الجمعة، 26 فبراير 2016

لماذا توجد كتبي في Boutique MaSaHa؟













سألني كثر عن سبب "توزيع" كتبي في Boutique MaSaHa، (منصوريّة المتن - الطريق العامّ)، فكان لا بدّ من إجابة:

1- إنّ بيع الكتب لا يأتي بمردود ماديّ يستحق التعب ووجع الرأس، فلذلك ارتأيت أن أوزّع نسخًا من كتبي، لعلّ العذر الماديّ يزول أمام الراغبين في المطالعة.

2- كنت دائمًا أتمنّى لكتبي إطارًا جميلًا وجديدًا، فوجدت في عالم الزهور اللغة التي تعرف كيف تترجم كلماتي، وعند MaSaHa المساحة التي تتّسع لجموح أفكاري وجنونها.

3- إنّ من يقصد Boutique MaSaHa يعرف أين يسعى إلى الجمال والفكرة، وبالتالي قد يجد في كتبي ما يغريه بالمطالعة.

4- إنّ ما قامت به مؤسّسة MaSaHa في إنشاء متجر يكمل عملها في زينة الأعراس والمآدب والمناسبات خطوةٌ تغري بمواكبة أفكارها الجريئة والجديدة. من هنا جاءت فكرة توأمة الكلمة والزهرة لتعطي دفعًا جديدًا للجرأة والجدّة.

5- فضلًا عن كتبي التي تحمل توقيعي، وضعت كتبًا من مكتبتي الخاصّة، رغبة منّي في تشجيع الناس على القراءة. وانضمّ، مشكورًا، إلى هذه التجربة/ المغامرة الدكتور فلاح أبو جودة، إذ وضع نسخًا من كتابه "على سيرة النوم" في تصرّفي، وكذلك نسخًا من كتب عمّه الصحافيّ الكبير ميشال أبو جودة.

إنّي، إذ أشكر الصديقين الدكتور مارون أبو خير والدكتور سماح داغر، عاشقي الكلمة والعطر، على مساحة الجمال الجديدة في زمنٍ يراد له أن يرتبط بالنفايات والبشاعات والتلوّث، أتمنّى لهما النجاح في مغامرتهما الجديدة المختلفة والمميّزة، ولزائري المتجر وزبائنه رحلة ممتعة بين الكلمات والأزهار. 

الجمعة، 29 يناير 2016

بكاء على رؤوس الأصابع - وثيقة وفاة



بعد اثني عشر يومًا على وفاة خالي "سليم" ونحو شهرين على وفاة زوجته عمّتي "إميلي"، وشهر على وفاة "عبدو" زوج عمّتي "روزالي"، مات منذ أيّام خالي "ميلاد"، وماتت في اليوم التالي ابنة عمّه "زبيدة"، بعدما صارعوا، وبالشكل الأقسى والأصعب، الحياة والمرض. والناس الذين كدنا ننسى وجوههم وأسماءهم، في عجقة اليوميّات وعجيج المجتمع، عدنا والتقينا بهم في مأتم تلو مأتم، وفي عيوننا متّسع لما يشبه الاعتذار لأنّنا أزعجناهم وأخرجناهم في هذا البرد والصقيع من دفء بيوتهم ليكونوا إلى جانبنا، مع أنّ أكثرهم لم يكن ولو لدقيقة واحدة إلى جانب الذين رحلوا.
مأساة الإنسان ليست في الموت الذي لا بدّ منه. فلماذا يرغب العلماء في إطالة أعمار الناس، ولأيّ هدف يريد الناس أن يعيشوا إلى ما لا نهاية، إن كانت الشرور باقية، والأمراض باقية؟ فلعلّ الموت أخفّ مآسي الإنسان وطأة، حين تقارنه بالأمراض التي لا شفاء منها والأوجاع التي لا علاج لها والمعاناة التي تهدر كرامة الإنسانيّة كلّها.
نحن نموت على جرعات...
تقتل الخيبات طفولتنا. يدمّر الطموح سكينتنا. يقضي الغدر على ثقتنا. تغتال الخيانة آمالنا. تخنق الوحدة شغفنا. تفتك الأمراض بصحّتنا. يقطع الركض أنفاسنا... وننتهي! ولولا فسحات حبّ وصداقة وشعر من هنا وهناك، لكان ما نحن عليه هو الجحيم في حدّ ذاته.
أنا لا أكتب اليوم عن خالي "ميلاد" (ولم أناده مرّة خالي) الذي يكبرني بخمسة عشر عامًا كان صديقي ومُشاكسي وأوّل المفتخرين بي، والذي حين ترك لي مكتبته وسافر إلى السعودية وضعني من حيث لا يقصد على درب المطالعة، وحين كتبت له الرسالة الأولى، من سلسلة مراسلات استمرّت أعوامًا، وضعت نفسي من غير أن أعرف على درب الكتابة.
      لا. لا أكتب عن "ميلاد" اليوم ولا أعتقد أنّني سأعرف يومًا كيف أكتب عن هذا الرجلِ الأحجية:
رجلٍ من السهل عليه أن يثير أعصابك ولكن من المستحيل عليك أن تكرهه،
رجلٍ قادم من مخيلة طفل، وطفلٍ يرتدي ملابس رجل،
رجلٍ يحمل دماغ عبقريّ ومشاعر مراهق،
رجلٍ يضعك دومًا على حدودٍ مزروعة ألغامًا تفصل بين الواقع والوهم،
رجلٍ لم أجد من يشبهه إلّا حين شاهدت فيلم "Big Fish"، وبقدر ما أحببت الفيلم، خشيت ألّا يعرف ابنه "ماجد" من هو أبوه إلّا في مأتمه.
لا أكتب عن "ميلاد" الذي ولد ليلة عيد الميلاد ورحل بعده، بل عن البكاء الذي تجمع على رؤوس الأصابع بعدما تعبت عيون الدمع.
***
رحيلًا بعد رحيل، كنّت أؤجّل البكاء وأؤخّر مواعيده وأنا ألهيه بالعمل واللعب مع الأولاد في المدرسة والأنشطة الفكريّة والتخطيط لمشاريع تقاوم الموت، لكنّ البكاء ثار في النهاية وانتفض وقرّر أن ينهمر لعلّه يغسل الوجهَ من قبلات دبقة والروحَ من أدران الكلمات الممجوجة. وكان لا بدّ للمأتم هنا، الآن، مع هذه الكلمات أن يحوّل الذين رحلوا صفحات في كتاب العمر، لكي أستطيع أن ألتقط ما تبقى من أنفاس الحياة، رحمة بالباقين.
هو ليس بكاء على الموتى، والموت حقّ، وكلّ من الراحلين عاش وقطف من ثمار الحياة على قدر ما طالت يداه.
لكنّه البكاء الرافض لاعتبار الموت أمرًا عابرًا ولو كثر المائتون حولنا، ولو ملأت نشراتِ أخبارنا جثثُ الضحايا وفاضت صفحاتُ التواصل الاجتماعيّ بأوراق النعي.
هو البكاء على عمر أفناه والداي في حبك علاقات عائليّة وتمتين أواصر صداقة وجيرة، يكونان فيها أوّل الواصلين إلى حيث الحزن، وأوّل المنسحبين حين يعود الفرح، ليكتشفا بالطريقة الأصعب، ما كنّا نحن أولادهما نقوله لهما: لن يعاملكما الناس كما تعاملانهم.
هو البكاء على جدّي الذي مات وحيدًا في حرب الجبل وهو يحاول أن ينقذ مقّدسات الكنيسة.
هو البكاء على جدّتي التي دفنته وحدها تحت ليل القصف.
هو البكاء الصارخ في صحراء الحروب والدمار بأنّ كلّ إنسان قيمة وتاريخ وذكريات.
هو البكاء اللاعن نفاياتٍ تتجمّع أمراضًا في صدورنا وتهدّد بموتنا القريب.
هو البكاء الناقم على تقاليد المآتم التي يحضر فيها كثر ويتحاشى الجميع ذكر الميت.
هو البكاء على عجزنا عن الصراخ في وجه من يصل معزيًّا وهو يضحك، ومن تصل معزيّة وكأنّها ذاهبة إلى عرس،
هو البكاء على أنّنا صرنا نجد الموت بالسرطان أمرًا عاديًّا لا يدفعنا للثورة.
هو البكاء على المرضى والمضطهدين والأيتام والمعنّفين والمشرّدين والنازحين.
هو البكاء على وطنٍ وأوطانٍ محكومة بالجهل والفساد والحقد.
هو البكاء على أحياء موتى... ولا يعرفون.
ولكن، اليوم، وبعد أسبوع على رحيل "ميلاد" عاشق الشعر والهندسة، المجنون، الهادئ، الساخر، الغاضب، المملوء حكايات، وأمام صمود أمّي في وجه الموت الذي أخذ شقيقيها، وهي كبيرتهما، وأمام وقفة أبي الأبيّة في تعازي شقيقته وصهريه وابن عمّه، كما وقف إلى جانبهم طوال حياتهم، وأمام ذكرياتي عن ثلاثيّ راحل أدين له بتعليمي حين كنت طريحة الفراش، وأستعدّ لشهادة "السرتيفيكا": "يوسف"، ابن عمّي "بشارة"، الشاعر الذي كان مدير مدرسة وعلّمني المواد الأدبيّة، و"جريس"، ابن عمّي "عزيز"، أستاذ الفيزياء الذي علّمني المواد العلميّة، وخالي "ميلاد"، مهندس الكهرباء، الذي حملني إلى غرفة الامتحانات الرسميّة، ثمّ اصطحبني لحضور فيلم هنديّ كان عهدذاك ذائع الصيت، فخرجت منه باكية وندم هو على الانصياع لرغبتي... اليوم، وأمام هذه الكلمات التي هي كنزي ورصيدي وقوّتي... وعلى وقع موسيقى الجاز بوجعها وعنفوانها... اليوم، وأنا أنظر إلى لعبة الداما، من صنع "ميلاد"، الناجية الوحيدة من بيت الجبل في "عاليه"، والشاهدة على تحديّات جدّي "أبو سليم" وولديه، أنهي وثيقة الوفاة، وأعلن فكّ الحداد... وأشغل رؤوس أصابعي بقصيدة عن صاحب القميص الأزرق.

الاثنين، 18 يناير 2016

عنّي وعن أمّي... أبكي



حين أنظر إلى صورة خالي "سليم" حاملًا شقيقه "ميلاد" أسأل نفسي: كيف يكون هذان الصغيران خالَين عجوزين لفتاة لم تر فيهما يومًا، على الرغم من تقدّمهما في العمر والخيبات، سوى طفلين يشاكسان الحياة ولا يأخذانها على محمل الجدّ؟
هكذا كانا دائمًا:
خالي "سليم" الذي رحل منذ أسبوع، وخالي "ميلاد" الذي يصارع السرطان.
عاشقا الشعر والمطالعة...
المغرمان بالأرض وبنتاجها...
شقيقا أمّي اللذان يصغرانها ويكبّران حسرتها عليهما...
الوالدان اللذان كان كلّ منهما ولدًا آخر في عائلته، لا يعرف من الأبوّة سوى أنّها رفقة طريق على درب الأولاد، يوجّهان ولا يقودان أو يقيّدان...
الابنان اللذان يشبهان والدهما في ثورتهما بسبب أمر بسيط وتغاضيهما عمّا يراه الآخرون جوهريًّا أساسيًّا...
هكذا كانا، وهكذا بقيا حتّى رحل "سليم" إلى حيث ينتظر "ميلاد" شقيقه الصغير...
***
ماذا أكتب في هذه الليلة عن أمّي التي تكبر شقيقيها وتفقدهما واحدًا بعد الآخر، وهي تشعر بالعجز والذنب والأسى، فتغرق في جمودها وصمتها وصلاتها الصامتة؟
ماذا أكتب بعد عن الراحلين الذين يغيبون تباعًا كأنّهم على موعد؟
لم أقلْ لأمّي في عيد الميلاد: سنة بعد سنة يقلّ عدد الزائرين. "أسعد مكرزل" زوج ابنة عمّي و"جريس" ابن عمّي، و"إلهام خيرالله" صديقة العائلة، "عبدو كرم" زوج عمّتي "روزالي" الذي رحل ليلة رأس السنة، زوج خالة أمّي "فؤاد"، عمّتي "إميلي"، خالي "سليم"، وها هو خالي "ميلاد" يُحتضر، و"حبيب" ابن عمّه يسابقه، و"زبيدة" ابنة عمّه تعاني الأمرّين من أوجاعها... وجوه كثيرة تلحق بوجوه سبقتها، وأمّي وأبي يراقبان بخوف كيف يأكل الزمن ما تبقى من أعمار عمّي "بشارة"، وعمّي "سعد" وزوجته "جورجيت"، وعمّي "إميل"، وعمّتي "روزالي" وكثر غيرهم...
***
هي طفولتي التي تغيب معهم. لذلك فحين أكتب عن هؤلاء كلّهم وأبكي، فعليهم وعلى عمري المطبوعة عليه وجوههم أبكي.
هم آخر القدماء بحسب تعبير يوسف حبشي الأشقر. لكنّهم هم أوّل من كنت أراهم حول سرير مرضي.
الأطفال لا يزورون الأطفال المرضى. الكبار هم من يقومون بواجب العيادة. لذلك كان كلّ هؤلاء حولي حين كنت أخضع لعمليّات جراحيّة تبقيني أسيرة الفراش أشهرًا طويلة. كان الكبار هم الضيوف الزائرين، حاملي الهدايا والحكايات والأخبار عن عالم خارجيّ لا تصل إليّ منه سوى أصداء تثير شهيّتي على اللعب مع الأولاد في دروب البلدة. فكيف لا يعلقون بذاكرتي، يمتصّ الموتى منهم نسغ الحياة من طفولتي المرصودة على اسم الألم، أمّا الأحياء فيرون في كلماتي شدّة خوفي عليهم من رغبتهم في اللحاق بمن سبقهم.
***
للموت عندنا فصول. ونحن اليوم في فصل جديد منه.
ها هي الأبواب تُفتح مشرعة، كأنّ الأرض نقص ترابها وهي في أمس الحاجة لأجسادهم، أو كأنّ الناس تعبوا ويريدون أن يرتاحوا، أو كأنّ الموت قال كلمته وانتهى الأمر... لكنّهم في النهاية يرحلون...
خالي "سليم" قال لزوجته عمّتي "إميلي": فلنسرق المرض من ابنتينا ونتألّم عنهما.
خالي "ميلاد" لا يعرف أنّ شقيقه "سليم" سبقه، وأمّي لا تعرف أنّ ابنتها "سميرة" ساهرة الليلة إلى جانب سرير خالها "ميلاد" كي لا تبقى زوجته "ماري" وابنه "ماجد" وحيدين...

الوقت يعصر القلب، والريح تولول، والأوبئة تتكاثر، والناس يلهون أنفسهم بترشيح جعجع عون لرئاسة الجمهوريّة، الحياة تستمرّ في مكان، تنتهي في آخر، غدًا يوم عمل عادي مهما كان عدد الراحلين في عتمة هذا الليل... لا تعرف أمّي ماذا ينتظرها غدًا، لن يعرف أبي ماذا يقول لها، لن نعرف ماذا سنقول لـ"ماجد" ابن خالي... الليل طويل، الانتظار ثقيل، الطبّ عاجز، خالي "ميلاد" يكتب قصيدته الأخيرة... وأنا أبكي الليلة عنّي وعن أمّي.

الخميس، 14 يناير 2016

دعوة إلى لقاء حول رواية الطيّب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال


     بناء على دعوةٍ عزيزة من قسم اللغة الإنكليزيّة في مدرسة الحكمة هاي سكول، أتبادل الأفكار مع تلامذة الصفوف الثانويّة في المنهج الأميركيّ، حول رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيّب صالح.

     يدور الحوار حول مسائل الاستعمار والاستشراق والمرأة والجنس والطبيعة والـاثّر بالراوية والمسرح الإنكليزيّين، وسواها من الموضوعات التي تطرحها هذه الرواية المميّزة.

    وسبق أن كانت لي مداخلة خلال نشاط سابق لقسم اللغة الإنكليزيّة حول رواية زقاق المدقّ لنجيب محفوظ، تجدونها في هذا التسجيل.



الأحد، 13 ديسمبر 2015

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن (2009 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

وادي القدّيسين في قنّوبين

في مغارة الميلاد، "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم"، وبالتالي لم تكن ثمّة حاجة إلى إضاءة تستهلك مقدّرات الطبيعة. وأدفأت الحيوانات الطفل الإلهيّ الذي وضع على القشّ الدافئ فلم تكن ثمّة حاجة إلى تدفئة مركزيّة تسبّب إهدارًا في الطاقة. ولم تكن الأرض تنشد إلاّ السلام، كأنّ الأمور الأخرى كانت متوافرة ولم يكن من الداعي طلبها. الخشب الموجود كان يكفي لبناء هيكل سليمان والصلبان على عدد المغضوب عليهم، والمياه الموجودة تكفي لعمادة من يرغب في الولادة من الروح بعدما ولد من الجسد، والتربة الموجودة يرسم عليها المسيح علامات الأزمنة لمن يعرف أن يقرأ، ويضعها على عيني الأعمى فيرى. أمّا اليوم فيبحث الناس عن المياه والخشب والتراب ومصادر الطاقة، وهم يعرفون أن لا سلام على الأرض ما لم يجدوا حاجتهم من هذه العناصر التي لا وجود للحياة بالشكل الذي نعرفه من دونها.

في مغارة بيت لحم، وصل المجوس، علماء الفلك في بلاد فارس، ولم تكن في بالهم المفاعلات النووية ولا القضاء على بني إسرائيل، كانوا يثقون بأنّ السماء وعدتهم بما هو أهمّ وأجمل وكانوا يريدون أن يكونوا شهودًا لا شهداء، وبأنّ الثروات التي يملكونها ليست ملكًا خاصًا بهم وحدهم، بل هي ملك الجميع. ووصل الرعاة البدو وهم يعرفون أنّ وجودهم في مكان واحد مع ملوك المجوس لا يعني أنّ الشيوعيّة هي التي انتصرت بل المحبّة، وأنّ فقرهم لا يعفيهم من المسؤوليّة عن مصير هذا العالم، وأنّ دعوتهم إلى هذا حضور هذا "المؤتمر" لا تعني أنّهم سيحصلون تلقائيًا على حصصهم من هدايا الميلاد.

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن، لا تزال البشريّة مجدّة في سعيها نحو الخلاص.

هناك من يبحث عنه في هذه الأرض، وغالبًا ما يعني ذلك خلاصه هو ولو على حساب البشريّة، فيتلف غلاله كي لا يهبط سعرها في السوق، أو يقتل ليختبر سلاحًا جديدًا، أو يبيد شعوبًا في سبيل بقاء شعوب أخرى.

وهناك من يبحث عن هذا الخلاص في السماء فيهملون الأرض وما عليها ومن فيها، وحتّى هؤلاء ينقسمون فريقين: فريق يستثمر أمواله في الفضاء بحثًا عن مستعمرات جديدة وشعوب غريبة ولا يلتفت إلى أهل بيته، وفريق يؤمن بأنّ كلّ شيء باطل ولا يستحقّ هذا العالم إلاّ أن نعبر فيه سريعًا ومن دون أن نتعلّق بأيّ شيء فيه.

وفي مختلف تلك الحالات لم تصل البشريّة إلى مدينتها الفاضلة ولم تستعد بعد فردوسها المفقود.

في قمّة كوبنهاغن سيطلب الأثرياء من الفقراء أن يستحمّوا أقلّ ليملأوا هم أحواض السباحة في قصورهم ومنتجعاتهم، وأن يناموا باكرًا ويوفّروا الطاقة الكهربائيّة ليسهروا هم تحت أشّعة ثريّاتهم الكريستال، وأن يمتنعوا عن قطع الأشجار لتدفئة غرفهم الصغيرة ليملأوا هم مواقد تضفي جوًّا شاعريًّا على شاليهاتهم الغارقة في دفء "الشوفاج".

ونحن من يتابعون أخبار تلك القمّة المصيريّة والتي ستكون كلفة مصاريف الوفود والوقود فيها باهظة، إذا علمنا أنّ الحرارة خلال أيّام القمّة ستراوح بين درجة واحدة وسبع درجات، فسنسأل أنفسنا ببراءة: لماذا تمّ اختيار بلد بارد ومكلف في حين كان ممكنا عقد القمّة في بلد معتدل الحرارة يوفّر التدفئة أو التبريد لآلاف المشاركين من رؤساء ومرافقين وموظّفين ومراسلين؟ هذا طبعًا فضلاً عن مصاريف الفنادق والتنقّل ووجبات الطعام.

إنّ قمّة تبدأ بمثل هذه المبالغ الخياليّة من المصاريف على آلاف العلماء، من أجل التفكير في إنقاذ كوكب الأرض ستجعل العالم مغارة علي بابا لفئة من الناس تريد أن تبيع سيّارات وأسلحة، ومغارة الإنسان البدائيّ لفئة أخرى لا تعرف إلاّ أن تكون مستهلِكة ومستهلَكة.

ولكنّها، أيّ القمّة، لن تجعلنا قطعًا قريبين من مغارة الميلاد حيث استطاع طفل صغير وامرأة بسيطة ونجّار نشيط (بالتأكيد لم يقطع في حياته من الأشجار ما تسبّب بخطر على البيئة) ومجموعة رعاة مع حيواناتهم، وثلاثة علماء فقط، أن ينقلوا البشريّة إلى عهدها الجديد.

* جريدة النهار - الثلاثاء 8 كانون الأوّل 2009

السبت، 12 ديسمبر 2015

أجواء ميلاديّة -1: الجارات في زمن العيد



(2010)
الجارات منطلقات إلى الكنيسة، ولا واحدة منهنّ تخاطب الثانية.
فالمشكلات العالقة لا تترك مجالاً لكلمة صباح الخير أو لسؤال عن الصحّة.
يمشين متباعدات في الجغرافيا وبسببها ومتحدّات في التاريخ الرازح تحت أعوام من الخصام.
كلّ واحدة تراقب الأخرى، وتعاين ثيابها وتصرّفاتها وتتمنّى لها أن تتعثّر وتقع أرضًا لتشمت بها وتسخر منها.
يصلن إلى الكنيسة،
يبحثن بعيونهنّ الفضوليّة عن المقاعد بحيث لا تجلس الواحدة إلى جانب الثانية،
يتوزّعن الأماكن ويبدأن بالصلاة من أجل السلام في العالم.
يدعو الكاهن الناس للاعتراف بالخطايا وتصفية الضمير في مناسبة الأعياد،
لا تشعر الواحدة منهنّ بأنّها معنيّة بالدعوة: فبالها مرتاح ونيّتها صافية وقلبها طيّب،
غير أنّ ذلك لم يمنعها من مراقبة جاراتها اللواتي لم يتوجّهن إلى الكاهن للندم أمامه عمّا اقترفنه من ذنوب في حقّها.
يتسابقن عند تناول القربان المقدّس لتكون الواحدة منهنّ في أوّل الصفّ،
يتدافعن بالأكتاف من دون أن يتبادلن نظرة تفضح اعتراف العين بوجود كائن آخر على مقربة التفاتة وجيرة بيت.
يتناولن القربان خاشعات وهن يتمتمن بكلمات لا أحد يعرف إن كانت صلاة شكر أو طلب انتقام.
ينتهي القدّاس المبارك وتخرج الجارات من أمام مائدة الربّ مستعدّات لجولة جديدة من المعارك المصيريّة لإثبات الوجود على شرفة متنازع عليها، أو على قطعة أرض لا تتّسع لمدفن، أو على موقف سياسيّ اتّخذه الأزواج وتبنّته الزوجات، ولكن هذا لا يمنع من أن يحصل العكس في بيت من البيوت حين تأخذ الزوجة المتمكّنةُ من رقبة زوجها القرارَ والمبادرة وتجبر زوجها المسكين على الانصياع.
إنّها ذكرى الميلاد الذي تمّ منذ أكثر من ألفي سنة،
والجارات لسن معنيات به لأنّه موضوع قديم عفا عنه الزمن، أمّا الشجار الذي حصل مع الجارة البارحة فلا يمكن العفو عنه مهما كلّف الأمر.

الخميس، 19 نوفمبر 2015

الاستقلال ملك الأغنياء والاستغلال نصيب الفقراء



شارل خوري
(2010)
نحن فقراء لبنان نعرف أكثر من سوانا حقيقة الأمور، لا لأنّنا نملك معلومات أكثر من سوانا بل لأنّنا نعيش على الهامش، ونراقب ما يجري من دون أن ينتبه إلينا أحد، ونعرف ما ينقصنا ولا نصدّق الوعود التي نسمعها ولسنا معنيين بالمطالب والشعارات التي ترفع في الساحات أو تعلن في وسائل الإعلام. ولذلك فكلّ ما يقال عن الحقيقة والاستقلال ورئاسة الجمهوريّة والتحقيق الدوليّ لا يعنينا فعلاً لأنّنا جائعون ومرضى ونشعر بالبرد ولا نملك ما نشتري به الخبز والدواء والمازوت.
إنّ من يعرف الشباب والصبايا الذين يشرفون على التحرّكات الشبابيّة في الشوارع والتلفزيونات مذ انطلق شعار استقلال 2005 يلاحظ أنّهم جميعهم ينتمون إلى عائلات ثريّة جدًّا ويملكون جنسيّات أجنبيّة، وعندهم أكثر من خيار للعمل هنا أو في الخارج، ويقيمون شبكة من العلاقات العامّة تتيح لهم الظهور على شاشات التلفزيون المحليّة والعالميّة وإجراء المقابلات في الصحف والمجلاّت والإذاعات. فإذا نجحت الحركة الاستقلاليّة ونال هؤلاء مطالبهم احتلّوا المراكز النيابيّة ونالوا الوظائف المهمّة، وحكموا البلد. أمّا إذا تدهورت الحالة الأمنيّة وجرت الرياح بما لا تشتهيه سفنهم فجوازات سفرهم حاضرة وبيوتهم في بلدانهم الأخرى جاهزة لاستقبالهم ولا شيء يجبرهم على البقاء. والدليل أنّ عددًا كبيرًا من النواّب والوزراء والقادة سافر إلى الخارج حين شعر بالتهديد أو خاف على حياته.
الأغنياء في لبنان إلى أي حزب أو طائفة انتموا هم الذين يقودون حركة الاستقلال الجديد لأنّهم يستطيعون التغيّب عن العمل، وعن الجامعة، ولأنّ مستقبلهم مضمون ومؤمّن ولأنّهم يستطيعون الاعتصام والبقاء في ساحة الشهداء قدر ما يشاؤون ولأنّهم مطمئنون إلى غدهم، ولأنّه يجيدون التحدّث بلغات أجنبيّة تجذب وسائل الإعلام الغربيّة وتؤثّر على الرأي العام في الخارج . أمّا الفقراء فمشغولون بالبحث عن لقمة العيش وثمن الدواء وقسط المدرسة. فلا ينخدعنّ أحد بصور المظاهرات وأعداد المتظاهرين. فالصور المأخوذة من الجو أو من الأماكن المرتفعة تختلف عند التحليل عن الواقع على الأرض. 
صحيح أنّ تظاهرة 14 آذار قد شارك فيها الجميع، وصحيح أنّ الجميع أراد رحيل الجيش السوريّ، وانتهاء النظام الأمنيّ، ومعرفة حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، غير أنّ للفقراء اليوم مطالب أخرى يبدو أنّ السياسيين، نجوم الشاشات الأرضيّة والفضائيّة، لا يعرفون عنها شيئًا ولا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد. فما دام كلّ واحد منهم قبض ثمن كرسيه النيابيّ إمّا للجلوس عليه أو للانسحاب عنه، فلماذا يهتمّ بشؤون غير تلك التي تحفظ له المركز أو تضاعف رقم حسابه المصرفيّ؟
للفقراء في لبنان هموم ومشاكل لا تعني المتقاتلين على رئاسة الجمهوريّة، ولا تعني الزعماء الذين يقفون وراء كلّ مرشّح. والفقراء في لبنان باتوا يعرفون أن لا أحد يهتمّ بهم، وأنّهم سيزدادون فقرًا أكان هذا رئيسًا أم ذاك، وأنّ الحديث عن الاستقلال يدغدغ مشاعرهم الوطنيّة إلى حين يصرخ أولادهم جوعًا أو ألمًا. 
عندما أقفلت الحدود بين لبنان وسوريا ومنعت الشاحنات من العبور باتجاه الأراضي السوريّة وأتلفت الفواكه والخضار لم يقدّم نجوم الاستقلال الجديد حلولاً للمزارعين الفقراء ولم يشتروا منهم منتجاتهم.
وعندما هجم برد تشرين وتقوقع الناس في الجبال في منازلهم عاجزين عن شراء تنكة مازوت تردّ الصقيع عن الأبواب لم نر قادة الاستقلال الجديد يتنادون ويعتصمون دعمًا لمواطنيهم الذين يكادون يدنقون.
عمر إنسي - برج أبي حيدر

وعندما بدأ موسم المدارس والجامعات وبكى التلاميذ الذين تركوا مقاعدهم الدراسيّة ليذهبوا إلى مدارس مجانيّة أو رسميّة أقلّ مستوى لأن أهلهم عاجزون عن تسديد الأقساط، لم نر شباب 14 آذار يرفعون الشعارات المطالبة بـ"سيادة" العلم على الجهل و"حريّة" اختيار المدرسة و"وحدة وطنيّة" تساوي بين الأثرياء والفقراء.
إنّ الاستقلال يكلّف دمًا، وثمّة من دفع حياته أو كاد يدفعها ثمنًا له. ألم نتعلّم أنّ للحريّة الحمراء باباً بكلّ يد مضرّجة يدقّ، غير أنّ الاستقلال يحتاج أيضًا إلى أموال ومصاريف وصحّة جيّدة تحتمل الاعتصام. ولذلك قال "الرحابنة" عن المعتصمين المضربين عن الطعام: خليهن ياكلوا بيحتجّوا أكتر"؟ ولهذا كان من الطبيعيّ أن تتبنّى استقلال 2005 طبقة ثريّة من المجتمع ستستفيد كيفما تقلّبت الأحوال وتبدّلت الظروف.
"السلطة والمال" كلمتان تتكاملان وتترافقان. فمن يملك السلطة يحصّل المال، ومن يملك المال يشتري السلطة أو على الأقلّ يسيطر بأمواله على من يحبّ السلطة. وهذا ما يحصل عندنا اليوم.
ونحن الفقراء نتسلّى بمراقبة ذلك. فما دمنا لا نستطيع تحسين أوضاعنا في ظلّ الفساد وغياب الدولة وانعدام الثقة بالغد، وما دمنا غير قادرين إلا على التفرّج على ما يجري عاجزين عن المشاركة في الفعل بل ننجرّ إلى ردّ الفعل، فلماذا لا "نتفرّج" على ما يجري في انتظار فرج قريب لا نعرف من أين سيأتي. وقد نستطيع فعل ما هو أفضل من ذلك. لماذا لا نستسلم للمرض حين نمرض فنموت بكرامة بدل الإذلال أمام المستشفيات، ولماذا لا نستسلم للجوع حين نجوع فنموت بصمت بدل التسوّل، ولماذا لا نستسلم للبرد حين يقرصنا الصقيع فنموت بخشوع في انتظار دفء لن يأتي.
فيروز

في مسرحيّة ناطورة المفاتيح "للأخوين رحباني" دعي الشعب إلى الرحيل ردّا على ظلم الحاكم، أمّا نحن فلا بلد يستقبلنا، والبحر من أمامنا، وسوريا من ورائنا، وإسرائيل عند جنوبنا فإلى أين نذهب؟
إن لبنان، لمن لا يعرف، ليس كلّه كشارع مونو، وليس كلّه كوسط المدينة، وليس كلّه كشارع الكسليك، وليس كلّه كشارع الحمرا أيّام عزّه، وليس كلّه كبحمدون وبرمّانا في أيّام الصيف.
ولبنان، لمن لا يعرف، ليس برامج ألعاب ومسابقات، ومغنّين ومغنيّات، وملاهي وراقصات. 
في لبنان فقراء يلمّون أقمشة الشعارات ليستروا عريهم ويائسون لا يجدون عملاً ومتشائمون لا يثقون بالحكم ولا بـ"المعارضات". 
وفي لبنان أجيال شابّة تتسوّل تأشيرات دخول إلى أي مكان.
وفي لبنان آباء وأمّهات يدفعون أولادهم إلى الرحيل ليؤمّنوا مستقبلهم ويضمنوا حياتهم.
وفي لبنان رجال يبحثون في النفايات عن كسرة خبز وما علق بعلبة طون أو سردين.
وفي لبنان أشجار عتيقة تقلع لترتفع الأبنية الحديثة.
وفي لبنان جبال عالية سوّتها الحفّارات بالأرض.
وفي لبنان تلال من النفايات تنفث سمومها في الهواء.
وفي لبنان لا مسارح ولا معارض ولا حركة فنيّة محترمة.
وكلّ شيء آخر تسوّقه وزارة السياحة خداع، وكلّ صورة أخرى توحي بها الصحف مزيّفة، وكلّ مستقبل يعد به السياسيّون وهم.
وإن لم تصدّقوا؟ اسألوا الفقراء فهم الأكثر عددًا.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.