الجمعة، 6 أبريل 2018

أسمعكم في مقاهي الحمراء واكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات - 19 أيّار 1994



أسمعكم في مقاهي الحمراء واكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات
        يقول لوي لافيل: "أمّا القارئ فإنّ نظره كلّه يكون مستديرًا إلى الدّخائل، ويبدو، أحيانًا، إنّ الفكر ينساب إليه انسيابًا مباشرًا لا يحتاج معه إلى وساطة الجسد".
        ويقول: "وشبيه بالمؤكّد أن نكون نحن (ويقصد المؤلّفين) الّذين ارتكبنا أوّل الأخطاء. وإذا يحاول قرّاؤنا والنّقّاد أن يفهمونا، فإنّهم يمدّون لنا من العون، يدًا علينا الاعتراف بها، والشّكر عليها. إنّهم يعوّضوننا عن جهد بذلناه ويضمّون جهدهم إلى جهدنا".
        ثمّ يقول: "من الجائر إنّ من يقضي عمره في الكتابة يكون مفتقرًا إلى الأصدقاء الحقيقيّين. إنّه لا يكفّ عن مراسلة أصدقاء مجهولين"(1).
        هي الصّدفة ساقت إليّ هذا الكلام حين كنت أفتّش عمّا أقوله للّذين يسألونك عنّي.
        أخبرهم إذن إنّك تعرفني كما يعرفونني: ألتقي بكم في دور السّينما، وفي المعارض، وفي النّدوات. أجلس بينكم خلال العروض المسرحيّة، أشرب معكم القهوة في مقاهي الحمراء. أنتبه عندما أسمع أحدكم ينادي آخر لأنّي سأكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات المكتوبة، وأفاجأ أحيانًا لأنّي ما زلت أحبّ أن أراكم آتين من عالم سحريّ غامض. أنتم أصحاب الإبداع، وإن صرت أعلم الآن إنّ الهالة انطفأت فوق رؤوس الكثيرين. أمّا لماذا لا أظهر إلى العلن الثّقافي إلاّ حيت أكتب لك، فلأنّني، وبكل بساطة، حيّيتك (زاهي وهبي) مرّة فرددت التّحيّة بأحسن منها، وأقصد طبعًا رسالتي الأولى.
        ولأنّني، حتّى عندما لا نتّفق، يعجبني أسلوبك في الدّفاع عمّا تؤمن به.
        ولأنّني، ثالثًا، أقدّر فيك رغبتك في أن تتعلّم، فأنا كلّما رأيتك جالسًا مع الكبار، أكاد أثق أنّّك تأخذ منهم، وتدرس على يدهم. وإن كنت أشرت مرّة إلى جلوسك بين كبيرين في صيدا، فلأنّني خشيت على من حيّيته فردّ التّحيّة بأحسن منها، أن تخدّره فكرة الاطمئنان إلى موقعه، أو كما قال لوي لافيل في المقالة المذكورة سابقًا حين يتحدّث عن نجاح الأدباء: "ونحن، إذ نطمئنّ إلى القوّة الكامنة فينا، نستريح إليها. ونتّكئ عليها. إنّها، عندئذ، تفارقنا، لأنّنا لا نستطيع رعايتها". ويقول في مكان آخر: "إنّ تجارب النّجاح الخارجيّ... تفضي بفرح العقل إلى النّضوب".
        إلاّ إنّك أثبتّ لي خطأ حكمي عليك حين لم تمنعك مكانتك الأدبيّة عن الاعتراف بأنّ الآخرين يشكّلون "حافزًا للكتابة وذريعة لوجهة نظر"، وجعلتني بذلك أخاف أن يصيبني ما خفت عليك منه، وخاصّة بعد المسؤوليّة الّتي حمّلني إيّاها شوقي أبي شقرا.
        يقول الياس خوري: "لا خيار لنا، سوى أن ندافع عن عقولنا وأرواحنا. لا خيار لنا، سوى أن نصرخ في وادي الصّمت ونحذّر وندعو.
        المعركة لم تنته بتعديل المرسوم 104.
        المعركة هي من أجل حرّيّة الصّحافة والثّقافة والنّقابات والإعلام والمدرسة والجامعة.
        إنّها معركة الحاضر والمستقبل"(2).
        كثير هو الكلام عن الحرّيّة في لبنان، وكلّ من يكتب عن هذا الموضوع يوجّه أصبع الإتّهام إلى الدّولة، ويعتبرها سارقة الحرّيّات وكاتمة الأصوات وخانقة الأنفاس.
        قد تكون الدّولة في وارد أن تفعل ما هو أخطر من ذلك ـ لا أستطيع أن أتخيّل ما هو أخطر ـ ولكن، هل الدّولة كائن وهميّ أو مخلوق فضائيّ لا نعرف عن تركيبته شيئًا؟
        أليست الدّولة مجموعة أشخاص أوصلناهم نحن، بسكوتنا أو بموافقتنا، إلى حيث هم اليوم، أي في المراكز الفاعلة والمدبّرة لشؤوننا؟
        وراء كلّ سياسيّ، "مثقّف" يكتب له خطبة السّياسة، وفي مكتب كلّ مسؤول، أسماء إعلاميّة تقرأ له، وتكتب عنه، وتنقل إليه أخبار البلد والنّاس. وفي كلّ مؤسّسة إعلاميّة معارضة، صحافيّون يعملون سرًّا ـ إذا أمكن السّرّ ـ في مؤسّسة أخرى تدفع أكثر وبالعملة الّتي كانت صعبة.
        ويقول الياس خوري: "تذكرون أو لا تذكرون كيف فرضوا علينا عبادة مجموعة من الأصنام الصّغيرة".
        وأقول له: نذكر، نعم نذكر كيف كنّا نحن، على اختلاف أهوائنا وانتماءاتنا، عاملين على تكبير هذه الأصناف الصّغيرة وتلميعها ونفخ الحياة فيها حتّى داست كرامتنا وخطفتنا واذلّتنا.
         عن ايّ حريّة يتحدّثون، والحرّيّة الوحيدة الّتي أرى النّاس ساعين إليها هي الخلاص من عبوديّة الدّيون وقيود العجز المادّيّ.
        في أحد آخر الحوارات "المهمّة والنّادرة" معه، قال يوسف الخال عن رفاقه في مجلّة شعر: "يا أخي، السّيّاب أعطوه شيكًّا بألف ليرة، وقال لي: أعرف إنّك لن تزعل منّي، بدّي مصاري. إنت ما معك، هم معهم". أعطوه أوّل صفحة في "الآداب" وحطّوها بكادر. هذا ما حصل "بدّي مصاري لأبعث لعيلتي". ويتابع يوسف الخال: "تصوّر  شخصًا طالعًا من المدرسة في أوّل حياته مثل شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج صار يعلم ويشتغل في الصّحافة. ومع الأيّام، كلّ لديه متطلّبات حياتيّة"(3).
        أليست الإلتزامات العائليّة قيودًا على حرّيّة الصّحافة والشّعر؟
        أليس الإرتهان لحزب أو لدولة تكبيلاً لحرّيّة الإعلام؟
        أليست مسايرة رئيس أو مسؤول إساءة إلى الحرّيّة؟
        الحرّيّة لا تتجزّأ ولا تتلوّن، وهي ليست في أن نقول الشّيء وعكسه.
        هل الحرّيّة هي الّتي تجعل مسرح بيروت مثلاً يعرض عملاً ضدّ تهديم العاصمة كمذكّرات أيّوب، ثمّ يوجّه هذا المسرح نفسه دعوات إلى ندوات حول إعادة إعمار بيروت، ويساهم في التّسويق لهذا المشروع إعلاميًّا، وعبر دعوة المدرّسين والجامعيّين؟ أذكر يومها إنّنا واجهنا صعوبة في الوصول إلى المسرح، لأنّ ورشة "تزفيت" الشّارع، حيث المسرح، كانت قائمة.
        ماذا فعل المثقّفون في معركة الحرّيّات هذه؟ في الحرب، قلنا إنّهم لا يجرؤون على معارضة عمليّة خطف الفنّانين وقتل الصّحافيّين لأنّهم سيواجهون أحزابًا غير معروفة الإنتماءات، وهم ليسوا إنتحاريّين. فكان مثقّفو الغربيّة يعارضون ما يجري في الشّرقيّة لأنّ يد الأحزاب في تلك المنطقة لن تطولهم. ومثقّفو الشّرقيّة يهاجمون الأحزاب الوطنيّة على اعتبار إنّ مفعولها لن يصل إليهم.
        والآن، ما هو عذر المثقّفين؟ وافقوا على الطّائف، ووافقوا على كلّ ما انتجه على كلّ المستويات، ووافقوا على الدّولة وهاجموا الأحزاب. وها هي الدّولة تمنع فيلمًا و"تقاضي" آخر، وهم يخنقون أصوات احتجاجهم.
        وها هي الدّولة تمنع كتابًا، وأصوات الإعتراض لم تتعدّ جدران المسرح حيث اجتمعوا، وبغض النّظر عن شماتة الكثيرين، وفرح الشّاعر بالدّعاية المجّانيّة.
         وها هي الدّولة توقف صحيفة، فتفرح الصّحف الأخرى لأنّها وجدت عنوانًا للإفتتاحيّة، وسينعكس الأمر طبعًا على نسبة الأرباح.
        والتّلفزيونات يحارب بعضها بعضًا من أجل الفضاء، فخسرت الأرض.
        ونقابة المحرّرين تحارب الصّحافيّين وتمنع انتسابهم إليها بحجج واهية أو بشروط تعجيزيّة.
        عن أيّ حرّيّة يتحدّثون؟ والمجلّة الفلانيّة تتلقّى المساعدات من إحدى الدّول، والصّحيفة الفلانيّة يغطّي العجز في ميزانيّتها رئيس دولة أخرى؟ أيّ حرّيّة يطلبونها من الدّولة والمثقّف في الصّحيفة الفلانيّة يدين بالوفاء لمن "دبّر" له عملاً، والصّحافي يدين بالإخلاص للطّائفة الّتي فرضته في مركز إعلاميّ معيّن.
        أين الحرّيّة وريمون جبارة يكتب ليملأ زاوية له في جريدة توفّر له دفع تكاليف ذكرى غياب والده في كنيسة القرية؟(4) أليس التّقليد الإجتماعيّ ملزمًا أيضًا؟ (دون أن ننسى إنّ مبالغة ريمون جبارة ووصفه الكاريكاتوري لا يعنيان عدم جدّيّة الفكرة الأساسيّة).
        ولنفرض إنّ الدّولة أعطتنا الحرّيّةـ مع إنّ الحرّيّة تؤخذ ولا تعطى كما علّمونا ـ فكيف ننجو من الّذين يمنعون فيلمًا في طرابلس، ويعترضون على آخر في التّلفزيون، ويمزّقون الإعلانات على الطّرقات لأنّها تسيء إلى الدّين؟ وما رضوخ المعترض عليهم (بفتح الرّاء) إلاّ دليل واضح على إنّ المواجهة بين الحرّيّة والخوف على الحياة محسومة النّتائج سلفًا.
        منذ عشر سنوات، كتب جورج قرم تحت عنوان: "ثقافة لما بعد الفتنة": "أمّا ثقافة الفتنة فأفقدت اللّبنانيّين الرّؤية تمامًا، فلا تزال تتكلّم عن الحرّيّة والدّيموقراطيّة بينما الطّائفيّة المجنونة الفتّاكة جعلت من العقليّة اللّبنانيّة عقليّة عنصريّة فاشستيّة لا تقدر على فصل الأعمال الإجراميّة عن الأعمال الحربيّة"(5) وتحت العنوان نفسه يقول جورج قرم: "عودة لبنان وطنًا لن تتحقّق بين عشيّة وضحاها أو في سيادة ثقافة الفتنة، وإنّما إشارة إلى استعداد اللّبناني لنسيان ثقافة الفتنة بسرعة والتّنازل عن انفصام الشّخصيّة بين عقليّة طائفيّة مريضة وتوقه إلى الوحدة والنّهضة الشّاملة"(6). ثمّ يقول "وهبط المستوى الثّقافيّ حتّى انعدم تمامًا في العشر الماضية وحلّت محلّ الثّقافة اللّبنانيّة ثقافة الفتنة الّتي ترى كلّ شيء من منظار طائفيّ تغذّيه عبارات طنّانة عن أفكار العالم الحديث (ديموقراطيّة، تعدّدية، قوميّة، تحرّر، مشاركة، حرّيّة، كرامة، ...). وتنتج تلك العبارات عكس ما تنطوي عندما تبلعها ثقافة الفتنة، فنتيجتها أخلاق مبنيّة على عدم احترام كرامة الإنسان وحرّيّته الأساسيّة"(7).
        والأسئلة الّتي تثيرها كلمات جورج قرم هي التّالية: هل نحن أمام استمرار ثقافة الفتنة بما تحمله من شعارات؟ وما هو الخطر الّذي يمثّله استمرار هذه الثّقافة مع حاملي ألويتها أنفسهم، وهم الّذين رفعوا رايات الحرب يوم كانت الحرب تحتاج إلى أصواتهم المدافعة عنها، ويرفعون اليوم رايات السّلم من مراكز مرموقة ومنابر مشرّفة، لأنّ "الثّقافة في بيروت اليوم أكثر إغراء من أيّ وقت مضى لما توفّره من مظهر اجتماعيّ أو تعوّضه من أدوار مفقودة"(8).
        المعركة من أجل الحرّيّة شرسة، لأنّها أساسًا، معركة الإنسان مع نفسه، ومن انتصر فيها هانت عليه التّحدّيات الأخرى (مقالتك إلى فؤاد رفقة (9)).
        يبقى أن يحدّد المثقّفون المطالبون بالحرّيّة خياراتهم وساحة معاركهم، فمن الصّعب في اعتقادي، أن ينتصروا (ولنكن واقعيّين بعض الشّيء) في معركة الحرّيّة، ومعركة الرّاتب الشّهريّ المريح جدًّا، ومعركة الشّهرة والانتشار مرّة واحدة.
        "لبنان كيان ثقافيّ"، تقول.
        صحيح. والحرّيّة هي حدوده، والمعركة من أجل هذه الحدود تحتاج إلى خطط وتنظيم وحسن استعداد. فهل لنا أن نعرف كيف يستعدّ لها المثقّفون، إلّا إذا كانت هذه الخطط سرّيّة من أجل الانقضاض على العدو وسحقه؟
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "النّهار" الخميس 19 أيّار 1994
1 ـ لوي لافيل، من كتاب"وعي الذّات" ترجمة أحمد حاطوم "النّهار" 29 نيسان 1994.  
2 ـ "ملحق النّهار" السّبت 16 نيسان 1994.
3 ـ "النّهار" الأربعاء 9 آذار 1994.
4 ـ "الملحق" السّبت 16 نيسان 1994.
5 ـ "النّهار" الخميس 30 آب 1984.
6 ـ "النّهار" الإثنين 27 آب 1984.
7 ـ "النّهار" الخميس 30 آب 1984.
8 ـ "النّهار" 12 تشرين الأوّل 1993.
9 ـ "النّهار" 6 نيسان 1994.
       


الأربعاء، 4 أبريل 2018

الفجور - 2017




رنيه ماغريت - 1952

عندما نصل إلى مرحلة يأكل فيها الفاجر مال التاجر، على ما يقول المثل الشائع، فهذا يعني أنّ حسابات المنطق تعطّلت أمام تفلّت الانفعالات الدنيا من عقالها وانطلاقها في شكل مدمّر مخيف. والفاجر في اللغة، هو المفارِق والمنشقّ عن طريق الصلاح، وإذا كان الفجر سمّي كذلك لانشقاق الظلمة عن الضياء، وإذا كان انفجار الأنهر سميّ كذلك لأنّ المياه فارقت أحد جانبي النهر، فذلك لا يعني أن نحتفل بكلّ انشقاق وانفجار.

التاجر عادة يحسب الأمور جيّدًا، ولا يقبل بالخسارة ولا يخضع للابتزاز ولا يرضى بالتنازل عن حقّه مهما كلّفه الأمر، ولكنّه أمام "الفاجر"، بالدلالات التي صارت تحملها هذه الكلمة، يتنازل ويسكت، ويشتري - ولو بخسارةٍ - صمتَ من يتوعّد ويصرخ وينفجر غاضبًا أو حاقدًا أو منفعلاً أو مدّعيًا كلّ ذلك في قحة وسوء خلق غير مكترث بالحقّ والأخلاق. ومن الأكيد أنّنا في هذا الزمن الرديء صرنا أمام خيارين لا ثالث لهما: الانحياز إلى جانب التاجر ولو سرَقَنا أو الخوف من الفاجر لئلّا يطالنا رذاذ شتائمه وعهره. وفي الحالين نحن في موقع لا نحسد عليه.
يظنّ كثرٌ أنّ الكلام في صوت عال وفي نبرة قاسية يخيف الآخرين ويعطّل فيهم القدرة على التحليل والتفكير، كأنّ الصوت المرتفع، ولو فارغًا من المعنى والمضمون، هو الذي يفرض نفسه وسطوته ويدفع الآخرين إلى الانكفاء والتراجع. لذلك نجد في المؤسّسات والشركات، وكذلك في العائلات، رغبة في تحايد هؤلاء "الفاجرين"، فيتمّ إرضاؤهم وشراء سكوتهم بما أمكن، لا بل قد يصل الأمر إلى ما هو أبشع من ذلك إذ يجري الخضوع لهم والتذلّل أمامهم خشية التعرّض لكلامهم الجارح وصراخهم الأصمّ وانفعالاتهم الهوجاء. ولا أعرف عند ذلك كيف يمكن لأيّ مؤسّسة أو شركة أو عائلة أن تسيّر أمورها بشكل سويّ وفاعل. فالمشكلة مع الفاجر أنّه لا يناقِش ولا يُناقَش ولا يصغي ولا يترك مجالاً لحوار، هو في الأساس لا يريد أن يصمت لأنّه عند ذلك سيخسر معركته التي يعرف مسبقًا أنّه لن يربحها إن ترك المجال لغيره في التعبير وإبداء الرأي، لذلك يعمد إلى ربط الأفكار ببعضها فتتلاحق المفردات وتتداخل الأساليب الكلاميّة وكلّ ذلك في لهجة عنيفة صاخبة تقتحم عالم الآخر وتخضّه من دون أدنى احترام أو تهذيب. يعرف الفاجر أنّ الكلمة الأخيرة يجب أن تكون له، وأنّ عليه ألاّ يدخل في معركة إلاّ مع تاجر يخاف على سمعته لا مع فاجر مثله لا يعنيه العيب.
إنّ مراقبة بسيطة لمجتمعاتنا تبيّن في وضوح كيف يستشري الفجور في كلّ المجالات: في السياسة والدين والفنّ، حتّى أنّ مستوى الصراخ الوقح يسجّل أعلى نقاطه في الأعمال الفنيّة التي تعبّر عن طبيعة حياتنا اليوميّة. ففي الأغنية صراخ، وفي التمثيل صراخ، وفي المقابلات والبرامج الحواريّة صراخ، وفي برامج الأطفال صراخ، وكلّ ذلك منقول عمّا يجري في الشارع والبيت والعمل والمدرسة، ويعبّر عن حالة الخواء التي نحن فيها والتي نحاول تمويهها بشكل من أشكال العنف الكلاميّ الخالي من أيّ مضمون.
والغريب في هذا الموضوع كيف يتشابه الفجّار لغة ولهجة ونظرات وتصرّفات، كأنّ ثمّة عدوى لها المؤشّرات نفسها والعوارض نفسها، تنطلق بين الناس فيتعلّم الواحد من الآخر أنّ هذا الأسلوب ناجح ومثمر ولا يخيّب ظنّ من يستخدمه. ولذلك فنحن لا نستطيع أن نقول للناس من هؤلاء أنّ علينا أن نتحدّث في هدوء، فالهدوء فاضح لهم، لأنّه يعرّيهم من ادّعاءات الفهم والمعرفة وامتلاك زمام الأمور، ويكشف خواءهم من أدنى مقوّمات الوعي والفكر والثقافة. ومع ذلك فلقد سمحنا لهؤلاء الفجّار بأكل مال التجّار والزبائن، وحجّتنا أنّنا مهذّبون لا ننحدر إلى مستوى وضيع. وصار من اللازم أن نتعلّم أنّ التهذيب هو تشذيب لا يخلو من عنف وقسوة هما من ضرورات الإصلاح والتحسين والصقل والتخليص من كلّ شائبة، وإلّا تحوّل جبنًا وتخاذلًا.

الأحد، 1 أبريل 2018

كان يجب...



كان يجب أن أتعثّر وأعانق الأرض كي أعثر عمّا أبحث عنه! كان يجب أن "أتفركش" بأسئلتي لأجد الأجوبة!
في اليوم الأوّل من الصوم الخمسينيّ الكبير، في اثنين الرماد الواقع فيه 12 شباط من العام الميلاديّ 2018، يوم ندعى لتذكّر "أنّنا تراب وإلى التراب نعود"، وقعت... وقعت في فخّ الركض والسرعة، زلّت بي قدم (مشلولة منذ الصغر)، فهويت وانتهيت مطروحة أرضًا، مكسورة الساق،  غائبة عن وعيٍ ما انفكّ يؤرقني مذ اكتشفت أنّ قدمي لا تسير بسرعة عقلي!
وفي 14 شباط، يوم عيد العشّاق، كنت أخضع لعمليّة جراحيّة، محاطة برجال غرباء، أحتفل معهم بمناسبةٍ كنتُ على الأرجح سأمضيها وحيدة!
اليوم، مع انتهاء الصوم الكبير، والاحتفال بالقيامة، واقترابي من احتمال العودة إلى المشي، ولو بعَرَجٍ اعتدت عليه (على الرغم من العمليّات الجراحيّة)، أجدني أقوم من عثرتي وقد عادت إليّ بعض معرفة، اختفى قسم كبير منها تحت ضغط العمل، وطبقات التعب اليوميّ، وازدحام الناس على طرقات الحياة الضيّقة، وأوهام صداقات تشبه أطياف الصحراء.
مرّت آحاد الصوم، وشفي أعمى العينين ومخلّع الأطراف وأبرص الجسم ومنزوفة الدم، وعاد الابن الضال، وما بين فرح العرس في قانا، ومهرجان الشعانين في أورشليم، وما بين الألم والصلب والموت والقيامة، كانت الأفكار التي ظننتها تبلورت، والمشاعر التي اطمأننت إلى أنّها هدأت، تعود بزخم البدايات وحكمة النهايات لتطلب منّي حسم أمورها.
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف كم أنّ ذلك أسهل من الوقوع في الحبّ والخيبة، وأنّ كسر الساق أخفّ وطأة من كسر الخاطر!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف كم أنّ الأرض حنون، لا تتردّد في حمل وقوعك وتحمّله!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف أنّ الإعاقة الحقيقيّة هي حاجتك إلى الآخرين!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف من هم الأصدقاء الذين قد أتّصل بهم لأطلب منهم اصطحابي في نزهة تبدّد عن القلب عتمته!
كان يجب أن أقع على الأرض لأنظر إلى السماء، وأراقب مرور الوقت، وأرصد تفاصيل المكان!
لتعود إليّ ذكريات الطفولة المجروحة، وألّا مهرب من رائحة المستشفيات!
لألاحظ أنّ وقوعي تحت المطر لا يمكن أن يشبه تزحلق فيكتوريا بكهام على التزّلج، لا في ظروفه المحيطة، ولا في أسبابه أو نتائجه!
لأكتشف أنّ كثيرين من العُوّاد يزورون المريض ليجدوا من يصغي (مجبرًا) إلى تاريخ أوجاعهم وذكريات أمراضهم، لا ليصغوا إليه!
لأنتبه إلى أنّ الناس يقومون بواجبات زيارة المريض لا رغبة في التخفيف عنه ولكن حرصًا على صورة الواجب الاجتماعيّ!
لأستمع إلى بعضهم يخبرني أنّ زيارته لي هي زيارة لأهلي، لأنّ أهلي (أي ليس أنا) لا يُكافأون على لياقتهم وواجباتهم!
ليقال لي أنّ العمل لن ينتظرني كثيرًا، وأنّني لست أمًّا أنجبت طفلًا ولها حقّ عطلة الأمومة، أو مُرْسَلة موفدة في زيارات وسفرات هي من ضروريّات الوظيفة، وأنّ أحدًا لم يطلب منّي ساعات إضافيّة مجّانيّة كي أعتبرها تعويضًا عن التغيّب!
لأختبر كيف أنّ نشر صورتي مبتسمة على مواقع التواصل يكفي، فلا يعرف آلاف الأصدقاء من عالم الافتراض أنّني تحت تأثير المسكّنات!
لترافق مرحلة استشفائي أصوات الأنين، وأوجاع المنازعين!
لأستعيد معرفتي بضحالة الشهرة المخادِعة، وهباء المراكز الآنيّة، وهشاشة الإنسان المملوء قيئًا وقيحًا وخراء وبَوْلًا ومخاطًا وضراطًا وبلغمًا، والممتلئ كذلك حبًّا وصلاة وشعرًا وضحكًا وبكاءً وموسيقى ورقصًا ورسمًا... 
نعم، كان يجب أن أقع لتقع بوقوعي أقنعة كثيرة، أوّلها ما وضعته الأيّامُ على بصري وبصيرتي، فمنعتْ عنّي الرؤية بدل أن تمنع الآخرين عن رؤيتي: فلم أر أنّ الأنانيّين متشابهون (رجالًا ونساء ومن مختلف فئات الدم والأبراج)، وأنّ الناس لا يتغيّرون (مهما ادّعوا وحاولوا)، وأنّ الإنسان حين يقع يقع وحده ولو كثر مسعفوه وعُوّاده!
نعم! كان يجب أن أقع، فثمّة دائمًا مكانٌ لجرح جديد، غير ذاك الذي خاطه الطبيب ورآه الناس! 

الجمعة، 23 مارس 2018

الريحانيّة ومخاض الولادة الثانية








     تولد رعيّة الريحانية اليوم من رحم ذاتها. تخرج إلى الحياة الجديدة بين هرج المشاريع ومرج المعترضين، تصرخ موجوعة من عبورها إلى بركة الحركة، بعدما كانت آمنة في حضن واد ساكن هادئ، لكنّها، ككلّ مولود جديد، تأخذ نفسًا وتقرّر المضيّ في الحياة. فهذا قدر أبنائها مذ انطلقوا في مغامرتهم الرعويّة بلا مال أو عقار، فأثبتوا أنّ إيمانهم صلب، وعزيمتهم لا تلين، وكنيستهم صخرة بكر، وصدرهم رحب.
    وككلّ ولادة، لا يخلو الأمر من ألم الانعتاق، لكنْ، مصحوبًا برجاء الانطلاق في مغامرة الاكتشاف! ومن حنينٍ إلى طمأنينة التقوقع، لكنْ، مطعّمًا بتوق إلى دهشة الاختبار!
    لهذا فلا يجتمع اليوم اثنان من أبناء البلدة إلّا وكان ثالثهما حديث الرعيّة والكنيسة - والخوري في طبيعة الحال-. وبين الاثنين، ثمّة واحد مهلّل للولادة، مستبشر بها، مهنّئ بسلامة الانطلاق، وواحد لا يوافقه الرأي ولا يشاركه الشعور، غير راضٍ عمّا يجري.
   هي طبيعة الأمور حتمًا. لكن حين أنظر وأنا غير المعنيّة مباشرة بالمسألة لكوني من غير الملتزمات والملتزمين، إلى العذارى الخمس الحكيمات يباركن خطوات التجديد، ومشاريع التوسّع، أطمئنّ إلى مستقبل الرعيّة. فجنفياف وناديا وأولغا وليلي وسيمون، الساهرات منذ تفتّح وعيّ كلّ منهنّ على الكنيسة، لن يقبلن للرعيّة بأن تكون منقسمة بين التقليد والتجديد، ولا أن تصير مشرذمة بين ساكنيها الأوائل والجدد الوافدين إليها، ولا أن تضربها رياح التفتّت، فيتفرّق بناتها وأبناؤها.
   العذارى الحكيمات يعرفن أنّ الحكمة ليست شعارًا، ولا عنوانًا، ولا مشروعًا واحدًا يتيمًا. بل هي العمل في صمت الخشوع، والشجاعة في قبول التغيير كما فعل الرسل الأوائل، والالتزام اليوميّ برسالة الكنيسة، بلا ادّعاء ولا مكاسب، والمحبّة التي تتّسع للجميع.
   لذلك، حين لبّيت دعوة الرعيّة للاستماع إلى ريسيتال في مناسبة عيد الأمّ، شاهدت كيف تراقب العذارى الحكيمات الحاضرات الأولاد والشبّان الذين يغنّون، وكلّهم من غير أبناء البلدة الأصيلين، أي من غير عائلات الحلو وبو لحّود والقصّيفي. كان في حضورهنّ ما يعطي شرعيّة لهذا التزاوج المشروع والمطلوب والطبيعيّ بين فئات الناس، فلا تبقى الرعيّة حكرًا على طبقة، أو عائلة، أو شارع، أو بناية...
    لم يكن أداء الأولاد محترفًا، ولم يدّعِ أحد أنّه سيكون كذلك. لكن من يعمل مع الأولاد الهواة، يعرف مقدار الفرح الذي يشيع في النفوس حين يغامر طفل بالعزف، أو حين تبادر طفلة إلى الترنيم. ففي وقوفهم أمام الناس، في تلك المناسبة المفعمة بالمشاعر، كان ثمّة كمّ هائل من الشجاعة والثقة والحبّ والفرح، وما المسيحيّة من دون كلّ ذلك؟
    نعم، الولادة الثانية انطلقت، انطلقت في هذا الجوّ الموسيقيّ البريء والعفويّ، وأهل الريحانيّة الذين بنوا الكنيسة بسواعدهم وأموالهم القليلة، كانوا شاهدين على هذه الولادة، فرحين بها، يباركها الراحلون منهم من عليائهم، ويدعون الأحياء إلى التهليل لها والاحتفاء بها، إذ ليس كالأموات الراحلين من يعرف قيمة الحياة ووجوب تجدّدها!

عن موت إميلي نصرالله وحياتها


1- رحلت إميلي نصرالله في الزمن الغلط. رحلت في موسم انتخابيّ قبيح لا تتّسع مهرجاناته ولقاءاته للحديث عنها. في زمن قحط إعلاميّ لا يلتفت إلى خبر غيابها إلّا على عجل وفي نهاية النشرة، ولا يواكب مراسم الدفن أو يسجّل لحظاته المؤثّرة. في عصر انحطاط ثقافيّ غابت عنه الصفحات الثقافيّة التي كان على أعمدتها أن تنحني احترامًا لدورها وعطائها.

ماتت إميلي نصرالله، لكن ليس قبل أن تحيا الحياة التي تشرّف الحياة.




2- غاب عن مأتم الست إميلي فلّاحون كانت منهم، وبقيت منهم. وغابت طيور انطلق مع أجنحتها حسّ روائيّ نقيّ صادق أصيل. وغابت أزهار حقول عشقتها لتحضر أكاليل، أين منها ورود زيّنت زوايا بيتها الذي هُجّرت منه، فأمرضها التهجير بعدما جرح قلبها غياب زوجها.

وعن هذا المأتم قالوا: شيّعت زحلة اليوم... - نعم، فقط زحلة - وليس لبنان كلّه، وليس عالم اللغة العربيّة كلّه... وليس عالم الأدب الذي ترجمت كتبها إليه..



3- أجمل ما كتبته إميلي نصرالله حياتها مع زوجها فيليب. حين التقيتها، وكان مريضًا، بدت كمن يعاني من نقص ما، أو كأنّها تائهة في عالم مخيف، أو كعاشقة مشتاقة حائرة تستعجل لحظة اللقاء به عائدًا من مرضه لتخبره تفاصيل يومها ومجريات الأحداث.

أعتقد أنّ الاستقرار العاطفيّ والعائليّ الذي عرفته مع الزوج / الحبيب هو ما أشاع الاتّزان والثبات في مسيرتها الأدبيّة. لكأنّ فيليب هو قريتها الكفير، وهو الأب والأم والأخوة، وهو الأرض المعطاء، وهو البيت الآمن، وهو الكلمة التي تولد منها روايات وقصص وقصائد ومقالات... وهو الرجل الذي تكتمل به المرأة بلا خوف على أنوثتها أو موهبتها...



4- ينتهي هذا اليوم، يوم عيد الأمّهات، وتخفّ وتيرة المعايدات، لكنّ وجه إميلي نصرالله، "أمّ الرواية اللبنانيّة" كما وصفتها صحيفة الأخبار اللبنانيّة، يعاند عتمة الليل، ورهبة الموت، فتشرق ابتسامتها من خلف حجاب الغياب، مضيئة باهرة.
كيف نعلّم أنفسنا أنّ الأمومة ليست احتفاليّة يوم في السنة، وأنّ الرحيل ليس موضوعًا صحافيًّا يُكتب وينشر إتمامًا لواجب، وأنّ الكتابة عمّن نقدّرهم ونحبّهم ليست موضة مرهونة بموسم أو مرتبطة بروزنامة، وأنّ تكريم المبدعين ليس فورة انفعاليّة، آنيّة، عشوائيّة، تنتهي لحظة يموت مبدع آخر؟
إميلي نصرالله! سنبحث عن أناقتك حين تجرح عيونَنا رداءةُ ما صارت ترتديه النساء، وعن تهذيبك حين تؤذي سمعَنا وقاحةُ مدّعيّات الجرأة، وعن جرأتك حين تصدمنا ادّعاءاتُ مسترجلاتٍ زحفطونيّاتٍ مزيّفات، وعن تواضعِك حين تشرئبّ أعناق شويعرات صغيرات لاهثات خلف الشهرة، وعن صلابة الفلّاحة التي فيك حين تثير اشمئزازَنا ميوعةُ اللواتي والذين يأنفون من ذكر القرية ويتعالون على ملمس التراب، وعن لغتك السليمة الصافية النقيّة الصادقة حين تبدو كلمات الآخرين ثرثراتٍ ترهق النفس.

لوحة ونصّ


الخميس، 22 مارس 2018

علّمني التعليم (في مناسبة عيد المعلّم) - 2010

هند أبي اللمع
 المعلّمة في مسلسل "المعلّمة والأستاذ" مع ابراهيم مرعشلي
1

علّمني التعليم أنّ الرجال ينقرضون في المدارس، وأنّ العنصر النسائيّ هو الطاغي مع ما يتركه ذلك من آثار نفسيّة وتربويّة على المتعلّمين، وأنّ عيد المعلّم سيكون قريبًا عيد المعلّمة.

*****
2

علّمني التعليم أنّ المثل القائل: "طعمي التم بتستحي العين" صحيح مئة في المئة. فالمدرسة التي تضطهد المعلّم وتهينه في شخصه وراتبه تسكته بوليمة طعام في مناسبة عيد المعلّم قبل أن تصرفه في آخر السنة. وبعد ذلك، كان الله يحبّ المحسنين، وكلّ عام والتعليم بألف صحّة وعافية.

*****
3

علّمني التعليم الصبر. لا على التلاميذ ولا على أهاليهم ولا على إدارات المدارس فحسب، بل على صندوق التعويضات. فأنا لا أستطيع أن أقبض قرشًا من تعويضي ما لم أتمّ السنة الخامسة والعشرين في التعليم من دون توقّف أو انقطاع. وبناء عليه، عليّ أن أبقى معلّمة حتّى اللحظة الأخيرة، ولا يهمّ إن علّمت رغمًا عنّي أو بطريقة لا علاقة لها بالتربية. المهمّ أن أدخل الصفّ وأحافظ على الحدّ الأدنى من الانضباط فيه ثمّ أخرج من دون أن أرتكب جريمة. وإن لم أحتمل ذلك فعليّ أن أصاب بمرض يعوقني عن التعليم (كأنّ القرف ليس مرضًا!) أو أن أتزوّج ( هل الزواج في هذه الحالة عقاب أم مكافأة؟) وما عدا ذلك رجس من أعمال الشيطان.

*****
4

علّمني التعليم أنّ أهالي التلامذة زبائن محقّون إن كانوا أثرياء، ومتسوّلون مزعجون إن كانوا فقراء، وأنّ المعلّمين موظّفون همّهم أن يبقوا في أماكن عملهم في عصر الصرف التعسّفي وصروف الدهر المتعسّفة، وأنّ المتعلّمين ضحايا كفئران المختبرات.

*****
5

علّمني التعليم أنّ الكاميرا أحسن حلّ لمختلف المشاكل التربويّة:  يتدافع التلامذة، تصدر ضجّة، يغشّ ولد في الامتحان، يهمل معلّم عمله، تتّسخ الحمّامات فتوزّع الكاميرات في كلّ مكان للقبض على الفاعلين. وبناء عليه لا داعي لحوار أو حديث أو تربية. فكاميرا العين الساهرة ترصد المشبوهين وغير المشبوهين، ويتحوّل الجميع ممثّلين يبتسمون بغباء للكاميرات. وغدًا حين تزرع أجهزة التنصّت في أروقة المدارس سيحلّ الصمت التام، وبعد غد حين يتطوّر العلم وتقرأ الآلة ما في الأفكار والقلوب سيسود الغباء.

*****
6

علّمني التعليم أنّ أهمّ موظّفَين في المؤسّسات التربويّة هما المسؤول الماليّ ومسؤول العلاقات العامّة.

*****
7

علّمني التعليم أنّ الفرق بين مدرسة تحت السنديانة والمدرسة الحديثة هو اللوح.
*****

8

علّمني التعليم أنّ استيراد المناهج المعلّبة ولو لم تعد صالحة للاستعمال في بلد المنشأ أسهل من التفكير في مناهج تلائم تلاميذنا، وأنّ المدارس أفضل مكان للثرثرة والنميمة ولكن...بشهادة معترف بها عالميًّا.

*****
9

علّمني التعليم أنّ تأليف الكتب المدرسيّة وكتب المطالعة الموجّهة والدروس الخصوصيّة مصدر سريع للكسب في بلد لا رقيب فيه ولا حسيب ولا ضمير.
*****

10

علّمني التعليم أنّ المعلّم يطلب من تلاميذه أن يعبّروا في حصّة التعبير والتأليف عن آرائهم بينما هو لا يجرؤ على التعبير عن رأيه، ويطلب منهم أن يفكّروا بمنطق في حصّة الرياضيّات وهو يؤمن بأنّ المنطق الوحيد السائد هو أنّ الفاجر يأكل مال التاجر.
*****

11

علّمني التعليم أنّ أكثر المدارس واجهات جميلة مزيّنة تخفي خلف لمعان زجاجها تلاميذ منوّمين ومعلّمين خائفين ومديرين غافلين.
*****

12

علّمني التعليم أنّنا شعب لا يفهم من أمور التربية إلّا تربية المواشي والدواجن ودود القزّ. وكلّ ما فعلناه حين انتقلنا إلى تربية الأولاد هو أنّنا استبدلنا "التلقيم" بـ"التلقين".

*****
13

علّمني التعليم أنّني لا أصلح للتعليم لأنّني لا أشبه أيًّا من القردة الثلاث السعيدة الذِكر: فلم أسدّ أذنيّ، ولم أغلق عينيّ، وبالتأكيد لم أقفل فمي.


صحيفة "النهار - الثلاثاء 9 آذار 2010

الاثنين، 19 مارس 2018

في مديح البنوّة (2016)


لا عيد للأبناء الصالحين، ولا احتفال بالأبناء البررة! هناك فقط أعياد للجدّين والأبوين... والطفل!
أمّا ذاك الإنسان الذي يمضي حياته ابنًا صالحًا أو ابنة وفيّة، فلا مكان له على روزنامة المناسبات، كأنّ الذاكرة الجماعيّة عاجزة عن الخروج من أسر منظومة عاطفيّة متوارثة، لا تقبل بدور جديد على مسرح العلاقات العائليّة.
فالطفل بريء من الدنس، والأمّ نبع الحنان، والأب مثال العطاء، والجدّان حاضنا الطفولة، والمعلّم شمعة تضيء لتنير درب الأجيال... ولكن ماذا عن الأبناء والبنات الذين ما إن يقسو عودهم حتّى يصيروا هم الأهل فيحملون مسؤوليّة والديهم بمحبّة نادرة، وعطاء مجّانيّ، وامّحاء كليّ؟
        يتناقل الناس قصصًا وأفلامًا عن الأبناء الذين يغضبون على أهلهم، ولا يصبرون على أمراض شيخوختهم، ولا يحتملون ما آلت إليه أوضاع والديهم. ولا أذكر أنّني قرأت أو سمعت ما يخفّف من قسوة الأحكام على هؤلاء الأبناء. فماذا لو رأينا – ما عدا في الحالات الشاذّة المتطرّفة – في البنوّة قداسة توازي الأمومة والأبوّة أو تفوقها؟
        فحين تصبر الأمّ على أخطاء طفلها وتعلّمه فلأنّها ترى فيه مستقبلًا واعدًا جميلًا، بينما حين يغضب الابن على خرف أمّه وكثرة أسئلتها فلأنّه يرى النهاية القريبة ويرفض تقبّلها.
        وحين تبدّل الأمّ حفاض طفلها، تناغيه وتداعبه وهي تفكّر في أنّه عمّا قريب سيكبر ويتعلّم أين يقضي حاجته وكيف، ولكن حين تبدّل الابنة حفاض والدها تبكي بحرقة لأنّها تشعر بحيائه أمامها ورفضه ما آلت إليه أوضاعه، ولأنّها تعي أنّ الأمر سيزداد سوءًا.
        فالوالدان يريان المستقبل المشرق، ولو كان ولدهما مريضًا، فسيتمدّان من هذه الصورة الأمل والقوّة، لكنّ الأولاد يرون في ما يصيب أهلهم من أمراض ذهنيّة وجسديّة نهاية حتميّة، نهاية حتميّة لما كان عليه الأهل ولن يعود إلى سابق عهده.
        فضلًا عن ذلك، لا ضمان شيخوخة ولا أمان واستقرار للعجزة (ولا للبلد كلّه)، ما يعني أنّ مسؤوليّة الأهل تقع على الأبناء: أدوية، مستشفيات، وسائل ترفيه وتسلية، حفظ كرامة، وذلك ليس سهلًا إلّا على الأثرياء. ومع اختفاء الطبقة الوسطى، وتحوّل أكثر الشعب اللبنانيّ إلى خانة الفقر والعوز، بات الأبناء الذين يعتنون بأهلهم - وخصوصًا إن صار الأبناء أرباب عائلات أيضًا - حاملين أضعاف أضعاف ما يمكن للمرء أن يتحمّله، ورازحين تحت ثقل الحياة العامّة والمعاناة الخاصّة. من دون أن ننسى أنّ ثمّة أبناء اعتنوا بأهلهم لسنين تفوق بكثير عدد السنوات التي اهتمّ فيها أهلهم بهم، وعاملوهم أفضل بكثير ممّا عوملوا به.
***
        يوم كان الناس في القرى محاطين بالأهل والجيران، لم يشكّل العجزة عبئًا. وزمن كانت الطبيعة ملعب الأطفال ومنتزه الشيوخ، لم يكن التقدّم في السنّ أزمة. وكان "يللي ما عندو كبير يشتري كبير" لكي يتعلّم منه الحكمة والمحبّة. أمّا اليوم، فالتقوقع في الشقق الصغيرة والبيوت الضيّقة يطبق على صدور الجميع، والطبيعة التي أضحت مكبًّا للنفايات غاب عنها أطفال كبروا على غفلة، وحُرم منها كبار تُضيّق البرامج التلفزيونيّة السخيفة عقولهم وتُصغّرها.

        لعلّنا، نحن الأبناء الذين تصحّ علينا صفة البنوّة، في حاجة إلى الفخر بأنفسنا وتقدير عطاءاتنا. فلا شكّ في أنّ الأمومة رائعة، لكنّها ليست رائعة إلّا لأنّها نجحت في تربية أولاد رائعين، والأبوّة عظيمة، لكنّها لا تكون عظيمة إلّا لأنّها خلّفت وراءها أبناء عظماء، لذلك فالبنوّة، هذه البنوّة، رائعة وعظيمة، وتستحقّ أن تسامح نفسها على تُهم التقصير والجحود التي ألصقت بها، ويليق بها أن تحتفل بنفسها وهي تتطهّر من عقد الذنوب التي لم ترتكبها.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.