الثلاثاء، 27 مارس 2012

من حكايات الخوري يوسف الذي يخجل بهويّته (2012 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)




1-  قبل أن يستلم الخوري يوسف رئاسة المدرسة كان المرشد الروحيّ فيها، ويعطي حصص التعليم المسيحيّ لتلامذة الصفوف الثانويّة. غير أنّه كان كثير التغيّب عن المدرسة بسبب نشاطاته الرعويّة الكثيرة، ومشاريعه التي لا أحد يعرف كنهها ونتيجتها. المهمّ أنّه عندما رئاسة المدرسة، وفي أوّل اجتماع لتقييم مستوى التلاميذ، وحين وصل التداول إلى تلميذ اسمه "إيلي"، انتفض الخوري المسترئس، وقرّر طرد الشابّ من المدرسة. وأمام ذهول الجميع، تشجّعت إحدى المعلّمات وسألته عن السبب مع أنّ "إيلي" يملك ثقافة لافتة، وهو من القلائل الذين يجيدون النقاش البنّاء في الصفّ. فأجاب الرئيس بنبرة صارمة: لأنّه شيوعيّ!
تابعت المعلّمة دفاعها معتبرة أنّ التلاميذ في مثل هذا العمر يميلون إلى هذه الأفكار، ثمّ أين المشكلة في أن يكون شيوعيًّا، عدا عن أن إعجابه بزياد الرحباني وترداد أغنياته ومشاهد من مسرحيّاته لا تعني بالضرورة أنّ الصبيّ شيوعيّ.
أمام إصرار الخوري على موقفه، تابعت المعلّمة: أنت كنت المرشد الروحي للمدرسة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، وكنت تعطي هذا الشابّ دروسًا في التعليم المسيحيّ خلال عامين على الأقلّ، فماذا فعلت لتردّه إلى حظيرة الخراف الضالة؟ وهل طرده في الفصل الأوّل من المدرسة سيمنعه عن أن يكون شيوعيًّا؟ مع العلم يا محترم أن لولا الشيوعيّة لما كنت حصلت على كثير من حقوقك الاجتماعيّة والمدنيّة!
الجميل في القصّة أنّ إيلي لم يُطرد برغم من نظرات الكراهية التي وجّهها الرئيس المسترئس للمعلّمة التي تركت التعليم في منتصف ذلك العام!
2-  أن يكون الخوري يوسف سوريّ الأصل، نال الجنسيّة اللبنانيّة خلال التسعينات، مع أولاده مع عدا الصغير منهم، فصاروا من أبناء مصيطبة بيروت، لا يعني أنّ مشاكله النفسيّة حلّت. فالرجل (؟) يتنكّر لهويّته ولا يعترف بها، حتّى أنّ قلائل يعرفون هذا الأمر عنه. وكلّ الغضب الذي يعتمل في صدره ناتج عن أمرين: هذه الهويّة بالتحديد، والعائلة التي لا يزال يؤمن بأنّه كان يستحقّ أفضل منها، إن بسبب أخوته (تجارة مخدّرات وإدمان...) أو بسبب أولاده الذين لم يختاروا اختصاصات ترضي طموحه، ولم يرضه مسلكهم في الحياة. لذلك كان حقودًا يرفض نجاح الآخرين، لئيمًا يسخر من تفوّق التلاميذ، طامعًا في مركز يرى أنّه يعطيه بعض حقوقه المشروعة. وكم كانت الصدمة كبيرة عليه عندما اكتشف أنّ كلّ الأعوام التي أمضاها في العمل في مؤسّسات الأبرشيّة لن تحتسب له في التعويض، لأنّه لم يكن لبنانيًّا قبل أكثر من عشر سنوات من نيله الجنسيّة. الخوري الآن محتار، هل يعود ليفتخر بأصوله وهو يكتشف ثورة شعبه على الحكم، أم ينتظر ليرى إلى من سيؤول الأمر في بلده الأمّ الذي تنكّر له ولتاريخه فيه؟
3-   قرّر الخوري يوسف مع بداية عمله كرئيس للمدرسة أن يرأس كافّة الاجتماعات التي يتمّ فيها تنسيق الدروس في مختلف الموادّ التعليميّة. صحيح أنّه لم يكن على علم بتحديث المناهج، أو على بيّنة من طريقة العمل في المدرسة، بسبب تغيّبه عن العمل الإداريّ والتربويّ، إلّا أنّ الرجل (؟) من النوع الذي يعترف بأنّه لا يعرف كلّ شيء. المهمّ أنّه في أوّل جلسة تنسيق للدروس العربيّة، طلب أن يطّلع على عمل المنسقّ وطريقة تحضير الامتحانات، فأخذ نموذجًا من امتحان، وقرأ الأسئلة، ثمّ أعلن وهو يشير إلى أحدها: "هذا السؤال مهمّ جدًّا، نعرف من خلاله مستوى ذكاء التلميذ، وكيف يفكّر. أذكر أنّه كان يطرح علينا في شكل دائم". تبادل المعلّمون نظرات متسائلة وكلّ منهم يقول في نفسه: أيّ غباء هذا! هذا سؤال يعتمد على الذاكرة، وهو من المنهج الجديد ولم يكن يطرح حين كان هذا "الخوري" تلميذًا! لاذ الجميع بالصمت، وتندّروا بالحكاية بعد ذلك، ولا يزالون...

الرواية العربيّة وآلات النسخ


التنوّع ضمن الوحدة


(2009)
     أخشى أن تأتي في وقت أقرب ممّا كنت أتوقّعه اللحظة التي أنظر فيها إلى رفوف المكتبات حيث تتّكئ على بعضها آلاف الروايات العربيّة، وأشعر أنّني أمام آلات نسخ عملاقة تقذف من أحشائها آلاف النسخ لرواية واحدة.
     فالموضوعات التي تتناولها الرواية العربيّة، والنسائيّة منها في شكل أكثر وضوحًا، لا تكتفي بالدوران حول محاور واحدة، بل تقلّد بعضها في الصياغة والمفردات والأخطاء اللغويّة والفجاجة والمباشرة وتغييب البعد الفنيّ تحت حجاب سميك من السرد الممّل الغارق في تفاصيل الحياة اليوميّة الرتيبة. فإذا كانت الحياة عند العرب لا تقدّم جديدًا بحسب ما يشكو منه أبطال هذه الروايات وبطلاتها، فمن أين تنبع إذًا كلّ هذه الروايات "الجديدة"؟ وإذا كانت الحريّة مصادرة في أكثر هذه الدول بحسب اعتراف الروائيّين أنفسهم، وإذا كان الكاتب يحاذر في نصّه التعرّض لعشرات الموضوعات المحرّمة، فكيف تكون النتيجة إذًا كميّة هائلة من الكتب التي صارت تُقرأ فعلاً من عناوينها، ولا ضرورة للدخول في عوالمها المستنسخة؟
     لا تسمح هذه العجالة بالتوسّع في مقارنة نقديّة بين مجموعات من الروايات، وخصوصًا تلك التي تصدر في بلد واحد، فالأمر يحتاج إلى دراسة تحليليّة شاملة تعطي السابقين حقّهم وتعيد المقلدّين إلى مكانتهم الصحيحة، وهذا كلّه ليس الآن مجاله. ولكن لا بدّ من تذكير الأدباء بأنّ القارئ المتابع ليس غبيًّا أو ساذجًا، والقارئ العابر ليس مقياس النجاح وبالتأكيد ليس ضمانة النجاح العلميّ الثابت غير المتحوّل في اتجاه كاتب آخر أو روائيّة أخرى، وبأنّ الناقد ليس هو الحكم العادل ما دام ينقاد خلف عشيرة أو حزب أو تيّار أو صداقة أو علاقة عمل.
     عندما أقوم بجولة عبر الإنترنت على المقالات النقديّة في الصفحات الثقافيّة العربيّة أعجب لهذا الصبر العجيب الذي يملكه كتّاب هذه المقالات. وأسأل نفسي إن كان لا يزال سيادة الناقد، بعد كلّ الأعوام من العمل النقديّ، مقتنعًا بما يكتبه. ولكنّ هؤلاء النقّاد مطمئنّون إلى أن اثنين فقط يقرأان النصّ: المصحّح في الجريدة، وصاحب الكتاب، ولهما يقول: قفا نبك لأنّ غيركما لن يعنيه الموضوع. ولذلك يستطيع الناقد أن يكتب النصّ النقديّ نفسه مستبدلاً بعض الكلمات ليكون قد قام بواجبه، وأنا شخصيًّا أعذره وأجد له الكثير من الأسباب التخفيفيّة، أوّلها أنّ أكثر الكتب يتشابه بشكل رتيب وممّل، ثانيها أنّه لا يستطيع أن يثير عليه حفيظة كلّ الكتّاب لأنّهم لن يتقبّلوا رأيه الصريح، ثالثها أنّه لم يتعلّم النقد، بل تعب من الشعر والرواية والمسرح فتحوّل إلى التعليق على الشعر والرواية والمسرح.
     يتعامل بعض الروائيّين مع الكتابة كما يتعامل مع آخر صيحات الموضة في الأزياء أو مع أحدث طراز للسيّارات، يكفي أن يتمّ الإعلان عن الجديد منها حتّى يتبّناه أكان ذلك ملائمًا ولائقًا أم لا. ولعلّ اللجان التي تمنح جوائز للروايات العربيّة مدعوّة كي تعلن في مطلع كلّ عام عن الموضة الروائيّة لهذه السنة، وعلى هذا الأساس سيتمّ اختيار الأفضل منها. غير أنّي أجزم أنّ موضوعين سيبقيان أثيرين على قلوب اللجان والروائيّين وأصحاب دور النشر والجماهير الغفيرة والغفورة: الجنس والدين، ثمّ الجنس والدين، ثمّ الجنس والدين. وفي أكثر الأحيان ستتم حياكتهما في حبكة واحدة تجعل رجل الدين يمارس جميع أنواع التجارب الجنسيّة العنيفة والغريبة، وهكذا نحصل على تركيبة مربحة يهاجمها الجميع ويشتريها الجميع، ويحصد صاحبها الجوائز، ثمّ تتحوّل فيلمًا سينمائيًّا يثير جدلاً، ما يثير طبعًا فضول الناس فيتدفّقون لمشاهدته.
    سؤال لا بدّ منه: إذا كان الكبت ولّد هذه الكميّات الهائلة من الروايات الجريئة الفجّة، فماذا ستنجب الحريّة إذًا؟
***
ملاحظة: أنا معنية كسواي بهذا الكلام، قارئة وكاتبة!

الاثنين، 26 مارس 2012

جرّب تحزن


استنساخ
(2009)
"...ولكن لأن هذا النوع من الحب بات نادراً وغريباً، وكأنه شيء من الماضي، لقد تعبنا من العداوة ومن الكراهية. تعبنا من أن العيش في عالم عدائي، والآن نحصي من كسبناه من الصداقة والحب كما يحصي الفقير ذخيرة عمره."

(عبّاس بيضون – السفير)
     الإشكاليّة التي يطرحها الشاعر عبّاس بيضون في هذه الفقرة المقتطعة من مقالته في جريدة السفير اللبنانيّة الاثنين 11 أيّار 2009، تقدّم لي كقارئة مادة للتفكير والتحليل، وأجزم أنّ هذا من النوع من القرّاء هو الضروريّ، وهو المطلوب، وهو الذي تتوجّه إليه كلّ كتابة، خصوصًا أنّ المقالة المشار إليها تتوجّه بالتحيّة لسيّدة كانت تحبّ الفنّ والفنّانين من دون أحكام مسبقة.
     والتفكير لا يعني تقديم أجوبة بل طرح تساؤلات مشروعة تدفع من يطرحها أوّلاً إلى محاولة تفكيك مضامينها لعلّه يصل إلى ما يمكن أن يكون وهم أجوبة إذ لا جواب نهائيًّا على هذا النوع من الأسئلة. فما هو هذا النوع من الحبّ الذي بات نادرًا وغريبًا؟ وهل يشمل الشاعر نفسه بالقول: تعبنا من العداوة ومن الكراهيّة؟ ومن صنع العالم العدائيّ الذي يشير إليه؟ ولماذا نحصي (أحسب أنّه يشير إلى المثقّفين) من كسبناه من الصداقة والحبّ كما يحصي الفقير ذخيرة عمره؟ وهل ما يدعو إليه عبّاس بيضون هنا موجّه إلى الناس كلّهم، مقاتلين ومحازبين وخاطفين ومخطوفين ومختلف فئات المتحاربين والضحايا، أم إلى المثقّفين تحديدًا؟
     مخيف أن يكون ما يجري بين العاملين في الشأن الثقافيّ صورة طبق الأصل عمّا جرى خلال الحرب:
     المقاتلون كانوا يخطفون الناس العزّل على الحواجز بحسب الانتماء الدينيّ، والقيّمون على الشأن الثقافيّ يخطفون النجاح من أمام من ينتمي إلى غير قبيلتهم،
     وأسياد الحرب كانوا يذيبون الجثث بالأسيد، وأرباب الصحف يتلفون النصوص التي لا تشبه نصوصهم،
     والمحاربون كانوا يصمّون الآذان عن سماع أنين الجرحى، ورؤساء التحرير لا يلتفتون لمن يخالفهم الرأي والأسلوب،
     ولذلك تثير العداوات في الساحة الثقافيّة الخوف أكثر بكثير من تلك التي كانت بين أمراء الطوائف، لأنّ هؤلاء الأخيرين كانوا يعرفون أنّ السياسة لا تثبت على حال وكانوا لا يقطعون شعرة معاوية بينهم مهما تباعدت الآراء، ولذلك نراهم في جلسات الحوار ضاحكين مبتسمين، ولو أمام الكاميرات، وكانوا خلال الحرب يتبادلون الرسائل الحبيّة ولو بسيّارات مفخّخة نروح نحن ضحيّتها. أمّا المثقّفون، أو من يدّعون ذلك، فلا يلقي أحدهم    السلام على الآخر إن كان من المعسكر الثاني الذي لا يرفع له لواء التبعيّة ويؤدّي عند مروره التحيّة.
     نعم، تعبنا من العداوة ومن الكراهيّة، ولكن من ذا الذي سيريحنا منهما إن لم يكن المفكّر؟ وحين نقول المفكّر نضع تحت هذه الكلمة كلّ من يتعامل بالشعر والراوية والنقد والمسرح والسينما والتلفزيون والفنون التشكيليّة والصحافة والنقد. ولكن هل هذا ما يحصل؟
     عندما نقرأ نفرح، ولكنّنا عندما نجرّب نحزن لأنّ الواقع لا يشبه ذلك بتاتًا. أقول ذلك وفي بالي سؤال ذلك المثقّف العتيق وهو في حالة ذهول: كيف سمحوا لك في الصحيفة الفلانيّة بأن تذكري اسمي؟ ولمّا رآني لم أفهم السؤال تابع: لا شكّ في أن اسمي سقط سهوًا في الصفحة لا خارجها فأنا من الأشخاص الممنوع أن يرد ذكرهم في تلك الصحيفة لأسباب قديمة لم أعد أذكر ظروفها. ولعلّه فضّل عدم ذكر ظروف ذلك أمامي كي لا يؤكّد لي رأيي في قبائلنا الثقافيّة المتقاتلة.
     لا أعرف إن كان سيأتي يوم يعترف فيه أحدنا بأنّه يدين بالفضل في كتابة هذه المقالة أو تأليف تلك القصيدة لجملة أو كلمة أو فكرة وردت عند سواه، ولكنّي أعرف أنّني أدين بفكرة هذه المقالة لعبّاس بيضون. فشكرًا له.

الأحد، 25 مارس 2012

جنّات ع مدّ النظر


سهل البقاع 2012

بحمدون 2012

بزمّار 2012

بشرّي 2012

محميّة الباروك
(2009)
     حين وضع الشاعر اللبنانيّ عبد الجليل وهبي كلمات: جنّات ع مدّ النظر، وغنّاها وديع الصافي، لم يكن أحد في لبنان أو في العالم سمع بالكلمات التالية: التصحّر والجفاف والتغيّر المناخيّ والاحتباس الحراريّ وثقب الأوزون، ولم تكن هذه المصطلحات البيئيّة تعني أيّ شيء، بل كان معجم ألفاظ الطبيعة الذي تختصره الأغنية التي أشرنا إليها يدور حول الكلمات التالية: جنّات، طيور، القمر، أزهار، غصون، وديان، جبال، مروج، أنهار.
في ذلك الزمان الجميل كان عندنا: جنّات ع مدّ النظر/ ما بنشبع منها نظر/ وطيور ع نغماتها/ بينام وبيصحى القمر/ أزهار زيّنها الغوى/ بجفونها سحر الهوى/ وغصون تعبّها الهوا/ من كتر ما بتحمل ثمر...

     حديث الساعة في لبنان، حين يريد الناس الابتعاد عن السياسة، يتمحور حول الشحّ وهدر المياه وانخفاض نسبة الأمطار وتأخّر موسم الثلوج وتغيّر طبيعة لبنان وانحسار الجبال واحتراق المساحات الخضراء وتلوّث البحر وجفاف الأنهار وتحوّلها أنابيب صرف صحيّ وموجات البعوض وتلال النفايات. وينهي الناس أحاديثهم بعبارات من مثل: الله ينجينا من الأعظم، ضيعان هالبلد، ما في موسم سياحيّ هذه السنة. والغريب في هذه الأحاديث أنّ المتحدّثين أنفسهم، وهم لبنانيّون فخورون بالعبقريّة اللبنانيّة (الناجحة على صعيد الأفراد والمدمّرة على صعيد الجماعة)، لا يشعرون ولو للحظة بأنّهم مسؤولون عن أيّ شيء من ذلك. كأنّ من سبّب كلّ هذه الخسائر في الثروات الطبيعيّة والتشوّهات البيئيّة والتغيّرات المناخيّة غزاة من كواكب أخرى، أو وحوش استيقظت من عصور سحيقة القِدم والتهمت كلّ شيء، أو شعوب ترتدي ملابس الإخفاء هاجمت أرضنا وحوّلتها جحيمًا لا من القُبل كما في أغنية لمحمد عبد الوهاب بل من الحرّ والرطوبة والقذارة. فاللبنانيّون أبرياء من الحرب والخطف والفساد والرشوة وبيع الأملاك وتلويث الطبيعة والمتاجرة بالآثار، وبالتالي سُجّلت الدعاوى ضدّ مجهولين ولم نعلم حتّى الساعة من فعل كلّ ذلك بنا.

     كان اللبنانيّون خلال الحرب متى التقوا وأرادوا التهرّب من نقاش موضوعيّ عقلانيّ واضح حول أسباب تقاتلهم يختصرون الأمر بعبارة: لعن الله من كان السبب. وفي بال كلّ واحد منهم مسبّب يختلف عن الآخر. الآن، الجميع يلعن من يحرق الأشجار، ومن يجرف الجبال، ومن يسرق رمال البحر، ومن يبني منشآت غير شرعيّة على الممتلكات البحريّة العامّة، ومن يلوّث المياه، وهم يعلمون بأنّهم مساهمون في طريقة أو أخرى بذلك، كما فعلوا خلال الحرب، إن لم يكن بالتصرّف فبالصمت والتواطؤ. والطريف في أمر اللبنانيّين إقبالهم الشديد على توزيع رسائل إلكترونيّة تتضمّن أفلامًا وصورًا تمثّل أجمل مشاهد طبيعيّة التقطت في العالم، وكثر يحتفظون على أجهزة الكمبيوتر بهذه المشاهد المصحوبة بموسيقى هادئة يلجأون إليها لتخفيف التوتّر والاستمتاع بالطبيعة الخلاّبة، ولم يصلني حتّى اليوم أيّ فيلم فيه مشاهد من لبنان في واقعه الحاليّ أو من أيّ بلد عربيّ. وإذا كان اللبنانيّون صاروا يبحثون عن الخضرة والمياه والطيور على شبكة الإنترنت أو التلفزيون فكيف هو الحال مع شعوب لا تملك ما نملكه من تنوّع طبيعيّ؟
     لا يسع المرء حيال اضمحلال هذه "الجنّات" التي كانت على "مدّ النظر" سوى التساؤل: إلى متى سيمتدّ مسلسل الخسائر العربيّة القريبة زمنيًّا، بعدما امتلأ تاريخنا بدموع الخسائر التاريخيّة: فلسطين أرض الأنبياء، لبنان الوديان والجبال، عراق ما بين النهرين، وهل من الممكن أن تتّعظ شعوب البلدان الأخرى كي لا يصيبها ما أصاب جيرانها؟

الجمعة، 23 مارس 2012

«أوهام» نازك سابا يارد بين المرأة والمدينة




صحيفة الحياة، السبت، 24 مارس 2012
ماري القصيفي
من هي بطلة «أوهام» لنازك سابا يارد: «سلوى» أم «بيروت»؟ فكلتاهما تفرض حضورها على صفحات الكتاب، وكلتاهما تتعرّض للخيانة من أقرب الناس، ومن الواضح أنّ كلتيهما تعيش «حلم ليلة من ليالي الخريف» كما ورد في العبارة الأخيرة من الرواية الصادرة عن «دار الساقي». ليست المقارنة بمثل هذه التلقائيّة والبساطة، فالروائيّة لم تفتعل مشاهد تقارن فيها بين المرأة والمدينة، لكنّ القارئ لا يمكن ألّا يلفته هذه التماهي بين بطلة الرواية ومدينتها، ما يشي بعلاقة الروائيّة نفسها بـ «بيروت»، وإلّا فما المبرّر لذكر أسماء شوارع العاصمة وأحيائها ومطاعمها ومقاهيها وكتبها ومساجدها وكنائسها وآثارها ودور المسرح والسينما والنشر فيها؟ فليس الأمر مجرّد سرد مجّانيّ أو عرض معلومات عابر إنّما استحضار لمناخ ثقافيّ لافت وجوّ حضاريّ مميّز لا تريد الراوية أن تتجاهلهما، أو كأنّها تريد التشبّث بهما بعدما شارفت «بيروت» على الاغتراب عن نفسها وخصوصيّتها. وبذلك تبدو رواية «أوهام» مدينيّة بامتياز، في مقابل عدد من الروايات اللبنانيّة الحديثة العائدة إلى عالم الريف والجبل، بعد الانهيار الكبير الذي أصاب أحلام أجيال كاملة نزحت إلى المدينة التي انقسمت، بسبب الحروب، على نفسها: «قبل الحرب كنّا نجد مسيحيّين أغنياء في أحياء غالبيّتها مسلمة شعبيّة إلى حدّ، كالظريف، أو مسلمين أغنياء في أحياء يغلب عليها الطابع المسيحيّ الشعبيّ، مثل حيّ آل بيضون في الأشرفيّة. هذا كلّه انتهى الآن. إلى اليوم لا يعرف الكثير من سكّان الأشرفيّة أحياء بيروت الإسلاميّة، ولا مسلمو أحياء بيروت الإسلاميّة أحياء بيروت المسيحيّة» (178).
«سلوى» محامية تعمل في القسم القانونيّ لأحد المصارف، و «بيروت» أمّ الشرائع وحاضنة أوّل مدرسة للحقوق في التاريخ، يكاد دورها ينحصر اليوم في مجال الخدمات؛ و «سلوى» فقدت والديها وخانها زوجها الصحافيّ الانتهازيّ، وتخلّت عنها وحيدتها التي اختارت العيش مع والدها، و «بيروت» كذلك خسرت أهلها وخانتها صحافتها وتنكّر لها أبناؤها؛ و «سلوى» تغرم بشاب يصغرها سنّاً وتعيش وهْم قصّة حبّ لا تعرف إن كان الشابّ يبادلها إيّاه، و «بيروت» تعيش حلم إعادة إعمار يداعب مخيّلة الأجيال الجديدة الشابّة بمقدار ما يحزن أجيالاً تبحث عبثاً عن ملامح مدينة كان لها طابعها الخاصّ. و«سلوى»، قبل كلّ ذلك، صاحبة شخصيّة قويّة، ومثقّفة تهوى الفنّ والأدب والتاريخ والسفر والتعرّف إلى الحضارات، وهل تبقى «بيروت» أمينة لدورها إن صارت غير ذلك؟

المرأة الستينية
أوهام المرأة الستينيّة المطلّقة إذاً هي أوهام أجيال تبحث في خريف العمر عن ربيع الحياة، وحين لا تجده تهرب إلى الفنّ كأنّ فيه وحده الخلاص. ففي كلّ مرّة يخيب الأمل، نجد بطلة الرواية تلجأ إلى الموسيقى الكلاسيكيّة تهدّئ بها قلق روحها الغريبة عن محيطها الاجتماعيّ السطحيّ، أو تسافر إلى حيث تتأمّن لها فرصة الاحتكاك بحضارة جديدة (الولايات المتّحدة وكندا تحديداً) تجعلها تتمنّى لو استطاع بلدها أن يصون تراثه وآثاره، أو تهرع إلى أقرب سينما لتنسى في عتمتها وأمام شاشتها الفضيّة سواداً يطبق على قلب المدينة وناسها، أو تتناول كتاباً له قيمة أدبيّة لافتة.
ولكن هل لأنّ امرأة كتبت الرواية طغت الشخصيّات النسائيّة على العمل؟ أم الرواية هي صورة المجتمع الذي نقصت فيه أعداد الرجال بسبب الحرب أو الهجرة؟ فمنذ الصفحات الأولى للرواية، نجد أنفسنا أمام عالم غير متوازن، فتقول «نجلا» والدة البطلة وهي تقنع ابنتها بالعريس: «أنت حرّة، سلوى، ولكنّك لم تعودي صغيرة. بسبب الحرب والهجرة لم يعد في لبنان شبّان كثيرون متعلّمون من بيئتنا (المقصود هنا البيئة المسيحيّة)» (ص 11) وحين تجد «سلوى» أنّ كثيرات يحمن حول العريس تفكّر: «صحيح أنّ الشبّان المتعلّمين قلّة في لبنان هذه الأيّام، وأنّ الشابات في سنّ الزواج «أكثر من الهمّ على القلب» كما يقول المثل» (ص 20). في كلّ الأحوال، نساء «نازك سابا يارد» متحرّرات لا ينصعن بسهولة، على عكس الرجال الذين يصحّ أن نعتبرهم أبطالاً سلبيّين، ففضلاً عن «سلوى» التي كانت تجد دوماً ما تنتقده في زوجها «أديب»، هناك والدتها «نجلا» التي تفرض رأيها أكثر ممّا يستطيع زوجها «سليم» أن يفعل، وصديقتها «زينة» الناشطة في المجتمع والمدافعة عن حقّ «لولو» المرمية ظلماً في مستشفى الأمراض العقليّة بسبب أخيها السياسيّ النافذ الذي اغتصبها ويريد سرقة أرضها، في حين بدا «زياد» زوج «زينة» حياديّاً هادئاً. حتّى «سهى» ابنة الشخصيّة الرئيسة بدت صاحبة قرار على رغم صغر سنّها، بالمقارنة مع زوجها الذي حين يتدخّل في أمر ما يتصرّف بتردّد كأنّه لا يريد أن يفتعل مشكلة أو أن يتدخّل في ما لا يعنيه. ومع ذلك فالنساء لا يحقّقن آمالهنّ: «سلوى» تنفصل عن زوجها ولا تختبر الحبّ الحقيقيّ، ووالدتها تموت وحيدة بعد وفاة زوجها وتفرّق أولادها، و «زينة» لا تنجح في تحقيق العدالة بعدما خطفها السياسيّ المتسلّط وهدّدها.

اللغة والشخصية
أمّا لغة الرواية فتشبه شخصيّة بطلتها، واثقة من نفسها من غير أن تستسلم لأهوائها ومزاجها، فبقيت محكومة بالتعقّل والرصانة، ومع ذلك فلم يكن ليعيبها لو أنّها خلعت زيّها الرسميّ وارتاحت في ثوب البيت الخفيف، خصوصاً في بعض الحوارات، فليس مقنعاً، مثلاً، أن تقول «سلوى» لأمّها التي تعاني من الحزن بعد موت زوجها: «أنت تعيشين مرحلة مسّ انقباضيّ، ولا بدّ أن تنتهي» (ص 72). لكنّها قبل كلّ شيء لغة تحمل بالنسبة إلى حجمها – 223 صفحة من القطع الوسط – كمّاً هائلاً من المعلومات في شتّى الميادين: السياسة والتاريخ والفنّ والأدب والشعر والآثار والجغرافية والصحافة والرحلة وعلمَي الاجتماع والنفس. ونجحت الروائيّة في أن تعطي لكلّ نوع لغته المسبوكة المتينة من دون تعقيد أو فذلكة.
ثمّة أمران آخران لافتان في هذه الرواية: عدم الإشارة إلى الخادمات الآسيويّات، كأنّهن غير موجودات في العاصمة التي يصعب أن يخلو بيت من وجودهنّ، خصوصاً متى كانت السيّدات موظّفات لا يجدن الوقت لتدبير شؤون المنزل. والأمر الثاني هو «علمانيّة» الشخصيّات الرئيسة في الرواية ومنحاها الثقافيّ، على حساب انتمائها الدينيّ.

الخميس، 22 مارس 2012

أيّهما أفضل: الوباء أم الأزمة الاقتصاديّة؟



(2009)
     لفتت انتباهي إلى هذا السؤال طبيبة لبنانيّة صديقة حين كنّا نتبادل الحديث حول الأزمة الاقتصاديّة العالميّة وردود فعل الناس حيالها خصوصًا أنّها تقيم في فرنسا حيث بدأ الناس يشعرون فعلاً بوطأة الانهيار الماليّ، وحيث قرأ الناس رواية "الطاعون" لألبر كامو.
     لا أعرف إن كان المرضى الذين طرحت عليهم الطبيبة اللبنانيّة السؤال فكّروا فعلاً في الرواية وقارنوا بين ما يمكن أن يفعله الوباء، أيّ وباء، في العالم وبين الأزمة الاقتصاديّة، إلاّ أنّني شخصيًّا فكّرت فيها، وحاولت أن أبحث عن رواية عربيّة تتحدّث عن انتشار وباء ما في بلادنا، فلم تسعفني الذاكرة. كلّ ما يخطر على بالي كان روايات عن الحروب والجنس والدين. فعزوت الأمر إلى الجهل، جهلي أنا، وقلت لا يستطيع الإنسان مهما بلغ عدد الكتب التي قرأها أن يؤكّد أن لا رواية عن الأوبئة في العالم العربيّ، فربّما ثمّة كتاب لم يصل إلى يدي ولم أعرف بأمره لأقرأه. ولكن لو كان ثمّة رواية عن شلل الأطفال مثلاً وهو وباء اجتاح العالم في نهاية خمسينات القرن الماضي وبداية الستّينات، لكنت بالتأكيد عرفت بأمرها خصوصًا أنّني شاهدة حيّة على هذا الوباء وأعرف جيّدًا ما فعله برجلي اليمنى، وكيف تركني عرجاء منذ سنّتي الأولى مع أنّ جدّتي "إم سليم" رحمها الله كانت تصرّ على أنّ الأمر "صيبة عين" لأنّني خطوت أولى خطواتي باكرًا جدًّا، الحمد لله أنّ الأمر لم يطل لساني لأنّني تكلّمت باكرًا أيضًا.
     لماذا لم يشعر أحد بضرورة كتابة رواية عن هذا الوباء وعمّا حصده من ضحايا في تلك السنوات؟ إنّ المعلومات البسيطة التي أسرقها من والديّ عن معاناتهما في تلك المرحلة تضع الجهل عائقًا أوّل أمام التعامل مع حالات كهذه. كان الناس يجهلون ماذا يجري، لا وسائل إعلام توضح لهم ما عليهم أن يفعلوه (كان التلفزيون اختراعًا جديدًا في ذلك الوقت)، لا توعية، لا لقاحات كافية والمصابون بالآلاف. كان المجهول يحاصر الجميع، فسلّموا أمورهم إلى الله واكتفوا. في تلك المرحلة كانت الحركة الثقافيّة في عزّ انطلاقها، ففي العام 1957، صدرت مجلّة "شعر" التي أحدثت ثورة شعريّة وفكريّة لا تزال آثارها تتفاعل حتّى اليوم، وكانت انطلاقة مهرجانات بعلبّك وفورة المسرح في كلّ أنواعه، وكانت الروايات تطرح مواضيع القضيّة الفلسطينيّة، وحريّة المرأة، والثورة الجنسيّة، وعلاقة الشرق والغرب، وصراع الحضارات، والإلحاد والإيمان، ومع ذلك لم يكن ثمّة مكان لوباء ترك خلفه آلاف المصابين، عدا الذين لم يسعفهم العلاج وماتوا.

     كانت ثقافتنا المتأثّرة إلى حدّ لا قياس له بالثقافة الغربيّة التي لم تترك موضوعًا إلاّ وعالجته قادرة على الإتيان برواية عن هذا الوباء الذي يحصد الأطفال، فضلاً عن أنّه من أقدم الأوبئة في العالم إذ يصوّر نحّتٌ فرعونيّ صورةَ شاب ذي ساق ضامرة مصابة بالشلل، غير أنّ ذلك لم يحصل إلّا في مشاهد متفرّقة تعبّر عن نقمة المعوّقين كما في أقصوصة "الصبيّ الأعرج" لتوفيق يوسف عوّاد، بل الأغرب من ذلك أن تكون الحرب العالميّة الأولى مع ما رافقها من جوع وموت لم تثر إلاّ مخيّلة عوّاد نفسه في رواية "الرغيف" التي في رأيي ابتعدت عن تصوير قسوة اللبنانيّين على بعضهم. وما عدا ذلك كان من ضمن السير الذاتيّة كما فعل طه حسين وبولس سلامة...
     ولم تحرّك الإعاقات العقليّة والجسديّة الأقلام، حتّى مرض السرطان الذي ذهب ضحيّته الكثير من الشعراء والكتّاب لم يتحوّل مادة روائيّة أو فنيّة أو سينمائيّة، ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات عن الأسباب التي تجعل أدباءنا ينساقون خلف نوع روائيّ معيّن ويتركون كلّ ما عداه. في حين أنّ الروايات والأفلام الأجنبيّة عالجت في إنسانيّة عالية موضوعات الحصبة والطاعون والسيدا والسرطان والمصابين بمختلف أنواع الإعاقات، فحرّكت مشاعرنا وأسالت دموعنا، غير أنّها لم تدفعنا إلى الكتابة عن ضحاياها وأبطالها في مجتمعنا.
     وفي العودة إلى سؤال الطبيبة الصديقة الذي أثار كلّ هذه التساؤلات، لا يسعني سوى دعوة "ضحايا" الأزمة الاقتصاديّة إلى "التنزّه" ليلاً في أروقة المستشفيات والإصغاء إلى أصوات الأنين وتنهّدات الألم وصراخ الوجع، لعلّهم بعد ذلك يعيدون تصحيح مفهومهم لكلمة "ضحايا".

الأربعاء، 21 مارس 2012

عن المهرجان اللبنانيّ للكتاب - أنطلياس 2012 (الجزيرة - نت)



فعاليات متنوعة بالمهرجان اللبناني للكتاب   17/03/2012

تتواصل فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من "المهرجان اللبناني للكتاب" الذي تنظمه "الحركة الثقافية-أنطلياس"، ويتضمن معرضا للكتب وسلسلة من الندوات الثقافية وأنشطة تكريمية لمبدعين وأدباء، وأخرى تشجع الطلاب على المطالعة.


واتسمت بدايات المهرجان بحركة رواد بطيئة كالعادة، لكنه شهد تدريجيا إقبالا متزايدا، وغصت القاعات بالرواد من كل المناطق، حسب ما صرح به للجزيرة نت الدكتور عصام خليفة أمين الإعلام للحركة المنظمة، الذي أضاف أن المبيعات تراجعت بنسبة ضئيلة عن السابق رغم استمرار إقبال الجمهور.


ورغم انتقادات للمعرض تتعلق بعدم اهتمامه بتحركات الربيع العربي أكد خليفة  أن المعرض "يتضمن العديد من المنشورات والكتب عن الثورات العربية، كما أن "الحركة الثقافية" تعد لمؤتمر مخصص للتحركات في العالم العربي، وسيكون تأثيرها على لبنان من أبرز مواضيع البحث".
أنشطة متنوعة

ويتميز معرض أنطلياس بإقامة نحو 47 نشاطا ثقافيا في 15 يوما، ويكرم عددا من المفكرين سنويا، عبر إقامة ندوات عن أعمالهم، ويقول الكاتب والناشر سليمان بختي "إن أهم ما يتميز به المعرض هو نوعية الأنشطة المواكبة وتكريم الأدباء".

ويضيف بختي للجزيرة نت أن المهرجان يعد من أهم المعارض في لبنان، ويتميز بالتركيز على أعلام الثقافة في لبنان وتكريمهم، وقد وسع دائرته هذا العام نحو أعلام العالم العربي.
كما يؤكد عصام خليفة أن "من بين مزايا المعرض أنه يقيم ندوات للطلاب، ويمنحهم  جوائز لتشجيعهم على المطالعة، من أجل توسيع دائرة الاهتمام بالكتاب. وعملية تشجيع الأجيال على المطالعة هي مسألة تربوية تتضافر فيها جهود المدرسة والعائلة والمجتمع، ويجب أن تهتم الدولة التي تتحمل المسؤولية، لكن اهتمام دولتنا يكاد يكون غائبا”.
من جهتها ترى الكاتبة الصحفية ماري قصيفي -التي تشارك في إحدى ندوات المهرجان- للجزيرة نت أن الندوات وحفلات التكريم التي نفذت مفيدة لإحياء الحركة الثقافية.
انتقادات

ورغم الفعاليات والأنشطة المختلفة التي يتضمنها المعرض لقي بعض الانتقادات، من قبيل أنه مناطقي أو فئوي، كما تتردد بعض دور النشر عن المشاركة، ويحجم الجمهور من مناطق أخرى في لبنان عن ارتياده.

وتقول قصيفي في هذا الإطار "عدا الجمهور المنقسم، هناك دور نشر كبيرة كدار "الآداب" و"الجديد" و"الريس" لا تشارك في معرض أنطلياس، على اعتبار أن جمهور هذه الدور يقصدها في المعرض المركزي الأول (النادي العربي).
وتؤكد  أنه من المهم أن تنتشر المعارض في كل لبنان، والمطلوب من دور النشر، خصوصا الكبيرة منها، التجاوب مع المعارض بصورة عامة من أجل تفعيل النشاطات الثقافية خارج العاصمة.
من جهته يؤكد سليمان بختي أن القائمين على المعرض "يحاولون الخروج من مناطقيته، لكن المشكلة هي في الجمهور المنقسم والمرتبط بمنطقته، وبالاتجاهات السياسية التي تغلب على كل منطقة".

الأحد، 18 مارس 2012

تعليم اللغة العربيّة في بلاد الاغتراب


كتاب قد لا يعرفه من يعلّم اللغة العربيّة في بلاد الاغتراب


     لن نعجب إذا كره أبناءُ المغتربين العرب دروسَ اللغة العربيّة متى علمنا كيف يتمّ تعليمهم إيّاها. بل نتساءل كيف ترضى الحكومات التي من المفترض أنّها سبقتنا في أساليب التدريس والتربية بممارسة هذا النوع من التعليم وبالطرق البدائيّة التي تستعمل نوعي العنف: الجسديّ والكلاميّ مع التلاميذ، ناهيك عن اختيار نصوص لا تقرّب اللغة العربيّة من ذائقة تلميذ يتعلّم في مدارس أجنبيّة. هذا في المدارس التي أنشأها المغتربون العرب، أمّا في تلك التابعة للحكومات، كلّ حيث هي، فيتمّ تعليم العرب اللغة العربيّة ولكن باللغة...الأجنبيّة.
     تعليم اللغة العربيّة مرتبط في الغرب بالمؤسّسات الدينيّة في أكثر البلدان، فللمسلمين مدارس تربط اللغة بالدين، وللمسيحيّين مدارس مرتبطة بالكنائس، وهكذا يتمّ التمييز الدينيّ بين تلاميذ يقيمون في أحياء واحدة ويتعلّمون في مدارس تتبع منهجًا تعليميًّا واحدًا، غير أنّ اللغة العربيّة تفصل بينهم ويعود كلّ تلميذ إلى مجتمعه الدينيّ، وتتحوّل اللغة العربيّة حاجزًا بين الأطفال بدل أن تكون رابطًا.
     أمّا اختيار المعلّمين فأمر أقلّ ما يقال فيه أنّه معيب ومهين، فكلّ من يعرف القراءة والكتابة باللغة العربيّة مؤهّل لتعليمها ومرحّب به في تلك المدارس بغضّ النظر عن مستواه الثقافيّ أو معرفته أساليب التربية الحديثة أو حتّى أبسط قواعد اللغة. ففي إحدى العواصم الأوروبيّة مثلًا، مدرّس لغة عربيّة تذكّرنا أخباره بمعلّمي القرى في القرون الماضية: عنف وهزء وسخرية وعقاب ووعظ وخطابات وأمثلة لا يفقه الطفل المسكين شيئًا من معناها، وهل نعجب بعد ذلك إن كره التلاميذ يوم السبت ودروس اللغة العربيّة وهم الذين يكتشفون في مدارسهم مهاراتهم ومواهبهم ولا يجرؤ مدرّس على توجيه ملاحظة في غير محلّها أو بشكل غير لائق وإلاّ تعرّض لمساءلة الإدارة والوزارة والأهل؟ وهل تتخيّلون مشهد طفل يرغمه والداه على ارتياد هذه المدرسة ليبقى على صلة بتراث الآباء والأجداد ثمّ تكون المكافأة أن يسمع من المعلّم كلمات نابية وشتائم وإهانات؟ وعندما يرفع أولياء الأمر شكاوى إلى المعنيين تكون الإجابة واحدة: ومن أين نأتي بمدرّسين متخصّصين فالميزانيّة محدودة ونحن لا نستطيع أن ندفع لذوي الشهادات والكفاءة!
       وفي المدارس التي لا يشرف عليها العرب، أمسيحيين كانوا أم مسلمين، يكون النصّ باللغة العربيّة غير أنّ الشرح والتحليل والتعليق والأسئلة فتكون بلغة البلد، ويختار التلميذ الإجابة باللغة التي يجيدها أكثر، وبالطبع سيجيب التلميذ بلغة البلد حيث هو، لأنّها اللغة التي يتعلّمها خلال النهار الدراسيّ كلّه، ويخاطب بها زملاءه ويسمعها عبر وسائل الإعلام ولأنّها شئنا أم أبينا صارت لغته. والصعوبة القصوى في الموضوع أنّ التلميذ مجبر على حفظ مصطلحات وضعت خصّيصًا في اللغة الأجنبيّة لتعبّر مثلاً عن اسم الفاعل أو اسم المفعول أو المصدر، وهكذا يجد التلميذ أمامه مجموعة كلمات هجينة وخليطًا من اللغات والمصطلحات والعبارات وكلّها لا فائدة منها إلّا لمن يرغب في التخصّص في اللغة العربيّة وآدابها وهذا طبعًا ليس حال هؤلاء المساكين المهاجرين المغتربين، وهل ننتظر مستشرقًا من أصل عربيّ يتعلّم بهذه الطريقة البربريّة؟
     حين أرسلت إليّ إحدى الصديقات اختبارًا في اللغة العربيّة أعطي في مدرسة كنديّة لتلاميذ المرحلة المتوسّطة فهمت جيّدًا لماذا يكرهنا العالم الغربيّ، ولماذا يكرهنا أبناء شعبنا العربيّ المقيمون في الخارج: نصّ لا جماليّة فيه ولا إبداع، لغة صعبة ليست في متناول تلاميذ لا يتخاطبون بعاميّتها فكيف بفصيحها، أسئلة في الفهم واللغة تحتاج إلى خبراء ولجان تحقيق دوليّة ومجمع عربيّ، ومع ذلك أجزم بأنّ جميع هؤلاء لن يعرفوا كيف يجيبون على هذه الأسئلة وسيرسبون في الامتحان.
     سؤال للسفراء العرب في دول الغرب: ماذا تفعلون في الخارج؟ وآخر إلى وزراء التعليم والثقافة في أمّتنا العربيّة العظيمة: عمّ تتحدّثون حين تلتقون نظراءكم الغربيّين؟

السبت، 17 مارس 2012

ماري القصيفي...كاتبة متنوّعة - الشاعرة والناقدة صباح زوين - صحيفة اللواء اللبنانيّة


الشاعرة صباح زوين
صحيفة اللواء اللبنانيّة - السبت 17 آذار 2012

ماري القصيفي، عرفتها أوّل ما عرفتها صاحبة كتابات صحفيّة وآراء واثقة ومستقلّة في مقالات لها في جريدة «النهار». دائمًا سويّةٌ مع ذاتها في ملاحظاتها الملفتة، لا تهادن ولا تستسهل. عرفتها وكانت بدأت باسم مستعار وجميل، اسمٌ يوحي بعالم الشعر والفكر والأدب والثقافة كما نحبّها. مي الريحاني ! اسمٌ  يدعو إلى الحلم كذلك. وكان الحلم يرافق كلّ مقالاتها في «النهار»، حيث لغة مَن يعرف مهنته جيّدًا، حيث ضربة قلمها، توازي عذوبة القراءة التي تشدّنا إليها. وكنّا دائمًا نتساءل من قد تكون صاحبة هذا الاسم؟! قيل الكثير وقتها، حتّى بهُت الشكّ وذابت الخبريّات وبقي الواقع، واقع شخصها الحقيقيّ واسمها الصحيح.

ثمّ قرأتها في رواية صدرت لها عن «دار سائر المشرق»، تحت عنوان «كلّ الحق ع فرنسا» (2011)، وعرفتُ قدرات القصيفي الكتابيّة على تنوعها. فمن المقالة النقديّة الأدبيّة، إلى مقالة الرأي، تنجح أيضًا في الرواية، كما تغطس عميقًا عندما تكتب القصيدة، تلك الملوّنة بألف تلوين عذب حيث نكهة الرومنطيقيّة الحديثة تتزاوج مع  الحزن والمرارة، حيث الكلام على الحب والحبيب يتزاوج مع الكلام على الخيبات والتهكم.

في جديد ماري القصيفي، «أحببتك فصرتُ الرسولة» (دار سائر المشرق-2012)، ديوان شعر مليء بمفاجآت فيها من الحكمة الماكرة مقدار ما فيها من العبث والقسوة، مفاجآت تشدّنا إلى فكاهتها السوداء وإلى بعثرتها بعض المفاهيم الاجتماعية السائدة والقائمة. وهذا، دون أن تتخلّى عن جرحها الداخليّ، الروحيّ، ودون أن تتكبّر على شغفها ورغباتها الصريحة. 
لماري القصيفي ديوانا شعر سابقان، وكتابان في المقالات الفكريّة، قبل أن تنشر هذا الديوان الجديد لكي تضع الكاتبة ذاتها في سكّة الشعر دون أن تكون خرجت عن سكّة الرواية ! 
تنجح القصيفي في المجالين وفي كلّ واحد منهما لها نكهتها الخاصّة وطريقتها في معالجة ما تدور حوله هي. وإذا كانت في الشعر المحاورة الشائقة في علاقة عاطفيّة حيث الرجل هو المقيم الأول والأخير، ففي روايتها المهمّة تتداخل الشخصيّات ويمتزج الرجل بغيره من الرجال، والمرأة  تبتكر عالمًا من النساء في عائلة متعدّدة تتداخل فيها شخصيّات معقّدة تحيّر القارىء بقدر ما تجذبه حتّى يغرق في أعماقها ويتمنّى ألّا تنتهي الرواية ! من أجمل الروايات في اللغة العربيّة، تلك التي أصدرتها ماري القصيفي قبل سنة، لتبقى في ذاكرتنا تحفة كتابيّة منيرة إلى جانب إضاءاتها الشعريّة.
إذا كانت ماري القصيفي تضعنا في كتبها الشعريّة داخل نمنمات رقيقة رغم الجراح الكثيرة التي تكون مفتوحة على أنواع الألم الذي تتناوله، ففي روايتها تلك، والتي نتمنّى أن تأتينا بأخرى، تضعنا الكاتبة في أجواء معقّدة ومتوتّرة حيث الحبكة تضاهي حبكات الروايات الكبيرة، والكل مسبوك في وتيرة مشدودة ومنضبطة، حيث عملت القصيفي بتفنن وإتقان.  

الإعلام حين يبتعد عن الاحتراف والمهنيّة



    تتغيّر الأسماء، يتغيّر سبب الانفعال، ويواصل الإعلام عمله بعيدًا عن الموضوعيّة، ونريد مع ذلك أن نكتب تاريخًا موحّدًا... وتبقى المقالات صالحة للقراءة، لا يمرّ عليها الوقت...

صحيفة البلاد البحرينيّة - شباط 2009
     تنزلق اللغة الإعلاميّة في لبنان إلى أسفل دركات الانفعال والتشبّث بالرأي، وتنضح بما في نفوس بعض الإعلاميّين من كبت وحقد ومرارة ما يجعلها أداة تخريب وتدمير ليسا من طبيعة الأخلاق المهنيّة ولا من شروط الاحتراف. ولعلّ الحلقة الأخيرة من برنامج "بكلّ جرأة" الذي تبثّه المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال وتقدّمه الإعلاميّة مي شدياق، وما تلاها من تعليقات في الصحف دليل واضح على المنزلق الخطير الذي وصل إليه إعلاميّونا.

     إنّ القراءة الهادئة لهذه الحلقة التي انتهت بإعلان مي استقالتها تبيّن أنّ ما جرى بعيد عن الاحتراف والأصول المهنيّة، ولا يخفّف من ذلك كون الإعلاميّة مي الشدياق هي الشهيدة الحيّة التي دفعت نصف جسمها ثمنًا لمبادئها. إذ لا بدّ لمي من أن تميّز بين البيت والمؤسّسة، وأن تتذكّر أنّ المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال وإن كانت نقطة انطلاقها المهنيّ ليست بيتها الخاصّ ولا يجوز أن تتصرّف فيها بالانفعال الذي كانت عليه خلال الحلقة الأخيرة، لا بل خلال أكثر الحلقات التي قدّمتها بعد الإصابة.
  
    طبعًا لمي شخصيّتها وأسلوبها في إدارة الحوار وآراؤها الخاصّة وأهدافها السياسيّة، وليس من المنطقيّ أن يطلب منها أن تكون على غير ما هي عليه، لكن من حقّنا أن نطلب منها أن تحتفظ بالحقّ الأدنى من الهدوء والموضوعيّة والإصغاء والحوار ما دامت قبلت التحدّي وعادت بسرعة قياسيّة إلى متابعة عملها بعد تعرّضها لمحاولة الاغتيال. وبغضّ النظر عن رأي كلّ منّا في أداء مي الإعلاميّ إلاّ أنّنا لا نستطيع إلاّ أن نحترم تضحيتها وجرأتها في العودة إلى الشاشة ولم تكن قد تعافت بعد من جراحها ولا شفيت من هول ما أصابها. فلا يحصل كلّ يوم أن نرى سيّدة جميلة ومثقّفة تتعرّض لما تعرّضت له مي وتبقى مصرّة على المضيّ في نضالها كما اختارته هي وكما فهمته. فالواحد منّا يتعرّض لما هو أبسط من ذلك بكثير ويعجز عن حمله والتعايش معه، فكيف يكون الحال إذًا مع امرأة اكتشفت في لحظات قليلة أنّها فقدت ذراعها وساقها وأنّها لن تعود إلى ما كانت عليه ولو أجرت عشرات العمليّات الجراحيّة.

     ربّما أخطأت مي في العودة إلى العمل الإعلاميّ وهي لم تشف بعد من الآثار النفسيّة لوضعها الصحيّ، وربّما كان على المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال أن تنصحها بأخذ مزيد من الوقت يسمح لها باستيعاب ما حصل، وربّما تعبت مي من العمليّات الجراحيّة وحفلات التكريم والسفر والمقابلات وتأليف كتاب ونيل الدكتوراه، ولكن هذا شيء وأن تكون مسؤولة عن تقديم برنامج سياسيّ حواريّ على الهواء مباشرة شيء آخر مختلف تمامًا إذ فيه الكثير من المسؤوليّات والتحديات خصوصًا أنّ الناس في غنى عن هذا الجوّ المشحون بالغضب والتشنّج. 

     ولكنّ الإعلاميّين الذين شمتوا بمي وشتموها بعد إعلان استقالتها وسخروا من تصرّفاتها وأقوالها ودموعها لم يتصرّفوا إلاّ كما فعلت هي: انفعال وصل إلى حدّ الحقد والسخرية والهزء. وإذا كان عذر مي هو في ما أصابها من تشويه وألم فما هو عذر الآخرين؟ وهل بهذا الأسلوب يكون النقد؟ وهل بهذه اللغة تعالج أمور الإعلام والسياسة؟ وهل يكون الجنديّ في ساحة المعركة أكثر رحمة وإنسانيّة من الإعلاميّ، فلا يطلق رصاصة الرحمة على عدوه الجريح بل يأخذه أسير حرب ويعامله في احترام وإنسانيّة تنصّ عليهما شرعة حقوق الإنسان؟ ألم يقرأ الإعلاميّون قصيدة سعيد عقل "فخر الدين الثاني" في وصف معركة عنجر حيث قال الأمير لعدوّه قائد التُرك:
                          ما انتهى مصطفى فقال ابنُ مَعِنٍ: "يُعْطِكَ الله، لستَ لي بأسير،
                          أنتَ حرٌ! فطِرْ إلى الشمسِ قلبًا واملأِ العينَ من سنى التحرير"

     أسوأ ما كان يمكن أن ننتظره هو أن تتحوّل الكلمات خناجر في أيدي أهل القلم، وبدل أن يشقّوا الدمل ليشفى الجسم المريض ها هم يقطّعون أوصاله ويتنهاشون لحمه وعلى عظامه يقترعون.

الجمعة، 16 مارس 2012

الصفحات الثقافيّة بين العشائريّة والمافيويّة



(صحيفة البلاد - 2008)
كُتب الكثير عن الصفحات الثقافيّة، وقيل الكثير عن القيّمين على هذه الصفحات، ومع ذلك لا تزال هذه الصفحات خاضعة لمعايير المزاج تنفعل وتنقاد عوض أن تكون فاعلة وقائدة.
لعلّ السؤال الجوهريّ في هذه المسألة هو تعريف الصفحة الثقافيّة، وتحديد دورها ما دامت ضمن جريدة أو مجلّة وليست في مطبوعة متخصّصة لقرّاء متخصّصين. فقرّاء الصحف والمجلاّت يتوزّعون على مختلف الأعمار والاتجاهات والمستويات والأجناس، ومع انتشار هذه الصفحات عبر شبكة الإنترنت صار في إمكان الناس قراءتها في الوقت نفسه وفي كلّ أنحاء العالم. ولذلك بات من المهمّ تحديد الميزان الذي توزن به المواد الصالحة للنشر والمواد التي تحوّل للتلف. مع العلم أنّ الصحف والمجلاّت والمواقع الإلكترونيّة تعرّف عن نفسها بأنّها فسحة حريّة وتنشر كلّ عمل أدبيّ ما دام يحترم أصول النشر ولا يتعارض مع مبادئ العمل الصحفيّ. ولكنّ أحدًا لا يصدّق هذا التعريف، خصوصًا أولئك الذين كانت لهم تجارب إبداعيّة أو نقديّة رُفضت لا بل حوربت لأنّ أصحابها لا ينتمون إلى عشيرة ثقافيّة معيّنة هي في الواقع أقرب في نظامها الداخليّ وقوانينها وأساليب تصفياتها إلى تركيبة المافيا.
من الطبيعيّ أن يكون في الإبداع مدارس وتيّارات واتّجاهات، ومن الطبيعيّ أن يكون لكلّ صحيفة أو مجلّة خطّها الفكريّ الذي تنشر بتوجيهاته كلّ كلمة تكتب في صفحاتها، أيًّا يكن الموضوع، أمّا أن يصل الأمر إلى سيطرة مجموعة من المبدعين على مختلف الصفحات الثقافيّة في أكثر من صحيفة، فهذا ما قد يدعو إلى التعجّب ويثير التساؤلات. غير أنّ الأمر أبسط من أن يأخذ وقتًا طويلاً للتحليل والفهم. فسادة الصفحات الثقافيّة مرتبطون بميثاق يجعلهم، ولو اختلفوا في أساليبهم وأنواع إبداعهم، متفّقين على عدم السماح بدخول عنصر جديد على تجمّعهم إلاّ إذا كان بوقًا من أبواق فرقتهم، عدا عن أنّهم يتبادلون التحيّات في مقالاتهم، فيعرّف كلّ واحد منهم في صحيفته بعمل الآخر من الصحيفة الأخرى، فيردّ الآخر التحيّة بأجمل منها، ويكتب مقالة مسهبة يعلن فيها عن الفتح الثقافيّ الجديد. ولذلك ما أن يصدر كتاب لأحد هؤلاء السادة حتّى تتلاحق المقالات والدراسات في الصحف والمجلاّت والمواقع الإلكترونيّة المنضوية تحت لواء حلفهم المقدّس وكلّها في باب الإعجاب والتقدير والاحتفال، كأنّ الجميع يعزف تحت إمرة مايسترو واحد.
هذا جانب من موضوع الصفحات الثقافيّة، الجانب الآخر هو اختيار القضايا والملّفات، فمن المعروف أنّ الحريّة هي العنوان العريض الذي توضع تحته كلّ المواضيع، ومن أجل احترامها تقوم قيامة الأدباء والشعراء والنقّاد ولو كانوا هم أنفسهم لا يحترمون إلاّ من وضع حريّته في قفص مزاجهم. ولكن ما يثير الريبة ويدفع المتابعين إلى التحفّظ عن الانسياق خلف ثورة الحريّة هذه أنّ هذه الأقلام لا تُستنفر إلاّ من أجل قضايا محدّدة يدور أكثرها حول محور الجسد. وفي هذا الإطار، نضع حملات الصفحات الثقافيّة حاليًّا للدفاع عن أفلام جريئة يمنع عرضها أو مجلاّت حديثة تحارب أو برامج حواريّة تلغى في آخر دقيقة. فلأؤكّد أوّلاً أنّني ضدّ الرقابة مهما كان نوعها، غير أنّني لم أستطع أن أفهم حتّى الآن لماذا لا تشنّ الصحافة الثقافيّة الحملات الغاضبة، وبالالتزام نفسه، على أفلام العنف أو على موسيقى الصخب أو على حفلات المجون والمخدّرات التي تختبئ تحت قناع الفنّ أو على المسلسلات السخيفة أو على الفساد في الإدارات والمؤسّسات أو على برامج التوك شو السياسيّ الملأى بالشتائم المقذعة أو على الانفعال الدينيّ الذي يذكّر بعهود غابرة. ولماذا تكتب مئة مقالة في الدفاع عن فيلم جريء ولا تنشر مقالة واحدة تجرّأت وطالبت بحقّ كاتبها في الوجود، ويوقّع مئات المثقّفين عريضة تطالب بإطلاق سراح مفكّرين ولا يجد مفكّر طليق زاوية في صحيفة ليعبّر فيها عن رأي لا يعجب المثقّفين موقّعي العريضة، وتنشر عشرات الافتتاحيّات لكبار المبدعين داعية إلى وقف الرقابة عن الإبداع أيًّا يكن نوعه ثمّ يراقب هؤلاء الكبار إبداع الناشئين ويرمونه في سلاّت المهملات.
ما أثار رغبتي في الحديث عن هذا الموضوع، الذي قيل عنه الكثير من دون أيّ تغيير يذكر، مقالة للأديب والإعلاميّ هاني نقشبندي في مجلّة إيلاف الإلكترونيّة في تعلّيقه على معرض الرياض للكتب الذي منعت فيه كتب سعوديّة كثيرة. ولكنّنا قد نجد لدولة كالسعودية، لها خصوصيّتها الدينيّة والاجتماعيّة، عذرًا في ما ترتأيه وتختاره لسياستها الثقافيّة، أوافقَ ذلك نظرتنا إلى التعامل مع الإبداع أم لا، غير أنّنا نعجز عن إيجاد أيّ عذر للأدباء والشعراء حين يمارسون هم أنفسهم سلطة المنع هذه في حقّ من يعارض رأيهم أو ينتقد فكرهم أو يكتب بأسلوب لا يشبه أساليبهم أو يفكّر بطريقة لا تعجبهم. ربّما صار طبيعيًّا ومتوقّعًا أن تخاف الحكومات في بلادنا من الثقافة والتنوّع والنقد والفكر ولكن هل من طبيعة الثقافة أن تخاف من نفسها وإنتاجاتها؟

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.