السبت، 8 يوليو 2017

من يوميّات الفيسبوك - 8 تمّوز

عن مدوّنة الصديق الدكتور جمال السيّد

2012
قالت لي المرآة: قد لا تكونين مسؤولة عن شرارة الحبّ الأولى، لكنّك قطعًا تتحمّلين مسؤوليّة انتشار نارها إن تركتها تأكل الأخضر واليابس!
***
صلاة الأحد:
رائع أنت أيّها المسيح!
مستعدّ دائمًا أن تصل إلينا ولو اضطررت إلى عبور دروب قذرة.
وغالبًا ما تلبس هذه الدروب ثوب الكهنوت ... الأسود كي لا تظهر عليه الأوساخ!
أعطنا يا ربّ أن نفهم أنّ كلّ واحد منّا هو الكنيسة!
***
أعلن جايم غارسيا شقيق الروائي والصحافي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (85 عاماً) إصابة الأخير بالخرف.
الآن سيكمل مئة عام من العزلة ... وهو لا يدري!
***
حدثوني قالوا: "في احدى المرات استدعت مريضة الدكتور انطوان الشامي وبعد ان عاينها قال لها: "الصحة جيدة"، فأجابته: "يا حكيم لا بسمع ولا بقشع"، فأجابها: "خليكي هيك، لا تسمعي ولا تقشعي والا بتموتي".
***
مش مهمّ الوقت
بيكْفي إنّي كنت 
كلّ شي ل إلكْ
مش مهمّ القصّة خلصتْ
مش مهمّ تبقى ع طول
أنا هلأ بعرف إنّك
حبّيتْ وما كنت تقول
ما كان بدّك حدا يحبّك
ولا بدّك إنت تحبّ
بدّك تهرب ت ما قلّك:
مش مهم الوقت
بيكفي إنّي كنت 
كلّ شي ل إلك
***
كلّما قرأت خبرًا عن مصر استعدت مقالة لي في 1 شباط 2011، هذه خاتمتها:
إن تشبيه الثورات بتفجّر المياه التي لا نعلم متى تنبثق من الأرض ولا 
كيف تشقّ طريقها ما بين الصخور صحيح. غير أنّ المياه المتفجّرة التي لا تجد سدودًا تحفظها لمواسم القحط والجفاف، أو قنوات تقودها إلى الأرض المزروعة العطشى تذهب إلى البحر أو تغور في الأرض أو تُغرق الناس. لهذا من حقّنا أن نتساءل: ألن تتحوّل الشوارع الثائرة بؤراً للنزاعات الضيّقة متى تخلّصت من رموز الفساد؟ وهل النظام الإصلاحيّ البديل جاهز للتطبيق متى رحل الحكّام الطغاة أم ستنتظر البلاد المستفيقة من عزّ نومها أشهراً وسنوات قبل إيجاد البدائل، ما يتركها ساحة واسعة للأصوليّة والتعصّب والفوضى؟ وهل تملك الشعوب العربيّة الوعي الكافي كي لا تتحوّل "الثورة" التي يفتخر الناس بها صراعات طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة وطبقيّة؟ ألا يمكن، في غياب أهل الوعي والعلم والمعرفة والفكر المستنير، أن يتحوّل الشعب قطيعاً هائجاً يسرع نحو الجرف وهو مطمئنّ إلى أنّه يهرب من الخطر؟
أراقب المشاهد التي تنقلها وسائل الإعلام من تونس ومصر ولبنان والجزائر وفلسطين والأردن واليمن وأحاول أن أرى الرابط المتين الذي يجمع ما بين هؤلاء الناس الغاضبين فلا أجد سوى خيط واه يشدّهم إلى حلم التغيير من دون أن يمتلكوا وسائل تمتين الخيط أو تحقيق الحلم. قد يقول قائل: أن تأتي الثورة متأخّرة خير من ألاّ تأتي أبداً، وأن تتفجّر المياه ويذهب أكثرها هدراً أفضل من الموت عطشاً. لكنّ الخوف، كلّ الخوف، هو أن نكتشف لحظة بعد لحظة أنّنا نلهث خلف وهْم ثورة وسراب ماء، وعند ذلك لن يكون أمامنا إلاّ الاختباء خجلاً في قمقم مختوم بختم اللعنة التي أنزلتها بنا السماء التي كفرنا بنعمها والتمنّي ألاّ يجدنا أحد... هذا إن بقي بيننا من يشعر ويخجل!
***
2014
قبل أن نصل إلى تحديد معنى الوطن، فلنتذكّر:
الأمومة ليست بطنًا ومطبخًا
الأبوّة ليست نظام حراسة
الزواج ليس نهاية
الأخوّة ليست مصرفًا
الصداقة ليست افتراضًا
الحبّ ليس غزلًا
العمل ليس عقابًا
البيت ليس متحفًا
العائلة ليست تعايشًا
الفنّ ليس تجارة
التجارة ليست نهبًا
الأرض ليست سلعة
الكرامة ليست ترفًا
الحريّة ليست هبة
الشِعر ليس مهنة
التعليم ليس وظيفة
الصحافة ليست عهرًا
الطبابة ليست رداء
الدين ليس طقوسًا
السياسة ليست غاية 
الجسد ليس عورة
المتعة ليست حَرامًا
الحياة ليست لعبة
الموت ليس هدفًا
أمّا الوطن فحبيبٌ نثق أنّ حضنَه حصنٌ آمن
***
المسيحيّون اللبنانيّون
سبقوا الجميع وغنّوا لفلسطين والقدس والجنوب وسوريا
الرحابنة أنشدوا الرجوع إلى الأرض السليبة
وديع الصافي غنّى للبيت الصامد بالجنوب، من كلمات أسعد سابا
سعيد عقل كتب: شآم ما المجد؟ أنتِ المجد لم يغب 
ولن يعود الشرق مُشرقًا إلّا متى استردّ المسيحيّون دورَهم المقاوم!
***

كيف أغفو وأنا لا أعرف بعدُ عددَ الأزرار في قميصك الأزرق؟
***
أطالبك بسحب لايكاتك عن صفحتي
فأنا أرغب في قطع العلاقة مع غيابك
***
يا صديقي الثورجي 
كيف بدّك تعمل ثورة وإنت بتخاف حدا يشوفك مع البنت يللي بتحبّا
وناوي تعمل وطن وإنت ما تعلّمت تلمّ تيابك الوسخين عن الأرض
ومقرّر تغيّر الحكم وإنت ما قدرت تغيّر رأي إمّك بصاحبتك 
ومصرّ إنّك بتفهم بسياسة البلد والعالم ومش ضاهر برّات منطقتك
وبتأكّد إنّك ما بتخاف إلّا من الله يللي خلقك بس بتخاف من مرتك تعرف إنّك مش طايق شكلا
ويا صديقتي الثورجيّة
كيف بدّك تعملي ثورة وإنت مصاحبة واحد ت يصرف عليكي
وع بالك تنزلي ع الشارع بمظاهرة وبراسك إنّو يا ريت المحلّات بتكون فاتحة ت تشتري كم غرض
وحابّة تشاركي بتغيير الوضع بس ما بتطيقي تشاركي بدفع الفاتورة بالمطعم
وبدّك تحكي بالسياسة بس ناطرة ت تشوفي بأيّا حزب رح يستقرّ صديقك الجديد
ومصرّة تدلي بدلوك ببير النظام العالميّ وإنت ولا مرّة حملتي دلو أو سطل ولا مرّة شايفة بير
يا أصحابي الثورجيي من كلّ الفئات الشعبيّه، ما بتمشي الثورة مع البرونزاج والريجيم والأركيلة والحجاب والصليب والتشفيط بالسيّارة وشفط الدهون، وما فيكن تعملو ثورة ونصّكن مفكّر إنّو الثورة هيي مدامتو للثور، والنصّ التاني ما بيعرف يلفظ حرف "الثاء"... ما بتظبط
وما فيكن تعملو ثورة إذا ع عيد الاستقلال الناس بتفرش السجّاد، ويوم الاعتصام الناس بتروح ع البحر صيفًا وع التلج شتاء، ويوم الإضراب بتعجق بالمولات والمطاعم...
وما فيكن تعملو ثورة برمضان ولا ع عيد الميلاد ولا على عاشورا ولا ع عيد الكبير ولا وقت الأخبار ولا وقت المسلسل، ولا بالبرد ولا بالشوب، ولا بالعجقة ولا بموسم المدارس والتنزيلات...
عملو حيّالا شي بس يا ريت ما يكون إسمو ثورة، لأنّو الثورة مفروض أوّل شي ما يكون إلها علاقة بالدين
يعني اخترعتو الحرف والتبّوله، ما فيكن تخترعو إسم لهالشي يللي ناوين تعملو؟
***

2015

(في ذكرى أربعين ابن عمّي جورج عزيز القصّيفي)
ع الأربعين 
تأكّدْ غيابَكْ
وصار بدّها تفلّ 
ريحةْ تيابَكْ
وقمصانَكْ اللي خايفه 
تصفّرْ
كلّ يوم الصبح 
عم تنغسل بالدمع
وبتنكوى بالليل 
بنَهدات أحبابك

باب الكنيسة 

عنّْ يوم الحَدّ
لِمّنْ عِرفْ 
إنّك رِحتْ عن جدّ
وصِرتْ قربانه 
ومسبحه 
وصوره
وصوت عم بيفوح 
مع نفحةْ البخّور
ودمع كارجْ 
ع الهدا ع الخدّ

مرتَك 

بناتَك 
لوعةْ الخيّاتْ
الإخوة، عمامَكْ 
وشيبةْ الْخالات
وحرقةْ قلبْ عمّاتك 
ع لهفتكْ لَيْهُنْ...
كلّن سوا  
لمّن طِلِعْ صوتَكْ
شافوك ع المدبحْ
عم بترتّبْ الورداتْ

موتَكْ شو خلّا الموتْ 

هالقدّّي قريب
متل الكأنّك رحتْ
تَ يبطِّلْ غريبْ
صرتو كتارْ كتارْ
بِهَيديكْ الدني
وهالدني صارتْ 
كمشةْ ترابْ
بيخلق عليها الفجر
وبقلبو المغيب

الجمعة، 7 يوليو 2017

يوميّات الفيسبوك 7 تمّوز


هديّة من صديق

2010
الجار قبل الدار، ويا جار الرضا، وجارك القريب ولاّ خيّك البعيد، والجار جار ولو جار، كلّها شعارات تسقط في الصيف، ويصير جارك ساكنًا بنصّ دارك، وجار الإزعاج والصخب والسهرات حتى الفجر،
(من مقالتي في النهار بعنوان قل لي من هم جيرانك أخبرك كيف هي حياتك) الثلثاء 6 تمّوز
***

2012
ماضيّ هو التربةُ التي ينمو فيها جذعُ الحاضر الواعدُ بأغصان للمستقبل،
والألمُ الذي عرفته فيه سمادٌ طبيعيّ يعطي ثمارًا شهيّة لمن لا يستعجل قطف الجنى!
***
ارتدي عطرك غلالة نومي... ولا أنام
***
معقول إنت تقول
بتحبّني؟
وجنّ الهوى ببالي
وما عدت أعرفْ
انكنّي صرتْ إنت
أو بَعدني حالي؟
***

2013
صلاة يوم الأحد:
أشكرك اللهمّ
لأنّك أظهرت لي أنّ كثرة الأنبياء والرسل عندنا، دون سوانا، ليست دليل قداستنا بل علامة على أنّنا شعب غبيّ عاهر لا يفهم من الدرس الأوّل،
ولأنّك أوضحت لي أنّنا لا نغفر لمن خطئ وأساء إلينا بل نقتل بدم بارد من لا خطيئة عليه ولا ذنب له،
ولأنّك أفهمتني أنّ المسيح الذي لبس ثوبًا فاخرًا اقترع عليه جنود الصلب هو الذي خلع رداءه ليغسل أرجل تلاميذه،
ولأنّك علّمتني أنّنا لا نقرب الصلاة ونحن سكارى من الخمرة بل من دم من يخالفنا الرأي،
ولأنّك بيّنت لي أنّنا لا نأكل لحم الخنزير بل قلب إنسان لا نعرف كيف احتملت أمّا القاتل والقتيل الخبر الموثّق بالصورة،
ولأنّك طمئنتني إلى أنّك تحبّ، أيّام الجُمع والآحاد تحديدًا، هلوسات الشعراء والفنّانين والعشّاق المجانين أكثر ممّا تحبّ عظات رجال الدين!
آمين
***
لا يعرف التراب ما الذي يوجعه أكثر:
نحيب الموتى تحته أم رقصة الموت فوقه!
***
قالت قميص النوم لهواء الجبل: ليس الآن! لم يصل حبيبي بعد!
***

2014
حين كان رجل يقول لي إنٌه يحبّني، كنت أسأله إن كان يمكنه أن يشبه المسيح، فيترك أمٌه ويتبعني، ويغفر للخاطئة ماضيها، ويبلسم جراح الوجع، ويتحدّى المجتمع، ويلعب بالتراب، ويلاعب الكلمات، ويتلاعب بالشياطين، و"بيحبّ الكاس"، وبيحبّ الناس، ويرتدي الشجاعة قميصًا غير مخيط، ويتعطّر بأريج الزيتون، ويمشي على مياه راكدة فترقص الحياة في أحشائها، ويعربش على صليب الألم ويمدّ ذراعيه ليحضن العالم، فيصير عود الحطب شجرة...
وقبل أن أتابع، كان الرجل ينتحر بجرعة زائدة من الخوف، وهو لا يرى فيّ إلّا جلجلة عذاب وقبرًا لعهده القديم.
وحدك أتيت ممسوحًا بميرون القيامة، لتكون أيقوننتي.
***
دعنا نغرقُ في الضحك
قبل أن يجرفَنا سيلُ الدموع

أمس قالت لي الشاعرة والأديبة Marie Kossaifi
أنت لست شاعرا يا نهيد ، أنت عاشق .
حين لا ننبض شعرا
ونتعرَّقُ شعرا
وتَنْتَأ من خَواصّنا قصيدةٌ ما ،
وحين لا نرسم العالمَ على صورة شوقنا ومثاله ،
حين لا نقُصُّ على جنينٍ حكايةَ قبلةٍ
وننبئُه إنّ الثديَ نهدا يصير
وعلى قمّة الحلمات ربٌ يفصِلُ بين الانسان وحيوانه ، داجنا كان أم برّياً .
ماذا نكون ؟
ماذا نكون .
أنا العاشق الابد ست ماري .
***

2015
بس تمسك إيدي بتنكتب أجمل قصيدة حبّ



الخميس، 6 يوليو 2017

علبة الحلوى، علبة الصور (1)


علبة الحلوى هذه (البسكويت تحديدًا بحسب ذاكرة إمّي) لم نستطع التخلّي عنها على الرغم من الصدأ الذي بتنا نراه زينة لوجهها العتيق، علبة الحلوى هذه صارت علبة صور وبطاقات بريديّة تحيي الموتى وتجدّد عهد الفرح.
هذا بعض ما فيها:
بطاقة بريد من يوسف مشلب المهاجر إلى البرازيل إلى جدّتي والدة أمّي "إم سليم"

بطاقة بريد من يوسف مشلب إلى ابن أخته خالي سليم مشلب


بطاقة بريد من يوسف مشلب إلى والدتي سعاد
لا يذكر والدي (طانوس) لماذا كان يريد رسم عبد الناصر
ولماذا طلبه من خال زوجته المسافر إلى البرازيل
بطاقة بريد من يوسف مشلب إلى جدّي "أبو سليم"

بطاقة من صديق أردنيّ إلى جارنا الذي كان في الجيش (لا أعرف كيف وصلت إلى علبتنا)

بطاقة بريد من مهندسين من بلغراد كانوا يعملون في لبنان واستأجروا منزلا قرب بيتنا، أذكر منهم
دانيال وندى اللذين اصطحباني، طفلة، في أوّل مشوار إلى البحر
وأهدياني أنا وشقيقتي دميتين لا تزالان عندنا

الأربعاء، 28 يونيو 2017

سمير غصن و REAL HIKERS TEAM



    
  الصداقة الفيسبوكيّة التي جمعتني بأستاذ الفلسفة سمير غصن، لم يكن الدافع إليها الزمالة في مهنة التعليم، ولا لايكات يضعها كلّ منّا على شذرات وتعليقات يكتبها الآخر، لكنّي أفترض أنّ الدافع إليها والإصرار عليها هو علاقة تربطنا معًا بطبيعة لبنان عمومًا، وبوادي قنّوبين تحديدًا، الوادي المقدّس الذي سمع كلّ واحد منّا، أنا والأستاذ سمير، أصوات ناسه ونسّاكه، فأصغى إليها وتبعها: هو على دروب الوادي، وأنا فوق الأسطر.
     أسباب كثيرة أعاقت انضمامي إلى سمير غصن ورفاق دربه، وأكثرهم من تلاميذه، فلم تسمح لي الفرصة لمرافقتهم، لكن مشوارهم الأخير من "شربل بقاعكفرا إلى شربل عنّايا" جعلت في الإمكان أن نلتقي أمام دير مار مارون. قبل ذلك، لم أحسم قراري بالكتابة عن مغامرة المشي والتسلّق هذه، كنت أنتظر الفرصة كي أرى وجوه هؤلاء المغامرين، وأستمع إلى أصواتهم الهازجة وهم يحقّقون الهدف، ويصلون إلى مبتاغهم؛ كي أشهد على تعبهم وفرحهم، على روابط تجمعهم، لا علاقة لها بدين أو طائفة أو عمر. وهذا ما حصل حين انضممنا إليهم، أنا وأفراد عائلتي، مع اقتراب وصولهم إلى محبسة القدّيس شربل.
    بعيدًا عن المنحى الروحيّ لرحلة الحجّ هذه، المنطلقة من أعلى قرية مأهولة في لبنان، بقاعكفرا مسقط رأس قدّيس لبنان، أجد في ما يقوم به سمير غصن وفريقه ما يتخطّى الزيارات الدينيّة التي يقوم بها آخرون: سيرًا على الأقدام أو بالحافلات. ثمّة في عملهم ما يعيد تجذّر الشباب بالتراب، وما يمنح أجنحتهم هواء نقيًّا، وما يغسل عيونهم وآذانهم وأرواحهم من بشاعات تغرّب الإنسان عن الإله فيه.
     وأكاد أجزم بأنّ سمير غصن الذي أخرج دروس الفلسفة من بين جدران الصفّ، يريد لهؤلاء الشبان والصبايا أن يعودوا إلى الأرض ولو لأيّام قليلة أو ساعات معدودات، وهو يعي تمامًا أنّ من سيختبر متعة هذه الرحلات لن ترتاح روحه بعد ذلك إلّا متى حمل جعبته على ظهره، وعصاه في يده، ومضى إلى حيث تناديه أصوات الذين عاشوا فوق هذه الأرض، وصارت خلاياهم حبّات من ترابها.
      حين وصل الفريق إلى عنّايا، بعد أيّام ثلاثة من المشي في الأحراش والجلول، بدت القيامة متوهّجة، وصخرة الموت تتدحرج ليولد مجتمع واعد، إذ بدا أعضاء الفريق، وهم يظهرون تباعًا بين جموع المصلّين والزائرين، رسلًا جددًا يحملون البشرى لهذه الأرض، أو فرسانًا غادروا مقاعدهم حول الطاولة المستديرة، ليعودوا بالكأس المقدّسة إليها.

     ولمّا ارتموا منهكين في باحة الدير، بدا شربل القدّيس بينهم، واحدًا منهم، تفوح منه رائحة عرقهم، وتختلج مشاعر فخرهم بإنجازهم في عروقه والشرايين، فيتجدّد عهد قداسته، بعدما سار مرّة ثانية على دربٍ قادته من قريته إلى صومعته.

     قد لا يعرف هؤلاء ماذا يفعلون، وقد لا يقدّرون أهميّة عبورهم في قرى وساحات يستقبلهم أهلها ويقدّمون لهم القهوة والماء، وقد لا يقرأ الناظرون إليهم هذه القراءة لمسيرتهم، لكنّ الأرض التي يثبون فوق شوكها وصخورها، ويقفزون فوق بركها، أو يخوضون في أنهارها، وينامون فوق ترابها، ويستظلّون بأشجارها من شمسها، ويسامرون قمرها، ويتدفأون من يباس حطبها، ويتسلّقون قممها، ويغوصون في روحانيّة وديانها... هذه الأرض تبارك خطواتهم، وتفرح لخبطات أقدامهم، وتسكر بنقاط عرقهم تروي عطشها.
     يوم الأحد، وبعد مسيرة ثلاثة أيّام، أنهى سمير غصن وفريقه رحلة الـ 60 كلم، في بلد لا يقدّم التسهيلات اللوجستيّة لأنشطة كهذه، ولا يدعمها، ولا يشجّع عليها، وهم يستعدّون اليوم لرحلة الأحد المقبل 2 تمّوز، على درب المحابس: حدث الجبّه، نيحا، حردين... وثمّة آحاد كثيرة مقبلة، وثمّة وجوه جديدة ستلوّحها شمس لبنان، وثمّة دروب لن تضجر من انتظار شبّاب غير عابئين بثلوج الشتاء وحرّ الصيف... ومع كلّ رحلة ينتصر أدونيس الحضارة والخصب على خنزير التخلّف والعجز...
     قد لا تسمح لي الظروف بالسير مع هذا الفريق، لكنّي أتمنّى لمن يرافقهم وينضمّ إليهم أن يحمل خطواتي معه ليزرعها في ذلك الوعر، وأن يقطف لي باقة من أزهار براريها، وأن يتزوّد لي وله بكمشة عطر وضوء.
     سمير غصن وفريق REAL HIKERS TEAM ، لأمثالكم كانت هذه الأرض وستبقى...

لمزيد من المعلومات، زوروا هذه المواقع:









 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.