‏إظهار الرسائل ذات التسميات أضواء خافتة - النهار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أضواء خافتة - النهار. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 أغسطس 2022

عولمة الأمراض (2003)



عولمة الأمراض
صحيفة النهار – الاثنين 5 أيّار 2003
       ها العولمة تحاول الانتشار بين البلدان كالأمراض المميتة، وها القرية الكونيّة تخضع للحَجر الصحيّ، ويقبع فيها المرضى منتظرين الموت أو الشفاء العجائبيّ.
       أرادوا إزالة الحواجز بين الأمم، فاجتاحتِ الأممَ موجاتٌ من الأمراض الخبيثة؛ وأرادوا هدم الحدود بين الحضارات وتذويبها في حضارة كونيّة أحّاديّة الرؤية واللغة، فانطلقت الأوبئة المميتة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وساهمت وسائل الاتّصال الحديثة، العاجزة عن التواصل، في تنقّلها بين مختلف قارات الأرض.
       من المستحيل اليوم أن يُحصر الوباء، أيّ وباء، في منطقة معزولة، لأنّ السرعة التي افتخر الإنسان بالوصول إلى عصرها، هي نفسها التي تنقل مرضًا فتّاكًا من مكان إلى آخر، من دون رادع أو ضابط، ولأنّ السهولة التي ينتقل فيها الإنسان من مكان إلى آخر تتيح للميكروبات والفيروسات إمكان التجوّل من بيت إلى بيت، ومن قارّة إلى قارّة، ومن الأرض إلى الكواكب والنجوم.
       تعرّضت الإنسانيّة في مختلف العصور لأنواع من الأمراض والأوبئة، راح ضحيّتها ملايين البشر. وكان الإنسان يرغب خلالها في الوصول إلى زمنٍ يقضي فيه العِلم على المرض، ويضع حدًّا لانتشاره. لكنّ النظام العالميّ الجديد الذي نخضع لشروطه يفضّل أن يخترع الداء لا الدواء، وأن يصدّر الوباء لا اللقاح، وأن ينشر الجيوش لا الأطبّاء، وأن تكون موازنات وزارات الدفاع أكبر بكثير من تلك المخصّصة للاستشفاء والتربية.
       إزالة الحدود هي التي جعلت الصغار يشاهدون عبر وسائل الإعلام ما يراه الكبار،
وجعلت المراهقين عجزة سئموا "تكاليف الحياة" ولمّا يصلوا إلى مرحلة الشباب،
وجعلت الإعلاميّين يفهمون في كلّ الأمور أكثر من الخبراء المتخصّصين،
والكلاب والهررة تقيم في غرف لا يستطيع كثير من الأطفال الحصول على بعض رفاهها وأناقتها ودفئها،
والرجال بنعومة النساء، والنساء بخشونة الرجال،
والتلاميذ زبائن مقتنعون بأنّهم على حقّ مهما فعلوا،
والمربّون من أصحاب العصمة،
والمجرمون في مراكز القرار،
والأبرياء في غياهب السجون،
وحاملو الشهادات المزوّرة من أرباب الثقافة...
في عصر العولمة وضياع الهويّات وسرعة الحركة، صار كلٌّ منّا كلَّ شيء وكلَّ أحد إلّا نفسه.


الجمعة، 13 مارس 2020

من شفقة الأرض إلى محبّة السماء (2010)


أين تقف الإنسانيّة اليوم من كلمات مثل الشفقة والرحمة والتعاطف والتآخي والمساعدة والحنان، وغيرها من المفردات التي تحاول أن تشرح علاقة الإنسان بالإنسان أوّلاً ثمّ بسائر كائنات الطبيعة ومخلوقاتها وعناصرها؟
لا شكّ في أنّ اللغات الممتلئة معاجمها بالكثير من هذه المفردات والمرادفات تحاول أن تستعيض بالكلمات عن الأفعال، وتحاول أن تجد لكلّ نوع من أنواع هذه المشاعر، أو لكلّ درجة منها، اسمًا أو صفة، لعلّ الإنسان - وفيه ذلك الجانب المظلم الشرّير- يجد في إحداها متعته الروحيّة واكتمال توازنه العاطفيّ ونموّه الفكريّ وأمانه الجسديّ. وعلى رغم أنّ الكلمات كثيرة في معجم العطف البشريّ لا يزال الإنسان بعيدًا عن فردوسه المفقود، تائقًا إليه، غريبًا في ليل هذا العالم، تائهًا عن إيجاد الدرب إلى سعادة تنبع من داخله وتصبّ في داخلخ بعد أن تغسل الكون من أحزانه ومآسيه.
يقول الفيلسوف الألمانيّ شوبنهاور إنّ الشفقة هي أساس الأخلاق. وهو في ذلك يؤكّد أن لا مجال لقيام مجتمع أخلاقيّ ملتزم إلّا إذا كانت الشفقة هي الرابط الذي يشدّ الناس بعضهم إلى بعض. ولعلّ السؤال الحقيقيّ هنا هو: هل يشفق الناس على بعضهم أم على أنفسهم؟ الديانة اليهوديّة، على غرار ما دعت إليه الشعوب القديمة (قانون حمورابي مثلاً)، تؤكّد على التعامل بالعدل، أمّا المسيحيّة فتدعو إلى المحبّة: أحبب وافعل ما تشاء. لذلك يميل كثير من المفكّرين المسيحيّين واللاهوتيّين إلى استبعاد كلمة الشفقة باعتبار أنّها تقلّل من قيمة المحبّة التي تصل إلى حدّ بذل الذات والفداء، وهذا ما لا يمكن أن تصل إليه الشفقة. في المقابل تركّز الديانة الإسلاميّة على الرحمة: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، لذلك لا ترد صفة "الشفوق" بين أسماء الله الحسنى. أمّا المجتمعات المدنيّة العلمانيّة فارتكزت على مفهومَي الحقوق والواجبات.
ولكن في اللاوعي الجماعيّ، يرفض المحتاجون الشفقة باعتبار أنّ فيها فوقيّةً وسلطة يمارسهما القويّ القادر على الضعيف العاجز، وهي تكاد تساوي بين الناس والحيوانات، إذ يمكن أن يشفق الناس في سهولة على حيوان جريح أو طائر مكسور الجناح أو وردة ذابلة، كما يشفقون على إنسان فقير أو مريض أو عاجز أو معوّق، وكما يشفق النهار على الليل فيكون الشَفق. أمّا الرحمة فأعلى مستوى إذ تشيع حولها جوًّا من المصالحة بين العلى والأرض (يا ابن داود ارحمني، صرخ أعمى العهد الجديد، فأبصر) أو بين الداخل والخارج إذ تنطلق من الرحم لتمدّ حبل خلاص لمن يحتاج الرحمة. ولكنّ للمحبّة شأنًا آخر إذ تكون بين متساويين يتبادلان العطاء ولا فضل لأحدهما على الآخر.
قد يكون العالم في حاجة إلى الشفقة حين يعجز عن الوصول إلى المحبّة السامية. فهي في البداية شفقة الإنسان على الجزء العاجز الضعيف المريض منه، لتصل بعد ذلك إلى الآخر. ومن الممكن أن تكون ممارسات الشفقة التي وصلت إلينا عبر تاريخ البشريّة نوعًا من حبّ البقاء أو ضرورة اجتماعيّة اكتشف الإنسان أهميّتها خلال مسيرته من عزلة الكهف إلى دفء الجماعة إذ فهم أنّه إن لم يشفق اليوم فلن يجد من يشفق عليه غدًا. ولهذا ربّما كان الكرم العربيّ مع ما ارتبط به من ضيافة وحسن استقبال حاجة ماسّة فرضتها ظروف الصحراء حيث لا مأوى ولا دولة ولا حماية. فكان على القبيلة أن تستقبل التائهين المسافرين وتشفق على المحتاجين لأنّ المستقرّ اليوم هو طريد الغدّ، والآمن اليوم هو الضائع غدًا.
لا شكّ في أنّ الأرض تحتاج إلى شفقتنا على ناسها وحيواناتها وسائر الكائنات فيها وإلّا فلن تكون الأرض أرضنا، أمّا إذا رغبنا في تحويل الأرض سماء فليس أمامنا إلّا المحبّة التي فيها فرح وتفاؤل لا الشفقة المرتبطة بالعوز والعجز. فمن منّا لا يشعر بالإهانة حين يسمع أحدهم يقول له: أنا أشفق عليك؟ ومن منّا لا يصير في السماء السابعة حين يقول الآخر: أنا أحبّك.
النهار - كانون الثاني 2010

الأحد، 8 ديسمبر 2019

وأنا أيضًا معارضة - جريدة النهار - الاثنين 7 نيسان 2005



بلى، أنا أيضًا معارضة ورافضة وثائرة.
أنا أعارض الفوضى والغوغائيّة وانعدام الرؤية،
وأرفض لغة الشارع والخطابات الهوجاء وإثارة الغرائز،
وأثور على الادّعاء والكذب والخبث،
أنا أعارض الكسل والاتّكاليّة والتراخي،
وأرفض حرمان المرء من أبسط حقوقه، والتعدّي عليه بالكلمة والنظرة واللمسة،
وأثور على المنادين بالمثَلَين القائلَين: الفاجر بياكل مال التاجر، والشاطر بشطارتو،
أنا أعارض الوقاحة والدعارة والفحش،
وأرفض حديث العاهرات في التربية والأخلاق، وكلام السياسيّين في نظافة الكفّ، وعظات رجال الدين عن الصبر والحرمان،
وأثور على سارقي الأفكار، ومغتصبي المناصب، ومستغلّي السلطة،
أنا أعارض التغيّب عن العمل تكاسلًا وتمارضًا،
وأرفض غياب الثواب والعقاب،
وأثور عندما يموت الضمير المهنيّ،
أنا أعارض أن تبثّ الشاشات كلّ شيء بحجّة إرضاء كلّ الأذواق، وأرفض أن يتساوى الغثّ والسمين،
وأثور عندما يموت فنّان جائعًا ومريضًا ومحرومًا من أبسط حقوقه كإنسان مبدع،
أنا أعارض الاحتلال والاعتداء على السيادة،
وأرفض غياب التخطيط،
وأثور عندما يذهب "الشبعان" ويأتي "الجوعان"،
بلى، أنا معارضة ورافضة وثائرة... وخائفة.
أخاف من موجات التفاؤل التي أراها حولي، وأخشى الأحلام والوعود، وأموت رعبًا من احتمال التغيير لأنّه قد يكون نحو الأسوأ.
وأخاف من الشعارات الكبيرة لأنّها تشبه موجات التسونامي السيّئة الذكر، تجرف معها كلّ شيء، ولا تنفع أمامها سدود الفكر أو حدود المنطق.

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)



آراء تربويّة غير مستوردة (النهار - زاوية أضواء خافتة – الاثنين 8 آب 2005)
1-  تقام في بعض المؤسّسات التربويّة حفلات فطوروغداء وعشاء ورحلات ترفيهيّة، ولا تقام فيها ندوة واحدة أو محاضرة واحدة أو أمسية شعريّة واحدة.
2-  يستمتع بعض المعلّمين بتعذيب أنفسهم، ويستمتع البعض الآخر بتعذيب التلاميذ. وفي الحالتين تدفع التربية الثمن.
3-  يجب ألّا يُكتب على دفتر علامات التلميذ أنّه هو من رسب في سنته الدراسيّة، بل على المدرسة أن تعتذر من التلميذ وتقول له: نحن آسفون، فشلنا في مساعدتك على النجاح.
4-  فرضت المدرسة على تلاميذها فروض عطلة في حجّة أنّها تساعدهم على اكتساب ما فاتهم خلال العامّ الدراسيّ. لو كنت من ذوي التلاميذ لاشتريت لأولادي فروض عطلة يقومون بها دائمًا، ولأعفيتهم من الذهاب إلى المدرسة، ولوفّرت على نفسي قيمة الأقساط. فإذا كان دفترر العطلة في شهرَي الصيف كافيًا، فلماذا يتعلّم التلاميذ خلال تسعة أشهر مع أكثر من عشرة معلّمين؟
5-  الآراء التربويّة المستوردة كالسيّارات المستوردة، لا تصلح جميعها للمشي على طرقاتنا الوعرة، ولن نصل بواسطتها إلى أيّ مكان؛ أو كالثياب الأوروبيّة الحديثة، لن تليق بأجسامنا القصيرة المكتنزة إلّا بعد كثير من التعديل.
6-  اتّخذت إحدى المدارس شعار "التواصل" ليكون محور العمل والنشاطات، رغبة منها في إعداد التلاميذ للانصهار في المجتمع، ومع ذلك:
فمعلّمو اللغات الأجنبيّة يتكبّرون على معلّمي اللغة العربيّة،
ومعلّمو الرياضيّات يتكبّرون على معلّمي اللغات،
        والمعلّمون يتكبّرون على التلاميذ،
        والمسؤولون يتكبّرون على المعلّمين،
        وخرّيجو المدرسة يتكبّرون على من علّمهم،
        والمعلّمون الأكبر سنًّا يتكبّرون على الأصغر سنًّا،
        والمعلّمون يتكبّرون على الموظّفين والإداريّين والعمّال،
        والتلاميذ المجتهدون يتكبّرون على الراسبين،
        والمتفوّقون في الرياضيّات يتكبّرون على المتفوّقين في الرياضة،
        وأبناء الضبّاط والمهندسين والمحامين الأطبّاء يتكبّرون على أبناء الدهّانين والسائقين والموظّفين والعمّال،
        والمترفّعون صفًّا يتكبّرون على المعيدين،
        وأبناء الطائفة المسيطرة يتكبّرون على الأقليّات،
ومع ذلك، نجح المشروع التربويّ وامتلأت المدرسة باللوحات الجداريّة والشعارات والأبحاث التي تشيد بالتواصل.

السبت، 29 مارس 2014

ثياب الفصول


     في مثل هذه الأيّام، نقوم، نحن المتوسّطي الحال، بلملمة ثيابنا الشتائيّة لنخبّئها لشتاء جديد، ونقول، ونحن نخفيها في الحقائب وعلى الرفوف العلويّة: "يدرى من يعيش للسنة الجايي". وهكذا نفعل مع نهاية الصيف. نقف على عتبات الفصول والخزانات، وننظر إلى ثيابنا، ونسأل إن كانت تصلح للسنة المقبلة، أم نتبرّع بها للمعوزين. ثمّ نتذكّر أنّنا على شفير العوز، وقد لا نستطيع في السنة المقبلة أن نشتري ما هو أفضل منها، فنبقيها قرشًا أبيض لليوم الأسود. فنحن لقلّة إيماننا نخاف أن ينسانا الله فلا يلبسنا كما ألبس زنابق الحقل، فنحتفظ بملابسنا العتيقة وأحذيتنا المتعبة من سنة إلى سنة عزيزة غالية كـ"عهد الولدنة".
     وحين نفعل ذلك مع تبدّل الفصول والحرارة، نعرف أنّ هذا الطقس الوجوديّ المتأمّل يخصّنا وحدنا، نحن أبناء الطبقة المتوسّطة القليلي العدد. فالأغنياء لا يعرفون هذه التساؤلات، وإن كنت في الحقيقة لا أعرف ماذا يفعلون تحديدًا في مثل هذا الوقت. فهل يهتمّون شخصيًّا بترتيب الخزانات أم يوكلون الأمر لخدمهم ومدبّري شؤونهم؟ وهل يتركون كلّ شيء في مكانه، وينتقلون إلى غرف أخرى وخزانات أخرى وقصور أخرى وبلدان أخرى لدى تغيّر الفصول، أم إنّ الفصول تتغيّر إكرامًا لخواطرهم ورغباتهم؟ وهل يحتفظون بالملابس من سنة إلى سنة أم إنّ أرباب دور الأزياء لا يسمحون لهم بذلك؟
     والفقراء أيضًا لا يعانون من هذه المشكلة، فالملابس قليلة، لا تحتاج إلى كلّ هذا التخطيط والتفكير والتدبير. هم كأشجار الغابات التي لا تغيّر ملابسها مهما تبدّلت الفصول، وكأزهار الربيع التي تملك ثوبًا واحدًا، ومتى تساقطت وريقاتها الهشّة ظهرت في عري الذبول والموت.
    المشكلة عندنا نحن الذين لا نزال نملك إلى لحظة كتابة هذه السطور أكثر من ثوب وأكثر من حذاء وأكثر من حقيبة يد. ولعلّ سياسة الدولة الاقتصاديّة ستريحنا قريبًا من هذا العبء، ولن نفتّش بعد الآن عن يوم عطلة نقوم فيه بـ"ضبّ تياب الشتي"، وتحضير ملابس الربيع والصيف.
    نحن فقط المتأمّلون في حركة الفصول وتعاقبها وجمال كلّ منها. ونحن فقط المتسائلون عن مخبآت الأيّام الآتية، ونحن فقط الخائفون من اللعب مع الوقت والزمن، ومن مرور الوقت والزمن، ونحن فقط حاضنو الذكريات المعلّقة في كُمّ ثوب والفائحة من ثنية ياقة. ولولانا لما كان لقضيّة بسيطة كهذه أن تحتلّ حيّزًا من الاهتمام وعددًا من الكلمات. فلولانا نحن الواقفين على عتبات الفصول، والمحتفلين بالطقوس، لمرّ الشتاء بلا مطر، والخريف بلا رياح، ولعَبَر الصيف بلا شمس والربيع بلا زهر.

(النهار – الاثنين 29 آذار 2004)

الجمعة، 4 مايو 2012

أضواء خافتة 4


Antonio Carmo

أضواء خافتة 4
صحيفة النهار - السبت 13 تشرين الأوّل 2001
***

1

في انتظار أن يتحوّل المنزل الذي عاش فيه ميخائيل نعيمة متحفًا يضمّ ذكرياته ويبوح بها لمن يزور المكان صامتًا متأمّلًا، لا بدّ من التوقّف عند وجه الأديب اللبنانيّ المنحوت في صخرة فوق مدفنه في الشخروب (بسكنتا جارة صنّين). الطريق الصاعدة هادئة إلى حيث طلب نعيمة أن يدفن، والباب المشقوق على الحياة والموت، على الحضور والغياب، والريشة التي تكتب وإن توقّفت حركتها عند لحظة معيّنة، وكلمات "ميشا" تعلن عودة صاحبها إلى الأرض التي هو منها ولها، على كلّ ذلك يشرف الوجه الذي يطلّ على الباحثين عنه، ولا يعرض نفسه مجّانًا، ليحكي – هكذا ينطق الحجر – قصّة الصخور التي وصفها صاحب الوجه في مكتبه العرزال بعدما عاش معها وقرأ فوق سطور تعرّجاتها، وكتب بين بياض رموزها ووجوهها.
لكن ما ينبغي التوقّف عنده في هذا المكان المتكتّم، إذ لا يافطة تشير إليه، هو نوعيّة الزائرين الذين يتوقّفون عنده. فمن الغريب أنّ الذين يقصدون المدفن لا يشعرون برغبة في الكلام أو الثرثرة، ومن المهمّ ان يبقى الأمر كذلك لأنّ المكان ليس للنزهة أو الفرجة بل للتأمّل، هكذا أراده نعيمة وهكذا يريده القيّمون على إرثه الفكريّ والروحيّ. وللتذكير نشير إلى أنّ الذين اخرجوا وجه نعيمة من برودة الحجر في أربعة أشهر من العمل المتواصل هم أخوة ثلاثة من آل عسّاف، وأزيح الستار عنه في التاسع من أيلول (الشهر التاسع) من العام 1999.
في انتظار تحويل منزل آل نعيمة متحفًا، وهذا ما لا نعرف إن كان سيحصل أم لا، من الواجب على الأقلّ إلقاء التحيّة على ابن بسكنتا، جار صنّين، وناسك الشخروب.

***
2

منحوتة رودي رحمة
في غابة أرز بشرّي
مشهد آخر يثير الاهتمام: زائرو غابة الأرز الذين لا يبحثون الآن عن الأرزة القديمة أو الكنيسة الأثريّة، بل عن الأرزة التي نحتها "رودي رحمة"، هكذا يسألون. والطريف أنّ أولئك الزائرين قد لا يعرفون شيئًا عن النحت، لكنّهم يتبارون في التفتيش عن معنى ما يشاهدونه، أو اكتشاف تفصيل غاب عن الآخرين فلم ينتبهوا إليه. وكم مفيد أن تجلس أمام الأرزة المنحوتة لتسمع تعليقات تريد رواية رؤيتها الخاصّة للحياة أو فهمها أمور الدين والماورائيّات، أو تفسيرها وجود المسيح مع الظهر العاري والراقصة في مكان واحد وعلى شجرة واحدة.
لا شكّ في أنّ مراقبة الناظرين إلى عمل "رودي رحمة" في غابة الأرز تقدّم كثيرًا من التفاصيل عن علاقة الفنّ بالمتلقّي. قد لا تقوم هذه العلاقة على معرفة علميّة ونقديّة متعمقة، وقد لا يكون هؤلاء من الخبراء المتخصّصين، إلّا أنّ ما لا شكّ فيه أنّ الاستماع إلى أقوالهم ورؤية تحرّكاتهم حول الشجرة في طقس احتفاليّ تتشابه في النظرات التي تتسلّق الشجرة لتصل منها إلى السماء، لا شكّ في أنّ ذلك يوحي منحوتات جديدة أو في الأقلّ كلمات من وحي لقاء الإنسان بالشجرة حاملة التاريخ وحمايته.

***
3


خلال عرض فيلم "مولان روج" تذكّرت رواية توفيق يوسف عوّاد "طواحين بيروت" وتذكّرت مجموعة إميلي نصرالله القصصيّة "الطاحونة الضائعة"، تلك الأعمال المختلفة الانتماء والرسائل الفكريّة أو الفنيّة، سواء أكانت المادة المطحونة هي الحبوب أم الناس. ولكنّي بعد أيّام من مشاهدة الفيلم استعدت مشهدًا يتكرّر في الأفلام والروايات العاطفيّة، وهو محاولة البطلة إنقاذ البطل من خطر يهدّد حياته، فتكذب عليه لتبعد عنه منافسًا غيورًا يريد التخلّص منه، فتخفي عنه مرضها القاتل لتحميه من عجزه من مواجهة موت يرغب في التشبّث بجسدها حتّى الفناء.
بعد مشاهدة الفيلم الذي بدأ صارخًا صاخبًا قبل أن يعرف بطلاه الحبّ الحقيقيّ، وخلال لقاء جمع بعض الأصدقاء، حول طاولة طعام، بدا أنّ الجميع استعاروا ما يشبه كبة نيكول كيدمان: كان كلّ واحد يخبر أولئك الذين يطالبونه دائمًا بأن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، ما هو بعيد كلّ البعد عن الحقيقة والصدق، وقريب جدًّا ممّا يجب أن يسمعوه. إذ عندما يفعل ذلك إنّما ينقذ نفسه وينقذهم من مواجهة الحقائق، وهكذا لا يضطرّ أحد إلى مواجهة العجز البشريّ المتمثّل في رفض ما لا نستطيع تصحيحه أو السيطرة عليه أو ما لم نكن نتوقّعه  أو ما نظنّ أنّنا نعرفه لأنّنا أذكياء وبارعون في معرفة النفس البشريّة بخفاياها وغموضها... أو هكذا نخال.
بعضنا يعتقد أنّ الصداقة تشبه ذلك المكان/ الفيل حيث كانت تقيم بطلة "مولان روج": غرفة جميلة وغريبة. لكنّ الغرفة التي استغرق بناؤها أشهرًا هدمت في يوم واحد لأنّ الاستديو يريد المكان لتصوير فيلم جديد. غرفة جميلة وغريبة بيد أنّها ليست المكان الذي يوحي الالتزام والديمومة. غرفة جميلة وغريبة، لكنّ العلاقات فيها عابرة ومشوّهة، قد تكون رفقة درب قصيرة، لكنّها بالتأكيد ليست الصداقة القائمة على الصدق... ربّما على الصدقة، وربّما على المصادفة، ولكنّها ليست قطعًا ما نبحث عنه في هذه الحياة القصيرة، القصيرة ولو لم يصبنا مرض السلّ المميت.
الطاحونة التي طحنت الجميع ولم تبقِ إلّا الكلمات التي كتبها عاشق شاعر، والطاولة التي تقال حولها كلمات تحاول أن ترضي سامعها ولا تشبه قائلها، مكانان وزمانان فيهما وجوه وكلمات تحكي قصّة المشاعر الإنسانيّة التي لا تجد إلّا المشكّكين في صدقها وبساطتها وعمقها، ولا تترك مكانًا لما يشبه الكذب الذي يحمي الجميع من أنفسهم ومن الآخرين. لماذا؟ لأنّ العرض يجب أن يستمرّ ومهما كان الثمن، أليس هذا ما يردّده صاحب الصالة في "مولان روج"؟

***
4

مرّة جديدة نقول إنّ التلاميذ في المرحلتين المتوسّطة والثانويّة لا يجدون ما يقرأونه في اللغة العربيّة. مرّة جديدة نقول: باءت بالفشل  كلّ الوسائل في إقناع التلاميذ بأهمّيّة المطالعة ومتعة حمل الكتاب واكتشاف ما فيه. فلا الترغيب ولا الجوائز ولا الندوات حول الكتب أعطت نتيجة، ولا المباريات أو دعوة بعض الأدباء أو زيادة العلامات تركت أثرًا، وبقيت العداوة شديدة يشعر بها تلميذ، يبحث عن واقعه مكتوبًا فوق الصفحات، تجاه كتاب رومنسيّ النظرة والهمسة والمعالجة، ريفيّ اللغة، رجعيّ الاهتمامات، بحسب تعبير أكثر التلامذة.
فعلى مَن يراهن الأدباء المنتظرون موسم المعارض في زمن يُخشى احتضار الكتاب فيه؟

***
5

Miro

صِدقُ بعض الأدباء يعطيك درسًا يوازي في أهمّيته ما تقرأه في كتبهم. هذا ما اكتشفته للمرّة الأولى عندما شكرني أديب كبير على متابعتي ما يكتبه وينشره، وتأكّدت منه ثانية يوم اتّصلت بي السيّدة المثقّفة التي كتبت قراءة لكتابها، لتشكرني على الكتابة أوّلًا وعلى الاتّصال ثانيًا.
الاتّصالان كانا صادقين ولم يهدفا إلى مسايرة قلم يمدح ويحابي، ولكليهما تاريخ أدبيّ غنيّ يجعلهما في غنى عن طلب ذلك. لكنّ الاعتراف بالآخر الذي يكتب، واحترام الذي يقرأ هما من العلامات المطمئنة في زمن الإجحاف ونكران الجميل.
ماتعٌ أن تجد كاتبًا يشبه كتابه الجميل.


الأحد، 29 أبريل 2012

أضواء خافتة 3 - النهار - السبت 29 أيلول 2001




أضواء خافتة 3
السبت 29 أيلول 2001


1
فيروز ونصري شمس الدين
في مسرحيّة "يعيش يعيش" للأخوين رحباني (1971)، يهرب الإمبراطور بعد الانقلاب عليه، ويحلق لحيته، ويتخلّى عن ملابس تفضح هويّته، ويختبئ في دكّان على الحدود الفاصلة بين دولتين. وهناك يلتقي براغبين في الانقلاب على الانقلاب (وكانت الانقلابات آنذاك موضة في العالم العربيّ)، فيختاره هؤلاء، وهم لا يعرفون هويّته، قائدًا للانقلاب الجديد. وجه آخر وثياب جديدة وناس يصدّقون كلّ ما تقوله وسائل الإعلام: هذا كلّ ما يحتاج إليه من يرغب في إرجاع صورته إلى الإطار الذي خرجت منه، وهذا كلّه متوافر.
وللمناسبة، لا بأس من الإشارة إلى مشهد من الفيلم الأميركيّ "بيرل هاربر" الذي يعرض على شاشاتنا، وخلاصته أنّ الدولة الأميركيّة التي أرادت أن تردّ على الاعتداء اليابانيّ على جنودها في بيرل هاربر، أنشأت فرقة عسكريّة لترسلها في مهمّة شبه انتحاريّة قد لا يعود أحد منها. وفُرضت على هذه الفرقة العزلة التامّة ومُنع أفرادها من الاتّصال بأيّ كان، وأخضعوا لتدريب مكثّف وسريّ كي يكون نجاح المهمّة مضمونًا إلى الحدّ الأقصى.
وللتذكير فقط: وعلى ذمّة التحقيق، أستطاعت مجموعة كبيرة موزّعة على عدد من البلدان أن تكتم سرًّا وأن تمارس حياتها اليوميّة على نحو لا يثير الريبة، وذلك لوقت طويل قبل أن تنفّذ عمليّاتها في نيويورك وواشنطن (9 أيلول 2001). فأيّ "الفيلمين" نصدّق؟
***
2
في المتجر الكبير، الكبير جدًّا، حاولت السيّدة أن تجد ما يلائم جسمها الممتلئ، ولكنّ الملابس التي أرضت ذوقها الرفيع لم تلائم الجسد المتروك لرغباته وأهوائه. وبعد محاولات فاشلة أمام البائعة المرهقة من الوقوف والجري لإرضاء نزوات الزبائن، نظرت السيّدة السمينة إلى البائعة النحيلة وقالت لها: نيّالك! تركضين طوال النهار فلا تزدادين وزنًا، وتعودين إلى البيت مرهقة وقد فقدت الشهيّة للأكل، أمّا أنا، الله وكيلك، فالدعوات إلى العشاء ترهقني والمأكولات كلّها دسمة، وسهر وشرب طوال الليل ونوم طوال النهار فلا أجد وقتًا للممارسة الرياضة فأزداد وزنًا، والملابس التي تعجبني لا تناسب جسمي. عن جدّ نيّالك!
وعن جدّ، هنيئًا لنا.

***

3
فوجئ الأستاذ الجامعيّ حين اكتشف أنّ طلّاب الماجستير في كليّة الآداب، قسم اللغة الفرنسيّة، لم يسمعوا بتولستوي، ولم يوحِ لهم اسمه شيئًا. وفوجئ المسؤول عن اللغة العربيّة في إحدى المدارس بأنّ بعض مدرّسي اللغة لا يعرفون من هو فؤاد كنعان الذي سمعوا باسمه عرضًا لدى نعيه واكتشفوا أنّه يكتب قصصًا. وفوجئت المسؤولة عن المكتبة في إحدى المدارس بأنّ مجلّة أدبيّة تناولت موضوعًا سياسيًّا، ومنعت تداولها بين الطلّاب إذ ما علاقة الأدب بالسياسة! وفوجئ الطلّاب الجامعيّون حين اكتشفوا أنّ أستاذهم وهو أديب معروف لم يزر بعد المطعم الذي افتتح قبل يومين، ولأنّه تأخّر عن القيام بذلك فلن يستطيع أن يعوّض خسارته لأنّ مطاعم أخرى ستفتتح تلاعًا ولن يجد الوقت لملاحقة مواعيدها.
لا أعرف لماذا يظنّ كثر أنّ الحياة في لبنان رتيبة الإيقاع ومملّة، فالمفاجآت لا تنقطع، والدهشة التي تعيدنا أطفالًا في منتهى البراءة – والجهل – موجودة في كلّ حدث أكان ثقافيًّا أو سياسيًّا أو حياتيًّا أو اجتماعيًّا. فماذا نريد أكثر؟
***

4
Mathias Stomer
نحن نكتب ونحن نقرأ.
هذا ليس شعار حملة دعائيّة، ولا هو موضوع فخر أو مباهاة، بل هو تصوير واقعيّ لما يحصل مع الذين يكتبون وينشرون في الصحف والمجلّات تحديدًا، ومع الذين يجرؤون على نشر كتب لا تجد من يشتريها طوعًا. فهؤلاء هم الذين يكتبون وهم الذين يقرأون: يتّصل أحدهم بالآخر مهنّئًا، أو يعلّق على نصّ ما منتقدًا أو مصوّبًا أو مصحّحًا، أو يتّهمه بسرقة فكرة سمعها منه عرضًا، ولكن كلّ ذلك يبقى ضمن جدران البيت الواحد، ونادرًا ما يدخل عنصر مفاجئ على هذه الحلقة شبه المغلقة.
ولعلّ الصفحات الداخليّة، الثقافيّة والتربويّة تحديدًا، هي الأكثر بعدًا من حيث الجغرافيا عن وسائل نقل القرّاء الذين يجدون صعوبة في الوصول إليها، إمّا بسبب الوقت، أو بسبب الاهتمام بالشؤون السياسيّة المحليّة والعالميّة. لذا ليس من العجب أن يطلب بعض الناس، الذين هم من خارج البيت الصحافيّ، من الصحافيّين أصدقائهم، قولوا لنا متى تكتبون حتّى نشتري الجريدة.
***
5
رينيه حايك
رواية رينيه حايك الأخيرة "بلاد الثلوج" (المركز الثقافيّ العربيّ – 2001) تذكّر برواية إملي نصرالله "الإقلاع عكس الزمن"، لا لأنّ الروايتين متشابهتان فهما ليستا كذلك بل لأنّ البطلين، أحدهما شابّ والآخر عجوز، يقومان برحلتني مختلفتي الاتّجاه: الأوّل من كندا إلى لبنان، والثاني من لبنان إلى كندا، الأوّل نحو والديه وأهله والوطن الذي صار غريبًا، والثاني نحو أولاده والغربة التي اختاروها وطنًا. ثمّ يعود الأوّل إلى كندا بحثًا عن الحياة، بينما يعود الثاني إلى لبنان ليموت. تتقاطع تفاصيل الروايتين مع الحرب والعلاقات العائليّة والعادات والتقاليد المتجذّرة، ولكنّهما، متكاملتين،  تعبّران عن نظرتين مختلفتين إلى الهجرة، وتطرحان اكثر من علامة استفهام حول مفهوم الوطن.

الجمعة، 27 أبريل 2012

أضواء خافتة 2 (النهار - السبت 15 أيلول 2001)


Lucia Sommavilla


1

    في رواية الكاتب المصريّ بهاء طاهر "شرق النخيل" (دار الآداب 2001)، مشهد لرجال البوليس يرفعون العصيّ ويلاحقون مجموعة من الطلّاب. وهو مشهد يتكرّر في أيّ عمل أدبيّ يعالج علاقة السلطة بالطلّاب تحديدًا وبالشارع عامّة. فدراسة اللغة التي استعملها توفيق يوسف عوّاد مثلًا في رواية "طواحين بيروت"، أو لغة أنسي الحاج في مقالاته عن التظاهرات الطلّابيّة في باريس وفي بيروت، أو لغة عصام محفوظ في "مشاهدات ناقد عربيّ في باريس"، وسواها من الأعمال التي عالجت مسألة الحركات الطلّابيّة، بل أيضًا دراسة اللغة التي يصف بها التلاميذ المعتقلون ما تعرّضوا له (ملحق النهار – 13 أيّار 2000) تظهر بلا شكّ مزيجًا من الغضب والرفض والحذر والشكّ. ولا نظنّ أنّ هذه المشاعر التي يحملها الطلّاب موجّهة إلى السلطة فقط ولكن الانقسامات بين الطلّاب أنفسهم، والأخطاء التي يرتكبونها عند المطالبة بحقوقهم المشروعة تجعل الغضب من بعض شعاراتهم مشروعًا، والحذر من بعض الأسماء بينهم مطلوبًا، والشكّ في بعض طروحاتهم مسموحًا. ومع ذلك نشير إلى أنّ العودة إلى هذه الكتابات الروائيّة والمقالات الصحافيّة تعكس حضورًا طاغيًا للضمير الغائب في الحديث عن رجال السلطة. "هم" فعلوا و"هم" قالوا و"هم" ضربوا، فكيف يمكن معالجة مشكلة ما إذا كان الضمير الغائب هو السبب في حصولها؟

2

    "حكاية حبّ" رواية جديدة للأديب السعوديّ غازي عبد الرحمن القصيبي (دار الساقي 2001). نلاحظ أنّ ثمّة شخصيّات لا يفاجئنا ظهورها على مسرح الأحداث في روايات القصيبي: الطبيب النفسيّ، رجل الدين، الأستاذ الجامعيّ (ظهر ما يشبهها تحديدًا في رواية ٧ وفي رواية أبو شلّاخ البرمائيّ). صحيح أنّها هنا ليست الشخصيّات الرئيسة ولا يُنظر إليها في طريقة ساخرة، ولا تُصوّر في أسلوب كاريكتوريّ مبالغ فيه، ولكنّها تبدو الإطار الذي تتحرّك ضمنه الشخصيّات الأكثر أهميّة. فعندما تكثر الأسئلة على بطل الرواية يلجأ إلى إحدى تلك الشخصيّات لعلّه يجد لديها الأجوبة. فبين المشكلات النفسيّة والمعضلات الدينيّة والأسئلة الفكريّة يبدو أنّ الإنسان المدينيّ المعاصر يحتاج في شدّة إلى هذا المثلّث الذي يُخشى أن يتحوّل إلى مثلّث برمودا يضيع فيه المرء وهو يحاول أن يفكّ ألغازه.

3
Nicolai Gogol 1852  - 1809

    في صالون مزيّن الشعر تجلس سيّدة تحمل كلبًا اسمه غوغول (اسم أديب روسيّ) وإلى جانبها حقيبتان من مصنوعات الأرتيزانا، واحدة فيها ألعاب مختلفة الأحجام والألوان تلهي بها الكلب حين يضجر من الانتظار وينزعج من ثرثرة النساء االأخريات فتهدّئ أعصابه بها وهي تخاطبه بكلّ حنان، والثانية فيها بعض الأدوية والمقويّات وقنينة مياه معدنيّة وأخرى للعصير، وهي طبعًا للكلب الذي يرتدي صديريّة مطرّزة من صنع الأرتيزانا أيضًا، وفي إحدى قائمتيه سلسلة ذهبيّة. اعتذرت السيّدة الشابّة من "مقلّمة الأظافر" لأنّها استدعتها على عجل من منزلها، ثمّ سألتها إن كانت ألهتها عن عمل مهمّ كانت تقوم به، فأجابت الأمّ العاملة بأنّها كانت تدرّس ابنها استعدادًا للامتحان. فضحكت الزبونة الشابّة التي تترك طفلتها المولودة حديثًا مع المربّية الأجنبيّة ولا تصطحبها معها إلى أيّ مكان لأنّ الكلب يغار، وعلّقت على كلام "المانيكوريست": ظننت أنّني أخّرتك عن عمل مهمّ. ثمّ تابعت ناصحة: لا تجبري ابنك على الدرس، أنا كنت الأخيرة في الصفّ ولم يؤثّر ذلك عليّ في شيء، وزوجي كان أكسل تلميذ في المدرسة وانظري أين صار.
أمّا السيّدة الشابّة التي كانت تجلس في طرف الصالون منتظرة دورها فنظرت إلى الشابّة التي كانت تلميذتها منذ أعوام وتساءلت ما الذي قد يكتبه ريمون جبارة لو كان موجودًا أمام هذا المشهد.

4
دريد لحّام في فيلم "زوجتي من الهيبز"
إخراج عاطف سالم 1973

    عندما كنت أستمع إلى دريد لحّام وهو يعلّق على الأخبار الإقليميّة والعالميّة في البرنامج الذي يقدّمه على شاشة "إم بي سي" وعنوانه "على مسؤوليّتي"، فوجئت بالمشاهدين الحاضرين في الاستديو يغرقون في الضحك ويسرعون إلى التصفيق ما أن ينهي الفنّان المقدّم تعليقه على خبر أو حدث يفترض أن يثيرا الحزن والبكاء والخجل. إنّ هذا النموذج من الجماهير العربيّة يعبّر في وضوح عن إصرار الناس على عدم الإصغاء إلى ما يقال، بل إنّهم يضحكون ويصفّقون لما يتوقّعون أن يقال، وهذا الكلام المتوقّع لا بدّ أن يكون مضحكًا متى صدر عن فنّان أضحكهم مرارًا، ومن غير المعقول في رأيهم أن يقول كلامًا جديًّا. فيكفي أن يظهر فنّان كدريد لحّام أو عادل إمام على المسرح أو شاشة السينما حتّى يفترض المشاهدون أنّه يرغب في إسعادهم وإضحاكهم، وعليهم أن يسبقوه إلى التفاعل الصاخب قبل أن يتكلّم أو يؤدّي دوره. لقد عانى الفنّان شوشو من هذه المشكلة التي اشتكى منها حديثًا الفنّان زياد الرحباني في الحلقة الأخيرة من برنامج "حوار العمر". تبيّن لزياد أنّ الجماهير لا تسمع ما يُقال بل تسمع ما تتوهّم أنّه قيل، ولذلك فعندما يضحك الناس على كلمات زياد الرحباني "غير المفهومة" كما يقولون، لا يعرفون في الحقيقة أنّ ما يقوله لن يرضي الشريحة الكبرى منهم، وسيزعج من تبقّى. لذا فإنّ ندمه على الإكثار من ظهروه الإعلاميّ، الذي لم يؤدِّ في رأيه إلى الغاية منه، مبرّر ومفهوم.
    في مسرحيّة "صيف 840" لمنصور الرحباني يقهقه الناس عندما تقول الابنة (هدى) لوالدها (أنطوان كرباج): شو بحبّك يا بيّي وإنت مهزوم. يبدو أنّ الناس صاروا يقهقهون أمام الهزائم والخسائر ولم يعد يعنيهم لا أن يقرأوا ولا أن يسمعوا.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.