّتهم لأشهر وسنوات، فاضمحلّت فيهم العضلات، ونحلت الأجساد، وذابت القوّة، وبهتت العافية، فعادوا أطفالًا مستسلمين لا حياة إلّا في عيونهم المتلهّفة لوجه أليف وابتساماتهم الصادقة لكلّ من حولهم.
الآن وقد رحل "حبيب" آخر عمالقة الطفولة من الأقرباء، وعلى الرغم من معاناة كلّ منهم، أنظر إلى الحبّ الذي وزّعوه، كلّ بحسب معرفته وقدرته، وقد نلت منه طفلة حصّة وفيرة، وإلى الحبّ الذي أحيطوا به من زوجاتهم وأولادهم وكنّاتهم وأصهرتهم وأحفادهم، فتعود إليّ طمأنينة البدايات، ويخفّ الألم، وتبرأ جراح الروح، وتندمل ندوب الجسد، وأعود لأرتفع عاليًا على سواعد استعادت بالموت قدرتها على الرفرفة كأجنحة ملائكة.

 



الجمعة، 23 مارس 2018

عن موت إميلي نصرالله وحياتها


1- رحلت إميلي نصرالله في الزمن الغلط. رحلت في موسم انتخابيّ قبيح لا تتّسع مهرجاناته ولقاءاته للحديث عنها. في زمن قحط إعلاميّ لا يلتفت إلى خبر غيابها إلّا على عجل وفي نهاية النشرة، ولا يواكب مراسم الدفن أو يسجّل لحظاته المؤثّرة. في عصر انحطاط ثقافيّ غابت عنه الصفحات الثقافيّة التي كان على أعمدتها أن تنحني احترامًا لدورها وعطائها.

ماتت إميلي نصرالله، لكن ليس قبل أن تحيا الحياة التي تشرّف الحياة.




2- غاب عن مأتم الست إميلي فلّاحون كانت منهم، وبقيت منهم. وغابت طيور انطلق مع أجنحتها حسّ روائيّ نقيّ صادق أصيل. وغابت أزهار حقول عشقتها لتحضر أكاليل، أين منها ورود زيّنت زوايا بيتها الذي هُجّرت منه، فأمرضها التهجير بعدما جرح قلبها غياب زوجها.

وعن هذا المأتم قالوا: شيّعت زحلة اليوم... - نعم، فقط زحلة - وليس لبنان كلّه، وليس عالم اللغة العربيّة كلّه... وليس عالم الأدب الذي ترجمت كتبها إليه..



3- أجمل ما كتبته إميلي نصرالله حياتها مع زوجها فيليب. حين التقيتها، وكان مريضًا، بدت كمن يعاني من نقص ما، أو كأنّها تائهة في عالم مخيف، أو كعاشقة مشتاقة حائرة تستعجل لحظة اللقاء به عائدًا من مرضه لتخبره تفاصيل يومها ومجريات الأحداث.

أعتقد أنّ الاستقرار العاطفيّ والعائليّ الذي عرفته مع الزوج / الحبيب هو ما أشاع الاتّزان والثبات في مسيرتها الأدبيّة. لكأنّ فيليب هو قريتها الكفير، وهو الأب والأم والأخوة، وهو الأرض المعطاء، وهو البيت الآمن، وهو الكلمة التي تولد منها روايات وقصص وقصائد ومقالات... وهو الرجل الذي تكتمل به المرأة بلا خوف على أنوثتها أو موهبتها...



4- ينتهي هذا اليوم، يوم عيد الأمّهات، وتخفّ وتيرة المعايدات، لكنّ وجه إميلي نصرالله، "أمّ الرواية اللبنانيّة" كما وصفتها صحيفة الأخبار اللبنانيّة، يعاند عتمة الليل، ورهبة الموت، فتشرق ابتسامتها من خلف حجاب الغياب، مضيئة باهرة.
كيف نعلّم أنفسنا أنّ الأمومة ليست احتفاليّة يوم في السنة، وأنّ الرحيل ليس موضوعًا صحافيًّا يُكتب وينشر إتمامًا لواجب، وأنّ الكتابة عمّن نقدّرهم ونحبّهم ليست موضة مرهونة بموسم أو مرتبطة بروزنامة، وأنّ تكريم المبدعين ليس فورة انفعاليّة، آنيّة، عشوائيّة، تنتهي لحظة يموت مبدع آخر؟
إميلي نصرالله! سنبحث عن أناقتك حين تجرح عيونَنا رداءةُ ما صارت ترتديه النساء، وعن تهذيبك حين تؤذي سمعَنا وقاحةُ مدّعيّات الجرأة، وعن جرأتك حين تصدمنا ادّعاءاتُ مسترجلاتٍ زحفطونيّاتٍ مزيّفات، وعن تواضعِك حين تشرئبّ أعناق شويعرات صغيرات لاهثات خلف الشهرة، وعن صلابة الفلّاحة التي فيك حين تثير اشمئزازَنا ميوعةُ اللواتي والذين يأنفون من ذكر القرية ويتعالون على ملمس التراب، وعن لغتك السليمة الصافية النقيّة الصادقة حين تبدو كلمات الآخرين ثرثراتٍ ترهق النفس.

الأحد، 3 ديسمبر 2017

عمّتي إميلي روزنامة الأعياد (2015)

سليم وإميلي يراقبان سرب طيور

يكاد أربعون عمّتي إميلي يقترب والكلمات لا تزال تهرب منّي، كما تهرب فرحة الأعياد من قلوب الحزانى. لعلّني رأيت في موتها تمرينًا على موت صرنا نخشى أن يحصد كبار العائلة، وهذا ما يجعلني أحاذر الاعتراف برحيلها، لعلّها تبقى بعد أكثر...
عمّتي روزنامة الأعياد التي سقطت آخر ورقاتها منذ أكثر من شهر، وجارور الحلويات الذي أغلق إلى الأبد، عمّتي المريضة الأنيقة رحلت، والليلة، ليلة عيد البربارة لا حلويات من صنعها ولا مائدة تستعدّ لعيد الميلاد.
لكأنّ الأعياد بلا أمّهات ليست أعيادًا. أو كأنّ الأولاد يكبرون فجأة حين تموت الأمّهات، والأحفاد يغادرون الطفولة على عجل حين تموت الجدّات. أو كأنّ نكهة الأطعمة لا تعود هي نفسها، ورائحة البيت تفقد الكثير من خصوصيّتها.
عمّتي ليست صغيرة، لكنّ أوجاعها هي التي كانت كبيرة، وهذا ما يبكينا ونحن نتذكّر حياتها ومعاناتها وهي لا تعرف أنّها مصابة بالسرطان الذي ترافق مع غسل الكلي.

لكنّي الليلة أكتب وأنا أرى إلى أمّي تغالب دموع الحزن على المرأة التي كانت ابنة حميها وزوجة أخيها في الوقت نفسه، وتزرع الحبوب في صحون الفخّار بركة تستعيض بها عن شجرة العيد.
أكتب لعلّ عمّتي تعود ولو قليلًا، فتداعب رأس زوجها الذي أقفلت الجلطة الدماغيّة مسار الحكايات فيه، وتعدّ الحلوى وهي تدّعي الصراخ والغضب على الأحفاد الذين يملأون البيت صخبًا وعيدًا، وتنشغل بالإعداد لعرس صغيرها عمر.
أكتب، لعلّ طعم السكّر يعود إلى الحلوى، ولعلّ المرأة التي صمتت تخرج من صورتها لتفتح الباب لأحفادها وأولاد الجيران المتنكّرين، ولعلّها تصطحب معها أحبّاء كثرًا رحلوا ولا يزالون يقيمون في جراح الذاكرة.
غير أنّني مع كلّ كلمة أكتشف كيف تصير الكتابة مزراب الدمع... 

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

عن مرسيل التي هزمت الموت


قد أتوشّح بالصمت أمام الموت، قد أنزف كلمات، قد أذرف دموعًا، قد أخشع متأمّلة في معاني الرحيل... لكنّي في صبيحة هذا اليوم، حين رأيت عمّي التسعينيّ يحضن ابنته الستينيّة وهو يعلم يقينًا أنّ الدفء المخادع الباقي في جسدها النحيل ليس سوى محاولة أخيرة منها كي تدفئ شيخوخته... في صبيحة هذا اليوم، وحين رأيت ذلك بعين القلب، تصالحت مع الموت.
بدت لي ابنة عمّي نائمة في أمانِ من ارتاح من أوجاعٍ ما فارقتها يومًا، في سكينةٍ هي من طبيعة تكوينها، في هناءة كانت من أبرز صفاتها، وهي التي سمّاها بعضنا ملاكًا، وبعضنا اعتبرها قديسة الصمت والوجع، لكنّنا كلّنا أجمعنا على أنّها لم تؤذ أحدًا، لم تفعل سوى الخدمة، لم تغتب أحدًا ولم تثرثر ولم تعبس ولم تغضب... في صبيحة هذا اليوم، بدا لي أنّ مرسيل تعود إلى حيث كان عليها أن تكون، حيث لا بكاء ولا ألم ولا حقد.
هذه الفتاة التي لم تكبر يومًا ولو تخطّت منتصف عمرها كيف استطاعت أن تبقى صغيرتنا؟ كيف حافظت على نقاء روحها في زمن لوّثت الأمراض أجسادنا؟ كيف احتمل جسمها النحيل كلّ هذه المحبّة فوقفت إلى جانب والدها حين فقد زوجته وولده يوسف، وإلى جانب شقيقتها دعد حين فقدت زوجها أسعد، وحين ساعدت شقيقتيها عايدة ونوال وشقيقها شربل بصلواتها وخدمتها وصمتها وابتسامتها؟ ومن علّمها ألّا تنتظر من أحد أيّ شيء كأنّها تؤمن بأنّها حصلت على كلّ شيء وهي التي لم تملك شيئًا؟
الموت الذي عانق مرسيل صبيحة هذا اليوم صار أجمل وأنقى، وبدل أن يفرض عليها قسوته، كسرت هي شوكته، وبدل أن يغلبها ببرودته انتصرت عليه بدفء قلبها. وأنا التي كنت أتهرّب من مواكبة الراحلين في لحظاتهم الأخيرة كي لا أشهد على عجزهم وعجزي، وجدتني اليوم، وأنا أمسك بيد مرسيل النحيلة المسترخية أشعر بلقاء عالمين مسكونين بالرهافة واللطف والفرح، عالم تحمل مرسيل الكثير الكثير من ملامحه كأنّها مذ ولدت واحدة من أهل السماء، وعالم صار الراحلون من أهل الريحانيّة يعيشون في رحابه.
مرسيل الستينيّة النائمة في حضن والدها التسعينيّ طمأنتني اليوم إلى أنّها لن تغيب عن موسم الزيتون، ولن تترك الريحانيّة بلا بركة صلواتها وفيض بسمتها، ولن تعتب على جان وموريس وبيار وجوزف ومارون وريبكا إن لم يعودوا من غربة أيّامهم ليشاركوا في مأتمها لأنّها تقيم في حنايا قلوبهم حيث لن تموت، ولن ترضى بأن تبكي مريام العروس أو يحزن هنري وإيلين ونور وسحر ولمى وبشارة ومابيل وجوليان... لقد كان الموت عندها دائمًا أهون من أن تسبّب الألم لأحد، وها هي تصيّر الموت إغفاءة بين أمّ تنتظرها هناك وأب يودّعها هنا.

وغدًا، حين أجلس في الكنيسة إلى جانب نعشك يا مرسيل سأعرف أنّك تضحكين كما كنت تفعلين حين أزورك، وسأبكي لأنّي أمام رحيلك لا أجد الكثير من الكلمات.

السبت، 4 مارس 2017

بشارة كميل بو لحّود العائد جمرًا لا رمادًا

حين كانت الريحانيّة تسهر عند بيت بو لحّود

بشارة بو لحّود (بالبزّة البيضاء)

مرّة جديدة، تطوي الريحانيّة صفحة من ذاكرتها بغياب رجل عاش نصفٌ من كيانه فيها، وقضى النصف الآخر باحثًا عن دفئها في صقيع كندا. وكما أنّ من حياة تشبه سواها، كذلك فما من رحيل يشبه ما سبقه أو قد يشبه ما يليه... فموت إنسان ما موتُ ذاكرة وخلايا ومشاعر وأحاسيس لا يمكن أن تشبه سواها. وموت بشارة بو لحّود وجه من ميتات كثيرة تختبرها هذه البلدة العاجزة عن التمسّك بهويّتها وطبيعتها وناسها. قد تكون هذه حال بلدات ومدن كثيرة، لكن من قال أنّ تعميم الوضع يخفّف من وطأة آثاره؟
يوم اثنين الرماد، ومع بداية الصوم، استعدّ بشارة كميل بو لحّود لرحلة العودة من كندا رمادًا في وعاء، منهيًا بذلك مشوار غربته الطويل. فجأة، وحين علمت أمّي بالخبر، انتبهت إلى أنّ منزل بيت بو لحّود اختفى من أمام بيتنا حين حجبه عن العين بناء ضخم، حديث لكن قبيح ووقح. فخلُصت إلى أنّ الريحانيّة التي كانت تعرفها لم تعد موجودة، وحزنت كما لو انّ إمّ بشارة وأبا بشارة رحلا أيضًا الآن.
لا أذكر ظروف هجرة بشارة، بِكر العائلة الذي رحل باحثًا عن شيء ما، هاربًا من شيء ما، ولا أعرف إن كان ذلك الرجل قد نجا ممّا كان يهرب منه، أو عثر على ما كان يتوق إلى إيجاده. لكنّي أعرف أنّ الرجل الذي لم يتزوّج، ولم يترك خلفه ولدًا يضع زهرة على مدفنه، صار رمادًا ينذر بمصير مشابه ينتظر هذه الأرض التي يؤوب إليها... إن لم نتّعظ، نحن أهلَها وساكنيها.
قد لا تكون قصص المهاجرين كلّها حكايات عن الوحدة والصراع والعذاب وصولًا إلى الموت بين غرباء... بالتأكيد هناك نجاحات وحيوات ملؤها السعادة والأمان، لكن الأكيد أيضًا أنّ ثمّة قصصًا عن معاناة واحدة لها أكثر من وجه، معاناة التمزّق بين وطن هو عائلة وبيت ومدفن ينتظر تراب الجسد، وبلد يبيعك الأمان والضمان بميتة تشبه ملايين الميتات...
لم تكن الحياة في الريحانيّة سهلة ولا هانئة. لعلّ العكس هو الصحيح. لكن ثمّة خصوصيّة لها - قد تكون هي التي جعلتني ما أنا عليه - تدعوني للبكاء عليها مع كلّ موت. ولا أعرف كيف أصف هذه الخصوصيّة من دون أن أبدو كأنّني أبالغ أو أضفي لمسات شاعريّة بعيدة عن الواقع.
ولكن يمكنني أن أجزم بأنّ الريحانيّة بالنسبة إليّ هي مزيج من طبيعة وقصيدة وصلاة. لا يملك أهلوها الأراضي لكنّهم يعرفون قيمة الأرض، ليسوا شعراء معروفين لكنّهم يطربون للكلمة الحلوة، ليسوا قدّيسين لكنّهم لا يغيبون عن الكنيسة إيمانًا منهم بأنّ الطريق إلى السماء تمرّ عبر مذبحها. لذلك كانت الحياة فيها، على تواضعها، هانئة هادئة بطيئة الإيقاع حتّى الذين أتوا إليها مستأجرين بيوتها ذابوا في هذه الخصوصيّة حتى باتوا جزءًا منها. 
لكنّ الريحانيّة اليوم تُحتضر، وتموت شيئًا فشيئًا. تتناتشها تسميات أخرى، تذوب في كيانات جديدة، تُترك لمصيرها الغامض، فلا يبقى غير كنيسة مار الياس (التي لا صالة لها ولا منزل للكاهن قربها) مكانًا يكفي لاحتفالات صغيرة متواضعة، ويعجز عن استيعاب جمهور المناسبات الكبيرة. وإلى غير هذه الكنيسة، يتوجّه غدًا أبناء الريحانيّة لصلاة الجنّاز عن نفس بشارة كميل بو لحّود، العائد قلبه جمرًا تحت الرماد، جمرًا مشتعلًا بالحسرة على وطن غارق تحت جبال النفايات، وبلدة تختفي بيوتها الصغيرة تحت هيمنة الأبنية العالية المخالفة القوانين. فبشارة الذي نعرفه ليس كمشة رماد، ولا حفنة تراب، هو ابن عمّو "كميل" وتانت "نيني" اللذين لم يتأخّرا يومًا عن واجب أو يتقاعسان عن خدمة، هو ابن بيت مفتوح للضيف والسهر والطاولة الكريمة، هو شقيق أخوة وأخت لم يؤذوا شخصًا في حياتهم، هو جار لطيف المعشر، لا يُثقل على أحد، ولا يفرض نفسه على مضيف. يجمع المعلومات من حيث تتاح له، ويسهب في عرضها حين يجد نفسه محاطًا بجمع من المصغين، ويعرف متى يصمت وينكفئ.

غدًا، في القدّاس، سيكون إلى جانب كلّ منّا، وجه من وجوه الريحانية الغائبة خلف الغيم: من بيت بو لحّود، من بيت الحلو، من بيت القصّيفي، من بيت مشلب، من بيت غيّا، من بيت بو خليل، من بيت متّى، من بيت صوما، من بيت داود، من بيت حرب، من بيت كسرواني، من بيت يونس، من بيت كرم، وقرب المذبح سيكون هناك بو بشارة وإم بشارة وابنهما ميشال يستقبلون بشارة، وعمّه اسكندر يخدم القدّاس، فلا يبقى الرجل مغتربًا أو مهاجرًا أو وحيدًا... 

الثلاثاء، 17 يناير 2017

فاتن حمامه! لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا (2015)



     يجب أن يموتوا... وإن لم يفعلوا فعلينا أن نقتلهم... فجمالهم لا يلائم قبحنا، وصدقهم لا يناسب أقنعتنا، ورقيّهم لا يليق به الدرك الذي وصلنا إليه.

     ليس الأمر حنينًا شاعريًّا إلى زمن مضى، ولا وقوفًا على أطلال أمجاد عبرت، بل هو لحظة مصارحة مع الذات، تستعاد مع رحيل كبار نبدو صغارًا أمامهم، صغارًا لأنّنا لم نتعلّم منهم الصبر والتأنّي والاجتهاد واحترام الآخر والعمل والوقت.
     رحيل فاتن حمامة، بعد رحيل رعيل كبير من الفنّانين والمبدعين هو أكثر الأمور طبيعيّة في هذا الزمن الشاذّ، فلا هي تشبه بشاعة ما صارت الحياة عليه، ولا داعيَ بعد الآن لابتسامتها البريئة في زمن القتل والعهر والذبح والتحريم... وليتوقّف المترحّمون عن الدعاء لها بالغفران، فإن كان فنّها لن يشفع بها، فلن تشفع لها دعوات من لا يملك قبسًا من نور ضحكتها، أو نسمة من لطف روحها.

     يجب أن يموتوا... من بقي بعد؟ فليموتوا ولنعرف أنّنا صرنا في جحيم حقيقيّ، ولنكفّ عن هذا التفاؤل الساذج، والحلم الغبيّ، والانتظار العقيم. فلن يكون الآتي أفضل مهما كثرت برامج نبش المواهب وإطلاق النجوم والتنقيب عن الفنّانين... ولن ينضحَ إناء بغير الفساد الذي فيه... 

     الصوت الجميل سيجد تاجرًا... والرقص الجميل سيجد قوّادًا... والعزف الجميل سيجد قاتلًا... والشاعر الجميل سيجدون له فتوى تحلّل قتله...

     لم يكونوا قدّيسين وأولياء صالحين، لم يعطوا دروسًا في العفّة ويلقوا عظات عن الشرف، لكنّهم كانوا شغوفين بالفنّ... مجانين يبحثون عن الفردوس المفقود فيجدونه في النغمة والصوت والكلمة وعين الكاميرا وحركة الجسد... مهووسين بالرغبة في خلق عالم يطرح أسئلة ولا يدّعي معرفة الأجوبة... مسكونين بحلم الخلق... مؤمنين بأنّهم أنصاف آلهة يرى الواحد منهم في الآخر صنوه ومتمّمه ونصفه الثاني لتكتمل الألوهة في الفنّ الذي لا خلاص للعالم من دونه...

     لم يخطر لي يومًا وأنا أمام إبداعات فنّاني مصر ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين أنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى دين وطائفة ومذهب وبلد... لم تكن صباح مسيحيّة ولم يكن فريد الأطرش درزيًّا ولم تكن فاتن حمامة مسلمة... لم يكن شوشو سنيًّا وعاصي الرحباني أرثوذكسيًّا وبرج فازيليان أرمنيًّا ووديع الصافي كاثوليكيًّا وزين شعيب شيعيًّا، لم تكن هند رستم مصريّة ومنى واصف سوريّة وهند أبي اللمع لبنانيّة، لم يكن بدر شاكر السيّاب عراقيًّا ومحمود درويش فلسطينيًّا ومحمد الماغوط سوريًّا...
     كان الفنّ وطنهم ودينهم ومذهبهم وإمامهم وشيخهم وقدّيسهم... وكنّا أمامهم نخشع ونصغي ونتغيّر ونحلّق... 
     لكنّهم تعبوا من اجتراح معجزات الخلق وتعبنا من الحلم، فليرحلوا وليتركونا بلا أحلام وآمال... فاليأس لا يتطلّب جهدًا، والقعر آمن لا يقع أحد منه.

     فاتن حمامة... أيّتها الفاتنة البيضاء... موسم السلام لمّا يأتِ بعد... فاذهبي إلى حيث لا رصاص ولا مدافع ولا أطفال يموتون، واطلبي من الله أن يغفر لمن لم ير منّا أنّ الفنّ صورة السماء ومثالها. ولا بأس أن تموتي... لا بأس أن ترحلي... لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا بعدما جحدنا بفضل نعيمك الإبداعيّ!   

الجمعة، 6 يناير 2017

عن رحيل عمّي سعد أهضم زلمه (6 كانون الثاني 2017)



أكاد أجزم بأنّ الأديب فؤاد كنعان كان يقصد عمّي سعد بقوله: يا صبيّ يا أزعر يا لذيذ. هكذا كان عمّي الذي رحل ليلة عيد الغطاس، وهكذا بقي حتّى وهو في غيبوبة المرض. إذ كان حين يصحو يوحي، لمن حول سريره، بأنّه لا يزال ذلك الشاب الجامح يخوض مغامرة جديدة، في إحدى الرحلات التي كان يقوم بها بحكم عمله قبل الحرب سائقًا في شركات سياحيّة.
حين وصل اليوم جثمان عمّي سعد من المستشفى إلى الكنيسة، وبعدما استقبلته دموع زوجته وأولاده وشقيقته وأشقائه وأحفاده، وبعدما ودّعته العائلة وتركته بحسب التقاليد الجديدة لينتقل الجميع إلى الصالون، حيث توافد المعزّون، تقصّدتُ أن أبقى معه في كنيسةٍ تبثّ موسيقى دينيّة هادئة أجزم بأنّه لم يصغِ إليها يومًا، ولا أعتقد أنّه في تلك الساعات الباردة التي تفصله عن صلاة الجنازة شعر بأنّه كان سيحبّها لو استمع إليها.
كنّا شبه وحيدين، كنّا شبه صامتين، كنّا شبه مستغربين المكان الذي نوجد فيه. فلا هو من الذين يحتملون البقاء في مكان واحد لأكثر من بضع دقائق، ولا أنا من الذين يبقون مع الميت كي يرفعوا الصلاة لراحة نفسه. ولكن كلانا يحبّ "الحكي"، صحيح أنّه لا يعرف كيف يتكلّم بصوت منخفض، وصحيح أنّني لا أحبّ الصوت المرتفع، لكن حوارنا في ذلك الوقت، لم يكن فيه صوت، وبالتالي، لم يكن ثمّة داعٍ كي أقول له: يا عمّي لشو هالصريخ؟؟؟ ولا هو كان قادرًا على معاندتي كما كان يفعل كلّ مرّة، فيرفع وتيرة النبرة أكثر فأكثر.
كان عمّي سعد صوتًا صارخًا! في البريّة وفي الصحراء وفي المدينة وفي البيت وعلى الطريق! يرسل صوته أمامه ليعدّ له الطريق، وليطرق عنه الباب، منبّهًا الجميع إلى أنّ عاصفةً من الحكي والأخبار والنكات والمشاكسات تصل بعد قليل لتقضّ سكينة المكان. ومع ذلك فها هو الآن صامت هادئ يكلّمني بنبرة لطيفة طالبًا منّي أن ألتحق بالآخرين لآكل شيئًا، لأشرب فنجان قهوة، كوب ماء... غير أنّي كنت راغبة في تمضية الساعات الأخيرة من وجود جسده خارج عتمة القبر، للاستمتاع بجدال جديد معه، حول كلّ شيء، وحول لا شيء.
كنت على عادتي في الامتناع عن زيارة المرضى في المستشفيات، لا أريد أن أراه ممدّدًا معانيًا مقيّدًا بخراطيم تمدّه بوهم حياة. كنت أعرف أنّني سأرى موته الأكيد لو زرته في المستشفى، في حين أنّني الآن، وهو مسجّى في تابوته البنيّ، أراه حيًّا عنيدًا صاخبًا يريد أن يفرض قوانينه وشروطه:
-       لا أريد أن يكذب الكاهن على الناس فيجعلني قدّيسًا!
-       لا أريد أن يجلس الرسميّون في الصفوف الأماميّة مبعدين إخوتي وولدي عنّي!
-       أريد أن أغلب عنتر للمرّة الأخيرة!
-       أريد جورجيت، أين هي زوجتي؟
-       أريد إبني ميشال، لماذا لم يأتِ من السفر؟
يا عمّي! أنت ميّت لماذا لا تقتنع؟ أقول له. سيقول الكاهن ما ينتظر الناس أن يقال في مناسبة كهذه، سيحتلّ ممثّلو القيادات والقادة الصفوف الأماميّة ولن يأبهوا لإخوتك العجزة الذين حضنوك حيًّا وميتًا، وعنتر غلبك هذه المرّة ولن تستطيع بعصاك أن تخضعه ليركع أمامك، وزوجتك تتقبّل التعازي في الصالون، وميشال لم يستطع الحضور... لكنّ "ميلاد" هنا يقوم بالواجب كما فعل دائمًا. فكفّ عن إصدار الأوامر وارتح.
حين لم يجب عمّي، ظننت أنّه بالفعل مات. أو أنّ هذا الرجل الثمانيني العنيد مات مرّة ثانية. لكنّه عاد ليفاجئني بحزم وهو يقول: ما بدّي كون قدّيس، أنا زلمي منيح بس مش قدّيس. عشت حياتي وسافرت ورحت وجيت بس ما إذيت حدا... بتحدّى حدا يجي ويقول إني إذيتو. يمكن ما إذيت غير حالي، يمكن ما كنت منتبه ع كتير إشيا، بس كلّو كان عن غير قصد.
-       لكن يا عمّي في هذا أيضًا نوع من القداسة! على الأقلّ أنت لا تكذب على نفسك أو على أحد، ولا تحقد على أحد، ولست خبيثًا!
***
كان عمّي سعد مسكونًا بشياطين المتعة على أنواعها، متعة السفر، متعة الترحال، متعة البحث عن الجمال، متعة تبذير المال، متعة التدخين، متعة الشيطنة المختبئة في قلب طفل، ومتعة المراهقة المتشبّثة بعقل رجل صار زوجًا ووالدًا وجدًّا ولم ينتبه... لم ينتبه إلّا حين فاجأته أمراض الشيخوخة فاكتشف أنّ العمر قد مضى وأنّ جسده ما عاد قادرًا على مواكبة توثّب نفسه التائقة دومًا إلى السفر، إلى الخروج من بين جدران البيت، إلى الخروج من شرنقة الذات.
من أجل اقتناء سيّارة، زمن كان الناس في بلدتنا يتنقّلون على الدواب، ضحّى عمّي سعد بالكثير! فحلم الانطلاق في مغامرة الطريق كان بالنسبة إليه أقوى من أيّ قيد ماديّ أو واجب عائليّ، ونداء الليل كان يمنع عنه هناءة النوم، والتوق إلى قيادة سيّارة نحو مكان، أيّ مكان، قادر على إخراجه من سرير الأمان ليرمي بنفسه في مجاهل المغامرة.
عاش عمّي سعد في غربة المكان ولو كان بين أهله وأحبابه، وفي غربة الزمان كأنّه ولد في الزمن غير المناسب، لكأنّه البوهيميّ بين رهبان دير، أو الشاعر المجنون بين مجموعة علماء عاقلين. واليوم، حين ودّعته قبل أن تبدأ مراسيم الجنازة بالشكل الذي توقّعه عمّي، اكتشفت أنّ هذا الصبيّ الأزعر اللذيذ يملك قدرة غريبة على رسم ابتسامات مختلفة الأحجام والأشكال على وجوه المعزّين، لأنّ عارفيه عن كثب يدركون وبكلّ بساطة أنّ فيه، ككلّ واحد منّا، صفات سيّئة كثيرة، لكنّه على الأقلّ، وبالتأكيد، أهضم زلمة عرفته العائلة.




مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.