الجمعة، 20 أبريل 2012

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (5)


فيلمون وهبي


الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(5)

مخّول الكبير ومخّول الزغير ولولو السويعتيّة
     في مسرحيّة "جبال الصوّان" يلعب فيلمون وهبي دور "نعّوم الهبيلة" الرجل الساذج الذي يصرخ بما لا يجرؤ الآخرون على الهمس به، وحين أجبره المحتلّون مع غيره من الناس على الاحتفاء بفاتك المتسلّط أعلن نعّوم أمام الحاكم المتباهي، أنّه ومن معه أُرغموا على المجيء، فيحاول المرافقون الاعتذار مبرّرين بأنّ نعّوم أهبل، فيقول لهم فاتك: وجايبين هبيله يرحّب فينا؟ فيردّ نعّوم: ليش اللي فيه عقل بيجي؟ وفي مشهد آخر، يعلن نعّوم حبّه لجميلة بالشعر والكلام المنظوم فتدهش جميلة وتتساءل: شاعر كمان؟ فيقول لها: فكرك حدا شاعر قدّ الهبيله؟ ثمّ تقول له إنّ الأعداء كثر وهم يراقبون الجميع، فيجيبها: الهبيله ما بيهمّو، فلتان من المراقبة.
يا إمّي دولبني الهوا

     وفي مسرحيّة "دواليب الهوا" تبدو شخصيّة مخّول بريئة إلى حدّ السذاجة وربّما ساذجة إلى حدّ البراءة، وعندما تعاتبه حلا (صباح) لأنّه قَبل بحرق القصب الذي يريدون تصنيعه في "دواليب الهوا" يعتذر ويلوم نفسه لأنّه اقتنع من "المجرمين" الحقيقيّين. ويقول: "تفو عليك يا مخّول الكبير، وتسلم تسلم يا مخّوا الزغير. وفي اسكتشات الرحابنة تتكرّر شخصيّتا مخّول وسبع كأنّ الرحبانيّين اكتشفا أنّ هذه الصورة (السذاجة) ضروريّة ليكتمل مشهد القرية كما عرفاها: المختار والناطور والسكّير والراعي والبيّاع...والهبيلة!
     يحكون في بعض القرى أنّ ثمّة عائلات مكتوب عليها أن يكون في جيل من أجيالها إمّا مجنون وإمّا ساذج بسيط. ويخبرون عن عشرات الشخصيّات التي ألهمت كبار المسرحيّين والممثّلين أدوارًا تعكس جنون واحد وبساطة تفكير آخر، وتكبّر صور غرابتهم واختلافهم، فيصيرون رموزًا يضعون على ألسنتها كلّ ما يريد المجتمع قوله أو الاعتراض عليه.
     كنّا صغارًا حين قرأنا مجموعة "قصص لبنانيّة" لكرم البستاني، ودمعت عيوننا التي لم تكن رأت شيئًا من هذه الدنيا بعد، تأثّرًا ببراءة نعمان وطفولته وبساطة قلبه. ونعمان، بطل قصّة "البسيط القلب" شابّ يصدّق كلّ ما يقال له ويأخذه حرفيًّا. وهذه السذاجة جعلته يدعو الطفل يسوع في الصورة إلى تناول العشاء معه، فلبّى الطفل الدعوة، ولأنّ السماء لأنقياء القلوب صار نعمان قدّيسًا.
     يردّ الناس أسباب هذه السذاجة (وبعيدًا عن العلم) إلى طبع يرثه الإنسان منذ الولادة، أو إلى إعاقة عقليّة ناتجة من خلل ما، أو إلى تخلّف تتسبّب به حرارة مرتفعة في الجسم في زمنِ كانت طرق العلاج بدائيّة. وغالبًا ما يترافق هذا التخلّف مع إعاقة جسديّة أو توتّر عصبيّ أو تأتاة في الكلام. وعلى عكس الجنون الذي لا يمنع الناس أنفسهم أمامه من التعليق أو الضحك أو الخوف، فإنّ التخلّف العقليّ يحظى بالشفقة، فتمنع الأمّهات أولادهنّ من السخرية من هؤلاء المرضى: لا تضحكوا عليهم وإلّا بتصيروا مثلهم. وإذا كانت أسباب هذه الإصابات العقليّة والنفسيّة مرضية، فإنّ الجنون كما تسمّيه العامّة وتحلّل أسبابه، ناتج عن صدمات عاطفيّة أو خلافات عائليّة. ولكن هذا لا يمنع أن يكون وراءه أيضًا أسباب أخرى كالاضطهادات الدينيّة والانهزام الفكريّ أو السياسيّ أو انهيار القضايا الكبرى وخسارة الأرض والوطن. وفي قصّة "خليل الكافر" لجبران وجه من وجوه الضرر الذي تلحقه بعض السلطات الدينيّة عن جهل وتخلّف، ويقال إنّها مستوحاة من معاناة أسعد الشدياق شقيق أحمد فارس الشدياق العلاّمة الأديب.
     وفي رواية "معبر الندم" لـأحمد علي الزين ضحيّتان، إحداهما الدكتور الياس الرملي الذي "أصيب بخيبة أمل هائلة بعد سقوط العالم الاشتراكيّ، وأحرق مكتبته التي كانت تضمّ حوالى مئة ألف مجلّد في الفلسفة والنظريّات الماركسيّة وكتب مذكّرات لقادة العالم ودواوين الشعر وأكوامًا من الجرائد والمحاضرات التي كان يلقيها زمن الثورة، لقد استقال من الجامعة واشترى بتعويضه قطيعًا من الغنم ولجأ إلى الجرد" (ص110). والضحيّة الأخرى راشد الحيفاوي الذي مذ ترك فلسطين وهو يرفض النوم داخل المنزل الذي هرب إليه أهله "كان يعرف أنّه في بلد تسمّى "خربة النواح" وأنّ حيفا بعيدة، لكنّه ما كان يدرك أنّ هذا البعد مضت عليه سنوات طويلة. كان يظنّ أنّ الحرب وقعت لتوّها ويمسح رأسه براحته معتبرًا أنّه ما يزال ينزف" (ص172). واستقدم أهل الخربة وأهل راشد الدكتور نادر ماضي لعلّه يجد العلاج الذي يعيد راشدًا إلى رشده. ولكنّ الطبيب فوجئ بسؤال راشد له: "لشو يكبر البني آدم؟" ويصمت الدكتور مفكّرًا، فيقول أبو راشد أنّ ابنه كان من المتفوّقين في العلم في حيفا، فيردّ الطبيب: "ما زال متفوّقًا علينا" (ص186). ويصير الطبيب وراشد صديقين، يأتي الواحد منهما إلى الآخر من عالمه الخاصّ لعلّه يجد عنده الجواب.
لولو السويعتيّة
نطّرونا كتير    
     والطبيب النفسيّ (نبيل أبو مراد) يصرخ فرحًا في مسرحيّة "لولو":
     قوليلهن قوليلهن!
     يوجّه كلامه إلى الفتاة التي يريد المجتمع التخلّص من خوفه منها، من الظلم الذي ألحقوه بها، وذلك باتّهامها بالجنون، وتقول له "لولو" البنت السويعاتيّه (فيروز) كما يلقبّونها، وبعد أن يبرّئها من التهمة: "وإنت كمان مش مجنون!"
      وفي هذه المسرحيّة بالذات، مجنون معترف به رسميًّا، اسمه رعد (بيار جماجيان)، تستغلّه السلطة للإيقاع بالعاقلين. يهدّد ويتوعّد، ويخاف الناس لسانه، ومع ذلك فإنّ رعدًا يتّهم لولو بالجنون، ويقول لنايف بو درع (جوزف ناصيف): "رح خبّر مرتك إنّك بتحبّ الخوته (المجنونة)، والبلد ما بتساع اتنين خوت". (يتبع)

الأربعاء، 18 أبريل 2012

شكرًا حضرة المسترئس





حضرة الرئيس المسترئس،
صار من اللائق أن أشكر لك غباءك وأنانيّتك وقصر نظرك وضيق أفقك وتشبّثك بجهلك وسوء نيّتك وعجزك وحقدك وغرورك وعِقد طفولتك، فلولا أنّني صيّرتها درجات ثابتة في سلّم النجاح لما حقّقت جزءًا بسيطًا من أحلامي الكبيرة.
أنت يا صديقي الصغير العصاميّ غير المعصوم، والمالك الحزين لا الملك السعيد، والأسير غير المحرّر لا الرئيس المتحرّر، أنت، ومن دون قصد منك أو رغبة أو سعي، دفعتني إلى الحريّة وأنت مقتنع بأنّك تعاقبني.
فأنت إذًا إلى النسيان والامّحاء والتقوقع وأنا إلى الإبداع والكتابة والفكر، اسمك إلى زاوية ورقة صفراء مهملة في سجّل لا يلتفت إليه أحد، واسمي إلى عناوين المقالات وصفحات الكتب، أنت إلى الاضمحلال وأنا إلى التوهّج.
أشكرك لأنّك أثرت اشمئزازي يوم أشرت عليك بالصواب فحاربتني وقرّبت من يسخر منك ويسخّرك لتحقيق غاياته،
أشكرك لأنّك أثبت للجميع أنّ ما كنت أقوله عنك صحيح، وأنّ الإشاعات التي حاولتَ أن تغرقني فيها محض كذب وافتراء،
أشكرك لأنّ أفعالك فضحت نواياك السيّئة، و"إنجازاتك" الضحلة كشفت الغطاء عن مفهومك للحريّة والإبداع والفكر والثقافة، كما يمكن أن يفهمها أسيرُ ماضيه ومبدعُ أساليب القهر و"مفكّر" لا يرى أبعد من أنفه، و"مثقّف" يقتات من فضلات أتباعه مدّعي الثقافة،
أشكرك لأنّك حين خيّل إليك أنّك أحطت نفسك بأفراد عائلتك وأبعدت سواهم غرقت أكثر، وحين لبست غير جلدك ظهر عريك المخجِل،
أشكر لك عنادك وخبثك ومراءاتك ومجونك ومكرك (تجد معاني هذه الكلمات في المنجد، ولكن هل تعلم ما هو المنجد وماذا تعني كلمة منجد؟) فلولاها كلّها ما أجبرتني على التحرّر من الانصياع لمزاجك وأمراضك وجنون عظمتك،
لو كنت بائعة ورد يا صديقي المسترئس.. لكنت أهديتك وردًا على عدد سيّئاتك، غير أنّني لست كذلك وأنت على كلّ حال لا تفهم بلغة الزهور ولا تُعجَب إلاّ بالشوك ولا تهدي الناس إلاّ عوسجًا!
بائس أنت يا صديقي المسترئس لأنّك كشفت عورتك أمام زوجتك فلم تجد المسكينة رجلاً، وبحت بما في قلبك أمام أولادك فلم يروا حنانًا، وأعلنت عمّا في عقلك أمام مرؤسيك فسخروا منك سرًّا.
تعيس أنت يا صديقي المسترئس، لأنّك تسلّلت إلى "مؤسّسة" عريقة فحوّلتها حزبًا تربّي فيه الأجيال الصاعدة على المكر والمداهنة والمصانعة (راجع القاموس) ، وارتميت بمؤخّرتك على كرسيّ إداريّ فظننت أنّك احتللت قمّة المجد.
مسكين أنت يا صديقي المسترئس لأنّ زوجتك مشغولة عنك بعمليّات التجميل لعلّها تخفي وجهها خجلاً من الناس، ولأنّ أولادك يهربون من ادّعاءات أبوّتك، ولأنّ أتباعك بدأوا يحضّرون احتفالات ما بعد رحيلك إلى منتجع تجترّ فيه أوهام "مجدك" وتناجي فيه شبح "رئاستك"، وتستجدي رحمة التاريخ فلا تلقى إلاّ الاشمئزاز.
صديقي المسترئس الصغير،
أناديك صديقي لأنّك كنت صادقًا معي حين خلعت قناعك وأريتني أنيابك، وفي لحظة انتشائك بما خيّل إليك أنّه خوف وهلع،لم تنتبه إلى القوّة التي تفجّرت من داخلي، والحريّة التي شعّت من عينيّ، والإيمان بأنّك صغير وبأنّني كبيرة، لا بالنسبة إلى حجم عقلك وضعف شخصيّتك بل بالنسبة إلى حقدك، وهو هائل الحجم، وغضبك، وهو مخيف، وظلمك، وهو شرس، وتسلّطك، وهو أهوج.
صديقي المسترئس التعيس،
أنت على قاب قوسين (راجع المعجم) من نهاية عهدك، وحين يتنفّس الناس الصعداء بعد رحيلك المزري، سيكتشفون كم اشتاقوا إلى الهواء النظيف، وحين يسرّحون النظر في مملكة احتللتها وتحرّرتْ منك، سيرون كم اشتاقت عيونهم إلى ضوء الشمس بعدما غرقوا لبعض الوقت في عتمة هيمنتك.
فشكرًا لك يا صديقي المسترئس الراحل، لأنّ نتَن نفسك نفّرني فأبعدتُ عنك لآلئي الثمينة ونأيت بها عن الأوساخ التي تهوى التمرّغ فيها. أليست هذه وصيّة السيّد؟ السيّد المسيح، نعم المسيح، إن تساءلت عن أيّ سيّد أتحدّث.

الثلاثاء، 17 أبريل 2012

أضواء خافتة 1 - صحيفة النهار – الخميس 23 آب 2001


من أعمال الفنّان الراحل ماريو سابا عن مدينة طرابلس 


أضواء خافتة 1
صحيفة النهار – الخميس 23 آب 2001
1
تروي "أتيل عدنان" في كتابها "عن مدن ونساء" الصادر عن "دار النهار" كيف أنّ في الخارج لا يراقبون ولا ينتقدون أو يسخرون من النساء البدينات إن رقصن في الشارع أو ظهرن عاريات الصدور "أتعلمين ما من أحد يكترث بهذه الأمور" (ص31). لتكتمل الصورة كان على الكاتبة أن "تراقب" الناس على الشاطئ اللبنانيّ وهم يراقبون المعاقين أو المصابين بالفالج وهم يعرضون عاهاتهم أمام الشمس والهواء والمياه.
2
رواية "بارعة" لجمال عبد الخضر عبد الرحيم الصادرة عن مكتبة "بيسان" تنقصها البراعة اللغويّة والسرديّة، على عكس بطلتها اللبنانيّة في علاقتها مع رجل كويتيّ متزوّج. الرواية مليئة بالأخطاء والركاكة والوصف المملّ، ويكفي أن نقرأ "لم ينتهي" و"مساءًا" و"في طباع مناف شيئًا" (ص 12 و13 و14)، "حتّى وقعت ناظريه" (ص33)، حتّى نعرف ما ينتظرنا.
3
دعت البرامج التربويّة الحديثة إلى إيلاء الفنون التشكيليّة اهتمامًا بالغًا إن عبر الإشارة إلى تاريخها أو عبر دراسة بعض الأعمال الفنيّة. وكانت الشكوى الدائمة من المدرّسين خلال الدورات التدريبيّة حول صعوبة الحصول على نسخ للوحات عالميّة أو لبنانيّة ذات جودة بألوانها ووضوحها، وذلك لأسباب ماديّة وتقنيّة. وصلني عبر "النهار" العدد السادس من مجلّة "الطباعة" التي تصدرها نقابة الطباعة في لبنان، وفيها لوحات لأمين الباشا وداود القرم. إنّ وجود مثل هذه المجلّات بين أيدي المدرّسين والتلاميذ يقدّم خدمة للتربية وللفنون التشكيليّة.
4
حكاية الأخوين رحباني تشبه كلّ الحكايات التي سمعناها في طفولتنا، أيّام كانت للحكاية فسحة من الوقت، يحرسها من يحكي ومن يستمع. وفي كتاب "طريق النحل" للشاعر "هنري زغيب" حكاية لا تحتاج إلّا إلى من يحسن الإصغاء: حكاية رحبانيّة تشبه الأغنية الرحبانيّة التي تجد مستمعين لها من مختلف الأعمار والطبقات والجنسيّات. ولعلّها الأغنية الوحيدة التي يرندحها العائدون من سهراتهم في عتمة الليل الذي يعشق نفسه بلا أضواء، وفي وحشة الطرقات التي ولو كثُر عليها العابرون تبقى وحيدة خالية فارغة.
"الأخوين رحباني"، هكذا صار الاسم الذي لا يريد "زغيب" أن يخضعه لقاعدة اللغة، فمن اللائق أن تنقاد اللغة راضية راغبة إلى شرط الحكاية التي لا قواعد لها. "شاع هكذا، والعبارة هكذا وردت، فتبنّينا التعبير في أنّه مبنيّ على الحكاية" (ص14).
هي الحكاية بنيت على الاسم، بل هو التاريخ.
5
ثمّة كتب لا تجد مكانها في رفوف المكتبة لأنّها لا تندرج تحت نوع أدبيّ معروف كالقصّة والرواية والشعر والمسرح والنقد والسيره وسواها. ومن يستغلّ أيّام العطل الصيفيّة لإعادة ترتيب مكتبته الخاصّة يشعر بالحيرة  ويقف متردّدًا أمام هذه الكتب، ويخشى أن يظلمها إن وضعها في غير مكانها، وإلى جانب جيران ليسوا من طينتها أو من جنسها أو طائفتها. وكتب "أنطوان الدويهي" من هذه الفئة التي يجب البحث عن اسم لنوعها الأدبيّ، خاصّة إنّ ثمّة كتابًا آخر قيد الطبع يستعدّ لدعوتنا إلى العالم الداخليّ الذي يريدنا "الدويهي" أن نكتشف رؤاه وأحلامه وتساؤلاته. لذا من المهمّ أن نجد الجواب عن هذا السؤال: أين نضع كتب "أنطوان الدويهي"؟
6
بعض كتب السيَر يوحي للقارئ أنّه سيعرّفه إلى شخصيّة أديب ما، فيظنّ (هذا القارئ) أنّه سيكتشف مثلًا المزيد عن "نزار قبّاني" عندما يقرأ كتاب "سلمى حفّار الكزبري": "ذكريات إسبانيّة وأندلسيّة مع نزار قبّاني ورسائله" (دار النهار). ولكنّ القارئ في الواقع سيتعرّف إلى "سلمى حفّار الكزبري" عندما يقرأ الكتاب...وكما يراها نزار قبّاني. حتّى الرسائل التي يكتبها الشاعر تتحدّث عمّا كتب عن الأديبة/السفيرة في الصحف الإسبانيّة أو عمّا تكتبه هي.
من أعمال الفنّان الراحل ماريو سابا عن مدينة طرابلس

7
العلاقة مع التراث فيها الكثير من المحاذير إن لم يحسن المتعاملون مع الماضي التعبير عنه على نحو يلتقي فيه سحر الحكاية بلونيها الأبيض والأسود بألوان الحاضر الواعدة بمستقبل منطلق منفتح بقدر ما هو متجذّر في عمق الأصالة. إنّه ما يعد به العدد الأوّل من المجلّة الفصليّة "برجا التراث" الصادرة عن جمعيّة بيت التراث، وفيه حكايات تناقلتها أجيال السكّان، وحِرف وشعراء ولوحات لفنّانين تشكّيليين تظهر أحياء "برجا"، وصور تخبر عن مناسبات وذكريات وأخبار عن لقاءات ذات طابع تراثيّ بيئيّ.
يبدو أنّ المادّة الإعلاميّة الإخباريّة كثيفة وإلّا لما انطلقت النشرة مبشّرة بالمزيد من الحكايات التي لا يذكرها المؤرّخون عادة، وإن تكن تشكّل مادة لمعلوماتهم وتأريخهم. مرّة جديدة تبدو النشاطات الفكريّة الثقافيّة التي يقف وراءها أفراد أو جمعيّات أكثر قدرة من المؤسّسات العامّة على الحفاظ على التراث، على أجمل ما في التراث، لنطلّ على المستقبل في ثقة مستمدّة من ذاكرة لا تريد أن تنسى بل أن تتعلّم.
***
الصورتان منقولتان عن صحيفة "السفير"


الاثنين، 16 أبريل 2012

أين كانوا يكتبون؟

إرنست همنغواي

ألبيرتو مورافيا

جان جيونو

جان كوكتو

فرجينيا وولف

كارلو دوسي

مارك توين


أين كانوا يكتبون؟
(بيوت الكتّاب والأدباء في العالم)
توطئة: مارغريت دوراس
تصوير: إريكا لينارد
تأليف: فرانسيسكا بريمولي – دروليزر
ترجمة: رجاء ملاح
مراجعة وتقديم: شاكر نوري

نشر: ثقافة للنشر والتوزيع –
أبو ظبي
وأبو ظبي للثقافة والتراث

طباعة: الدار العربيّة للعلوم – بيروت

من توطئة مرغريت دوراس:
"لا نشعر بالعزلة والوحدة إلّا داخل جدران المنزل وليس خارجه، لأنّ حديقته عادة ما تحتوي على طيور محلّقة وقطط مسترخية وسناجب تلهو، وهي منهمكة في جمع قوتها هنا وهناك. لذا فأنت لا تشعر بالوحدة إذا ما شاركت تلك الكائنات حياتها. هكذا لا تشعر بالعزلة والوحدة في الحديقة إلّا أنّ البيت يحثّك على التفكير بالعزلة، فسرعان ما تشعر بالضياع. لكنّني لم أدرك ذلك إلّا بعد أن أمضيت عشرة أعوام وحيدة في تأليف رواياتي التي جعلتني أدرك – مثلما أدرك الاخرون – أنّني تلك الكاتبة التي أصبحت عليها. ما أعرفه أنّني أنشأت عزلتي بنفسي من أجل ذاتي. أدركت أنّني لا أشعر بالعزلة والوحدة إلّا في بيتي هذا..."
***
ترى أين يكتب الكتّاب العرب؟ 
طرحت على نفسي السؤال وأنا أرى إلى القصور القديمة الفخمة، وأنظر إلى الترف والجمال اللذين يحيطان بالكتّاب العالميّين الذين نشرت صور منازلهم (مكاتبهم، وغرف نومهم، وغرف المعيشة، والحدائق...)
والكتّاب هم:
كارين بليكسون - جان كوكتو - غابريال دانونزيو - كارلو دوسي - لورنس دوريل - وليم فولكنر - جان جيونو - كينيت هامسون - إرنست همنغواي - هيرمان هسه - سلمى لاجيرلوف - غوسيب توماسي دي لامبيديوسا - بيير لوتي - ألبيرتو مورافيا - فيتا ساكفيل ويست - ديلان توماس - مارك توين - فيرجينيا وولف - وليم بتلر ييتس - مارغريت يورسنار 

الأحد، 15 أبريل 2012

ملامح من شخصيّة "علي الأميركانيّ" لـ"هالة كوثراني"



     "عليّ" في رواية "هالة كوثراني" (دار الساقي – 2012) شهريار العصر الحديث: رجل واحد وحيد في عالم مليء بالنساء، ومع ذلك فهو لا يشعر بالسعادة ولا بالانتماء، كبطل الليالي العربيّة الذي لا تُعرف له هويّة!
     لـ"عليّ" أمّ مريضة بالنسيان، وشقيقات يهتممن بالأمّ، وحبيبة أميركيّة هجرته، وصديقة لبنانيّة مراهقة مجنونة، وراوية كشهرزاد تجمع نتف الحكايات المتشظيّة لتنسج منها عالمًا على قياس "عليّ" لعلّها تجد فيها نجاتها وخلاص روحها. أمّا الرجال، سواه، فغائبون: طليق الراوية "شيرين" لا دور له سوى الاهتمام بابنتهما، والد "عليّ" مات وابنه طفل، جدّه الراحل ترك بيتًا تقيم مهجورًا تعشش فيه الذكريات! ومع ذلك فهؤلاء أنجبوا أولادًا أمّا عليّ فلم يتزوّج ولم يستقرّ ولا يبدو أنّه سيترك خلفه إلّا لوحات رسمها وحكايات أوحى بها!
     "عليّ" الذي قتلت غربتُه نساءَ حياته، وحرمته من الأمان والاستقرار، بطل سلبيّ، طفل أنانيّ، هجر أمّه وإن لم ينجح في قطع صلة الرحم معها، وحين نسيته عاد إلى لبنان ليكون لها الأمّ بعدما عادت طفلة لا تعرفه. مراهق لا يريد أن يصير رجلًا، فنّان لا قضيّة له، مواطن لبنانيّ لم يختبر الحرب اللبنانيّة، عاشق لا يعرف بمن يلتزم، يتماهى بشخصيّة شاعر راحل وينتظر النهاية، وهو لم يتخطّ بعد منتصف العمر. والأسوأ من كلّ ذلك أنّه نتاج مخيّلة امرأة تريد أن تكتب روايتها الأولى. كأنّ المخيّلة، حتّى في العالم الروائيّ، تعجز عن إنجاب أبطال إيجابيّين، نرغب إن كنّا رجالًا في التشبّه بهم وإن كنّا نساء في الوقوع في غرامهم!
     "عليّ" هذا يتنقّل هائمًا بين عالمين: بين بيروت وقريته الجنوبيّة؛ بين لبنان وأميركا؛ بين بيت أمّه وبيت صديقه؛ بين الماضي والحاضر؛ بين ذاكرة إمّه البيضاء وذاكرته الممتلئة التي ينبش ما فيها نيابة عن والدته، ومن أجل أن تكتب صديقته "شيرين" روايتها، ولإشباع فضول صديقته الصغيرة "هدى" التي لا تعرف، بسبب عمرها الفتيّ، شيئًا عن بيروت وحربها وناسها. ولكن هل هو من اختار التنقّل؟ أم هو ينصاع فحسب لأهواء وظروف لا رأي له فيها ولا قدرة له على مقاومتها؟
     "عليّ"، الجبان منذ الولادة، كما تصفه الرواية، تحوّل ظلًا في "مدينة تغيّر جلدها كلّ لحظة"، ولولا هذه الرواية لما وجد له مكانًا على جدار يلتصق به ويرفض غياب صاحبه (ص 173 – 174)، ما يجعلنا نتساءل عن تلك الشخصيّات السلبيّة الباهتة المحايدة الضعيفة العاجزة، والتي تحوّلت بقدرة الرواية والشعر والفنّ إلى عالم الخلود؟

الجمعة، 13 أبريل 2012

من وحي "أحببتك فصرت الرسولة"




هذه الأبيات الزجليّة نظمتها السيّدة ماري مشلب، زوجة خالي، وهي تشرب قهوتها المرّة وتنهي قراءة كتابي "أحببتك فصرت الرسولة".
فلها محبّتي مع الشكر والامتنان!

                          يا رفيقة فنجاني المرّ           كتابك دغدغ وجداني
                          بيني وبينك ما في سرّ         غير السرّ الربّاني
                          هالدنيي ما فيها حُرّ            والحريّة بزماني
                          يللي بشوفو بعيني شرّ         بيحلّا بالعين التاني
                          سنين العمر بسرعة تمرّ       بغربه من الشوق تعاني
                          ونسمة حلوي بموسم حَرّ      ترسم حاله برداني
                          جرأة بالكلمات تكرّ           بين حروفا المعاني
                          غنج وسحر ودمع يفرّ       بدفق عواطف هشلاني
                           بين الكرّ وبين الفرّ         بصوره وبسمه فرحاني
                           إسمك يلمع لمعة درّ       بتاج بعزّو تنصاني
                           والرسولة تلاقي بَرّ         يهدّي مواج التعباني

الخميس، 12 أبريل 2012

13 نيسان يوم الطالب اللبنانيّ


   
(2009)
      يحتفل العالم أجمع بيوم الطالب في 21 شباط، غير أنّ وزيرة التربية بهيّة الحريري أعلنت يوم الطالب اللبنانيّ في 13 نيسان، اليوم الذي انطلقت فيه الحرب اللبنانيّة. ومن الواضح أنّ الوزيرة أرادت أن تتحوّل هذه الذكرى يومًا لطلب السلام، كدرس أساس لا يكون طلب العلم مفيداً من دونه، ولذلك يصحّ أن يكون عنوان هذا الدرس: "تنذكر ما تنعاد". فالنسيان في نيسان ليس هو الحلّ، بل تذكّر بشاعة الحرب، كي لا نستعيد فصولها ولا نغرق من جديد في دوّامة عنفها، هو ما قد ينجّينا من الشرير الذي لا يريد لهذا البلد أن يرتاح. 
     ولكنّ السؤالين الأساسيّين المطروحين أمام المسؤولين التربويّين في مناسبة هذا اليوم هما: كيف سيتمّ الاحتفال بهذا اليوم؟ وهل اتفقنا على صورة الطالب اللبنانيّ الذي ندعوه للاحتفال؟.التجارب السابقة، خلال الأعياد المتوارثة، تجعلني أميل إلى التأكيد أنه لن يكون للطالب رأي في هذا اليوم، لا في كيفيّة الاحتفال ولا في المشاركة في وضع تصوّر لما يجب أن يكون عليه الطالب اللبنانيّ. فحتّى الآن لا يزال المعلّمون (غير المربّين) يعتبرون الطالب طالب شهادة تسمح له بإيجاد عمل، أو طالب فيزا تحمله إلى أيّ مكان خارج لبنان، أو طالب علامة ترفعه فوق المعدّل المطلوب وتنقذه من براثن والده المقاتل السابق، أو طالب إذن ليخرج من الصفّ ليقضي حاجته، ولن يكون في أيّ حال من الأحوال طالب معرفة وحريّة وتفهّم ومحبّة وإصغاء ونصيحة وتوجيه مهنيّ. 
     وأكثر ما أخشاه أن يتحوّل هذا اليوم عبئًا على التلامذة، فيُطالبون فيه بتقديم أعمال فنيّة وكتابيّة من وحي المناسبة، وهذا أمر ممتاز، إلاّ إن علمنا أنّها يجبّ أن تمرّ على رقابة الرؤساء والمديرين والمشرفين والمناظرين والمستشارين والمنسّقين والمدرّسين قبل أن يسمح بنشرها أو عرضها. وعند ذلك سيتحوّل هذا اليوم مناسبة جديدة تؤكّد للتلامذة أنّهم ليسوا أبناء الحياة، بل أبناء آبائهم وأمّهاتهم وعبيد معلّميهم، أليس التلميذ عبدًا لكلّ من علّمه حرفًا وفق القول الشائع؟ غريب!في الولايات الأميركيّة، زمن العبوديّة، حُكم بأقسى العقوبات على من علّم زنجيًّا القراءة والكتابة لأنّه بذلك علّمه أوّل درس من دروس الحريّة. ألا يدعو هذا الى الشكّ في أن نكون فعلاً من اخترع الحرف؟ 
     خلال عملي التربويّ، كنت أراقب بأسى كيف تتحوّل الأعياد حفلات تعذيب لجميع المعنيين بها، وكلّ فرد يحاول أن يسجّل انتصاراً أين منه انتصار الولايات المتحدة على اليابان! فالتلميذ يستعطف المعلمة كي تعطيه دور البطولة، وإلاّ زعلت منه أمّه واعتبرته فاشلاً. والمعلّمة "تقتل حالها" كي يكون العرض الذي يقدّمه تلامذتها أجمل من عروض زميلاتها، والمدير يهدّد المعلّمات بأنّه يريد أن يكون اسم مدرسته على كلّ لسان وفي كلّ صحيفة مهما كلّف الأمر، وإلاّ فسيطرد الجميع في آخر السنة. كلّ ذلك في واد، والتربية والفنّ والعلم في واد آخر. وإلاّ فكيف نفهم تصرّف مدرسة علّقت الدروس في أحد صفوفها ثلاثة أسابيع كاملة قبل عيد الأمّهات لتتاح الفرصة للمعلّمات كي يدرّبن التلامذة على عرض فنيّ للمناسبة؟
     ولمن لا يعلم، فالتلامذة الذين يحبّون عادة اللهو وإضاعة الوقت خارج الصفّ يكرهون هذه النشاطات لأنّها تملأهم رعباً وخوفاً بسبب توتّر القيّمين على التمارين وجهلهم أبسط قواعد التربية.
     يا معالي الوزيرة، بين سندان المدرسة ومطرقة المعلّم أخشى أن يقال عن طالب العلم في يومه الاحتفاليّ ما قيل عن "طالب الدبس" في أمثالنا الشعبيّة.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

عن رواية ابراهيم الكوني: جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة

صحيفة الحياة، الخميس، 12 أبريل 2012
ماري القصيفي
عند ملتقى «جنوب غرب طروادة وجنوب شرق قرطاجة» (ولكلّ زمن طروادته وقرطاجه) تقع بلاد تصفها إحدى شخصيّات رواية ابراهيم الكُوني قائلة: «لا وجود لصفاء مثل صفاء ليبيا! لا وجود لسماء كسماء ليبيا! لا وجود لوطن في الدنيا كوطن ليبيا...» (ص600). هي الوطن الوحيد باعتراف أعدائه الذي يسلب من مريده روح الوطن الأصيل (ص259)، والذي يقول الطامعون به: «سوف يعضّ بنان الندم كلّ من لم يهرع لنيل نصيب من الأرض الليبيّة السخيّة، في موسم توزيع الأراضي» (463). هي الوطن الذي يروي الروائيّ الليبيّ ابراهيم الكوني من مكان إقامته في سويسرا، حكاية الهزيمة المدويّة التي ألحقها ببحريّة الولايات المتّحدة الأميركيّة عام 1804، وجعلت لاسم طرابلس (الغرب) مكاناً إلى اليوم في البيت الثاني من نشيد المارينز: «من قاعات مونيتزوما/ إلى شواطئ طرابلس/ نخوض حروب بلادنا/ في الأرض والبحر». وبذلك تكون الرواية مغرية لمن يريد أن يفهم رغبة أميركا الدائمة في الانتقام من تلك البلاد.
لغة الصحراء
في الرواية الصادرة حديثاً عن المؤسّسة العربيّة بعد صدورها الأول عن مجلة «دبي الثقافية»، ليست المعركة هي التي تغري بتصفّح كتاب من 631 صفحة، فهي معروفة يسهل إيجادها عبر المواقع الإلكترونيّة. إنّما في الرواية ما هو أبعد من ذلك: فيها لغة مميّزة تشبه الصحراء التي نمت فيها، بجمالها الوحشيّ القاسي الذي لا يُسلّم زمام أمره إلّا لمن امتلك الجرأة والرغبة، ولا يستسلم إلّا لمن خبر حركة الرياح والنجوم، لذلك لا تخلو صفحة من الكتاب من مفردات نادرة الاستعمال، وتراكيب دقيقة، وصور شعريّة لا يحسب القارئ أنّها ستجد مكاناً في خضمّ المعارك وحشد الجيوش. وفي الرواية كذلك معرفة بخفايا النفس البشريّة التي تشبه البحار، بغموض قيعانها وثرائها، وهدوء سطحها ومفاجآت تحرّكاتها، حتّى ليمكن القول إنّ تحليل هذه النفس هو ما كتبت الرواية لأجله، لولا أنّ «ليبيا» تفرض نفسها وطناً لا يحسن أهله إدارة شؤونه، ومطمعاً لجيوش لا تعرف كيف تروّض وحشيّة أرضها وطباع ناسها.
عندما حقّقت الولايات المتّحدة استقلالها كانت عاجزة عن فرض هيبتها في البحار، فاضطرّت لتوقيع معاهدة (عام 1795) مع السلطنة العثمانيّة لمنع التعرّض لسفنها في مقابل مبلغ كبير من المال. وحين تأخّرت عن الدفع، استغلّ البريطانيّون الأمر وأوغروا صدر باشا ليبيا «يوسف قره مانلي» ليعيد النظر في أمر المعاهدة، وكانت أوضاع ليبيا الداخليّة متقلقلة بسبب الصراع على السلطة داخل الأسرة القرمنلية، وسوء الإدارة الذي أوقع طرابلس في عجز ماديّ. فأعلن يوسف الحرب على الولايات المتّحدة (1801- 1805)، في خطوة لا مثيل لها حتّى اليوم، استطاع الباشا خلالها أن يستولي على الفرقاطة «فيلادلفيا» ذات الأربعة والأربعين مدفعاً وأن يأسر طاقمها الكبير (308 بحّارة). وحين عجزت الإدارة الأميركيّة (وكان ذلك عهد الرئيس جفرسون) عن استرداد السفينة أمرت بإحراقها. في موازاة ذلك، كانت الولايات المتّحدة تعمل على الإطاحة بيوسف، عبر استمالة أخيه أحمد الذي أُقصي عن العرش فلجأ إلى مصر. ومن هناك، انطلقت حملة عسكريّة أميركيّة بقيادة «وليم إيتون» في اتّجاه «درنة» التي تبعد عن طرابلس نحو ألف كيلومتر، فاحتلّتها (يحكى عن فيلم أميركيّ بدئ العمل فيه ويروي مغامرة إيتون في الصحراء الليبيّة). عند ذلك تدخّلت السلطنة العثمانيّة وحاصرت الشواطئ الليبيّة، إلى أن وافقت الولايات المتّحدة على توقيع اتفاقية لإنهاء الحرب، ودفع غرامة ماليّة بقيمة ثلاثة ملايين دولار ذهباً، فضلاً عن ضريبة سنويّة. لكنّ حكم سلالة «القره مانلي» كان على وشك الانتهاء مع تفشّي الفساد فتنازل يوسف لابنه عليّ عن السلطة، إلى أن ألغى السلطان العثمانيّ حكم هذه الأسرة نحو عام 1832.
الحروب مناسبة لرصد تصرّفات الحكّام، وتحليل ميول المستفيدين، فضلاً عن ارتباط الخاصّ بالعامّ، وقد تقصّد «الكوني» أن يصوّر احتكاك شعوب من مختلف الجنسيّات والحضارات (بمن فيها الهنود الحمر) في لحظة مصيريّة بين زوال عالم قديم ونشوء آخر جديد. ويمكننا التوقّف عند عناوين لافتة: الحبّ غائب عن البلاط، لأنّ ما يهزُم هو العشق لا غياب العشق (51)، ولأنّ العجز عن الحبّ هو الثمن الذي يدفعه الحكّام مقابل العرش (527). وفي عالم الحريم نتعرّف على دور النساء في السلطة (559)، ما يذكّرنا بزوجات الحكّام الذين خلعتهم ثورات «الربيع العربيّ». ونساء البلاط أنواع: الأمّ الرؤوم، والزوجة التي ترى أنّ ضرّة المرأة الحقيقيّة هي الحرب (439)، والساحرة القبيحة الشريرة، والجارية الجميلة، والأسيرة المعشوقة؛ وهي عموماً قرينة المرآة (ص29)، غير أنّها لا تعود تبالي بحسنها متى رأت نفسها في عداد الأموات (324). أمّا الأبناء فهم أسوأ لعنة يبتلى بها الآباء (34) بل هم سمّ كلّ الآباء (529)، وكلّ من ارتكب خطيئة المجيء بالذريّة إلى الدنيا رهينة (156)، إذ يستطيع الابن أن يطعن الأب حتّى الموت ولكن هيهات أن يستطيع الأب طعن الابن (530).
عالم السلطة
وفي عالم السلطة يكون للحياة معنى آخر حين يكون من الأيسر أن تميت لا أن تحيي (181)، فتصير الأنفاس أنفس ما في الوجود (38) لأنّ الموت ليس استثناء، ولكن الحياة التي هي تحدّ يوميّ للقدر (414) هي الاستثناء (39). وفي خضّم هذا الفساد، يأتي الخلاص من الطبيعة: فـ «اليابسة جسد البحر، والبحر لليابسة روح» (69)، و «كلّ ما هو تزوير للطبيعة خطيئة» (77). ولأنّ الصحراء شيخوخة هذه الطبيعة (267)، يستغرب الراوي كيف يجادل المرء حول المال في حضرة الماء (420). ويتابع الروائيّ تأمّله في الحياة والإنسان، واضعاً على لسان شخصيّاته مفهومه للطبيعة البشريّة القائمة على نكران الجميل (16 و17)، والراغبة في النكاية والانتقام وإن كانت الحكمة تحذّر من هاتين الشهوتين الدالّتين على فساد البشر(180،221، 393، 503، 511، 575)، فالإنسان مستودع حقيقيّ مظلم تقبع فيه الأشباح (290)، يعشق الأشياء ولو فيها هلاكه (312 و 550)، ويختبئ خلف قناع لا يسقطه سوى البلايا (489) التي حين يألفها يستهتر بالحياة (204).
أمّا عن مفهوم السلطة، فترى الرواية أن لا حكم بمعزل عن الإجرام (24) فذرّة واحدة من نبل كفيلة بأن تطيح أعظم عرش (156)، فلا وجود للنزاهة عند الملوك (613)، الذين يطلقون ألف وعد، ولا يفون بواحد، لا لأنّهم غير ملزمين أخلاقيّاً بتنفيذ وعودهم ولكن لأن لا أحد يجرؤ على تذكيرهم بها (24)، وبالتالي لا شيء يمنع أن يستخدم الحكّام «مارد الوعود» (572) في لعبة الخداع. ومن أجل لحظة من السلطة التي لا يرتضيها إلّا من أوتي موهبة التهريج (382) يحتمل الإنسان الذلّ (193)، ولكنّ الهزيمة وحدها تستطيع أن توقظ في قلب صاحب السلطان الضمير (307). أمّا أكثر من يستهين بالحاكم فأهل بيته لأنّهم يرونه على حقيقته (424). ومع ذلك فمن دروس الحُكم أنّ تراجعَ الحكّام عن أمر أو قول انتحارٌ (561)، وأنّ السيف لم يوجد ليسقط رؤوس الرعية ولكن لإرهاب أبنائها (506). أمّا في حال الهزيمة والنفي فعلى الحاكم المخلوع اليقظة لا الطمأنينة (152).
المُريد
ولا يصلح كلّ رجل ليكون حاكماً فـ «مريد القداسة كمريد الحقيقة لا يصلح محارباً» (19)، وأصلح إنسان لممارسة مهنة الحرب هو مريد السلطة ثمّ مريد المال ثمّ مريد المرأة (19)، شرط أن يعرف أنّه «يندر أن يُكتب النصر لإنسان مرّتين» (53)، أمّا إذا حصل للنصر أن تكرّر ففي ذلك موت الضمير (106). ولا ينتصر محارب ما لم ينشر في صفوف العدوّ الذعر عبر ارتكاب المجازر في حقّ الأبرياء (391)، لأنّ الشفقة مقبرة الرجولة (327). ولكنّ للبطولة الحقّة شروطاً ما دامت الطبيعة نفسها تخضع للشجعان (289): فقد تكون في التنازل عن البطولة (393) أو في حقن الدماء (506)، أو قول الحقيقة (481)، أمّا الأمل في النجاة فأفيونها (293) في حين أنّ العار في اليأس لا في الاستسلام (90). ولا يكتمل البلاط من دون الشعر والدين، علماً أنّ زمن الحروب لا يصلح لتربية الشعراء (43)، وقول الشعر، الذي لا يكون حقيقيّاً إن لم يكن صوت الضمير (503)، لا يعصم من بطش الطغاة (61). أمّا الدين فحجّة الحروب لا سببها (349)، والقوانين الدنيويّة ظلّ باهت للقوانين الأخلاقيّة، لأنّها دليل على غياب النواميس الإلهيّة (93)، فالشرائع تنعت الحاكم خليفة للربّ على الأرض حتّى ولو كان طاغية (390)، يتنكّر لدينه حين يلجأ الى الشعوذة والغدر، ويدّعي الدفاع عنه حين يخشى على مصالحه.
نجحت الرواية في تصوير المعارك البحريّة والبريّة بنفَس ملحميّ بديع، وهلّلت للحريّة التي هي عافية الروح كما أنّ العافية حريّة الجسد (281)، فالحياة الحقيقيّة ليست سوى لحظة حريّة (355)، ولحظة الحريّة ما هي إلّا لحظة شجاعة (435). أمّا الإحسان فيميتها (182)، في حين أنّ زوال الألقاب دليل على وجودها (568). إنّما متى تحوّلت الحريّة دولة استسلمت لـ «غانية» اسمها سياسة (137)، تخضع بدورها لسخرية العسكر.

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

السبت، 7 أبريل 2012

رواية "الفتى الذي أبصر لون الهواء" لعبده وازن



صحيفة الحياة، الأحد، 08 أبريل 2012
ماري القصيفي
خلال عملي التربويّ الذي امتدّ سحابة ربع قرن، بقيت على تماس دائم مع مشكلة لم يخيّل إليّ أنّها ستجد حلولاً في الأمد المنظور، هي مشكلة إيجاد روايات باللغة العربيّة تصلح للفتيان والفتيات. فالكتب الموجودة في المكتبات تتوجّه إلى فئتين عمريّتين واضحتي المعالم: الأطفال والكبار. بينما تندر الكتب الخاصّة بالمرحلة الوسطيّة التي تكثر فيها الأسئلة وتتكوّن الشخصيّة، إذ يصل فيها المراهقون، المرهقون من الشغف والتحدّي، إلى مرحلة الأحلام بعدما كانوا، أطفالاً، في مرحلة التخيّل. ليس الأمر سهلاً، خصوصاً متى صار على الكتاب أن ينافس التلفزيون والسينما وشبكة الإنترنت، وأن يتميّز لغة وخيالاً من دون أن يسخر من عقول المتلقّين، وأن يوجّههم إلى القيم من دون أن يقع تحت ثقل الوعظ والإرشاد، وأن يحمل إليهم المتعة وينمّي الذائقة الأدبيّة من دون أن يتحوّل كتاباً مدرسيّاً مفروضاً في الامتحانات، فضلاً عن أن الكاتب مجبرٌ على فهم نفسيّات من يتوجّه إليهم وعقولهم ومشاعرهم ومعلوماتهم، ومطالَب كذلك باحترام خصوصيّة المجتمع الذي إليه ينتمون، على أن يكون صادقاً في ما يكتبه، الصدق الإبداعيّ الأدبيّ الذي لا يغيب عن القارئ ولو مراهقاً.
لا شكّ في أن الشاعر والناقد عبده وازن كان على بيّنة من كلّ ذلك حين خطر له أن يقتحم غمار هذا العالم الثريّ والثائر في الوقت نفسه، فكانت النتيجة روايته «الفتى الذي أبصر لون الهواء» عن الدار العربيّة للعلوم - ناشرون 2011، التي تروي قصّة فتى ضرير يواجه صعوبات الحياة وينتصر عليها بالإرادة والحبّ والعلم والعمل. الموضوع في ذاته قد يجرف كاتبه، أيّ كاتب، نحو المبالغة في الدفق العاطفيّ تضامناً مع الفتى الضرير، أو في اتجاه الغلوّ في التوجيه والإرشاد بغية نصح الفتيان والفتيات بتحمّل مصاعب الحياة، بل مقاومتها وتخطّيها. لكنّ عبده وازن استطاع التخلّص من كلا المأزقين مع المحافظة على الخطّ القصصيّ والأسلوب الشعريّ، وهو حين رافق الفتى الكفيف «باسم» من قريته الجنوبيّة إلى معهد الضرير في ضاحية بيروت، لم يتحوّل عصا بيضاء ترشد الفتى المتلمّس طريقه في عتمة النظر وغربة المكان، بل بقي شاهداً على معجزة الإرادة ودفء الحبّ ينقذان العقل من الجهل والقلب من التحجّر، ولو كانت العينان عاجزتين عن الرؤية.
لم يخفّف الكاتب من وطأة الإعاقة البصريّة، فالأمر صعب على الفتى ووالديه وإخوته، وهو أكثر قسوة على الأمّ خصوصاً حين يتبيّن أنّ الأمر وراثيّ وأنّ جدّها كان ضريراً. فالأهل عموماً يشعرون بالذنب تجاه أيّ توعّك يصاب به ولد من أولادهما مهما كان عمره، فكيف إن كان الأمر إعاقة لا شفاء منها، نقلها الأهل أنفسهم الى أولادهم؟ ولكنّ الكاتب لم يترك الأم غارقة في مأزقها النفسيّ، بل جعلها تنتصر على الواقع الجديد مسلّحة بإيمانها بالله ودعم زوجها ومساعدة أفراد العائلة، ثمّ ترضى، ولو على مضض، برحيل ابنها إلى معهد الضرير كي يبني شخصيّته ويكوّن نفسه مستقلاًّ عنها.
أمر آخر يستحقّ التحليل في علاقة الأخوة بأخيهم البكر الكفيف. فلو كانت الرواية لغير هذه الفئة العمريّة، لقلنا إنّ اهتمام الأهل بالابن الفاقد نظره قد يثير غيرة إخوته وأخواته، وهو أمر معروف في علمَي النفس والاجتماع، بسبب عجز الإخوة في مراحل مبكرة من حياتهم عن فهم حاجة الأخ العاجز إلى من يهتمّ به. ولم يغب هذا الأمر طبعاً عن بال الكاتب الذي تقصّد نسج شبكة علاقات متينة بين أفراد العائلة بدءاً من والدَي الفتى وعمّه وامرأة عمّه، وصولاً إلى الأولاد، ما جعل من المنطقيّ ألاّ يغار الإخوة من أخيهم، وأن يحبّ الفتى «باسم» ابنة عمّه «زينب» التي كانت تقرأ له وتهتمّ به. وأبقى «عبده وازن» هذا الحبّ في إطاره البريء بعيداً من الأحاسيس والرغبات الجنسيّة مع أنّ كلّ المواصفات التي أعطاها للفتى توحي بأنّه شغوف بالحياة نهمٌ إلى العبّ منها، يحبّ الأدب والقصص والطبيعة، ويُعمل حواسّه التي ضاعف عماه من قوّتها في التقاط كلّ ما يدور حوله. وأفترضُ أنّ ذلك مقصود لكون سياق الرواية يقود المراهق إلى المعهد، بعيداً من حبيبته، حيث سيصبّ اهتمامه على القراءة وفق نظام «برايل»، أو عبر تسجيلات صوتيّة. ولكن تبقى نهاية الرواية مفتوحة على احتمال علاقة متكاملة تهبها الحياة لهذا الشابّ الذي بدأت تتبلور شخصيّته.
في المعهد، نجح الكاتب في تصوير الفتى مستكشفاً وجود الأشخاص وحدود الأمكنة في المعهد، متلمّساً مصغيّاً مستنشقاً، باحثاً عن الخطّ الذي يرتاح إلى سلوكه في الحياة إن عبر متابعة تحصيله العلميّ ولو بدأ متأخّرًا عن رفاقه أم عبر حرفة يدويّة تجمع بين الفنّ والفائدة العمليّة، وكلاهما يحتاج إليه المجتمع وبه تكتمل حياة الناس. ووفّق الكاتب كذلك في جعل المكان مصهراً لمختلف الطوائف التي يتعرّف أصحابها على مذاهب بعضهم بلا أفكار مسبقة أو أحكام رافضة، وهكذا صار «جورج» المسيحيّ وزميله المسلم «باسم» صديقين يتبادلان المعلومات عن ديانتيهما بعفويّة وتلقائيّة. فهل المصيبة تجمع كما يقول المثل الشعبيّ؟ أم هو فقدان البصر يفتح البصيرة لترى أنّ ما يجمع الناس على اختلاف طوائفهم أكثر بكثير ممّا يفرّقهم؟
بقي أمران لا تكتمل هذه القراءة من دونهما: العنوان ولوحة الغلاف. كان «باسم» يسأل ابنة عمّه عن لون الهواء، علماً أنّه لا يعرف شيئاً عن الألوان لكونه ولد ضريراً، وكانت تجيبه أنّ الهواء لا لون له، فوجد الأمر غريباً إذ كان كلّ من حوله يساعده على «رؤية» الأشياء والأشخاص من خلال الأشكال والألوان. وكان تقريب مفهوم الشكل سهلاً إلى حدّ كبير من خلال قيادة يده في رسم دائرة أو تحسّس شكل الهلال وسوى ذلك، أمّا الوجوه والكلمات فتحسّسها بيديه وأصابعه ولو أنّ «الأصابع ليست هي العيون التي ترى، حتّى وإن كانت رشيقة الحركة» (ص 68). بقي أمر الألوان، ولقد لاحظ «باسم» أنّ لكل شيء لوناً يراه الناس إلّا الهواء، فقرّر أن يرى هذا اللون الذي لا يراه أحد. وكان له ما أراد، على حداثة سنّه وعلى رغم معاناته، حين تعلّم وأحبّ وتفوّق في مباراة أدبيّة وقدّم يد المساعدة لكلّ من حوله، فزال السواد عن قلبه وعينيه وحلّ بياض رحب ونقيّ (ص 119). أمّا الغلاف فيصوّر أنامل تلامس أحرفاً نافرة لقراءتها وفق نظام «برايل»، فهل يمكننا أن نقترح على دار النشر والمعنيّين ترجمة هذه الرواية إلى تلك اللغة، وكذلك تسجيلها بصوت فنّان عربيّ يجيد الإلقاء فيجعلها متعة لسمع المبصرين والمكفوفين؟
رواية الفتيان هذه وفق التعريف عنها على الغلاف تقدّم مادة غنيّة وجميلة تصلح للنقاش في المدارس ونحن على عتبة عام دراسيّ جديد، شرط ألّا يحوّلها المعلّمون منبراً توجيهيّاً صارماً، ويتركوا لأتراب «باسم» حريّة محاورته وفهمه والتعبير عن أفكارهم عنه ومشاعرهم تجاهه على سجيّتهم وبالطريقة الفنيّة التي يرتاحون إليها (موسيقى، مسرح، فيديوكليب، تعبير كتابيّ، رسم...). وهكذا يتعلّمون عن طريق التحليل والاستنتاج المعنى الحقيقيّ لدمج ذوي الحالات الخاصّة في المجتمع، ويقدّرون بالتالي الحياة والصحّة وما وُهبوا من قدرات ومواهب. على كلّ حال، أليس التفكير والإبداع هما ما نريد تحقيقهما مع الفتيات والفتيان من خلال المطالعة؟

الخميس، 5 أبريل 2012

من عمق أعماق اليأس


Paul Gaugin - 1888


على عدد الشموع التي أحرقت في ليل الخيبة الطويل،
على عدد حبّات الدموع التي حفرت أخاديدَ في وجوه الأمّهات والآباء الباكين على أولادهم المخطوفين والمهاجرين والمسجونين والمأسورين والمعوّقين والمائتين،
على عدد الشعرات البيض في رؤوس توّجها الهمّ باكرًا وحمّلها مسؤوليّة الحياة قبل الدخول في معترك الحياة،
على عدد نقاط المياه الملوّثة في بحارنا وأنهارنا والأباريق الصفراء،
على عدد المرّات التي أكلنا فيها أصابعنا ندمًا وخوفًا،
على عدد الحبّات المهدّئة المقيمة في كلّ جيب وفي كلّ حقيبة،
على عدد ثقوب الرصاص الذي نخر منازلنا وشوّه أجسادنا وأشعل سماءنا،
على عدد الشتائم التي يطلقها الواقفون على أبواب الدوائر الرسميّة، وأمام المستشفيات، وفي زحمة السير، وعند دفع الأقساط،
على عدد الأصفار في الفواتير المستحقّة والتي تشعرنا بأنّنا صفر على شمال الحياة،
على عدد الكلمات المجترّة في التاريخ والبيانات واللاءات والمؤتمرات، والمرميّة كالتفل في وجوهنا الباهتة،
Edvard Munch - The Screem
1893
على عدد عظات رجال الدين وخطبهم المستعادة سنة بعد سنة،
على عدد المرّات التي اغتُصب فيها الناس، وأهين فيها الناس، وحُقّق فيها مع الناس،
على عدد أوراق الذلّ في صناديق الاقتراع،
على عدد العاهرات في قصور الأسياد،
على عدد الرجال الذين يشترون النساء،
على عدد الأطفال العاملين والمتسوّلين والمعتدى عليهم،
على عدد نقاط المصل من الأكياس الموصولة بشرايين المرضى،
على عدد الحجارة التي يرشقها الأطفال على الأعداء،
على عدد الاتّصالات والرسائل إلى البرامج التلفزيونيّة،
على عدد الكتب المنسيّة على رفوف المكتبات،
على عدد كلّ ذلك، مضروبًا بكلّ ضربة كفّ وجّهتها السلطة لإنسان،
لتحلّ اللعنات غزيرة على كلّ من خطّط لخراب هذه الأمّة وعلى كلّ من ساهم وشجّع ونفّذ،
ولتكن آلامنا عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، لأنّهم يعلمون ماذا يفعلون، ولأنّهم يستمتعون به.
***
* صحيفة النهار – الاثنين 21 حزيران 2004

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.