‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضيوف المدوّنة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضيوف المدوّنة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 26 فبراير 2021

الموسيقيّ الدكتور وليم نصّار المقاوم بالموسيقى حتّى آخر مظلوم في الأرض

 


الفنّان وليم نصّار 

الموسيقيّ الدكتور وليم نصّار المقاوم بالموسيقى حتّى آخر مظلوم في الأرض

        لسواي من رفقاء وليم نصّار في الحزب الشيوعيّ أن يتحدثوا عن تجربته الحزبيّة والسياسيّة؛ ولسواي من النقّاد الموسيقيّين أن يكتبوا عن قيمة أعماله، وأن يدرسوها أكاديميًّا وعلميًّا؛ ولغيري ممّن واكب مسيرته عن كثب أن يصفه كإنسان مقاوم، أمّا أنا فأكتب مقالة انطباعيّة عن بعض أعماله الغنائيّة ما كنت أحسب أنّني، بعد فيروز، سأجد أغنيات (وليس كلّ ما أصدره نصّار) لن أملّ من الاستماع إليها، لأكتشف كلّ مرّة أنّ في كلٍّ منها جديدًا لم ألحظه سابقًا.

ما يجمع النتاج الموسيقيّ لنصّار، في رأيي، التزامه الأكيد بقضيّة آمن بها فجعل صوته وموسيقاه والكلمات التي وضعها أو كتبها سواه في خدمتها، وليس العكس، أي أنّ مشروعه الفنيّ ليس فنيًّا بحتًا على الرغم من تخصّصه الأكاديميّ في الموسيقى، وخصوصًا الإتنية منها. وهذا ما يميّزه عن عدد من الفنّانين الملتزمين الذين بدت القضيّة السياسيّة في بعض أعمالهم وسيلة لا غاية. ما لفتني في بداياته، وكان لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، اهتمامه بالتوزيع الموسيقيّ، معطيًا لكلّ آلة حقّها في العمل، وهذا أمر يحسب له إذ يعبّر عن إيمانه بالعمل الفريقيّ، وتوزيع الأدوار، لا بالنجوميّة والأحاديّة. فنجده مثلًا في أغنية "مويل الهوى" التراثيّة الفلسطينيّة، يبرز البيانو والناي والكمنجة والقانون في عزف منفرد يفرض نفسه وعازفه في عمل يحترم التراث، ويؤمن بأنّ على الجماعة كلّها أن تكون في خدمة المبدأ والقضيّة.

والقضيّة التي يبدو لكثيرين، عن غير وجه حقّ، أنّها محصورة بفلسطين هي بالنسبة إلى نصّار قضيّة الإنسان والمجتمع بغضّ النظر عن الدين والوطن والعرق واللون، لذلك دافع عن لغة المسيح الآراميّة، ودافع عن حقوق الأرمن والأكراد، وعن الأزيديات وسواها من القضايا التي جعلته ناشطًا لافتًا وفاعلًا في مجال حقوق الإنسان في كندا (منفاه الاختياريّ) والولايات المتحدة وأوروبا. ولم يتردّد في توجيه نقد لاذع وخطير للمنظّمات الفلسطينيّة واليسار اللبنانيّ والفلسطينيّ حين اعتبر أنّهم تخلّوا عن القضيّة الأساس.


يحمل وليم نصّار شهادة الدكتوراه في العلوم الموسيقيّة (إثنو- ميوزيكولوجي) ومارس مهنة تدريس الموسيقى في عدد من الجامعات والمعاهد الموسيقيّة في أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ولا يزال، إلى جانب نشاطه الموسيقيّ والغنائيّ. كما يحمل عضويّة عدد من الجمعيّات الموسيقيّة الدولية، ويعتبر اليوم أحد أهم فنّاني أغنية الاحتجاج في الغرب الداعين إلى نبذ العنف ووقف الحروب في الشرق الأوسط.

ثمّة محطّة أساس لا بدّ من التوقّف عندها قبل الإضاءة على ثلاث من أغنياته، هي الإصابة بالسرطان. ففي العام 2014 أصيب وليم نصار بسرطان الدم وسرطان الكبد، وخضع لعلاج قاس لمدة عام ونصف. ويخصّص الفنّان، كعربون وفاء للدعم المعنويّ الذي تلقّاه من الجمعية الكندية لمكافحة مرض السرطان، حفلتين في كلّ عام يعود ريعهما كاملًا لصالح الجمعيّة متبرّعًا والموسيقيين الذين يرافقونه ببدل أتعابهما، فضلًا عن كونه ناشطًا فاعلّا في مشاريعها وبرامجها. والإشارة إلى المرض هدفها لفت الانتباه إلى أمرين: أوّلهما أنّ المرض الذي يأبى أن يتركه لم يثنه عن العملين الفنيّ والاجتماعي/ السياسيّ، فكان يقيم الحفلات ويشارك في الاعتصامات ويخضع للتوقيف والتحقيق حتّى وهو في المستشفى، مع الإشارة إلى أنّه لا يزال يتابع العلاج حتّى الآن؛ وثانيها أنّه اختبر الألم الجسديّ بكلّ أنواعه (السرطان ومحاولة الاغتيال) فازداد رغبة في تحسين أوضاع الناس، رافضًا الحروب والظلم، داعيًا إلى الفرح والسلام، ما انعكس في أعماله الموسيقيّة ومقالاته.    

على طريق عيتات

البداية مع الأغنية الأشهر لوليم نصّار "على طريق عيتات"، هي الأغنية التي أطلقت اسمه ولونه الفنيّ المميّز، وتعرّضت بعد انتشارها وبسبب شهرتها للقرصنة والسرقة في أكثر من بلد وبصوت أكثر من مغنيّة ومغنّ. في تركيا أدخلوا اسم اردوغان، وفي سوريا استبدلوا اسم عيتات بالقرداحة، وإحداهنّ استبدلت عيتات بعيتيت، وبدل "جمّول" (جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة) وضعوا "علي" وأسماء أخرى، وسرقات كثيرة غيرها، ما دفع بنصّار إلى رفع دعاوى قضائيّة تحفظ حقّه، وحقوق من وضعت الأغنية من أجلهم.

صدرت الأغنية عام 1986 لتكريم الأسير أنور ياسين، صديق نصّار، ثمّ أعيد تسجيلها بتوزيع جديد عام 2015، بعنوان "ترتيلة حمرا" من ألبوم "شو بتشبهي الرمّان". ثمّ أعاد صاحبها نشرها بأسلوبين آخرين، جاز وأوبرا، ليكون مجموع أنواعها أربعة، كأنّ وليم نصّار، كاتب كلماتها وملحّنها ومغنّيها، يجد فيها غنى موسيقيًّا قابلًا للتنويع وإعادة التوزيع، أو كأنّي به يتمسّك بمرحلة المقاومة القادرة على التعبير عن نفسها بأكثر من أسلوب ولغة ووسيلة، أو يذكّر نفسه بالبداية الثوريّة، رافضًا تغيير مبدأه الأساس وهو العداء للكيان الصهيونيّ وما يمثّله، أو يؤكّد لمن يحاول إسكاته من الداخل اللبنانيّ المتأسرل المتصهين أنّه باق على العهد.

ومع ذلك، لم يسلم وليم نصّار من حملة تكذيب وتشهير شنّها عليه بعض المنتمين إلى الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (ربّما لأسباب شخصيّة كالغيرة والحقد)، لمشاركته في المهرجان الدوليّ للموسيقى الاثنيّة في كيبيك، وحاز فيه جائزة المهرجان الأولى فرفض تسلمها كي لا يصافح موسيقيّة صهيونيّة. وكأنْ لم يكفه أن يتعرّض لهذا الهجوم من بعض الفلسطينيّين الذين اعتبر نفسه واحدًا منهم، والذين تعهّدوا بالاعتذار بعد مشاهدة فيديو الحفل ولم يفعلوا، حتّى أتته الملامة من المجتمع الغربيّ الذي اتّهمه بمعاداة الساميّة نتيجة رفضه الجائزة، فارتفعت أصوات تطالب بسحب الجنسيّة منه.  

بيروت

في 25 شباط من العام 1987، وبعد سبعة أشهر من إصدار أغنية "بيروت"، وبالقرب من ثكنة الحلو، مرّت سيّارة بالقرب من وليم نصّار، وهو خارج من أحد المقاهي، فأصيب في يده وصدره. وفي اليوم نفسه أحرق المعتدون بيته بعد نهبه، وصارت المكتبة الضخمة وألبومات صور العائلة رمادًا. يروي نصّار في أحاديثه أنّه يعرف من أطلق عليه النار ولماذا. ومع ذلك لم يغادر بيروت مباشرة بعد محاولة الاغتيال، بل بقي فيها لغاية سنة 1993، وحين أخذ قرار الهجرة، فعل ذلك، بحسب تعبيره، "بسبب الحريرية واتفاقات أوسلو، واستفحال الاستبداد المخابراتيّ السوريّ". فاختار المنفى الطوعيّ في كندا، وانضمّ إلى أهله هناك، حيث تابع الدراسة، محاولًا أن يتابع الحياة متحديًّا الغربة والملاحقة ومرض السرطان.

في أغنية "بيروت"، ثلاث عبارات تلقي الضوء على لغة مختلفة متحديّة لم يكن هناك ما يماثلها في تلك الفترة: سرقوا هدايا العيد وليلة الميلاد – الشعارات العتيقة – يا إمّي شيلي حجابك، وهي بذلك تفضح مطلق النار الذي صادر عيد الميلاد، وبقي ملتصقًا بالشعارات العتيقة واستفزّته عبارة نزع الحجاب. ولكنْ فيها بالنسبة إليّ شجن وحزن ورؤيا مستقبليّة سوداوية على الرغم من الرهان على السنديانة الحمرا التي، بحسب الأغنية، تطمئن إلى الغد ما دامت تكبر وتنمو، وعلى الرغم من "الفجر الطالع وغنيّة بكرا ويللي بيكفّوا كتار". وما النفي الطوعيّ الذي اختاره نصّار سوى اعتراف بأنّ السنديانة الحمرا لم تستطع أن تحميه من شمس حارقة بدأت تحوّل البلاد صحراء قاحلة في الطبيعة والفكر والفنّ.

أمّا عن لحنها فأكاد أجزم بأنّ الحنان السائل منها بكلمتي بيي (بيي بتذكر شو قلتلي) وإمّي (ولو فيكي يا إمّي تمحي عن الحيطان) لا مثيل له في أي أغنية عاطفيّة أو وطنيّة أو سياسيّة. ولعلّ من يستمع إلى هذه الأغنية سيجد أنْ جرى تقليدها في كثير من الأصوات والأغنيات.  

شو بتشبهي الرمّان

"شو بتشبهي الرمّان" أغنية عاطفيّة تعبّر بالنسبة إليّ عن مشروع نصّار الموسيقيّ الذي يجب أن ينصرف إليه بعدما استنزفته الأغنية السياسيّة، وإن كنت لا أحبّ لصق السياسة بأغنياته التي أعتبرها إنسانيّة/ اجتماعيّة. ففي كلمات "شو بتشبهي الرمّان" جرأة في التعبير عن الحبّ، لا تبتعد عن الجرأة في الموقف الملتزم بالقضايا الكبرى، ليصير الحبّ هنا قضيّة كبيرة كذلك، تستحقّ بدل الصوت صوتين، إذ استعمل نصّار صوته بأسلوبين يوحيان بأنّ ثمّة شخصين يغنيان. لكأني به يعبّر عن حاله بجزء من صوته وعن الحبيبة بجزء آخر من الصوت نفسه، لتحضر المرأة، بين الصوتين، بصدرها العامر، وعطر جلدها، وشفتيها المرتعشتين، وريق فمها السكريّ الطعم، وجسمها القمحيّ ولون الخبا الغافي في حميم مواضعه. وقد تكون هذه الأغنية، في رأيي، من أكثر الأغنيات اللبنانيّة/ العربيّة تصويرًا لمشهد حسيّ حميم بلا كلمة نابية تجرح الجمال وتخدش العشق، برفقة موسيقى غنيّة تجعل المستمع إليها يكتشف كلّ مرّة آلة جديدة لم يلحظ وجودها من قبل، كأنّ الأغنية تتجدّد مع كل إعادة واستعادة.

وإذا كنت اعتبرت هذه الأغنية جزءًا من العمل الثوريّ لنصّار، فلأنّني أرى المرأة حاضرة فيها بجسدها وشهوتها، كما تحضر في العمل الحزبيّ والاجتماعيّ، لتكون شريكة الرجل في أيّ نشاط أو واجب... أو متعة هي من أبسط حقوقها.



الموسيقيّ وليم نصّار مع المطران هيلاريون كبوجي

نصّار ووجه الكنيسة الثائر

إنّ اختيار هذه الأغنيات لا ينتقص طبعًا من قيمة غيرها، أو من قيمة المقطوعات الموسيقيّة التي تحمل أسماء تجعلها جزءًا من رسالته الفنيّة الثوريّة. لكنّي، إذ أتمنّى على الدكتور نصّار ألّا يكتفي بشهرته الكنديّة/ الأميركيّة/ الأوروبيّة، وأن يعمل على تعريف الأجيال اللبنانيّة الجديدة به، وكثر لم يسمعوا باسمه كما لاحظت حين نشرت بعض أغنياته على مواقع التواصل، أدعوه إلى مواجهة أعدائه بالموسيقى والمزيد من الأغنيات. فهو، وإن كان ينشط على صعد كثيرة ومنها العمل الصحافيّ بنشره مجلّة "الكاتب اليساريّ" التي تصدر بثلاث لغات، ويحارب المرض الذي أنهكه منذ شبابه وحاربه كما حارب إسرائيل والتعصّب والجهل والحقد، مقصّر في إصدار ألبومات موسيقيّة هي كلمته التي لن تسكتها رصاصة مكتومة الصوت، أو مرض مهما بلغ خبثه فلن يصل إلى خبث من يدّعي محاربة إسرائيل، ثمّ يقتل من ينتصر عليها بالموسيقى والحضارة والعلم.

مقلّ وليم نصّار في إطلالاته الإعلاميّة العربيّة واللبنانيّة، لكنّي ومن خلال مقابلتين له مع زاهي وهبي عبر تلفزيون المستقبل وفاتن حموي عبر إذاعة صوت الشعب، وبحسب موقعه الرسميّ على الإنترنت، ومنشوراته على فيسبوك وتغريداته على تويتر، أجده يمثّل، بحسب انطباع شخصيّ لن يعجب على الأرجح الدكتور نصّار، حال كثيرين من المسيحيّين الذين اضطهدهم مجتمعهم المسسيحيّ المتهوّد ولم ير فيهم وجه المسيح الثائر، ثمّ اضطهدهم مجتمعهم اليساريّ المنحرف لأنّه كان صورة عن ثورة المسيح التي فضحت ثورتهم، واضطهده بعض الفلسطينيّين لأنّه أشار إلى انحراف في مسار القضيّة، واضطهده الغرب لأنّهم كان فلسطينيًّا أكثر من كثير من الفلسطينيّين.

لذلك، وانسجامًا مع قراءته الخاصّة لمجريات الأمور، والتزامًا بمواقفه التي دفع ثمنها في دكاكين تجّار الهيكل، كان من أوائل الداعمين لزيارة البطريرك الراعي إلى فلسطين، فتوجّه إليها في الوقت نفسه، وكتب مقالة افتتاحيّة في مجلته "الكاتب اليساريّ"، هاجم فيها رافضي الزيارة، وردّ على حملة تخوين البطريرك المارونيّ وعلى الداعين لمحاكمته بتهمة التطبيع. وكان من المتوقّع ألّا تمرّ هذه المقالة من دون أثر، فمن جهة توقّفت الحملة العلنيّة ضدّ البطريرك، ليردّ، في المقابل، من طالتهم كلماته بحملة إشاعات وتشهير وتقارير إلى الأجهزة الأمنيّة، خصوصًا أنّه أنهى مقالته بموقف حاسم، فكتب:

"أسجّل موقفي أخيرًا وبالقلم العريض …

أنا الشيوعيّ ذو الخلفيّة المارونيّة... الملحد... والمعارض لكلّ أشكال التطبيع مع "إسرائيل" .. دولة وشعبًا "يهوديًّا"… أعلن أنّني مع أيّ زيارة أو إقامة في فلسطين … سواء كانت فلسطين الضفة الغربيّة أو فلسطين التاريخيّة … فهذا تحدٍّ وكسر للتعنّت اليهوديّ في منع لمّ شمل الفلسطينيّين .. لإبقائهم معزولين عن أشقائهم العرب … ومعتقلين في سجن كبير اسمه الوطن ..

أنا وليم نصّار... الملحد … والشيوعيّ من أصول مارونيّة حتّى آخر قطرة دم... وغير المؤمن بالكنيسة .. أعتبر أنّ زيارة البطريرك بشارة الراعي .. ممارسة لحقّ العودة إلى فلسطين … رغم أنف ضابط الأمن "الإسرائيليّ".

سنأتي إلى إسرائيل وفلسطين .. وإلى موارنتها على وجه التخصيص …  رغم كلّ الدروب الشائكة … وبكافّة الوسائل والطرق الممكنة ..

سنعبر إليهم …  وكنيستنا المارونيّة رأسها أعلى من أن تطاله المسوخ …"


***

أنشر هذه المقالة في توقيت يقع بين ذكرى محاولة اغتيال وليم نصّار يوم 25 شباط 1987، وقبل توجّه داعمي البطريرك المارونيّ بشارة الراعي إلى بكركي يوم السبت 26 شباط 2021، تأييدًا لطلبه حياد لبنان، وقبل أن يصدر الفنّان اللبنانيّ الكنديّ ألبومه الجديد "ارتباك".

هي إذًا مرحلة ارتباك لنا جميعًا، فهل سنعرف اليقين بعدها؟

لعلّ الفنّ يكون طريقنا الجميل إليه! 

***

روابط خاصّة بالموسيقيّ وليم نصّار:

 facebook.com/w.nassar5 

          https://williamnassar.com/

                             


الاثنين، 25 مارس 2019

المعلّم الشهاديّ والمعلّم الأديب - أنطون قازان

منحوتة تمثّل أنطون قازان


أنطون قازان
(بالضغط على الرابط كلمة قازان في تسجيل نادر في مهرجان ذكرى شبلي ملّاط)

واصف البارودي

كان المحامي الراحل انطون قازان من أولئك الذين يمارسون المحاماة، وفي الوقت نفسه، يمارس الأدب بحب وشغف وعمق، تماماً كما فعل غيره من المحامين في لبنان، من أمثال: بشارة الخوري وشارل حلو ويوسف السودا وعبدالله لحود وجوزف مغيزل وعبدالله الأخطل وجوزف باسيلا وفؤاد المشعلاني واميل بجاني وغالب غانم وادمون رزق وعصام كرم وسليم باسيلا والسلسلة طويلة... فالعلاقة بين الأدب والمحاماة في لبنان علاقة قديمة ووثيقة.
بعد رحيله، نحت له الفنان حليم الحاج تمثالاً، وأزيح الستار عن التمثال، الذي أقيم في ساحة عامة، في زوق مكايل في سنة 1995، ورفعت صورته في «المكتبة الوطنية» في بيروت سنة 1974، وأطلق اسمه على شارع في منطقة الجمّيزة.
***
المعلّم الشهاديّ والمعلّم الأديب
من كلمة المحامي الأديب أنطون قازان في ذكرى وفاة المربّي الأديب واصف البارودي (1964)

... تمكّن (واصف البارودي) أن يكون مربيًّا دون أن تتحكّم بأدبه مظاهر التعليم. فيوم راح يعلّم بثَّ نفحات الموهبة، وسعى في التلقين إلى طريق الذوق، فهو الشجرةُ المفيَّحة يتحلّق حولها الظامئون.
إنّ المربّي الأديب نعمة من الله يسبغها على مختاريه لتستمرّ بركة الأدب وتخصب جنّاته.
ما أحوجنا في هذا الوقت عينه، وطلّاب العلم يكادون يغتصبون الشهادات اغتصابًا، فلا يتزوّدون من كنوز المعرفة إلّا بالمقدار الذي يمكّنهم من قريب الغاية، ما أحوجنا إلى ذلك الذي بعدت في نفسه الغايات، حتّى كادت تضمحّل، لتنهضَ على أنقاضها الشخصيّة ويستقيم التكثيف الحاضريّ.
ولقد يعبّر المعلّمون الشهاديّون ولا يبقى من تجارتهم سوى إطارات شاحبة متروكة على الحيطان، أو لفافات مطويّة في الزوايا المنسيّة.
أمّا المعلّمون الأدباء فلهم على الدنيا بسطة سلطان، قوامُه المعرفة الصحيحة والإبداع الخيّر.
إنّ ساعة مشحونة بالتلميحات الثقافيّة البعيدة، وزاخرة بالتفجير الجماليّ، من معلّم أديب ترك الكتاب ليفتح صفحات الحياة، وأوصد كوى المناهج الضيّقة ليُشرع أبواب التراث الإنسانيّ، كساعة عدل توازي ألف ساعة عبادة.
ويطلّ الباروديّ من مجتمعه المدرسيّ إلى فُسح المجتمع الأكبر، ثائرًا على المدرسة الجزيرة، رابطًا بينها وبين الشطآن، فيتابع تلك الرسالة البنّاءة بادئًا من حيث يجب أن يبدأ ومنتهيًا إلى حيث يقيّض له الله.
والشجرة الإنسانيّة تُتعهّد من أغصانها، فتنمو بمقدار ما تُرعى. ويعرف الباروديّ أن يستخلص من مهمّته التعليميّة ما يكفي لازدياد عناصر الرسالة في الأديب الموجِّه، ومن هنا أثر ذلك الكاتب الذي التزم إصلاحًا بطريقته الموزونة وأسلوبه السمح النافذ.
إنّ البساطة الحلوة التي تميّز بها في كتاباته، والتي بلغت حدّ الصفاء، هي من مقوّمات الأدب التوجيهي الذي يُضحّي في سبيل الغاية بكثير من مغريات السبل.
وتتجلّى قدرة البارودي الأديب المعلّم في حديثه الذي يراوح بين طبعيّة الصديق الألوف ورصانة المحاضر الذي لا ينسى دعوته إلى التقويم والإصلاح. إنّه المحدّث الذي يُقصد، فالحكمة جارية على لسانه، والطُرَف محمولة على راحة الحافظة، وهو الذي أُشبع من مقول العرب وانفتح على تراثهم العظيم، فراح يتصرّف بيسر وقدرة ليُبدعَ أدبًا مُسْنَدًا.
أنطون قازان
(ذوق مكايل 1927-1973)




السبت، 28 أكتوبر 2017

ضيف المدوّنة الصديق الشاعر علوان حسين



ليت كل النساء هن ماري القصيفي
ليتهن يلقطن ما يتساقط من قمح سنابلها
فحنطتها حبات لؤلؤ..
هي تسهر على الحب بجنون ٍ عذب 
وحين تنام ُ تظل عيونها مفتوحة .
كلماتها نساء يرتدين َ الأسرار َ مرصعة ً بالشغف .
كلماتها عصافير وقصيدتها أمومة .
كلماتها مرايا ونوافذ تستدرج الريح .
في كل كلمة تتفتح زهرة 
ومع كل قصيدة ٍ لها يرتعش ُ إله .
ماري القصيفي تضحك ُ
ودمها ينزف ُ قصائد َ وحكايات ٍ ودموع .
لا امرأة تربّي الحب َّ
أو تأويه بين أضلعها
كما تفعل ماري القصيفي .
الحب ُ على صدرها مسيح ٌ صغير ٌ
يرشف ُ من نهديها نبيذ المودة .
يا نساء المعمورة ضعن على رأسها
تاجا ً ولو من شوك 
فهي آخر رسولة ٍ تسجد ُ تحت أقدامها الكلمات ُ .
كل كلمة موجة دافقة
حزنها بحر ٌ بلا ضفاف .
ماذا لو كنت القميص الأزرق 
وقد نسجته أصابعها الوردية 
من حرير الكلام ؟
لو كنت أحد أزرار هذا القميص .
لو كنت غيمة على شعرها
صفحة ً حرفا ً أنيقا ً
طعنة ً شهوة ً أو كتابا ً بلا حروف .
لو أحبتني امرأة مثل ماري القصيفي
ويسيل السحر من بين أصابعها
نهرا ً من شوق ٍ وعواصف .
لو أولد أو أحتضر وأنا بين يديها
لو أستيقظ ذات يوم ٍ كقصيدة
كتبها عاشق ٌ منتحر ٌ
على سرير أحلامه 
وهو يهذي بأسمها ماري ماري 
ثم أركض شفافا ً لأمسك َ القمر .

السبت، 1 أبريل 2017

الشاعر والمؤلّف الموسيقيّ بشارة الخوري في سطور


الفنّان بشارة الخوري في سطور
بقلم ابراهام أوهنّسيان*


بمناسبة عيد مولد الشاعر والمؤلّف الموسيقيّ بشارة الخوري الستين، الموافق يوم الثامن عشر من آذار ٢٠١٧، نرى لزامًا أن نُسلّط المزيد من الضوء على هذا المبدع، فنتناول مَحتِده، سيرتَه وأعماله.

* ولد في طرابلس شمال لبنان. هاجر سنة ١٩٧٥. مقيم حالياً في مهبط السماء (Skyfall) في اسكتلندا.


أوّلاً – المَحتِد:

وُلِدَ بشارة الخوري في حيّ النقاش، من أعمال بلديّة أنطلياس، بتاريخ ١٨ آذار ١٩٥٧، في بيتٍ يَصُحُّ القول بأنّه مستَنبَتٌ للعباقرة (Une pépinière de génies).
جدّه لوالده، هو الشاعر بشارة عبد الله الخوري (١٨٨٥ – ١٩٦٨) المُلقّب بالأخطل الصغير، الذي أسّس جريدة "البرق" سنة ١٩٠٨، وانتُخب نقيباً للصحافة سنة ١٩٢٥. له "الهوى والشباب" و"شعر الأخطل الصغير". وهو من أشهر شعراء الغزل. نظم أيضًا قصائد وطنيّة ضمّنها هجاءً لاذعًا في حقّ الساسة الفاسدين وفي حقّ الشعب المتواني عن مقاومة الظلم والفساد، الأمر الذي من شأنه إيجاد تفسير لرفض السلطات اللبنانيّة، غداة الاستقلال عن فرنسا، طلب إعادة إصدار جريدة "البرق" التي عطّلتها سلطات الإنتداب، سنة ١٩٣٢، وأوقفتها عن الصدور*.

*  الدكتور جوزف الياس، مقال بعنوان "مئة سنة على صدور جريدة "البرق"– جريدة النهار: العدد ٢٣٤٥، تاريخ ١- ٩ - ٢٠٠٨


بُويِع الأخطل الصغير إمارة الشعر العربيّ إبّان احتفالٍ تكريميّ في القاعة الكبرى، بقصر الأونيسكو، سنة ١٩٦١ برعاية رئيس الجمهوريّة آنذاك، الأمير اللواء فؤاد شهاب، وبمشاركة كبار الشعراء العرب.

المؤلّف الموسيقيّ بشارة الخوري في حضن جدّه الأخطل الصغير

والده، عبد الله بشارة الخوري (١٩٢٢-٢٠٠٥)، هو نجل الأخطل الصغير. حاز إجازة الحقوق الفرنسيّة من جامعة القدّيس يوسف، في بيروت، سنة ١٩٤٤. مارس مهنة المحاماة، فكان من أبرز رجالاتها. لكنّ ذلك لم يُثنه عن كتابة الشعر سرّاً مذ كان تلميذًا في مدرسة الحكمة، ثمّ علناً حين ألقى، سنة ١٩٦٩، بمناسبة مرور سنة على وفاة الأخطل الصغير، قصيدة "مولد الموت" وفيما بعد، حين نشر ديوانين شعريَّيْن باسم عبدالله الأخطل: "الديوان الأخير"، سنة ١٩٨١، و"عمري ألف عام"، سنة ١٩٨٤. ولعبدالله الأخطل أيضًا مخطوطات غير منشورة.


بشارة الخوري مع والده عبدالله الأخطل

من كتاب زينه صالح كيّالي - ص 18

والدة بشارة الخوري، هي سلوى حنّا الرحباني (١٩٢٩-٢٠١٣)، التي رافقت شقيقيها، عاصيًا ومنصورًا، كمغنيّة تؤدّي أعمالهما عند ابتداء مشوارهما الفنيّ، وذلك قبل التقاء عاصي الرحباني بنهاد حدّاد (فيروز). تعلّمت سلوى العزف على آلة البيانو. كانت شاعرةً رهيفةً. لها خواطر شعريّة منشورة، في بعض الصحف، باسم "هلا الريم". وقصّةٌ منشورةٌ باسمها الأصليّ (وجهي الآخر)، فضلاً عن خواطر وأقاصيص غير منشورة.
سلوى الرحباني والدة بشارة الخوري

من كتاب زينه صالح كيّالي -  ص 16
***

أخوال بشارة هم الرحابنة عاصي (١٩٢٣ – ١٩٨٦)، منصور (١٩٢٥ – ٢٠٠٩) والياس (تولّد سنة ١٩٣٧)، الأغنياء عن التعريف. قدّم الرحبانيّان، عاصي ومنصور، في المرحلة الممتدّة من ١٩٥٧ إلى ١٩٧٥، مع فيروز والفرقة الشعبيّة اللبنانيّة، أعمالاً حقّقت نهضة موسيقيّة عارمة في لبنان استمرت أصداؤها إلى اليوم.*
وساهم الياس الرحباني في إدخال اللحن الغربيّ على الأغنية اللبنانيّة وفي انتشارها في أصقاع متعدّدة من العالم.
يتبيّن، ممّا تقدّم، أنّ بشارة الخوري تكوّن ووُلد ونشأ بين ربّة الشعر وربّة الموسيقى. وهذا ما يتبدّى بصورة أكثر وضوحًا، عندما نلقي نظرة شاملة على سيرته.

* كمال ديب، تاريخ لبنان الثقافي من عصر النهضة إلى القرن الحادي والعشرين، بيروت، المكتبة الشرقية، ٢٠١٦، ص. ٢١٣


ثانياً – السيرة:



ظهرت سيماء النبوغ الشعريّ والموسيقيّ لدى بشارة الخوري منذ الطفولة. فالولد الشقي، ذو السنوات الأربع، بدأ يقول أبياتًا شعريّة من "عنديّاته"، فتتولّى والدته أمر تدوينها على دفاتر صغيرة ملوّنة*.
وكان يُبدي فرحاً عارماً خلال دروس العزف على البيانو التي كانت تتلقّاها سلوى، والدته، على يد مادلين مدوّر بيليفانيان**، في "الفيلّلا" العائلية المتربّعة فوق تلال حيّ النقّاش، الخضراء وقتذاك، والمطلّة – بلا استئذان – على البحر.
في السادسة من عمره، شرع بشارة الخوري بتعلّم أصول العزف على البيانو. إلا أن نقطة التحوّل الحاسمة باتجاه ارتقائه أدراج الإحتراف العالي، في الموسيقى، تكمن في التقائه، سنة ١٩٦٩، وكان في الثانية عشرة، بالأستاذ هاكوب أرسلانيان***. فلهذا الأخير، وهو المتمرّس في تدريس المواد النظرية المتعلقة بأصول الكتابة الموسيقية، مَقدرة فريدة على شرح هذه المواد (المعقّدة والمنفّرة بالنسبة إلى كثيرين) بطريقة واضحة، بسيطة وسهلة من دون الوقوع في السطحيّة والإختزال، وعلى تلقينها للتلامذة بسلاسة قلّ نظيرها إذ يَعتبر أنها مجرّد أدوات لصقل الموهبة (هذا إن وُجِدَت) لا لتكبيلها. وهو يطبّق المنهاج نفسه، المتميّز بالبساطة والسرعة والفعّاليّة والنأي عن التعقيد، أيضاً عندما يقوم بإعطاء دروس في العزف على البيانو.
درس بشارة على الأستاذ هاكوب أصول التناغم الصوتي العامودي (harmonie)، والتناغم اللحني الأفقي (contrepoint)، والـ (fugue)، التي هي من إرهاصات الـ (contrepoint) وتمتاز بالقالب الهندسي الصارم؛ ومادّتَي التحليل الموسيقي (analyse) والتوزيع الأوركستراليّ (orchestration)، فضلاً عن العزف على البيانو. كما توطّدت أواصر صداقة شخصيّة عميقة بين هذا التلميذ وذاك المعلّم.
من كتاب زينه صالح كيّالي - صفحة 38

من سنة ١٩٦٩ إلى سنة ١٩٧٩ (وهي حقبة تخلّلتها سنوات الدراسة على الأستاذ هاكوب أرسلانيان)، توالت مؤلّفات بشارة الخوري الموسيقيّة، (وتنوّعت)، بحيث اشتملت على سمفونيات وكونشيرتات لآلة البيانو والأركسترا، ومقطوعات (صولو) لهذه الآلة، وقصائد سمفونية للأوركسترا، كما تضمنت إصدار إسطوانتين من الموسيقى الخفيفة والمنوعات الشرقيّة، فضلاً عن بعض الأغاني.
* أنظر بالفرنسيّة Figures musicales du Liban, Bechara El-Khoury compositeur, par Zeina Saleh KAYALI, éd. GEUTHNER, Paris, 2016, p.16
** المرجع ذاته  p.20    ibidem 
*** من مواليد المصيطبة، بيروت، سنة ١٩٤٥. هو ابن مهران أرسلانيان الذي كان قائداً لأوركسترا الجيش. تتلمذ في الموسيقى على بوغوص جلاليان واستيبان إميان. موسيقار علّامة ذو فضل في تربية جيل من الموسيقيّين المحترفين.

في سنة ١٩٧٣، أصبح قائد جوقة التراتيل في كنيسة مار الياس الكبرى – أنطلياس، فوضع ألحانًا كنسيّة عديدة من بينها "إذهبوا في الأرض كلّها"، "يا من تعمّدت في نهر الأردن"، "يا جسدًا على الصليب"، إلخ.
في ميدان الشعر، أصدر بشارة الخوري ثلاثة كتيّبات: "السكوت المتوحّش" (١٩٧١)، "الرياح الأخيرة" (١٩٧٢) و"مجيئك الغريب صدفةً" (١٩٧٣). منحه الرئيس سليمان فرنجية، وهو في الخامسة عشرة، جائزة "الشاعر الأصغر سنًّا"، في احتفال اقتصر على المقرّبين.

مع اندلاع الحرب اللبنانية قرّ الرأي على وجوب مغادرة بشارة الخوري لبنان. فهو صاحب موهبة موسيقيّة فذّة، ولم يعد باستطاعة هذا البلد، الداخل في الفوضى والتحلّل والخراب، أن يتيح أيّ مجال لموهبة مثل موهبته. الأمر الذي دفع بالأستاذ هاكوب أرسلانيان إلى تشجيعه على الرحيل*. وَلكن إلى أين؟ فقد صُرِف النظر عن الذهاب إلى  أرمينيا (الجمهورية السوفياتية وقتذاك) وإلى إيطاليا. وكان لا بدّ من اتخاذ قرار بالسفر... إلى باريس. فَحُزِمت الحقائب في ١٢ شباط ١٩٧٩، ولمّا يبلغ بشارة الثانية والعشرين.
وصل بشارة الخوري إلى باريس وفي يديه حقيبتان كبيرتان: واحدة تحتوي الملابس وثانية تضمّ مؤلفاته الموسيقيّة!... وهناك التقى بيار – بوتي (١٩٢٢-٢٠٠٠)، المؤلّف الموسيقيّ الفرنسيّ والناقد في صحيفة "الفيغارو" (Le Figaro) ومدير المعهد العالي للموسيقى في باريس (L’Ecole Normale Supérieure de Musique) الذي أدرك، منذ اللقاء الأوّل، أنّه يواجه عبقريًّا في الموسيقى. فوافق على إعطائه دروسًا خصوصية تكميليّة في الكتابة للأوركسترا وفي هندسة المؤلفات الموسيقيّة**.
لعب بيار بوتي (Pierre-Petit) دوراً حاسماً في انطلاق موسيقى بشارة الخوري نحو الشهرة على الصعيد الفرنسي. فقد عرّف تلميذه الفذّ إلى كبار العازفين وكبار قادة الأوركسترا وكبريات دور النشر الموسيقية في باريس. كذلك، دبّج بيار- بوتي (Pierre-Petit) عدّة مقالات عن موسيقى الخوري في جريدة "الفيغارو" (Le Figaro)، أوّلها المقال الصادر في ١٨ كانون الأوّل ١٩٨٣، تحت عنوان: " لقد وُلد مُؤلّف" (Un compositeur est né)***، بعد تسعة أيام من تاريخ إقامة أوّل أمسية موسيقيّة مخصّصة بالكامل لأعمال بشارة الخوري السمفونيّة من قبل أوركسترا كولون الباريسية العريقة (Orchestre Colonne)****، بقيادة بيار ديرفو (Pierre Dervaux)*****. إشارة إلى انعقاد تلك الأمسية (Concert de gala) مساء الجمعة ٩ كانون الأول ١٩٨٣على مسرح الشانزيليزيه (Théâtre des Champs-Elysées) بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لولادة جبران خليل جبران، تحت رعاية رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة آنذاك، الشيخ أمين الجميّل (ممثّلاً بوزير التربية الوطنية، نقيب المحامين سابقاً، الأستاذ عصام الخوري)، وإيلاء تلفزيون لبنان مهمّة نقلها مباشرةً.

*Zeina Saleh KAYALI, op. cit., p.37.
**Zeina Saleh KAYALI, op. cit., op 39-40: “[Pierre – Petit] me dit alors qu’il n’a pas grand-chose à m’apprendre à part quelques techniques d’orchestration et un peu plus de structure dans la composition d’une oeuvre”.
***أنظر بالفرنسية المرجع ذاته               Zeina Saleh KAYALI, op. cit., p.43.
****  تاسست هذه الأوركسترا سنة ١٨٧٣ في باريس. وقد تعاقب على قيادتها مؤلفون موسيقيون مرموقون من أمثال سان – سانس (Saint – Saëns)، فاغنر (Wagner)، تشايكوفسكي (Tchaïkovsky)، ريشار ستروس (Richard Strauss)، ديبوسي (Debussy)، كيكلان (Koechlin)، إلخ ...           
 *****  من أهم قادة الأركسترا الفرنسيين (١٩١٧-١٩٩٢). ناصر الموسيقى الفرنسية المعاصرة. ترأس وقاد أركسترا كولون (L’Orchestre Colonne) من سنة ١٩٥٨ حتى وفاته سنة 1992، كما ورد في المرجع ذاته، Op.cit.p.58.



استمرّ التعاون المثمر بين بشارة الخوري وأوركسترا كولون (Orchestre Colonne) لسنين عديدة.
سرعان ما تخطّت موسيقى بشارة الخوري (أكانت مكتوبة للأوركسترا أو لموسيقى الحجرة أو للآلات المنفردة) "القُطر الفرنسيّ، وعُزفت في أماكن عدّة من بينها بودابست، القاهرة، بيروت، لندن، كييف وموسكو، وصولاً إلى بازل، هامبورغ، برلين، أبو ظبي وديترويت...
حاز الخوري على الجنسيّة الفرنسيّة سنة ١٩٨٧.
نال دِرع الفنون والثقافة من المؤسسة اللبنانيّة للإرسال سنة ١٩٩٤ وفي العام ٢٠٠٠ جائزة "روسّيني" التي يمنحها المعهد الفرنسيّ (L’Institut de France). وقلّده رئيس الجمهوريّة اللبنانية، العماد إميل لحّود، وسام الأرز الوطني من رتبة فارس في احتفال خاص أقيم للمناسبة،  بتاريخ ١٧ آذار٢٠٠١، في السفارة اللبنانيّة في باريس.
كما تسلّم "جائزة سعيد عقل" في احتفال أقيم سنة ٢٠١٥ في جامعة N.D.U.، في الذكرى السنويّة الأولى لرحيل "المعلِّم".

تُعتبر مسابقة ماستربرايز (Masterprize) العالميّة للتأليف السمفونيّ، التي تُقام سنويًّا في العاصمة البريطانيّة، نقطة صعود نجم بشارة الخوري في اتّجاه الشهرة العالميّة. فمن بين ١٥٠٠ متسابق من بلدان العالم أجمع، تمكّن من التأهُّل، مع خمسة متسابقين آخرين، إلى المرحلة النصف – النهائيّة إبّان دورة العام ٢٠٠٣، ما أتاح المجال لتأدية مقطوعته المشاركة في تلك المسابقة "الأنهار الغارقة" (Les fleuves engloutis)، من قبل أوركسترا لندن السمفونيّة (London Symphony Orchestra)، بقيادة المايسترو دانييل هاردينغ (Daniel Harding)، وذلك في قاعة باربيكان (Barbican Hall) في لندن. فتح وصول بشارة الخوري إلى نهائيّات مسابقة ماستربرايز (Masterprize) الدوليّة الطريق إلى تسجيل أوّل أسطوانة CD، من أعماله، في Abbey Road Studio اللندنيّ المرموق، مع أوركسترا لندن السمفونية بقيادة كل من قائدي الأركسترا دانيال هاردينغ (Daniel Harding) ومارتين برابنز (Martyn Brabbins). مع العلم بأنّ شركتي ERATO  و forlane الفرنسيّتين سبق وأن أصدرتا ألبومات تتضمّن أعمالاً أوركسترالية لبشارة في كل من العامين ١٩٨٣ و ١٩٩٦.
في المقابل، توطّدت علاقته مع أوركسترا فرنسا الوطنيّة (L’Orchestre National de France) وأوركسترا باريس (L’Orchestre de Paris) الأكثر شهرةً بين الأركسترات الفرنسيّة. كذلك، أدّت أوركسترات أخرى مرموقة أعمالاً من تأليفه مثل أوركسترا NDR السمفونية في هامبورغ، الأوركسترا الوطنيّة في أوكرانيا، أوركسترا موسيقى الحجرة في بازل، الأوركسترا الفيلهارمونيّة في ستراسبورغ، أوركسترا بوتسدام في برلين، أوركسترا ديترويت السمفونيّة، إلخ ... ونذكر أبرز مؤدّي موسيقى بشارة: قادة الأوركسترا بافو يارفي (Paavo Järvi)، دانييلي غاتي (Daniele Gatti)، إيفيند غولبيرغ – يانسن (Eivind Gulberg-Jensen)، كورنيليوس مايستر (Cornelius Meister)، هانس غراف (Hans Graf) فضلاً عن الراحل كورت مازور (Kurt Mazur).
ومن العازفين المنفردين 
عازف الناي (flûte) إيمانويل باهو (Emmanuel Pahud)، 
عازف المزمار (Clarinette) باتريك مسّينا (Patrick Messina)، 
عازف البوق (Cor) دافيد غيرييه (David Guerrier)، 
عازفو الكمان جيرار بوليه (Gérard Poulet)، دانييل هوب (Daniel Hope)، سارة نمتانو (Sarah Nemtanu) وفاني روبيّار (Fanny Robilliard)، 
وعازفو البيانو باسكال أمواييل (Pascal Amoyel)، جيل بن كيمون (Gilles Benkemoun)، عبد الرحمن الباشا، تاتيانا بريماك – خوري (قرينة المؤلّف الموسيقيّ اللبنانيّ هُتاف خوري)، وسيمون غريشي (ٍSimon Ghraichy) البرازيليّ من أصول لبنانيّة، إلخ ...
استطاع بشارة الخوري أن يكتب اسمه على القائمة الذهبيّة بين المؤلّفين الموسيقيّين المرموقين. يعود الفضل في هذا إلى موسيقاه، ما يحدو بنا إلى مقاربة هذه الموسيقى بما يتيحه نطاق هذا المقال.


ثالثًا – أعمال بشارة الخوري الموسيقيّة:

في المُستَهَلّ، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ جميع أعمال بشارة الخوري الموسيقية المعروفة هي تلك الواردة في الفهرس الرسميّ (Catalogue officiel) لمؤلفّاته*، أي المؤلّفات التي شرع بكتابتها في باريس إثر تتلمذه على بيار – بوتي (Pierre-Petit). فلا أثر بالتالي، في أيّ فهرس آخر، لمؤلّفاته الغزيرة العائدة لمرحلة الطفولة والصبا في لبنان والسابقة، في مطلق الأحوال، لسنة ١٩٧٩. بيد أن هذا الأمر لا ينفي عن مؤلّفات "الحقبة اللبنانيّة" الجودة العالية التي اتّسمت بها كما يؤكّد عارفو بشارة، وبخاصّة  الأستاذ هاكوب أرسلانيان.
  *Zeina Saleh KAYALI, op. cit., p.116
كذلك نشير إلى أنّ الشعر لطالما شكّل مصدر إلهام أساسيًّا لموسيقى بشارة الخوري (الذي يكتب أيضاً قصائد بالفرنسيّة)، ولا سيّما كتابات فريديريك نيتشه، وجبران، وطاغور، ولامارتين، وتشارلز بوكوفسكي، إلخ...، فضلًا عن نظرته الرومنطيقيّة إلى الطبيعة، وعشقه للحياة وللنساء، قراءته الفَجائعيّة (vision tragique) للحال الإنسانيّة (La condition humaine).

من المؤكّد أنّ هذه المعطيات تركت بصمات واضحة على موسيقى بشارة. فهذه الأخيرة تمتاز بخصال قلّما نجدها في الموسيقى المعاصرة الجادّة: فهي تستوقف السامع، تجتذبه إليها، وتخرجه عن أطواره (كما تفعل الريح الماطرة بالعشب الراكد) مُرغِمةً أحاسيسه وأفكاره على الارتقاء إلى ما يَحجُبُه الروتين الآمن المُطمَئنّ.

                                                                                          
المؤلّف الموسيقيّ بشارة الخوري مع Daniel Hope
     
اتّبعت موسيقى بشارة الخوري مسارًا تصاعديًّا واضحًا يسمح بتجزئتها إلى مراحل ثلاث:

١- مرحلة الوصول إلى باريس والأعمال الموسيقية الأولى (التي يعترف بها المؤلّف). يطغى النفس الرومنطيقيّ والوجدانيّ على هذه الأعمال رغم حداثة اللغة الموسيقيّة المعتمدة.
أبرز أعمال هذه المرحلة هي تلك التي عُزفت في الأمسية الموسيقيّة الباريسيّة الأولى (سنة ١٩٨٣) والتي تضمّ أعمالاً للأوركسترا، منها:
 "اللحن الجنائزيّ لشهداء الحرب اللبنانيين" (Requiem)، 
القصيدة السمفونيّة الأولى "لبنان يحترق" (Le Liban en flammes)، 


القصيدة السمفونيّة الثانية "مراكب من ورق" (Les bateaux de papier)، 
مقطوعة "آلهة الأرض" (Les Dieux de la Terre
المجموعة السمفونيّة "الليل والمجنون" * (La Nuit et le Fou). والعملان الأخيران هما من وحي جبران.
*المهداة إلى الأستاذ هاكوب أرسلانيان.

٢- مرحلة التحديث والتجريد (إن جاز التعبير). تبتدئ مع طباعة الأعمال الموسيقيّة لبشارة الخوري لدى دار النشر الباريسيّة Max Eshig، (التي اندمجت فيما بعد مع شركة
durand- salabert) وألفونس لو دوك  Alphonse Leduc ولا سيّما السوناتة الأولى لآلة البيانو (Sonate no.1 pour piano)*، الكونشيرتو للبيانو والأوركسترا (أداء عازف البيانو عبد الرحمن الباشا وأوركسترا Colonne  بقيادة Pierre Dervaux في Salle Pleyel  يوم ١٧ آذار ١٩٨٦)، وسمفونية "أطلال بيروت" (Les ruines de Beyrouth) المكتوبة سنة ١٩٨٥ والتي أدّتها الأوركسترا الفلهارمونيّة اللبنانيّة، في كنيسة الآباء اليسوعيّين، سنة ٢٠٠٩، بقيادة فوشياك شيبيل.
* المرجع ذاته Zeina Saleh KAYALI, op.cit., p.86-89



٣-  مرحلة الجمع بين النقائض المُشار إليها أعلاه (أهي نقائض حقيقيّة؟). وهي متزامنة مع بدء اشتهار موسيقى بشارة الخوري على الصعيد العالميّ بدءًا من سنة ٢٠٠٣. من أعمال هذه المرحلة: 
"الأنهار الغارقة" (Les fleuves engloutis) وهي المقطوعة الأوركستراليّة التي فازت في مسابقة ماستربرايز (Masterprize)، 
"نيويورك، الدموع والأمل" مهداة إلى ضحايا الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١ وهي للأوركسترا، 
New York, Tears and Hope 


القصيد السمفونيّ رقم ٦ "أمداء – تشظيّات" (Espaces –fragmentations)، 
افتتاحيّة "عواصف" (Orages) للأوركسترا (سنة  ٢٠١٣ (، إلخ ...



هناك ثوابت يمكن استخلاصها من مجمل النتاج الموسيقيّ لبشارة الخوري: امتلاك ناصية الأوركسترا وطاقة هائلة على تطويعها، ما يتيح القول، من دون مبالغة، إنّ بشارة الخوري معلّم من معلّمي هذا النوع من الكتابة في القرن الحادي والعشرين (Un maître de l’écriture pour l’orchestre au XXIème siècle)، أسلوب موسيقيّ متفرّد، قادر على تخطّي التناقضات الجماليّة (Les divergences esthétiques) القائمة، في الغرب، بين المدارس والتوجّهات الموسيقيّة المتنوّعة، والمتباينة، وعلى استنباط لغة مغايرة لا تشبه إلّا ذاتها.
***
Avec le chef David Molard et la violoniste Triin Ruubel


Kurt Masur,Bechara El Khoury and Sarah Nemtanu.
Avec Vicens Prats 

ما كتبناه عن بشارة الخوري سوف ينتهي بعد أسطر قليلة. لكن يهمّنا التأكيد على أنّ سيرة بشارة ومسيرته هي سطور لا تنتهي! ... فسُنّة الإبداع أن لا ينضب الإبداع إلّا برحيل المُبدع.
هنيئاً لك العيد الستون، يا عزيزي! وَلتَبتَكر عبقريَّتُكَ بعد ...

أ.أ.



ملاحظة: يمكن لمحبّي الموسيقى الراغبين في الاستماع إلى أعمال بشارة الخوري الموسيقيّة إيجاد بعضها على "غوغل"،  عن طريق النقر على الرابط: Bechara ElKhoury compositeur (كما يفعل كاتب هذه السطور!) أو على يوتيوب. إلّا أنه من الأفضل شراء الإسطوانات (CDs) المتضمنة بعضًا من أعمال بشارة والتي تنتجها شركة "ناكسوس" (Naxos).
للمزيد من الاطّلاع على "الديسكوغرافيا" الكاملة، فضلاً عن سيرة هذا الفنان الاستثنائيّ، ننصح بقراءة كتاب زينة صالح كيالي باللغة الفرنسيّة، الصادر سنة ٢٠١٦، في باريس، عن دار Geuthner، والذي استعنّا ببعض محتوياته في معرض الإعداد لهذا البحث المتواضع.
إشارة إلى إرفاق الكتاب المذكور بمفتاح USB يتيح للراغبين الاستماع، بواسطة الحاسوب إلى بعض المختارات من أعمال بشارة.


مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.