الأحد، 30 أغسطس 2015

MaSaHa في معرض عربات الزهور في زحلة: توأمة الكلمة والزهرة

ندى ويارا زهرتان في ضيافة المهرجان






      MaSaHa في معرض عربات الزهور في زحلة: توأمة الكلمة والزهرة
مرحلة جديدة من مشروع توأمة الكلمة والزهرة الذي أطلقته شركة  MaSaHaينطلق اليوم مساء عبر بولفار مدينة زحلة.
-       فللمرّة الأولى في تاريخ مهرجان عربات الزهور، تتعاون بلديّة زحلة مع شركة متخصّصة في تنسيق الأزهار من أجل إضفاء طابع محترف وجديد وحديث على هذا الحدث الفنيّ. لذلك اختارت MaSaHa أن تكرّم سعيد عقل فتجعل ثمانية من كتبه مواضيع للعربات المشاركة، على أن تقوم الجمعيّات المشاركة في المهرجان بتنفيذ التصميمات، بإشراف مباشر من صاحبَي MaSaHa الدكتور مارون أبو خير والدكتور سماح داغر، بالتعاون مع المهندس هادي سلامة.
وبحسب الكتيّب الذي أعدّه المنظّمون، نجد الكتب والجمعيّات والأفكار كالتالي:
1-             العربة الأولى: من تنفيذ نادي التضامن، تحمل اسم "المجدليّة" وهو كتاب سعيد عقل الثاني، بعد "بنت يفتاح" (1937). في الشجرة/ المرأة هنا، ما هو أعمق وأبعد من الأغصان والأوراق والثمر. فيها جذور تطال السماء بقدر ما تمتدّ عميقًا في الأرض...
2-              العربة الثانية: من تنفيذ كشّاف التربية الوطنية وهي على اسم مسرحيّة لسعيد عقل (1944)، وتحمل عنوان قدموس رجل الحرف والشجاعة الذي يرمز إلى الطموح اللبنانيّ والإرادة، وإلى الرسالة الإنسانيّة التي يؤدّيها لبنان، رسالة المعرفة والهداية.
3-           العربة الثالثة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ وهي مستوحاة من كتاب رندلى (1960). في الديوان قصيدتان عن اليخت وهي فكرة جديدة في الشعر، فاختير الشراع رمزًا للسفر والحريّة والحبّ. لون الشراع ليلكيّ بلون فسطان رندلى، والأقحوان الأبيض زبدٌ فوق موج الرغبة المقدّسة.
4-           العربة الرابعة: من تنفيذ دار الصداقة عنوانها: أجمل منك؟ لا (1960). الحبّ عند شاعرنا رفيقُ الصباح حيث الحياة والفرح والعلنيّة. والمرأة عظيمة وراقية حتّى أنّ الشمس وحدَها تليق بها جوهرة وحلية. التصميم هذه العظمة بألوان قويّة كالأحمر والأصفر، واستخدم الزجاج ليبرز قدرة المرأة/ الشمس على الإشعاع بالفكر والجمال.
5-             العربة الخامسة:  من تنفيذ جمعيّة "شعاع الأمل" استنادًا إلى كتاب "لبنان إن حكى" (1960). اختيرت الريشة رمزًا لكلّ إبداع في الفنّ والعلم أضاء عليه سعيد عقل في كتابه هذا. فالريشة إذًا شعاع أمل، تجسّد رغبة الشاعر في رسم تاريخ لبنان بمختلف ألوانه وأطيافه بريشة العزّ والمجد.
6-           العربة السادسة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ، من وحي كتاب "كأسٌ لخمرٍ" (1961). اختير القمح رمزًا، حتّى لكأنّ سعيد عقل، يقف على بيدر الأدب ليجعل القمح خبزًا يكمّل مائدة الخلاص إلى جانب كأسٍ لخمر الحياة الجديدة. والأطر الخمسة تشير إلى ثورة سعيد عقل الأدبيّة داخل قوانين اللغة وشروط العقل والفكر.
7-             العربة السابعة: من تنفيذ طلائع العذراء، ومن وحي كتاب أجراس الياسمين (1971). وهو ديوان شعر يغنّي الطبيعة بغرابة فريدة وبحدّة حِسّ وذوق. اختيرت قصيدة دموع الحجر تحديدًا، وجاءت الدمعة الضخمة التي يبدو لها ثقل الحجر ووزنه، لكن لها أيضًا شفافيّة الدمع ورقّته. أليس شعر سعيد عقل بمثل تلك الصلابة وزنًا وتعبيرًا، وبمثل تلك الرقّة عاطفة وخيالًا؟
8-           العربة الثامنة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ وتحمل اسم كتاب "كما الأعمدة" (1974). اختيرت ثلاثة أعمدة: عمود من الغار رمز الانتصار، وعمود من الريحان رمز الرائحة الطيّبة، وعمود من الخرنوب رمز الطبيعة اللبنانيّة الخيّرة المعطاء. وبين هذه الأعمدة، يجري نهر الذهب/ وهو عنوان قصيدة من الديوان/. نهر تتماوج مياهه مع تغيّرات الحياة وتبدّل الفصول، بين خضرة الأرض وصفرة الذهب، كأنّ مياهنا هي الكنز وهي الثروة وهي الحياة.
مع الإشارة إلى أنّ الأبيات والقصائد التي اختيرت من الكتب المشار إليها ستكون بصوت الأستاذ أندريه أبو عديله، وستكون عريفة المهرجان السيّدة بريجيت أندريه عطا، وذلك بإشراف استديو أندريه عطا حيث تمّ التسجيل.
تؤكّد MaSaHa ، بحسب تعبير سماح داغر، على الأمور التالية:
 -  توأمة الكلمة والزهرة وهو المشروع الذي أطلقناه لنشر الوعي والجمال في مختلف وسائل التعبير عنهما.
-       التعريف بلغة الزهور وسائر عناصر الطبيعة، في صورة لم يعتدها اللبنانيّون، وعدم حصرها في الأعراس.
-        مقاومة البشاعة المستشرية حولنا بمشاهد تجمع بين الرقي والبساطة.
-       التعاون مع الجمعيّات في المنطقة لنشر ثقافة السلام.

ويشير داغر إلى أنّ الصعوبات التي واجهت شركتهما في بداية إطلاق الفكرة كانت في إقناع المشاركين في التنفيذ بوجوب الابتعاد عن الأفكار التقليديّة. ولكن مع الوقت، اكتشف كيف أنّ الجمعيّات، وفيها عناصر شبابيّة يافعة، تقبلت الأفكار الجديدة، ووجدت أنّ عالم تنسيق الزهور أوسع بكثير من مجرّد وضع الأزهار على عربة.
اليوم مساء، ستكون مغامرة MaSaHa أمام اختبار الشارع، في تظاهرة جماليّة فنيّة شعريّة، تكرّم سعيد عقل الذي لم يعرف الخنوع والخضوع، والذي تميّز شعره بالفرح والعزّة والسموّ والكِبَر، والذي لم يعشق سوى لبنان، ولم يعلّم إلّا الجمال.

السبت، 29 أغسطس 2015

سنة دراسيّة جديدة... شعارها رؤوس مقطوعة ونساء للبيع (آب 2014)


 حصّة تعليم اللغة العربيّة في مسرح المدرسة

المتعلّمون هم أبطال الخشبة

     تبدأ سنة دراسيّة جديدة في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وليبيا... سنة دراسيّة جديدة لدروس قديمة في الرياضيّات والأدب والشعر والعلوم والرياضة والموسيقى...
     سنة دراسيّة جديدة... بمناهجَ قديمة ومعلّمين يقولون ما لا يؤمنون به ولا يشعرون به...
     مناهج قديمة تعلّم أنّ واحدًا زائدًا واحدًا يساويان اثنين، مع العلم أنّ طفلًا قتيلًا وطفلة قتيلة يساويان مجزرة، وأنّ بيتين مهدومين يساويان عشرات النازحين والمشرّدين...
     مناهج قديمة مختبرُ العلوم وتشريح الحيوانات المسكينة فيها لا شيء بالمقارنة مع مشهد ذبح وقطع أعضاء تبثّه وسائل الإعلام العاهرة...
     مناهج قديمة تتباهى بأنّ امرأ القيس - الملك العربيّ الضليل - أوّل من وقف واستوقف وبكى واستبكى حين أنشد قفا نبكِ، متناسية أنّ أبا نواس - الفارسيّ حفيد علماء الفلك - حين سخر منه داعيًا إيّاه إلى الجلوس، كان يعرف أنّ ليل البكاء العربيّ طويل...
     مناهج قديمة تدعو تلامذتها إلى ممارسة الرياضة لأنّ العقل السليم في الجسم السليم... وتتناسى أنّ الرياضة الوحيدة المطلوبة الآن - للنجاة من الغرق في بحر الدم - هي الجري إلى أقرب بلد آمن...
     مناهج قديمة تعلّم تلامذتها مناهج اقتصاديّة حديثة، ولا أهل يملكون قيمة القسط وثمن الكتب...
     مناهج قديمة تعلّم حبّ الوطن لأولاد لا يعرفون الآن أين تبدأ حدود أوطانهم وأين تنتهي...
     مناهج قديمة تدعو الأولاد إلى عدم قطع الأشجار (قطع الرؤوس مسموح) وإلى عدم التدخين (حرق الكنائس والمعابد مسموح) وإلى احترام المرأة (بيع النساء مسموح) وإلى احترام رأي الآخر (اضطهاده مسموح) وإلى احترام جسد الآخر (تعذيب الأسرى مسموح والتنكيل بالجثث مسموح)...
*****
     لا أعرف إن كان ثمّة مدرسة ستبدأ السنة بالوقوف دقائق صمت وصلاة من أجل الذين غابوا عن مقاعدهم... أو إن كان ثمّة إدارة ستوعز إلى معلّميها كي يتناسوا المنهج الرسميّ هذه السنة للتركيز على مفاهيم الحقّ والخير والجمال، وللحديث عن حبّ الحياة لا تقديس الموت، ولمناقشة أمور الفكر والطبّ والشعر لا لحفظ عن ظهر قلب لا ينتج سوى أغبياء ومكبوتين ومشاريع مجرمين...
     لا أعرف إن كان ثمّة مدير سيقول لتلامذته هذه السنة: الكلام في السياسة والدين ممنوع، لأنّنا رأينا إلى أين وصلنا بسبب فهمنا الخاطئ لهما... لذلك دعونا نتكلّم في الفنّ والمسرح والأغنية وآخر علاج لمرضى السرطان...
     لا أعرف إن كان ثمّة وزير تربية سيجرؤ على القول: المناهج التربويّة التي اعتمدناها أنتجت أفرادًا متفوّقين ومجتمعًا مريضًا... فلنعكس الأمر ولنسعَ إلى مجتمع متفوّق بأفراد أصحّاء... يقدّسون البشر لا الحجر، يؤمنون بأنّ الكتب أصدق إنباء من السيوف، في متونها جلاء الشكّ والريب... فلنعلّم تلامذتنا كيف يحاكمون وسائل الإعلام التي تشوّه نفوسهم وعقولهم... وكيف يناقشون معلّميهم بحريّة ومسؤوليّة وشجاعة، وكيف ينظرون إلى المنهج كوسيلة، وإلى الشهادة كوسيلة، وإلى النجاح كوسيلة... كلّها تصبّ في خدمة الآخر...
      ولكن ما أعرفه وأكاد أجزم به هو التالي:
     إن وُجد مدير مدرسة يرغب في كلّ ذلك، فسيواجهه فريق معلّمين لا يجرؤون على الخروج عن السطر المرسوم في الكتاب، وطغمة أهل يخشون على أولادهم من عدم حمل ورقة نجاح تطير مع الريح عند أول اختبار حقيقيّ...
     وإن وُجد معلّم يقول لتلامذته: أنتم المقدّسون، لا الجرس ولا الناظر ولا الامتحان ولا النصّ ولا الكتاب ولا المدير ولا أنا... فسوف يطرد لأنّه خالف الشرع والشريعة...
      وإن وُجد تلميذ يفكّر في جوقة مردّدين، فسوف يطلب منه الانضمام إلى القطيع وإلّا فليرحل...
     سنة دراسيّة جديدة؟؟ أكاد أقول سنة دراسيّة أخرى محكومة بمشاهد جديدة للقتل والذبح والسبي والتهجير والفساد... أمّا موضوع الإنشاء فسيبقى هو هو: صِفْ الطبيعة في فصل الربيع...

     والويل لمن يأتي على ذكر الربيع العربيّ... 

الأربعاء، 19 أغسطس 2015

حمار للبيع (2009)




     أراد بو سعيد أن يتخلّى عن حماره بعد عِشرة عمر استمرّت أكثر من ثمانية عشر عامًا.
    كبر الرجل في العمر وتعب من العمل وضجر من قحط الأرض، فقرّر أن يعتزل الزراعة ويتسمّر أمام التلفزيون آملاً في أن يربح في اللوتو أو اليانصيب. ولذلك كان من الطبيعيّ أن يتخلّص من حماره العجوز الذي بات يرهقه بنهيقه المزعج ويثقل كاهله بمصروف علفه، خصوصًا أنّ المسكين تقوّس ظهره من حمل أكياس الزيتون وتنك الزيت طوال مدّة خدمته، فضلاً عن الخضار والفاكهة. لكنّ التحرّر من المسؤوليّات تجاه الحمار العاجز لم يكن بالأمر السهل، فمن قد يرغب في شراء حمار، خاصّة إذا كان هذا الحيوان معتادًا العيش على أطراف العاصمة ويتنقّل بين السيّارات ويتفرّج على أولاد الذوات؟
    بدأت المفاوضات مع أهل القرى وسكّان الجبل العاملين في الزراعة لعلّ أحدهم يريح الحمار من صاحبه الناقم ويريح الرجل من حماره العجوز. وواجهت عمليّة البيع مسألة أساسيّة: كم سيكون ثمن الحمار ومن يمكنه تحديد السعر؟ فسوق الحمير لا علاقة لها بأسواق المال والبورصة، وبالتالي على كلّ من البائع والشاري أن يحدّدا المبلغ المناسب على نحو لا يثير سخرية متتبّعي الخبر والمراقبين من سكّان البلدات القريبة من بيروت حيث يقيم الحمار، ولا سكّان القرية الجبليّة التي سينتقل إليها ليتابع تحميل الخضار والفاكهة. فإن كان السعر زهيدًا تعرّض البائع للسخرية لأنّ رفقة الحمير أساءت إلى أحكامه، وإن كان مرتفعًا سخر الناس من الشاري لأنّه في عصر الحداثة والآليّات المتطوّرة دفع مبلغًا كبيرًا ثمنًا لـ"حمار" موديله قديم وجسمه تعب وأيّامه معدودة.
      استمرّت المفاوضات أيّامًا عديدة، استشار خلالها المعنيّون بالأمر مزارعين وتجّارًا لعلّهم يصلون إلى تحديد الثمن العادل الذي تستحقّه خدمات الحمار. وفي هذا الوقت بدأ اصحابه يستعيدون ذكرياتهم معه، والأمراض التي عانى منها، والحوادث التي وقعت له. وأخذوا يتذكّرون كيف كانوا يهرّبونه خلال الحرب خوفًا من القصف، وكيف كانوا يخبّئونه عن أعين المقاتلين خشية أن يأخذوه ويعذّبوه بغية التسلية والانتقام، وكيف كانت أزقّة البلدة تشهد عند كلّ غروب اللقاء التاريخيّ بين بو جريس العائد من حقله، محمِلاً حماره خضارًا وفاكهة سلمت من السرقة، وهواة رياضة المشي المنطلقين بثيابهم الأنيقة جماعات جماعات. كان ينظر إليهم ساخرًا من "قلّة عقولهم" وينظرون إليه مستغربين شكله العتيق. ثمّ يتابع الرجل طريقه وهو يفكّر كيف أنّه يتعب في العمل ويريد أن يرتاح وكيف يبحث هؤلاء عن التعب في الرياضة. وابتسم حين خطر له أن يعرض عليهم العمل في أرضه بدلاً من المشي على الطريق، لكان استفاد واستراح ولكانوا تعبوا وأصبحوا أكثر نحافة. غير أنّه صمت، وكبر، وضجر من نهيق الحمار وصار يريد أن يرتاح ولن يرتاح ما لم يبع الحمار ويتخلّص من مسؤوليّته تجاهه.
    مع مرور الأيّام وتعثّر عمليّة البيع توتّرت العلاقة بين الرجل وحماره، فصار الأوّل يكثر من الصراخ والشتائم، والثاني من النهيق والرفس، وبات على العائلة أن تجد حلاًّ مشرّفًا ولو اضطرّت إلى دفع المال لمن يرغب في خدمات الحمار. وبعد اجتماعات مكثّفة وبعدما طال الانتظار قرّر الجميع إطلاق سراح الحيوان المسكين في غابة بعيدة، والتبرّؤ منه والتنكّر له في حال السؤال، وأن يقولوا لمن يصرّ على معرفة إن كان الحمار المتنزّه وحيدًا في الغابات والبساتين هو حمارهم: " ولو! شو ما في حمير إلاّ عنّا؟".

الخميس، 30 يوليو 2015

MaSaHa تتوئم الكلمة والزهرة

من هنا ولدت الفكرة

كي لا تبقى الكتب بعيدة عن الناس

MaSaHa تتوئم الكلمة والزهرة

"وهديتني ورده، خبّيتا بكتابي، زرعتا ع المخدّه"
الكتاب يسبق المخدّة، فكيف يكون جهاز العروسين كاملًا ولا كتابَ تختبئ فيه الوردة، ليولد من لقائهما قصائد وأطفال؟
بهذا السؤال انطلقت فكرة رائدة ومجنونة  تبلورت في ذهن الفنّانين مارون أبو خير وسماح داغر، بعدما قرأا مقالتي عن شرائي كتبي من دار نشر أقفلت أبوابها، ورغبتي في توزيعها واعتزال النشر.
وحين طرحا عليّ فكرتهما الغريبة ظننت أنّ صداقتنا القديمة تريد أن تمدّ يد التشجيع، ولا أقول المساعدة، لأنّ الأمر الماديّ كلّه لا يستحقّ التوقّف عنده وكلّنا يعرف سعر الكتاب الذي لا يمكن له أن ينافس نَفَس أركيلة. لكنّ التوسّع في الحديث وضعني أمام مشروع جديد ومثير يجعل الكتاب هديّة أولى يتلقّاها العروسان وهما يصمّمان مع MaSaHa العرس، ويرسمان تفاصيل الزهور وانسجامها مع سائر مكوّنات الحفل.
قال لي سماح داغر: نريد كتبك لنقدّمها هدايا لكلّ عروسين يقصداننا لنخترع لهما جمالًا خاصًا بهما ولنزيّن فرحهما بالدهشة. وأردف مارون أبو خير: نبدأ معك، إن وافقت، ونتابع مع سواك من الشعراء والأدباء، لتثمر براعمُ زهورنا معرفة وفكرًا وأحلامًا في بيوت تتأسّس، لعلّنا نساهم في ولادة وطن جديد. وتابع سماح: ولأنّ عملنا، كما تعرفين، غير محصور بالأعراس، فسنعمل على توسيع أفق الفكرة لتشمل المناسبات السعيدة كلّها، فيصير الكتاب رفيق الزهرة وتوأمها.
تعود صداقتنا، أنا و MaSaHa، إلى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، واكبتُ خلالها أعمال الصديقين الشريكين، وتابعا مسيرة كتابتي. وبالتالي، نعرف ثلاثتنا أنّ جنون الإبداع قادر وحده على محاربة جنون القتل، وأن لا خلاص إلّا بالفنّ والحلم، لذلك لم أتردّد في الموافقة على المشروع، بل رحّبت به، وكلّي إيمان وحماسة: إيمان بأنّ كتبي بين أيدٍ أمينة يعرف صاحباها لمن يقدّمانها، وحماسة لأعرف من سيكون التالي على قائمة الشعراء المدعوين إلى وليمة العرس.
خلال اليومين الماضيين، وفي أثناء توضيب الكتب، كان ثمّة ما يُنظّف أفكاري من مسألة رئاسة الجمهوريّة، وموت الناس على الطرقات، وتلال النفايات، وخيبات الأمل بالناس والمجتمع والوطن... كان ثمّة فكرة حضاريّة تتكوّن، على قياس أشخاص ثلاثة اختبروا الحياة بنجاحاتها العابرة وأحزانها الكثيرة: فكرةٌ تشيع في النفس الأمل، ولو طفلًا، وتملأ الجوّ برائحة الكتب العتيقة وبراعم الزهر اليانعة، فكرةٌ تقاوم النقّ بالنقاء، وتحارب الكسل بالعمل، وتؤسّس لغدٍ، إن لم ينقذ المجتمع كلّه، قد ينقذ المشاركين فيه من الغرق في رتابة البشاعة. 
    شكرًا MaSaHa على فسحة الأمل ... 

منصوريّة المتن - الطريق العام - مقابل هوا تشيكن
هاتف 03249766
https://www.facebook.com/pages/MaSaHa/646828945367097?fref=ts#

موضوعات ذات صلة:

MaSaHa: مساحة للحياة على مسافة قريبة من ساحات الموت


الكتابة بين العزلة والاعتزال (1)


الأحد، 12 يوليو 2015

الكتابة بين العزلة والاعتزال (1)



         الكتابة أمر خاصّ، والنشر شأن عامّ.

     وأنا كنت دائمًا عاشقةَ كتابة وكارهةَ نشر، صديقةَ العزلة وعدوّةَ العلاقات الاجتماعيّة.

هاويةَ صمت في أكثر الأحيان، ومنجرفةً مع الحكي عند نوبات ثقة بالناس... لذلك حين بدأت النشر كتبت باسم مستعار (في الديار والنهار ومجلّة الناقد).
     كانت تلك المرحلة من أكثر مراحل حياتي حريّة وسكينة.  ليس الأمر تهرّبًا من مسؤوليّة، أو خوفًا من رقابة، بل هي رغبة أكيدة وعميقة في التنسّك للكتابة، الكتابة التي أؤمن أنّها تغيّرني ولا أوهم نفسي بأنّها قادرة على تغيير أحد.

     ومذ بدأت النشر باسمي وأنا أتّخذ كلّ يوم قرار الاعتزال والانعزال، لأعود عنه وأنا أراهن على مجتمع لا بدّ أن يمتلك يومًا يومًا ملكة القراءة والنقد، بعيدًا عن الانفعالات والمحسوبيّات والتعصّب. لكن ما حدث خلال الأعوام الماضية من أوهام ثورات في التواصل الاجتماعيّ والتحرّكات الشعبيّة، جعلني على تماس مع صحافة مرهونة لمزاجيّات وسلطات، وسوق كتب محكومة بالعلاقات العامّة، وعالم فوضويّ يسمح فيه أيٌّ كان لنفسه بأن يعطي رأيه في أيّ أحد، أو أيّ شأن... 
      لذلك عادت تلحّ علي رغبتي القديمة في الكتابة لنفسي، وإن نشرت فلمتعة تجمعني بمجموعة من المختارات والمختارين أهديهم كتبي أو نصوصي، لعلّ العالم يتقلص ليعود صغيرًا وحميمًا على قياس لقاء بين عاشقين.

     وكنت أنتظر جملة إشارات لأفعل ذلك...

    وهذا ما حصل.

1- إحصاءات الكتب في المعارض، وشهرة كتب لا قيمة أدبيّة أو فكريّة لها:

     عرفت دومًا دور العلاقات العامّة (والخاصّة) في بيع الكتب وشرائها. لكن المعرفة من بعيد، لا تعني أنّني محصّنة ضدّ مفاجآت قاسية تعرّضت لها مذ خرجت إلى العلن كتابةً ونشرًا. ولكان الأمر بقي ضمن المقبول لو كانت الكتب التي تنتشر وتشتهر تمتلك الحدّ الأدنى من المضمون واللغة. لكن أن تتصدّر قائمة الشهرة والانتشار في المعارض والمكتبات والصفحات الثقافيّة كتبٌ أقلّ ما يقال في شأنها أنّها بسيطة ساذجة ركيكة، فذلك ما لم يعد لي جلد على قبوله أو المشاركة فيه أو الصمت عنه.
    كثيرة الكتب التي استُشرت، مجّانًا، في شأنها، ودقّقت في لغتها، أو أسديت النصح لأصحابها في مسألة عنواينها وإخراجها (وفي أكثر الأحيان كانت نصيحتي عدم النشر)... وكنت أرحّب بكلّ مبادرة كتابيّة وفي بالي أنّ إصدار الكتب، ولو دون المستوى، أفضل من إصدار فتاوى دينيّة أو رخص لحمل السلاح...لكن حين تحتلّ هذه الكتب واجهة المشهد الثقافيّ وتصير علامة فارقة في الأدب، ويجتمع حول مؤلّفيها مئات ومئات من المريدين والمعجبين والمصفّقين في حفلات توقيع تجمع الإعلام والإعلان بتأثير من موقع كاتبها (أو كاتبتها) الاجتماعيّ أو الصحافيّ أو الوظيفيّ... فذلك كلّه ما لم يعد لي رغبة في معرفته أو الاطلاع عليه أو السكوت عنه من باب اللياقات الاجتماعيّة... بل، ولأكن صريحة، لا قدرة لي على مجاراته أو منافسته!
     لذلك، أليس الانسحاب من هذا المشهد الثقافيّ حاجة نفسيّة تضمن نوعًا من الهدوء في زمن الضجيج؟

2- واقع الكتاب في المؤسّسات التربويّة:

     ثير حفيظتي عبارات من نوع: عليه أن يقرأ لتحسين مستواه، أقرأها على دفاتر علامات التلامذة. فمعرفتي الأكيدة أنّ المعلّمين لا يقرأون تجعلني أتساءل عن جمهور القرّاء. 
     بدأت النشر وأنا في العمل التربويّ، وأنهيه وأنا في العمل التربويّ، لأنّي صرت على يقين من أنّ المدارس ليست المكان المناسب لإطلاق الكتب أو التعريف بالكتّاب. ولا أقصد بذلك مؤسّسة بعينها أو مدرسة محدّدة. فالواقع عامّ ومنتشر في مدارس لبنان وجامعاته. لذلك تعتمد دور النشر على العلاقات الشخصيّة في تسويق بعض الأسماء والعناوين، وإلّا لما استطاعت كتب كثيرة أن تجد مكانها على لوائح الكتب المدرسيّة. 
    وأستطيع أن أحصي بسهولة وسرعة، وقد أنهيت أربعة وثلاثين عامًا في التعليم والتربية والإدارة والتنسيق، عدد المعلّمين أو التلامذة أو الأهل الذين اشتروا كتبي بعيدًا عن واجب حضور حفلات التوقيع، أو موجبات العمل والمسايرة (لا علاقة للوضع الماديّ بالمسألة كلّها)، فضلًا عن أنّ كون المعلّم كاتبًا أو أديبًا لا يعني أنّه ضمن لنفسه مكانة مرموقة أو درجة مميّزة. وهذا حال أكثر الزملاء الذين يجمعون بين جنون الإبداع الأدبيّ ورتابة التدريس وقوانينه الملزمة.
    لذلك، ألا يزال النشر أمرًا مغريًا يستحقّ أن يخصّص له وقت، أو تُهدر بسببه طاقة، في وقت يحتاج كلّ منّا فيه إلى ما نجا من عقله وأعصابه كي يتابع حياته من دون أن يكون عبئًا على أحد؟
  
3- حين اشتريت كتبي الأربعة الأولى من دار النشر التي أغلقت أبوابها:



     يوم اتصلت بي جاين فغالي، مديرة دار النشر مختارات، لتخبرني أنّهم في صدد قفل الدار، وتسألني عمّا أريد فعله بكتبي الأربعة المنشورة عندهم، قلت له: أشتريها...
وبعد حديث اختلط فيه الجدّ بالسخريّة ممّا آلت إليه الأمور، قالت لي: يجب أن ترسلي سيّارة كبيرة تتّسع للكتب، فأجبتها: سأرسل سيّارة دفن الموتى!!
      لا يحصل كلّ يوم أن يشتري الكاتب كتبه التي لم يربح من مبيعها ليرة واحدة.
    أربعة كتب صدر أوّلها منذ أحد عشر عامًا، توزّعت عندي على الأرض وفي الأكياس وعلى رفوف أفرغت من أجلها، في انتظار توزيعها مجّانًا.( أبحث الآن عن آليّة تنفيذ ذلك).
     لم يعنني وأنا أنظر إلى كتبي أن أحلّل الأسباب التي جعلت كتبي تصل إلى هذا المصير: دار النشر، شركات التوزيع، المكتبات، رفضي الإطلالات الإعلاميّة، رغبة الناس عن المطالعة...؟؟؟ ربّما كلّ ذلك... لكنّي في تلك المرحلة كنت أكتب في "النهار" التي كانت أكثر الصحف انتشارًا بين المثقّفين وهواة الكتب. ومع ذلك بقيت نسخ كتبي على رفوف دار النشر تنتظر منّي أن أشتري حريّتها في زمن بيع السبايا...

     أليس من العبث أن أنشر كتبًا أشتريها أنا لأوزّعها مجّانًا... إنْ وُجِد من يرغب فيها؟  


3-  نوع القرّاء الذين أضع نصوصي بين أيديهم وأمام أعينهم:

نقلًا عن الفيسبوك:
غير مرتبطة بالمظاهرات اليوم، لكن من الاهمية لدرجة لا تحمل الانتظار...
  • 3 people like this.
  • فلسفة ماري القصيفي دفعتني ان أشيّك بروفايلا فوجدتها مثلها مثل غيرها من الذين انتقدتهم في ما كتبته....تصور نفسها و تضع الصورة عالفيسبوك و تأخذ شوتّات قريبة و هي تتأمل و تشاركنا احتفالاتها العائلية بابراز قوالب الحلوى....يعني بالمختصر متلك متل هالعالم يلي تمسخرتي علين تتخبرينا انك فظيعا....

    1 · 20 hrs · Edited
    • صديقي جاد...الم تظلمها قليلاً....البروفايل مليء بالخواطر والافكار...فلا بأس بالقليل من الصور...

    • نعم تعمدت ذلك لأنها استهزأت بالمجتمع اللبناني برمته و هي في مكان ما و ظرف ما على شاكلة هذا المجتمع و لو بدرجات متفاوتة. زمن الثورات عزيزي هشام انتهى منذ زمن بعيد الى غير رجعة و ليس ذنب المجتمع انه انحدر الى الدرك الذي ذكرته في مختلف جوانب الحياة فالانسان متلقي يمتص ما يقدم له من دون "فلترة" سوى في بعض الحالات التي ليست سوى الشواذ الذي يثبت القاعدة.

     لا أعرف عن السيّدين اللذين تحاورا في شأن نصّ نشرته على الفيسبوك يوم 8 تمّوز سوى ما يوجد على صفحتيهما. ومن حقّ أحدهما أن يعتبر، ساخرًا، كلامي فلسفة وأنّني فظيعة... ومن حقّ الآخر أن يدافع بخجل وهو يقول: ألم تظلمها قليلًا.
     السيّد هشام أبو جودة انضم منذ أيّام إلى صفحتي، وأعاد نشر النصّ عن الثورجيّ فقرأه السيّد جاد حتّي وأدلى برأيه. ولست هنا في وارد السجال معهما أو مع غيرهما في إطار الدفاع عن صفحتي أو صوري... فهذا كلّه من طبيعة النشر والتواصل الاجتماعيّ. وهذه هي شروط اللعبة: أن تنشر ما تكتبه وأن تتحمّل ردود الفعل والآراء المختلفة. ففي مقابل رأي السيّد جاد حتّي حاز النصّ 427 لايكًا، و25 تعليقًا مؤيّدًا، وأعاد نشره 68 قارئًا.

     ولكن السؤال الذي أطرحه على نفسي: لماذا عليّ أن أبقي صفحتي مفتوحة للجميع مقتنعة بأنّني كاتبة وبأنّ الآخرين (الذين ليسوا أصدقاء بالمعنى الواقعيّ للكلمة) هم قرّاء يتابعون نصوصي عن سابق تصوّر وتصميم، وهم في كامل قواهم العقليّة؟
       والسؤال الآخر: أين المتعة في معرفة آراء الآخرين الذين ليسوا نقّادًا ولا مثقّفين ولا متخصّصين ولا خبراء؟ 
        والسؤال الأخير: ألم يحن الوقت لأحمي ذائقتي من هؤلاء العابرين الطارئين الذين يريدون كلّهم أن يصيروا كتّابًا ونقّادًا بحجّة حريّة التعبير؟


4- الكتابة والواجبات الاجتماعيّة:

     رفضت من البداية حفلات التوقيع، وكتبت عن ذلك أكثر من مرّة، وحين رضخت لها لضرورات البيع بحسب دور النشر، اكتفيت بوضع الدعوة على صفحة الفيسبوك، ولم أرسل بطاقات دعوات شخصيّة إلّا لعدد محدّد ومحدود من الأشخاص. 
     كان الأمر محرجًا، وبقي كذلك.
    ولكن بعيدًا عن الشقّ التجاريّ للمسألة كلّها، بدا الأمر واجبًا اجتماعيًّا لا ثقافيًّا، فكان عليّ أن أردّ الزيارة لمن شرّفني من الأدباء والشعراء في حفلات تواقيعهم، وأن أشارك في مآتم وأعراس وندوات لأشخاص ابتاعوا نسخًا من كتبي.
     صفحات التواصل الاجتماعيّ نفسها لم تنجُ من هذه "الواجبات"، فبات عليّ أن أهنّئ بالأعياد، وأن أقدّم واجب العزاء، وأن أدعو لمريض، وأن أتضامن مع قضيّة، وأن أردّ اللايك باللايك، والتعليق بالتعليق، والنكزة بالنكزة... فضلًا عن الرسائل...
     تخيّلوا كيف يمكنني التواصل مع أكثر من عشرة آلاف شخص بين صديق ومتابع؟؟؟ وأين تجد الكتابة وقتًا لها في خضّم كلّ هذه المناسبات والقضايا والآراء؟

وللحديث تتمّة...

الأربعاء، 8 يوليو 2015

تأكَّدْ غيابَكْ






ع الأربعين 
تأكّدْ غيابَكْ
وصار بدّها تفلّ 
ريحةْ تيابَكْ
وقمصانَكْ اللي خايفه 
تصفّرْ
كلّ يوم الصبح 
عم تنغسل بالدمع
وبتنكوى بالليل 
بنَهدات أحبابك

باب الكنيسة 
عنّْ يوم الحَدّ
لِمّنْ عِرفْ 
إنّك رِحتْ عن جدّ
وصِرتْ قربانه 
ومسبحه 
وصوره
وصوت عم بيفوح 
مع نفحةْ البخّور
ودمع كارجْ 
ع الهدا ع الخدّ

مرتَك 
بناتَك 
لوعةْ الخيّاتْ
الإخوة، عمامَكْ 
وشيبةْ الْخالات
وحرقةْ قلبْ عمّاتك 
ع لهفتكْ لَيْهُنْ...
كلّن سوا  
لمّن طِلِعْ صوتَكْ
شافوك ع المدبحْ
 بترتّبْ الورداتْ

موتَكْ شو خلّا الموتْ 
هالقدّّي قريب
متل الكأنّك رحتْ
تَ يبطِّلْ غريبْ
صرتو كتارْ كتارْ
بِهَيديكْ الدني
وهالدني صارتْ 
كمشةْ ترابْ
بيخلق عليها الفجر
وبقلبو المغيب


الأحد، 5 يوليو 2015

نكران الجميل ونعمة النسيان (2011)




     تعسًا لك إن تعرّضت لنكران الجميل، وسعدًا لك إن حظيت بنعمة النسيان لتتخطى ما تعرّضت له. أمور كثيرة في الحياة تؤذيك وتجرح الكائن الهشّ الذي فيك، وصعوبات لا تحصى تعترضك في الحياة وتجعلك راغبًا في التوقّف عندها والاستسلام لها لولا بعض إيمان وكثير من حبّ البقاء والتحدّي. غير أنّ نكران الجميل خنجر مسموم، يطعنك ليجد لسمّه مدخلاً إليك ومن هناك يبدأ بالتغلغل عميقًا في روحك شالاًّ فيك الحركة، معطّلاً فيك التفكير، مهشّمًا فيك الصلابة لتصير مجرّد فراغ، مجرّد هوة لا تقودك إلاّ إلى أبشع ما في إنسانيّتك، إلى جحيم إنسانيّتك قبل أن يقتل الجمال فيك. في نكران الجميل غدر وخداع ولؤم وخبث وغباء وغضب ودونيّة وعقد نقص وحقارة، ولعلّ أبشع ما فيه ما يثيره فيك من شفقة وشعور بالأسى على هذا الكائن الذي اسمه الإنسان. ولولا نعمة النسيان لما استطاع كثيرون أن يستمرّوا في حياتهم بعدما تعرّضوا للخذلان من أقرب المقرّبين أو ممّن كانت لهم عليهم أيد بيضاء، عملت تحت جنح الليل خفرًا لا خشية.

     أنت عندما تقوم بعمل حميد لا تنتظر كلمة شكر، أو على الأقلّ هذا ما يجب أن يكون عليه شعورك، فالشعور الذي يرافقك وأنت تقوم بهذا العمل الجيّد والكريم والمحبّ هو الشكر الخالص الذي يأتيك لا من منطلق المجاملة ولا تحت تأثير التهذيب واللياقة. أنت لا تنتظر الشكر إذًا، غير أنّك لم تكن تنتظر تنكّر الآخر لعملك الجميل أو تشويهه أو ردّه بأذيّة لم تكن تعرف أنّها موجودة أصلاً فيه، لأنّك لم تختبرها في نفسك أو لأنّك لم تكن تريد أن تصدّق أنّها موجودة في إنسان وجدت في وقت ما أنّه أهل لمحبّتك لا لإحسانك.من السهل أن ترى نفسك في هذا الكلام، أن تتذكّر أشخاصًا تنكّروا لك وحاربوك، وتهجّموا على محبّتك وشوّهوها، ومن السهل أن تجد شعوبًا بأكملها تتنكّر لعظمائها وتاريخها وجيرانها وإخوانها، ومن السهل أن تستعيد دروسًا من تاريخ الأنبياء والرسل والأولياء الصالحين تعلّمك أنّهم هم أيضًا لم ينجوا من محاربة أبناء قومهم لهم ومطاردتهم لهم وقتلهم أو على الأقلّ محاولة التخلّص منهم والسعي لطمس تعاليمهم، حتّى العلماء والفلاسفة والأدباء وسائر أبناء الإبداع تعرّضوا لمثل ذلك من تلاميذهم وأتباعهم ومؤرّخي أعمالهم. والآباء والأمّهات ألم يكونوا في كثير من الأوقات ضحايا أبنائهم الذين أنكروا عطاءات أهاليهم ونسوا فضلهم؟ والإنسان الذي يدّعي التمسّك بالإيمان ألم يجحد بنعمة ربّه مرارًا وتكرارًا؟

     كم تحتاج إلى توازنك وأنت تتعرّض لمثل ذلك!
    ترغب في الهرب من مواجهة ما يفرض عليك من كلمات أو أفعال تريد أن تحوّلك جلاّدًا في حين أنّك الضحيّة، فتستدعي ما في أعماقك من صمت وسكون وتدخل إليهما كي لا تصلك أصداء الكلمات الجارحة وتغمض عينيك كي لا ترى الوحوش التي تحاول القضاء على آخر ما بقي فيك من صفاء. تهرب إلى داخلك وتغرق في السكينة التي اخترعتها على قياسك، وهناك ستجد أنّك وحيد وحزين ومجروح، غير أنّك تعرف أنّك صرت في مأمن من الغضب والحقد والعنف. أنت تعرف أنّك ستعاود الخروج من محّارتك الصدفيّة ولكن ليس الآن، ليس قبل أن تستعيد ما كان فيك من ثقة في الإنسان والحياة.

     غير أنّك تعرف كذلك أنّك، مع تقدّمك في العمر، صرت أكثر رغبة في الانصراف إلى عوالمك الداخليّة بعدما خذلك الآخرون. هل تريد أن تنسى ما حصل لك؟ هل هي نعمة النسيان أم الغفران ما يجعلك تتخطّى حقدك ورغبتك في الانتقام أو في تحويل النكران عرفانًا؟ أنت لا تعرف الجواب. أنت تعب وتريد أن تقفل باب نفسك على نفسك لتجلس إلى نفسك ولتتعلّم على نفسك. وهناك، هناك فقط، ستعرف أنّ المعرفة ستطرد الطفل الذي فيك، لتترك مكانًا واسعًا للحزن.

الجمعة، 3 يوليو 2015

عايشين عالبهدلة (2009)

موظّف حكوميّ

     فلنركع ونقبّل الأرض شاكرين السماوات على أنّنا لا نسمع كلّ يوم بعشرات الجرائم التي يرتكبها مواطنون مهانون في الدوائر الرسميّة. فعلى الرغم من كل ما قيل ويقال، ودحضًا للاتهامات التي تساق في حقّ اللبنانيّين وتلصق بهم صفات الغضب والانفعال والميل إلى الإجرام والعنف، لا بدّ من الاعتراف بأنّ الشعب اللبنانيّ يعدّ للعشرة، عشرات المرّات في اليوم، ويمنع نفسه عن الانجرار وراء غريزة الدفاع عن الكرامة، ويرفض أن يرتكب جرائم جماعيّة في حقّ موظّفين يتلاعبون به ويحرقون أعصابه ويهينونه ويسرقونه ويماطلونه و"يستغبونه". لا بل يحاول المواطن اللبنانيّ أن يجد لهؤلاء المحنّطين على كراسي الوظيفة أسبابًا تخفيفيّة تجعله يغفر لنفسه تخاذله عن الانتقام لنفسه أو تردّده في الصراخ مطالبًا بحقّه.


     فأن تقصد مؤسّسة رسميّة عمل فيه الكثير من المخاطرة باستقرارك النفسيّ وبقايا كرامة نجت من الاعتداء عليها على حواجز القتل على الهوية أو عند المعابر بين المناطق المتقاتلة في سبيل الحريّة والسيادة والاستقلال. ومن أوّل شروط حصانتك ضدّ ما قد تتعرّض له أن تحسن توقيت توجّهك إلى أيّة دائرة رسميّة (طبعًا نحن لا نشير إلى دوام العمل في شهر رمضان). فخطأ جسيم تتحمّل وحدك نتائجه أن تذهب لإتمام معاملة قبل التاسعة صباحًا، وبعد الثانية عشرة ظهرًا، فقبل ذلك يكون الموظّف/ إذا كان في مكتبه/ لا يزال في حالة تأمّل صباحيّة صامتة تحضّره للانكباب على العمل ولذلك لا يحبّ أن يزعج سكينته أحد، وبعد انتصاف النهار يكون التعب قد أخذ منه كلّ طاقته فلا يعود في إمكانه أن يحرّك عضلة في وجهه ليبتسم لك فكيف تريد منه أن يحسن معاملتك و"يختمها"؟ أمّا الخطيئة الكبرى فأن يتزامن وصولك إلى الدائرة الرسميّة مع موعد توزيع القهوة عند العاشرة تمامًا، فهذا وقت مقدّس لا يعيق الاحتفالَ بطقوسه العملُ المكدّس، خصوصًا أنّ القهوة مش طيّبة بلا سيكارة، والسيكارة بدّها هواء طلق على الشرفة، والشرفة بدّها قعدة غير شكل. وإذا عاد الموظّف ولمح على وجهك أنّك غير راض عن تأخيره لك وأنّك بطريقة ما تتهمه بإعاقة معاملته أحالك إلى موظّف آخر يعرف سلفًا أنّه غير متوفّر اليوم للخدمة وعليك أن تعود في يوم آخر.


     صارت البهدلة قوتًا يوميًّا، لا بل أضحت إدمانًا لا نستطيع تخيّل حياتنا من دونه: فإن توقّفت على إشارة المرور بهدلك السائق خلفك لأنّك "عامل حالك نظاميّ"، وإن خالفت الإشارة بهدلك شرطيّ المرور لأنّك لا تفهم قوانين السير. وإن اتصلت بطبيبك لتشكو له أعراضًا غريبة ومفاجئة بهدلك "لأنّو مصيبتك كبيرة وبتضلّ تزعجو"، وإن كتمت علّتك وداويت نفسك وتدهورت حالك، بهدلك الطبيب نفسه لأنّك "مفكّر حالك حكيم وعم تعالج مشاكلك حتّى توفّر مصرياتك". وإن كنت تلميذًا ونلت علامة منخفضة بهدلتك المعلّمة لأنّك كسول ولا تبذل أيّ جهد، وإن بذلت جهودًا وارتفعت علامتك بهدلتك المعلّمة نفسها لأنّ أحدًا ساعدك في البيت أو لأنّك غششت في الامتحان. ولكن أن تصير بهدلة الناس من شروط الوظيفة الرسميّة أو الإداريّة فهذا يعني أنّك لست زبونًا كي تكرّم كما في المطاعم والفنادق والمحال التجاريّة، بل مزعج ثقيل الدم لن تقدّم أو تؤخّر في راتب أحد.
     والطامة الكبرى أنّ المواطن لا يستطيع أن يحزر متّى سيكون عرضة للبهدلة كي يستعدّ نفسيًّا، فعالَم الإدارات الرسميّة غابة مسكونة لا يُعرف متى يحلّ فيها الليل وتخرج شياطين العالم السفليّ لترعب بني الأنس. أخبرتني سيّدة اضطرّت إلى "تخليص" معاملتها بنفسها أنّها فتحت حقيبة يدها لتتناول منديلاً ورقيًّا، فصرخ بها الموظّف بشراسة: شو عم تعملي؟ من فضلك سكّري جزدانك. وحين أجابته وهي لم تفهم بعد سبب حنقه عليها: آخذ محرمة. هل هذا ممنوع؟ أجاب: "حسّبتك عم تعملي شي تاني".

     فإلى المتوجّهين اليوم لإتمام معاملة رسميّة، تذكّروا أنّكم لستم زبائن كي تكونوا دائمًا على حقّ.

     أنتم مجرّد مواطنين في دولة بلا قوانين.


الأربعاء، 1 يوليو 2015

وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى التخصّص المهنيّ؟ (2009)




     في مثل هذا الشهر من كلّ سنة، يقف آلاف التلامذة اللبنانيّين أمام خيارات مصيريّة تضع الأطر العامّة لما تبقّى من حياتهم. وكأنه لا يكفي التلميذ أنّ عليه أن يحدّد اتجاهه العلميّ ثمّ العمليّ وهو لا يزال بعد طريّ العود وقليل الخبرة، حتّى تضاف إلى أسباب حيرته توجيهات متناقضة، يشترك في فرضها الأهالي والمربّون وأسواق العمل وكلّ من وما يدور في هذا الفلك.

     ليس سهلاً أن يطلب من مراهق أن يختار تخصّصًا مهنيًّا سيلتزم به طوال حياته ويبني عليه مستقبله كلّه مع العلم أنه غير مؤهّل بعد للمشاركة في الاقتراع وليس مسموحًا له الزواج أو فتح حساب مصرفيّ لا بل هو غير قادر على ترتيب سريره وتنظيف غرفته ووضع جدول لعمله اليوميّ البسيط. ومن المؤسف أنّ كثيرًا من الأهالي يعجز عن مواكبة هذه المرحلة الدقيقة والحافلة بالمشاعر والتناقضات فيرمون الكرة في ملعب المدرسة ويكلون إليها توجيه أولادهم نحو الخيارات المناسبة. ولكن، فجأة، وبسحر ساحر، يستعيد الأهالي زمام الأمور وينقلبون على المدرسة والقيّمين على شؤون التوجيه فيها إن زيّن لهؤلاء أن ينصحوا بعض التلامذة بالتوجّه إلى اختصاصات مهنيّة. عندها سيكون الجواب سؤالاً صارخًا ساخرًا مستنكرًا مستهجنًا غاضبًا: وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى اختصاص مهنيّ؟وبقدر ما يعبّر هذا السؤال عن جهل فاضح لكلّ ما يتعلّق بالتربية وتوجّهاتها الحديثة، يبيّن كذلك أنّ الأهل لا يعرفون أولادهم، ولا علم لهم بما يجري في العالم أو بالاختصاصات المهنيّة التي يحتاج إليها المجتمع الحديث. وفي حين ترتفع في البلدان الراقية أعداد التلامذة المتوجّهين إلى الاختصاصات المهنيّة الضروريّة والحيويّة للفرد والمجتمع، لا تزال العائلات اللبنانيّة تريد أن يكون بين أفرادها أطبّاء ومهندسون ومحامون وضبّاط في الجيش، وصولاً، في طبيعة الحال، إلى النيابة والوزارة والرئاسة. وكلّ ما عدا ذلك رجس من أعمال الشيطان. ويغيب عن بال العائلات أنّ العالم مقبل على تغيّرات بيئيّة ومناخيّة وسكّانيّة ستؤدّي إلى أزمة غذاء تتطلّب أيادي خضراء تزرع وتروي وتحصد، وأيادي نشيطة تدير المحرّكات، وأيادي ماهرة تصلح الأعطال، وأيادي بارعة تنظّف، وأيادي رشيقة تكتب على اللوح الأخضر الحروف الأبجديّة لصغار يحلمون بالمستقبل... وهل من يجهل أنّ هذه الأيدي موصولة بأدمغة تخطّط وعقول تفكّر ومواهب يجب أن تقدّر وتحترم وتعطى حقّها في الوجود والمكافأة وتحقيق الذات؟

     يروي خبراء التوجيه المهنيّ المتنقّلون بين المؤسّسات التربويّة حكاية واحدة تستعاد كلّ سنة، وإن بوجوه مختلفة وعن معاناتهم مع الأهالي الذين يشعرون بالإهانة حين يسمعون تلميحًا يقترح اختصاصات مهنيّة لأولادهم. ويتحدّثون بأسى عن نظرات تائهة صارخة في عيون المراهقين وهم يتحوّلون وصمة عار تلتصق في سجل العائلة الذي لم يعرف في تاريخه المجيد إلاّ حملة الأقلام والشهادات والألقاب ولو كان العشاء في نهاية اليوم... خبّيزة، والحساب المصرفيّ صفرًا، وشجرة العائلة لا تجد من يروي جذورها بنقطة مياه.

     ولمّا كانت هذه العجالة لا تسمح بالذهاب طويلاً في تحليل الأسباب وعرض الحلول، نكتفي بثلاث ملاحظات: أوّلها تأكيد ضرورة وضع التوجيه المهنيّ في عهدة متخصّصين يواكبون مسيرة التلميذ العلميّة والنفسيّة، لا كما تفعل بعض المؤسسّات التي تسند الأمر إلى أيّ معلّم ترغب المدرسة في الافادة من ساعات التناقص في دوامه المدرسيّ، وثانيها أن تواكب وسائل الإعلام نشاطات المعاهد الفنيّة والتقنيّة وتبرز المتفوّقين فيها، والقيّمون على هذه المعاهد مطالبون بتزويد وسائل الإعلام بهذه المعلومات، وثالثها أن تعمل رابطات القدامى على التمسّك بزملاء تركوا الدراسة الأكاديميّة في مرحلة معيّنة واعتبارهم مساوين لهم في الجوهر والخدمة وأداء الواجبات الاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانيّة.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.