![]() |
لأنّك أحيانًا لا تكون (الفصل الأوّل - الصفحات 7-8- 9)
1- لا يستطيع العابر أن يلتزم.
2- كعامل البلديّة، تسقي أزهار الأرصفة،
وتمضي متمّمًا واجبك.
لا كصاحب الحديقة عاشق الزهرات
والمعنيّ بعشب الأرض وعطش التراب.
3- "تشجّعي!"
وترحل مطمئنًّا إلى مفعول الكلمات
على شريط تسجيل يغني عن وجودك.
4- تخاف أن تكون مسؤولًا عن فرح الآخرين،
تخشى أن تكون مسؤولًا عن حزن الآخرين.
ولكنّك لا تفعل إلّا ذلك.
5- أنتِ مريضة، سأتركك لترتاحي!
أنتِ متعبة، سأتركك لتستعيدي نشاطك!
أنتِ غاضبة سأتركك لتهدأي!
أنت حزينة، سأتركك لتتخطّي الأزمة!
أنت مشغولة، سأتركك لتنهي عملك!
يبدو أنّه لا يفعل سوى تركي!
6- تحت العواصف والمطر
لا تخجل حبال الغسيل من البكاء
ولا الواجهات الزجاجيّة
ولا أغصان الشجر
ولا عواميد الكهرباء
أمّا أنت فكأولاد الملوك
منذور للجفاف.
7- يعود الإعجاب بك
جديدًا كلّ مرّة
كأنّك كلّ مرّة
رجل جديد.
8- تأخذ حبّة المهدّئ وتذهب إلى العمل،
تبتلع حبّة أخرى وتذهل للقاء صديق،
تتناول نوعًا آخر وتذهب لعيادة مريض.
بين العصب والغضب نقطتان تشبهان الدمعتين.
9- تحيطك الكتابة بعشرات المعجبين
ولكنّها تبعد عنك أصدقاءك المعدودين.
10- قلت لك: أحبّك، فحيّيت صراحة المرأة.
تحدّيت الناس إكرامًا لك، فأثارك جنوني.
كتبتك قصائد وأغاني، فتوّجتني أميرة الشعر.
وعندما أشرت إلى الرتابة المتسلّلة إلى علاقتنا
صرخت بي قائلًا: كم أنت متطلّبة!
11- من بشاعات العالم:
الثلج الملوّث بوطء الأقدام،
الأحمر الوقح على شفتَي متصابية،
الرجل البخيل حين يتحدّث عن الاقتصاد.
12- لا يريد الجبل من البحر أن يصير مثله،
يريد منه أن يسمح لثلوجه بالذوبان في قلبه.
ولا يريد البحر من الجبل أن يصير مثله،
يريد منه أن يسمح له بغسل رجليه.
13- أصلّي كي لا تصدّقَ عندما أقول لك:
لا بأس. تستطيع أن تذهب.
|
نصوص ومقالات نشر أكثرها في الصحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة بعضها باسم مستعار هو مي م الريحاني
السبت، 27 ديسمبر 2014
الفصل الأوّل من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004
عن أيّ موارنة نتحدّث؟ (2011 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)
(2011)
مع انتخاب بطريرك غير ملتحٍ ليكون سيّدًا لبكركي، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الطائفة المارونيّة التي أتى راعيها وجهًا إعلاميًّا مألوفًا، لا يؤمن بالصمت والعمل خلف الكواليس، بل على العكس، اصطحب معه إلى الصرح الأب فادي تابت الخبير في الإطلالات اللافتة، وهو وجه فنيّ تحبّه عامّة الموارنة ولا يزعجها منه أن يكون راهبًا اختار، لا العزلة والنسك، بل الصلاة على طريقته المسرحيّة والغنائيّة الخاصّة. وحين ظهر البطريرك بشارة الراعي في ولاية تكساس معتمرًا قبعة رعاة البقر، ترسّخت أكثر فأكثر صورة "البطرك" المختلف غير المتخلّف عن ركب الحداثة وعصر الإعلام وتأثير الصورة في لاوعي "القطيع الصغير" وهو تعبير يحبّ الموارنة أن يُنعتوا به.
لذلك من المهم أن يُعاد النظر في تكوين المجتمع المارونيّ، ورصد التغيّرات التي لم تبقه ذلك القطيع الصغير الهارب بين الأودية والجبال هربًا من الاضطهاد. ولا يخفى أنّ الأمر يتطلّب جرأة في الإجابة عن السؤال الأهمّ: عن أيّ موارنة نتحدّث؟ وهل استطاع المجمع المارونيّ الأخير أن يضع الخطوط العريضة (على الأقلّ) لما صار عليه الموارنة؟ وهل يكفي استذكار التاريخ المجيد لنطمئنّ إلى المستقبل القريب؟
الحرب اللبنانيّة الطويلة، التهجير والهجرة، ثورة الاتّصالات، سرعة المواصلات، كلّها مجتمعة نقلت الموارنة من عهد يغلب عليه طابع الجبل والزراعة إلى طابع مدينيّ لا علاقة له بالأرض، بل صار "التغريب" وأقصد به التطلّع نحو الغرب حلاًّ مثاليًّا لهؤلاء الذين اعتبروا، عن خطأ أو عن صواب، أنّ الشرق يبتلعهم وأنّ العرب يرفضونهم، وأنّ الإسلام يريدهم أهل ذمّة. ولكنّ التغريب لم يزد الموارنة إلاّ تشتّتًا وضياعًا لأنّه لم يتّكئ إلّا على مظاهر خارجيّة سطحيّة وسخيفة، لم تطل الجوهر. وها هي الثورات العربيّة تكشف تمسّك العرب المهاجرين إلى الغرب بهويّتهم ولغتهم (على اختلاف هويّاتهم الدينيّة والحضاريّة) في حين لا يعرف الموارنة من هم وماذا يريدون.
كيف تبدو صورة الموارنة اليوم؟ بعدما كانوا إلى الأمس القريب علماء وشعراء وقدّيسين، يبدو الشعب المارونيّ الآن موزّعًا بين العمل قطاعات الخدمات (مصارف، سياحة، مطاعم، فنادق، نقليّات، تخليص معاملات...)، أو العمل في المجال الفنيّ الترفيهيّ الذي لا يتطلّب دراسة أو تعبًا أو وقتًا. ما يعني أنّ المارونيّ الذي كان مزارعًا، يستقرّ في الأرض ويرتبط بها، ويعطيها بصبر ومحبّة لتعطيه بسخاء ومحبّة، صار لجوجًا يريد الربح السريع مهما كان نوع العمل. كلّ هذا والكنيسة المارونيّة، بكهنتها ورهبانها وراهباتها وعلمانيّيها، تمضي إلى أواخر عهدها الذهبيّ، واثقة الخطوة ملكة ستبكي قريبًا على مجد أُعطي لها فبدّدته.
لم يرغب أحد في رؤية علامات الأزمنة، ورفض الجميع الاعتراف بارتدادات الهزّة الكبيرة التي أصابت الموارنة يوم دخلوا كطائفة في السياسة وأزمات المنطقة وهم غير مسلّحين بوحدتهم أو فكرهم أو تاريخهم أو إيمانهم. وهذا الغباء المقرون بالكبرياء كان الضربة التي قضت على إمكان خلاصهم وتخليص سواهم، لا المسيحيّين من مذاهب أخرى فحسب بل كلّ راغب في الحريّة والديمقراطيّة والعلمنة. ولم ينتبه أحد إلى انخفاض عدد المتفوّقين في المدارس، أو عدد الناجحين في الجامعات الأجنبيّة، أو عدد المنتسبين إلى وظائف حكوميّة تجعل الموارنة جزءًا أصيلاً من تركيبة الدولة لا عنصرًا غريبًا مفروضًا لحفظ توازنات معيّنة. ولم يحصِ أحد في المقابل عدد البرامج التلفزيونيّة السخيفة والمهينة التي تعرضها شاشات مسيحيّة ومارونيّة، أو عدد المتقدّمين إلى برامج النكات والألعاب أو عدد المتسكّعين في النوادي الليليّة، أو عدد هواة الفنّ الرخيص، وما إلى ذلك من مؤشّرات تفضح التغيّرات التي تصيب هذه الطائفة التي كانت تفتخر حين يُشبّه العلماء في العالم بهم، فإذا بهم اليوم مسخرة الشعوب بسبب انقساماتهم وضياعهم وجبنهم.
لا مانع في أن تحدّد الكنيسة المارونيّة رغبتها في هذه "الحداثة"، لكن عليها أن تعلن ذلك بالفم الملآن، وعلى مسمع الجميع وأن تعترف بأنّ المارونيّة الجديدة لا علاقة لها بالنسك أو الصومعة أو الدير، هي مارونيّة حديثة ولها مواصفات تختلف عمّا كانت عليه إلى زمن قريب.
***
حين عُرض مسلسل "الشحرورة" اكتشف المتابعون أنّ جدّها كان كاهنًا. وسمعت كثيرين يتساءلون في ريبة عن مآل الأمور في عائلة ربُّها ووليّ أمرها كاهن، فكيف يكون والد صباح على هذه القسوة وكيف يكون لوالدتها عشيق وكيف ترحل حفيدة خوري الضيعة حلف حلمها الفنيّ لتعود بعدد من الأزواج لم يحمل لها أحد منهم بعض سعادة؟ وأيّ دور للكنيسة ولهذا الجدّ الكاهن في توجيه هذه العائلة وتصويب مسارها ومسيرتها؟ سؤال يصحّ طرحه على الكنيسة المارونيّة في كلّ مناسبة.
الممثّلة............. ابنة كاهن.
الممثّلة ........... شقيقة راهبين.
المغنّي .............. شقيقه كاهن.
المغنّي ............. شقيقه راهب.
المغنّي ........... صار راهبًا.
تاجر المخدّرات..............شقيقه كاهن
ضحيّة جرعة زائدة .................أبوه كاهن
مدمن كحول......................أبوه كاهن
راقصة ومغنيّة في ملهى ليلي...............أبوها كاهن
تاجر المخدّرات..............شقيقه كاهن
ضحيّة جرعة زائدة .................أبوه كاهن
مدمن كحول......................أبوه كاهن
راقصة ومغنيّة في ملهى ليلي...............أبوها كاهن
من جهتي أفضّل بما لا يقاس مغنيًّا بسيطًا على كاهن كاذب، أو ممثّلة عاديّة على كاهن مغرور. وأفضّل قطعًا أن يعيش الكاهن وأهل بيته كما يحلو لهم ولكن...ليس على حسابي.
لا أعطي هذه الأمثلة للإدانة، فمن حقّ كل إنسان أن يختار رسالته في الحياة والطريقة التي يجد أنّه يخدم الله (إن كان مؤمنًا بالله) والمجتمع (إن كان ذا حسّ اجتماعيّ)، ولكن من حقّي أن أتساءل عن الخلل الذي سبّب هذا الشرخ العموديّ ولا أقول الأفقي كي لا تبدو في الكلام مفاضلة بين رسالة الكهنوت وأيّة رسالة أخرى. والتساؤل مشروع حين نحسب نسبة تزاوج الفنّ والدين، أو تزواج السياسة والدين، أو تزاوج الحزب والدين، في طائفة صارت قليلة العدد، وذلك في غياب، أو على الأقلّ انخفاض النسبة في تزاوج العلم والدين، أو الفلسفة والدين، أو الفنّ الراقي والدين...أعطي هذه الأمثلة إذًا لأسأل إن كان المجتمع المارونيّ قد استوعب التغيّرات التي طرأت عليه وهضمها كي تتكوّن شخصيّته الجديدة التي لا تطرح تساؤلات عمّا إذا كان الكاهن يوافق على تمثيل أخته أو ابنته أدوارًا عاطفيّة حميمة، أو إن يرضى بنشر صور أمّه وزوجته وبناته وصديقات أولاده في أوضاع قد لا تتناسب مع صورته كرجل دين ذي جبّة وياقة وصليب. فنحن في النهاية لسنا في أوروبا أو أميركا.
ليس خطأ أن يختار أولاد الكهنة أو أخوتهم أو هم أنفسهم الغناء أو التمثيل، لكن لماذا لم نسمع بالذين اختاروا فنّ الرسم أو العزف أو الشعر؟ ولماذا لم نعرف بأمر متفوّق منهم في العلوم التطبيقيّة؟ الجواب البسيط هو الأضواء والشهرة والكسب السريع.
حتّى الشهرة والربح الماديّ ليسا خطيئة، ولكن تحت أيّ عنوان نضع صور زوجات الكهنة وبناتهم في لباس البحر وهي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعيّ المتاحة للجميع؟ وما هي الرسالة التي يحملها البذخ في ممارسة الرياضة المكلفة واختيار الملابس الأنيقة وعمليّات التجميل وارتياد أرقى الجامعات، أمام مجتمع ترتفع فيه نسبة الفقر والعوز؟ وكيف نفهم أن يؤمّن كاهن كلّ ذلك لعائلته وهو يتعالى عن قبول حسنات أبناء الرعيّة وبدل أتعابه في القداديس؟ ألم يسأله أحد من أين لك هذا؟
هل يكفي ذلك أم نفتح صفحة المغتصبين والمعتدين والسارقين ومجرمي الحرب الذين خلعوا ثوب القتال وارتدوا ثوب الكهنوت ليهربوا من العدالة أو سجّل المرشّحين لمراكز أسقفيّة ولا يزال التحقيق جاريًا في شؤونهم؟
الخميس، 25 ديسمبر 2014
الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014
ضيف المدوّنة: فراس الضمّان أرِقٌ يبيع الناسَ أحلامًا!
![]() |
| الشاعر فراس الضمّان يلقي شعره في Ninar Art Cafe. |
هو فراس الضمّان/ آخر الحمقى/ في قطار بابلو نيرودا/
المتوقّف منذ خمسين عامًا تحت المطر/ هو فراس الضمّان / الغريب الذي يشرب/ ويكتب
ويبكي/ هو فراس الضمّان/ الصنوبرة المغبّرة الحدباء/ بائع الكستناء الأدرد/ النادل
ذو الذراع الواحدة/ الذراع التي/ ترفع كأسَها الآن... (قصيدته بصيغة المتكلّم صفحة
88 و89 ... أنا فراس الضمّان).
فمن هي تلك التي يرفع شاعرنا كأسها؟ أهي سوريا أم
القصيدة أم الحبيبة؟ لعلّها سورياه القصيدة الحبيبة.
ويكفي أن نقرأ القصيدة الأولى من ديوانه الأوّل، باكورة
إنتاجه الشعريّ، كي نرى اسم سوريا يسبق القصائد، والله والحبيبة، إذ يقول:
دفاعًا عن النفس.../ أرسم بالسكّين/ دفاعًا عن سوريا.../
أكتب القصائد على الجدران/ دفاعًا عن الله.../ أحبّكِ...
***
حاولت وأنا أقرأ المجموعة الشعريّة للطبيب الشاعر فراس
الضمّان - وهي بعنوان "بائع الكستناء الأدرد" - أن أنسى ما اطّلعت عليه عبر الفيسبوك، حيث
ينشر قصائده بشكل شبه يوميّ. وذلك بهدف أن أحصر "قراءتي" إن جاز لي
التعبير، بنصوص هذا الكتاب. لكنّ شخصيّة فراس الضمّان، المكشوفة علنًا بعفويّتها
وصرامتها، بنزقها وعمقها، بخبرتها وطفولتها، فرضت نفسها من خلال سيل شعريّ عارم،
يجرف ما يعيق رغبته في التفجّر والانطلاق، غير آبه بما أو من أمامه. وهذا الفيض
الشعريّ الغامر هو الذي لفتني إلى التجربة الشعريّة السوريّة الحديثة، فرغبت في
رصد أسمائها والترصّد لمغامرتها... لكنّ المسألة دقيقة، يختلط فيها السياسيّ
بالشعريّ، والعامّ بالخاصّ، ما يفرض على الدارس، أيّ دارس، الكثير من التأنّي قبل
مقاربة هذه التجارب كي لا أقول الحكم عليها.
ولقد أتيح لي عبر صفحة شاعرنا أن أستمع، من خلال تسجيلات
قليلة، إلى صوته وهو يلقي شعره، فاكتشفت كيف أنّه يعيش الحالة الشعريّة بكلّ مسامه
ونبضاته. وصارت طريقته في الإلقاء تفرض عليّ نفسها وأنا أقرأه، لكأنّ القصيّدة
عنده عالم من الصور والألوان والأنغام، عالم منضبط بقواعد اللغة، منظّم ولو بدا
ثائرًا، منضبط ولو بدا عشوائيّ الرغبات، ملتزم ولو بدا بوهيميّ المشاعر. وخيّل إليّ إنّ شيطان شعره لا يعرف الكتابة بقدر ما يعرف الإنشاد والإلقاء.
صفحة الفيسبوك للشاعر فراس الضمّان جعلتني أكتب عنه
مقالة أولى (بعنوان فراس الضمّان يكتب تاريخ سوريا) وأنا لا أعرف الكثير عنه. أمّا مجموعته الشعريّة هذه فتثير فيّ التوق إلى مساءلته واستجوابه والتحقيق معه، وإن كنت أعرف أنّ هذه المفردات تثير مرارة نتيجة
الوضع السوريّ المأساوي... لكن ما رغبت في قوله عبر هذه المفردات هو وصف الرغبة في
ما هو أكثر من أجوبة لمقابلة صحافيّة روتينيّة... وأقرب إلى أن يكون رسمًا
بالسكّين، بحسب تعبيره هو، لشخصيّة لا يمكن أن تمرّ قصائدها من دون أن تثير عاصفة
من المشاعر المتناقضة، والأفكار الغريبة.
لا بدّ من الاعتراف بأنّني لا أعرف فراس الضمّان إلّا
كما يعرفه سواي من قرّائه. حتّى الرسائل التي حاولت فيها أن أقترب أكثر من عالمه
الشعريّ لم تكن سوى قصائد أخرى تكمل تكوين الشرنقة حول دواخله، فلا يبدو منها سوى
ما يريد الشاعر أن يبوح به... وهو لا يبوح سوى للقصيدة، وفي القصيدة. فمن السهل أن
يترك شاعرنا محدّثه من أجل فكرة خطرت له، أو يقطع حديثًا ليردّ على قارئ استفزّه،
أو ليعلّق مشاكسًا على رأي لمعجبة تتحرّش به. فكأنّ حياته كلّها مشدودة إلى قصيدة
لم يكتبها بعد، وما عمله كطبيب أو يوميّاته كسوريّ يعاني الأمرّين اليوم إلّا
النبع الذي يستقي منه الألم ليكتب، كأنّه ما وُجد إلّا ليتألّم عن نفسه، وعن
الآخرين، وليكتب بعد ذلك عن هذا الألم. فأيّة حياة هذه تلك التي نذر شاعرنا نفسه
لها؟
***
في مجموعة "بائع السكتناء الأدرد"، فاجأتني
الألوان. عالم من الألوان. سروالك المنقّط الأحمر (ص 12)، سلّم العيون الأزرق، (ص
18)، العيون الصفراء (ص24)، الضفيرة الشقراء (ص 30)، القرنفلة البيضاء (ص 34)، ذَكَر البلبل الأصفر (ص 37)، الفراشة البيضاء
والعصفور الأزرق (ص 41)، حانة زرقاء، هزائم زرقاء، خمرة بيضاء، أصدقاء حمر (ص 44 -
45)، قبّعات الصوف الحمراء، علبة الفلفل الأحمر (ص46)، ... وصولًا إلى القلادة
الناعمة الزرقاء (ص 97). يبدو لي الشاعر محكومًا بالأمل على الرغم من الألم...
ولعلّه لا يعرف. لا يعرف أنّ فيه جانبًا يرفض أن يخضع لأسود الحزن، وأحمر الدم،
ورماد الحرائق... فيه طفل لا يرى سوى العصافير والفراشات ولو كانت النيران تحاصرها
والموت يكمن لها. فيه طفل لا يريد أن يكبر ليرى الأمور على حقيقتها... وهل تعرفون
شاعرًا حقيقيًّا ليس طفلًا؟ أو هل تعرفون طفلًا، لو تُرك على سجيّته، لكان غير
شاعر؟
***
قصائد الديوان هذه بلا عناوين، أو بالأحرى لكلّ منها
عنوان واحد هو (........)!
الشعر قديمًا لم يكن له عنوان، وكانت القصيدة تُعرف
برويّها، مع الشعر المتحرّر صارت العناوين ضرورة يستهدي القارئ بها إلى أجواء
القصيدة الغارقة في عتمة اللغز والرمز. فراس الضمّان اختار أن يترك العنوان
مبهمًا، لكنّه لم يلغه. أراد من القارئ - ربّما - أن يتلمّس الطريق وحيدًا، ليصل
إلى قلب المعنى، إلى المعنى الذي في قلب الشاعر. وهل تعرفون شاعرًا يقود الجميعَ
إلى قلبه؟ ألا يكفه المرضى الذين يعالجهم بكلمة فيداوون ألمه بالامتنان؟
حاولت من جهتي أن أضع عناوين لبعض القصائد، فاحترت. هل
هذه القصيدة (أو تلك) عن الواقع السوريّ الدمويّ، أم عن قنينة النبيذ الفارغة؟ عن
الحبّ أم عن الحرب؟ عن الغياب أم عن الحضور؟ عنه أو عن حبيبته؟ عن حبيبة اليوم أم
عن حبيبة الأمس؟ عن المقهى أم عن السجن؟ عن الغرفة الباردة تحت الدرج أم عن البرد
المستقرّ في القلب؟
على الأرجح، هذا ما يريده منّا الشاعر! أن نجعل القصيدة
وليمة تستحقّ الاحتفال بها بدءًا من عنوانها المتروك لنا، وصولًا إلى علامات
التعجّب التي تنتهي بها القصائد.
***
النعت! النعت أمر آخر لافت في قصائد الضمّان: النعت الذي
يتبع المنعوت في حالاته كلّها، النعت في جميع أنواعه ومظاهره المعنويّة واللفظيّة. فالصفة لا بدّ منها، هويّة هي، يضيع الموصوف من دونها: بائع الكستناء الأدرد،
أميرها السعيد، يدي اليسرى، عشّها الدافئ، عينيّ العتيقتين، توقيعي المجنّح،
جبهتين متقابلتين، المصباح الخافت، بيتك المهجور... هل أتابع؟ ذلك يعني أن أعيد
كتابة القصائد كلّها. ولكن لماذا هذه النعوت؟ هل هي حالةٌ طفلةٌ أخرى من حالات
الشعر التي تحتفي بالصورة؟ أم هي تمسّك بتعريف لا بدّ منه في مجتمع ضاغط يطالبك
بانتمائك كيفما تنقّلت؟ يخيّل إليّ أنّ الأمرين متلازمان، فكيف نغادر طفولتنا
القلقة ونحن لا وطن عندنا ولا استقرار؟
***
المفاجأة اسم آخر لقصيدة الضمّان! عنصر المفاجأة يعيدنا
إلى مسألة العنوان. فبقدر ما يبدأ النصّ بالغموض لأنّنا لا نعرف عمّا سنقرأ،
تفاجئنا النهاية التي تجبرنا على أن نعيد قراءة النصّ لأنّنا كنّا نسير في اتّجاه،
وها الشاعر يعيد توجيهنا في اتّجاه آخر. مفاجأة طريفة، أو غريبة، أو ساخرة، أو
باكية، لكنّها لا تشبه سواها، فلا داعي كي نحاول كقرّاء أن نحزر، قصيدةً بعد أخرى، إلى أين يريد الشاعر أن يوصلنا. فالشعر متى فقد عنصر الدهشة صارت صوره متحفًا
باردًا، وموسيقاه إيقاعًا رتيبًا. وليس من شروط الدهشة طبعًا الفذلكة الفكريّة أو عرض العضلات
اللغويّ، وهذا هو الدليل:
نعم...
أنا أحبّكِ
أحبّكِ جدًّا
نعم...
أنا ألهثُ خلفَكِ ليل نهار
أنتِ نصفي
نصفي الأخير
***
فراس الضمّان في باكورته الشعريّة، بائع أحلام لا ينام،
وإن نام خشي أن يحلم بما لا يسمح به الواقع... كبائع كستناء لا يستطيع أن يتذوّق
ما تحترق أصابعه لتخرجه من النار... لكنّي أثق بأنّه، وهو يرى أنّه، قصيدةً بعد أخرى يضيف لسلَميّة الشعر الشعراء شاعرًا له مكانته ولغته وتميّزه، لن يتوانى عن أن يحرق نفسه كاملًا في أتون الشعر، لإيمانه بأنّه سيولد في اليوم الثالث أكثر نقاء وعطاء.
| الشعر والميلاد |
الأحد، 21 ديسمبر 2014
ألين الخوري حنّا: تستحقّين أن تكوني سعيدة
لا أكتب عن ألين الخوري حنّا، معلّمة اللغة العربيّة في
مدرسة الحكمة هاي سكول، لأنّني رئيسة قسم اللغة العربيّة وأشرف بطبيعة عملي على
عملها. فلا واجب اجتماعيًّا يفرض عليّ أن أخصّص لها وقتًا، ولا التزامَ مهنيًّا
يتطلّب منّي أن أتوجّه إليها بكلمة. وهي تعرف جيّدًا أنّني لا أقوم بأيّ عمل بدافع
الإلزام والفرض، بل مدفوعة بشغف الالتزام والمحبّة...
أكتب عن ألين الخوري حنّا وإليها في الوقت نفسه، وهي
تستعدّ الآن لفتح صفحة جديدة في كتاب حياتها، كتاب سوّدت صفحاتِه السابقة معاناةٌ
تلو معاناة، أختصرُها في فقدان الوالدين، واحدًا بعد الآخر. وكان ذلك كافيًا كي
تشعر صغيرة العائلة بأنّها لا تستحقّ الحبّ، فهربت منه طويلًا، إلى أن أقنعها
داني، عريسها، بأنّ الفرح يليق بها وأكثر. واستطاع بذكاء وأناة أن يحطّم صخرة خوفها،
وأن يذلّل عقبات رفعتها عروسه في وجه الحياة قبل أن ترفعها في وجهه.
أكتب عن ألين الآن، وهي تتوجّه إلى المذبح المقدّس لتقول
نعم، لأذكّر "عروستنا الحلوي" بأنّ البكاء الذي رافقها طيلة حياتها لن
يتوقّف، لسبب أو لآخر، (هكذا هي الحياة) لكنّها الآن ستجد الكتف التي تبكي عليها،
وستمتدّ يدٌ لتمسح دمعها. ولن تكون وحيدة بعد الآن، ولن تكون مستقلّة كما كانت
دائمًا... لكنّها، بطريقة ما، ستكون حرّة...
ألين الخوري حنّا،
يدوّي صوت ضحكتها الصادقة في أرجاء المدرسة،
تبكي بحرقة وصمت حين تبكي،
تبكي بحرقة وصمت حين تبكي،
يتسابق ذوو التلاميذ لوضع أولادهم في صفوفها،
تغار المعلّمات من عشق المتعلّمين لها... ولا يستطعن إلّا أن يحببنها،
تتعلّم بسرعة ولا تخجل من طرح الأسئلة،
تعرف أقلّ من سواها، ربّما، لكنّها تعطي كلّ ما تملكه
ولا تبخل،
أنيقة، جميلة، كريمة، ملتزمة، مجنونة بعض الشيء، حاضرة
دائمًا.
ألين الخوري حنّا... لا شيء يجبرني على الكتابة إليك
الآن... الآن وأنتِ ترتجفين انفعالًا، الآن وأنت تشتاقين إلى أمّك وأبيك، الآن
وأنتِ تتساءلين إن كنت تستحقّين فرحَ هذه الساعات... لا شيء يجبرني على الكتابة
سوى إيماني بأنّ الكتابة لغةٌ يخاطبك بواسطتها أهل السماء لتعرفي أنّك لست وحيدة،
وأخاطب السماء بها لتقنعك بأن لا شيء خطأ في أن تكوني سعيدة... فلا تخافي!
الجمعة، 19 ديسمبر 2014
إلى تجمّع معلّمي اللغة العربيّة في لبنان: افصلوا اللغة العربيّة عن الدين
زميلي
وصديقي باتريك رزق الله،
أعرف
جيّدًا أنّك لن تكون راضيًا عمّا سوف تقرأه في متن هذه الرسالة. لكنّك تعرف كذلك
أنّني لا أطيق الصمت ولا أحتمل السكوت... ولو كنت كذلك، لكان السكوت فعلًا... من
ذَهب.
لم أكتب
إليك البارحة مساء (في يوم اللغة العربيّة) بعد اللقاء الناجح والواعد في
الأونيسكو. فكّرت في أن أترك بعض الوقت بين الحدث والتعليق عليه، لعلّ رؤيتي تصير
أوضح، وكلامي أكثر هدوءًا، بحكم البعد عن الانفعال وليدِ اللحظة.
ولكن يا
صديقي النهضويّ الشاب، لا بدّ من بضع كلمات تفيك حقّك، وتساهم في جعل الأيّام
كلّها للغة العربيّة، كي لا يقال: يوم لها ويوم عليها.
لقد
أحييت فيّ ثقةً بأنّ النهضة في خلايانا وتجري في دمائنا. ومهما تنكّرنا لها وجحدنا
بفضلها ستبقى أمّنا، وسنبقى أبناء النهضة في الفكر واللغة والثقافة والعِلم والفنّ
والأدب والفلسفة... فأن تُقدم، وأنت في مقتبل العمر، على تأسيس موقع إلكترونيّ
رائد وفريد لتعليم اللغة العربيّة عبر الإنترنت (موقع تواصل أون لاين)، وأن تطلق
تجمّعًا هو الأوّل من نوعه للغة العربيّة النهضويّة ، عملان جبّاران ثوريّان
يعيدان للثورة مفهومها البنّاء. وهذا يعني أنّ الأمل كبير والمستقبل واعد والخميرة
الجيّدة تفعل فعلها. فأبناء جيلك الخارجون من رحم الحرب لم يقطعوا الصلة بالعنف
والحقد، فغرقوا في اليأس، وتعلّقوا بوهم المخدّرات أو السلطة أو الإثراء غير
المشروع، أو هاجروا وقلبوا صفحة الوطن ولغته... أمّا أنت فاخترت النصيب الصالح،
اخترت الكلمة! وكيف لا تفعل وأنت ابنها ورسولها ومعلّمها؟
فألف
ألف تحيّة لحماستك الوهّاجة وفكرك المتوقّد، ودمتَ في شقّ طريق النهضة بين الحواجز
والمتاريس.
ومع
ذلك، أسمح لنفسي، وبحكم الصداقة والزمالة، بأن أعرض أمامك مجموعة أفكار وُلدت ونمت
خلال "المؤتمر اللبنانيّ الدائم للغة العربيّة وآدابها"، وجرى فيه إطلاق
أوّل تجمّع لمعلّمي اللغة العربيّة في لبنان:
1- صورة معلّم اللغة العربيّة (شكلًا ومضمونًا):
طلبت
مني في المؤتمر أن أجلس في الصفوف الأماميّة، فاعتذرت. لا تواضعًا (لا سمح الله)،
لكن عادة الجلوس في الصفوف الخلفيّة لازمتني مذ بدأت الكتابة باسم مستعار (مي م
الريحاني)، فمن هناك يمكن الراغبَ أن يرصد حركة الجمهور وإيقاعه واهتماماته، فضلًا
عن الإحاطة بالمشهد العام لما يجري على المنصّة أو خشبة المسرح. ومن هناك، من
الصفّ الأخير في صالة المؤتمر، استطعت أن أراقب كيف تبدو صورة معلّم اللغة
العربيّة: لا ترتيب ولا أناقة ولا حداثة، وثرثرة وانصراف إلى الدردشة على الهواتف "الذكيّة"،
لا أدري أين ذكاء حامليها؟
صحيح
أنّ موعد المؤتمر تزامن مع نهاية نهار عمل متعب، لكن إذا كان المعلّم (ة) كان على
هذا الشكل والأداء في صفّه فلن نستغرب أن تمجّ النفوس تذوّق العربيّة، وأن ترغب
عنها العقول الفتيّة. لا أقصد هنا الطابع الإسلاميّ الملتزم المتبدّي في الحجاب،
وإن كان لافتًا، لكنّي أشير إلى انقسام جمهور الحاضرين: فرجال متقدّمون في السنّ
بملابس أكل الدهر عليها وشرب (وهم طبعًا معلّمو الكبار)، أو صبايا بأحمر شفاه قانٍ
وزينة وجه فجّة مع "علكة" كبيرة الحجم، وخلويّ لا يكفّ عن الثرثرة (وهنّ
طبعًا معلّمات الصغار)...
ولن
أتردّد في القول إنّ هذا الشكل النمطيّ كان الغالب والمهيمن، وأكاد أقول إنّنا لن
نقع عليه عند معلّمي اللغات الأجنبيّة ومعلّماتها، لا لنظرة متطرّفة منّي، ولست
كذلك، بل لواقعيّة المشهد.
2- المنحى الدينيّ في اختيار المؤسّسات التربويّة:
طغى على
المؤتمر طابع دينيّ تمثّل في اختيار المدارس على الشكل التالي: الأمانة العامّة لمؤسّسة
العرفان التوحيديّة (الدروز)، الأمانة العامّة
للمدارس الإنجيليّة، الشبكة المدرسيّة لصيدا
والجوار (ذات الطابع السنيّ)، مؤسّسات أملّ
التربويّة (شيعة)، الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكيّة. وشكرت الله أنّ المذاهب الأخرى لم تكن
حاضرة وإلّا لصار المؤتمر الأوّل أخيرًا...
ولعلّ فصل الدين عن اللغة حاجّة ماسّة، يجب
على هذا التجمّع أن يسعى إليها، كي لا نربط اللغة بتطرّف دينيّ هنا، أو شرذمة
طائفيّة هناك... فاللغة العربيّة التي أعرفها تستوعب الجميع ولا تخضع لأحد.
3- الكلمات التي ألقيت:
وفي
السياق نفسه المشار إليه في ما سبق مباشرة، لا بدّ من التوقّف عند توزّع الكلمات
الملقاة على ثلاث فئات:
أ - فئة
الأصوليّة الدينيّة واللغويّة، وقد تبدّت سماتها في البسملة والحمدلة والتأكيد على
أنّ العربيّة لغة القرآن وأهل السماء، وذلك بأسلوب معقّد يؤكّد لنا أنّ معلّمي
اللغة في واد والتلامذة في واد آخر.
ب- فئة
التحرّر والسعي إلى التحديث، وقد وقعت لغتها في التبسيط والأخطاء عند الارتجال ما
أضاع المعنى الصحيح والمطلوب. وهذا في حدّ ذاته سوء تقدير في اختيار مخاطِبين لا
يجيدون اختيار المقال المناسب للمقام.
ج- فئة
الاعتدال والتوفيق بين اللغة السليمة والمضمون المتحرّر. وهي الفئة التي تمثّل ما
تفتقده لغتنا العربيّة.
4- غياب فاضح لمعلّمي المدارس الكاثوليكيّة:
بدا
جمهور الحاضرين ممثّلًا للخطباء، كأنّ كلّ متكلّم حرص على اصطحاب جمهوره. لكنّي لم
أر سوى مجموعة صغيرة من معلّمي المدارس الكاثوليكيّة، وهذا أمر يسجّل على الأمانة
العامّة، وعلى المدارس التابعة لها والتي تتباهى بأنّها تولي اللغة الأجنبيّة
الاهتمام الكبير.
5- تهميش المعلّمين من الشعراء والروائيّين والإعلاميّين:
مع تفهّمي لرغبة الأمانات العامّة في المدارس والمؤسّسات التربويّة في أن تتمثّل برؤسائها أو رجال الدين فيها، خصوصًا في المؤتمر التأسيسيّ الأوّل، لكن سيكون من الرائع لاحقًا أن تفتخر المدارس لاحقًا بمعلّميها ومعلّماتها من الشعراء والروائيّين والعاملين في الحقل الإعلاميّ، فتبرزهم وتتباهى بهم.
***
ومع
ذلك، مع كلّ ذلك الذي ليس لك ذنب فيه ولا حيلة، نجحت يا صديقي النهضويّ، نجحت في
ضخّ مياه نظيفة في مستنقع راكد تغرق فيه لغتنا، وسيبقى لك دائمًا، ومهما واجهت من
صعوبات وتحديّات، الفضل في أنّك تفوّقت على طاولة الحوار، وجمعت ممثّلي المدارس
(ولو طائفيّة) في مؤتمر هو الخطوة الأولى في رحلة طويلة وشاقّة من صحراءَ غرق
الفكر في رمالها إلى قممٍ تحلّق فوقها الكلمة؛ وفي أنّك جمعت بين الحداثة
والأصالة، وفي أنّك، وأنت الشابّ الثائر على الظلم والعامل في حقول التربية والصحافة
والقوانين والإنترنت، تبوّأت مكانة مرموقة بين كبار يراهنون عليك كي تخلّد ذكرهم،
وتقود الأجيال الشابّة على خطاهم.
***
السبت، 13 ديسمبر 2014
عن جاد الحاج و"ثلاثون حكاية"
| دعا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل إلى ندوة حول "ثلاثون حكاية" لجاد الحاج وذلك مساء الخميس 11 كانون الأوّل 2014 هدف الندوة: إهداء الحاضرين نسخة من الكتاب لمناسبة الأعياد وتشجيعًا للمطالعة |
أساتذتي
المنتدين: راهبًا موسيقاه بَخور (الأب جان جبّور)، ومحاميًا وزناته ميزان عدل
وأوزان شعر بمقياس القلب والفكر والخيال (الأستاذ يوسف أبي عقل)، وشاعرًا بيت
قصيدته محجّةُ الخاشعين (الشاعر أنطوان رعد)
حضرةَ
الدكتور سمير حيدر أحمد، مقدِّمَنا المقدَّم بيننا،
جاد
الحاج، المحتفى بك شاعرًا وروائيًّا وكاتبًا جامعًا،
أبناء
بلاد جبيل،
يا
أبناء بلاد جبيل الجغرافيا، الجغرافيا المحدودةِ بين قوسَي الجبل والبحر،
يا
أبناء بلادِ جبيل التاريخ، التاريخِ المحلّقِ فوق الجبل، والماخرِ عُبابَ اليمّ،
يا
أبناءَ جبيل، يا أهلي وعائلتي،
مساؤكم
عيدٌ/ يعودُ في دورةٍ طقسيّة تجدِّد الإيمان،
مساؤكم
خيرٌ/ في عصرٍ يريد الشرُّ أن يصولَ فيه ويجول،
مساؤكم
كلمةٌ أصدقُ إنباءً من السيفِ، مهما كَثُرتْ أسماءُ السيفِ وصفاتُه،
هل هو
أمرٌ رائعٌ ألّا تكتفي هذه المدينةُ بتوزيعِ أبجديّتِها على العالم، فترغبَ في توزيع
الكتب تشجيعًا للمطالعة؟ أم هو أمرٌ مروّعٌ أن تكتشفَ المدينةُ التي نشرتِ الحرفَ
في العالم أنّ الكتابَ ما عاد يجد من يرغبُ فيه طوعًا، فصار لا بدَّ من مبادرة
تحثُّ الناسَ على اقتنائه؟ في الحالين، هديّةُ الميلاد الليلةَ ليست ذهبًا - مع
إنّو مش غلط تكون ذهب - ولا لُبانًا ولا
مُرًّا... بل كتاب. كتابٌ يحكي، بقصص مختلفة ومتنوّعةٍ، كيف أنّ ملائكةَ السماء
الذين بشّروا بأنّ المجدَ لله في العلى وأنّ على الأرض السلامَ، ضاعَ صوتُهم في
ضجيج الحرب وقصفِ المدافع وأزيزِ الرصاص وصراخِ المصابين وعويلِ المحزونين. كتابٌ
فيه ثلاثون حكايةً عن هشاشةِ الإنسان تستعيدُ كلُّها بطريقة أو بأخرى كيف أنّ الثلاثين الفضّةَ كانت، ويا خوفَنا أن
تبقى، أغلى من السلام وأكثرَ جذبًا من مَلِك السلام.
هل أخيفُكم
إن قلت لكم إنّ لحكاياتِ الكتابِ ألسنةَ نارٍ مَدَّتْها الحربُ في وجوهنا ساخرةً
شامتة؟ هل ستقولون: مش ناقصنا حكي عن الحرب، وطبّق قلبنا من خْبار القتل، ويللي
فينا مكفّينا... يمكن معكن حقّ، ولكن...
هل كتبْنا
فعلًا عن الحرب؟ هل فضحنا أسرارَها وواجهْنا صورتَنا البشعة فيها، وكيف قَتلنا
وقُتلنا، وخَطفنا وخُطفنا، وذَبحنا وذُبحنا، أم أنّنا اكتفينا بشعاراتٍ رنّانة
طنّانة تمدح أو تهجو، تستفزّ أو تساير، تحرّك الغرائزَ أو تخدّرُ الأعصاب؟ هل ننظر
إلى أنفسنا فعلًا في مرآة الأدب والفنّ، لعلّنا نكتشف لماذا فعلنا بأنفسنا وببلادنا
ما فعلنا؟ هل نجحت الأفلام التي تحصد جوائزَ وتجذب الجمهور العريض في أن تغيّر رأي
مواطن واحد فقط فلا يمشي عكسَ السير (على الأقلّ) قبل أن نطلب منه نبذ الحرب
والطائفيّة؟
مئةُ
عام على الحرب العالميّة الأولى والمجاعة، عشرون عامًا من الانتداب، أربعون عامًا
من الحرب والتهجير والهجرة، فعمَّ تريدون أن نكتب؟ عمَّ نريد أن يكتبَ جاد الحاج؟
جاد الحاج الذي طمأنَنا، بمبادرتِه هذه، فضلًا عن مجمل تاريخِه الكتابيّ، إلى أنّ
الإبداعَ المحترِف / لا العشوائيّ، الملتزِم / لا الملزَّم، لم ينتهِ، في وقت نحن أحوجُ
ما نكون فيه إلى الإيمان بإنّ فَقْدَ مبدعٍ بَعْدَ آخرَ لا يعني أن نفقِدَ الأمل.
ارتأى أديبُنا
وشاعرُنا أن يوزّعَ علينا نُسخًا من كتابه، لأنّه مذ اكتشف أنّ الكتابةَ وَزنتُه
فهِمَ أنّه يكتب ليكتب، يكتب لأنّه لا يستطيعُ إلّا أن يكتب، يكتب ليقرأَ ذاتَه
أولًا وليقرأَ ذوات الآخرين ثانيًا... يكتب ليرى ويسمعَ ويشعرَ ويتنفّس ويحيا.
ومن كان
هذا شأنُه مع الكتابة، هل يتوقّفُ / في ما خصّ الكتب / عند مسألة "بيعٍ"
تُقام حفلاتُ التوقيع بسببها، ويُدعى الناسُ من أجلها، وتُعقدُ العلاقاتُ
الاجتماعيّة إكرامًا لخاطرِها، وتَستنفِرُ دُورُ النشر قدراتِها وعلاقاتِها كرمالْ
سُود حروفها... من دون أن يُعطى في أكثر المرّات، لا في دور النشر ولا في
إحصائيّات معارض الكتب ولا في الصفحات الثقافيّة ولا في الدراسات الجامعيّة، كبيرُ
شأن للمضمون أو العمق أو المستوى أو الخلفيّة الثقافيّة.
أيّها
الأصدقاء!
حين
كتبتُ عن حكايات جاد الحاج في صحيفةِ الحياة لم أكن أعرفه معرفة شخصيّة، وحالت
اللغة الإنكليزيّة دون ولوجي في عالم رواياته، وحين قرأ ما كتبته، ثمّ حين دعاني
لأشاركَ في هذه الندوة لم يكن يعرفني... أشرتُ يومذاك إلى أنّ بعضَ قصصِه القصيرة مشاهدُ من روايةِ يخيّل إلينا
أنّ الراوي لا يجدُ وقتاً لكتابتها أو لا يملكُ جَلَداً على حَبكها، غير أنّ هذا
لا يعني أنّ القصّةَ الواحدة منها ليست عالماً متكاملاً تامًّا؛ بل على العكس،
فلشدّة ما هي مكثّفةٌ ولمـّاحة، عميقةٌ وسريعة، متكتّمةٌ وفاضحة، يخطر لنا أنّ جمعَها
في روايةٍ قد يعرّضُ كاتبَها للانشغال بالبنية الرابطةِ على حساب المشهد. ومع ذلك
فالحكايات الثلاثون التي كتبها جاد الحاج خلالَ عشرين سنة فائتة، لها رابطٌ يتخطّى
البنية الروائيّة، وراوٍ يشبه الحكواتي الشعبيّ وبطلٌ واحد هو الجسد، مُعوَّقاً
ومممزّقاً وتائهاً. جسدُ الإنسان، رجلاً أو امرأة، جسدُ الوطن، لا فرق، فالحرب
اللبنانيّة التي تشكّل المـُناخَ العامّ للمجموعة وحّدتِ الجسدين، قبل أن يتشظيّا
معًا أشلاءَ تثير الشفقة.
هذا ما كتبته
آنذاك، أمّا اليومَ فأشيرُ، وقد لبّتِ الغريبةُ دعوة الغريب، إلى أنّ جاد الحاج هو
الليلةَ بطلُ الحكايةِ الحادية والثلاثين، ونحن، المدعوّين إلى وليمة الكلمة، نحن
الحاضرين هنا لنحتفيَ بالكتابِ والكاتب، نؤكّدُ أنّ البطل لا يموت، ولن يموتَ!
لأنّ الموتَ لا يقوى على من يمتشقُ الكلمةَ سلاحًا، ولو أحاطَ به أهلُ الظلام
والجهل وقتلوه مرّةً بعد مرّةٍ بعد مرّة! ولو غرّبوه وهجّروه وضيّقوا عليه وجعلوه
يكفر بكلّ شيء ما عدا بقدرة الطبيعةِ والفنّ على اجتراح معجزة الخلاص.
ولكنّ
الظلاميّين كثر، يا أصدقاء الكلمة والكتاب!
هُمْ في
المعابد والقصور والشوارع، في وسائل الإعلام ومراكز القرار وكوابيس الأطفال، فلا
تتركوا البطلَ يواجه كلَّ هؤلاء وحدَه! لا تتركوا أبجديّةً تحمل اسمَكم تتشظّى
أحرفًا بعدما صنع منها جاد الحاج وسابقوه ومعاصروه، في اليوم السابع للخلق،
عالمـًا من الفكر والجمال، جعل اللهَ يستمتع بيوم راحته.
فلتكن مبادرةُ
كاتبِنا، التي احتضنها مشكورًا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل، حافزًا لنا جميعًا
لنوزّعَ الكتب إن لم نجدْ من يشتريها. فلنعلنْها ثورةً حقيقيّة، وربيعًا لا يعرفُ
معناه سوى أحفادِ أدونيس، ولنتركْ كتبَنا على طاولات المقاهي، وفي الساحات
العامّة، وفي قاعات الانتظار في المستشفيات والعيادات ومطارات العالم، لننسْها في سيّارات
الأجرة، فلنهبْها للمدارس والجامعات والنوادي الثقافيّة قبل أن تنهبَها جيوشُ
الظلام لتحرقها... فلنوزّعِ الكتبَ بعدما وزّعْنا الحرف... لعلّ العالمَ يخرجُ من
افتراضٍ فرضتْه وسائلُ التواصل الاجتماعيّ، ومِن وهْمٍ يرسمُه دخانُ أركيلة أغلى ثمنًا من كتاب،/ لعلّ
هذا العالمَ التائهَ التعيس القبيح يعود إلى واقعٍ يحتاجُ إلى جهودِنا كلِّنا كي
تستقيمَ أمورُه وينجوَ من الطوفان.
جاد الحاج! لقد
غبتَ كثيرًا عن اللغة العربيّة، وهاجرتَ طويلًا في بلاد الله الواسعة، تاركًا
الساحةَ لأشباهِ كُتّابٍ وأشباهِ مثقّفين، ليتكَ تعدُنا الليلةَ بأن تبقى مجنونًا،
ثائرًا، مختلفًا، جميلًا، معلِّمًا، شجاعًا، مقيمًا، تكتب لنفسك كما فعلتَ
دائمًا... ونعدُك بألّا نكونَ أقلَّ منك جنونًا وثورةً واختلافًا وجمالًا وعلمًا
وشجاعة... أليس هذا ما تريدُه أنتَ من الكتابة؟ أليستْ هذه رسالة الكتابة؟
الأحد، 7 ديسمبر 2014
جاكلين سعد الممتلئة حياة على الرغم من الموت
![]() |
| جاكلين سعد الحانية الحنون |
| أنا بين جاكلين سعد وريتا أنطوان سعد مديرتَي دار سائر المشرق خلال توقيع أحد كتبي |
![]() |
| جاكلين سعد الممتلئة حياة |
كيف صار الرثاء سهلًا إلى هذا الحدّ؟ أفتح الفيسبوك، أجد
أن جاكلين سعد رحلت، فلا أفكّر سوى في الكتابة إليها وعنها... هل اسمُ ذلك رثاء؟
لا أعتقد، هو صراخ، هو وجع، هو ألم، هو نحيب، هو دمع... لكنّه قطعًا ليس رثاء
بالمعنى الذي تمتلئ به الصفحات والصحف.
في صباح هذا الأحد المشحون خوفًا على بلادنا وجنودنا
المخطوفين، على مستقبل أولادنا من الطعام الفاسد والنظام الفاسد والدين الفاسد،
رحلت جاكلين سعد، بعد صراع طويل وشجاع مع المرض.
كم صارت مستهلكة هذه الجملة...
صراع مع المرض! بل صراع مع الحياة التي جعلت جاكلين تشعر بالذنب لأنّها مريضة لا
تستطيع أن تخفّف ثقل مرضها (وهمّ مصاريفه وأعبائه) عن والديها وأخويها، في وطنٍ لا
يحميك من المرض ولا يساعدك على حمل معاناته الماديّة. كأن لا يكفيك ما يجعلك
السرطان تواجهه!
رحلت جاكلين سعد، وكنتُ قبل معرض الكتاب في البيال قلت
لها: لن أنزل إلى المعرض إلّا حين تعودين إلى مقعدك في جناح سائر المشرق إلى جانب
أخيك أنطوان وزوجته ريتا... لكنّ الذين يعرفون جاكلين يعلمون كم تعبت من الصراع
ومن المقاومة. لم تترك عائلتها وسيلة إلّا ولجأت إليها لمعالجة قدّيستهم الصغيرة
المعطاء الصامتة الشجاعة، لكن ماذا يستطيع جسد واهن أن يفعل أمام خبث مرض ننتصر عليه في موضع فيكمن وينتظر في
موضع آخر...؟
خدعتني جاكلين سعد، لم أحدس بغيابها! ظنتتها ستنجو، فلم
أرَ الموت قادرًا على هدّ عزيمتها والانتصار عليها... كنت واثقة من أنّ صلابتها لن
تلين، وصلواتها ستستجاب، ودعم عائلتها لن يضيع، وبأنّها ستخرج من معاناتها... فإذا
بها تنطلق فراشة من شرنقة الحياة لتعانق السماء وتجلس بين أهل السماء! ستدخل بعزم وابتسامة
إلى الملكوت، بلا تحقيق معها أو مساءلة عن حياتها وما فعلته وما قالته وما فكّرت فيه...
ستدخل مباشرة إلى قلب الله، وهي تعرف بأنّها من هناك ستدير، بشكل لا يعيقه مرض أو
تعب، شؤون عائلتها، وستسهر على أولاد كلّ من تحبّهم... وعلى كلّ الذين عرفتهم والتقت
بهم... وأعرف أنّها الآن، تبتسم لي كما كانت تفعل كلّما قرأت لي شيئًا، وتقول: شو
بحبّ كتابتك...
جاكلين سعد! حين قلتِ لي عن كتابي "أحببتك فصرت الرسولة":
كتاب رائع عن الحبّ لكنّي لم أحبب أن يكون آخر نصّ فيه عن الهزيمة... عرفتُ من أيّ معدن صلب
أنت! لذلك رحلتِ في زمن الميلاد لتولدي هناك، رحلتِ مع رحيل الكبار والشجعان لأنّك
منهم... فتابعي قراءتي وامنعيني عن مقاربة الهزيمة...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
-
فرانكو كاسباري وماريّا أنطونيلاّ باولا بيتي مارينا كوفا كاتيوشيا ميشيلاّ روك بعدما تقدّم بها العمر فرانكو داني ...
-
Aleister Crowley اليافطة الأنيقة الخفرة بدت في غير مكانها. ففي مدخل البناء الفخم، وعند بوّابته الإلكترونيّة النظرات، لا يت...
مشاركة مميزة
فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993
فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...
من أنا
- ماري القصيفي
- الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
- صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.















