الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

لا ذنب لي في الحبّ والكره



أثبت العلم ما كنت أقوله دائمًا عن نفسي، ومن الواضح أنّه بات الآن يصحّ على الجميع، أنْ لا ذنب لي في الحبّ والكره وأنّ الأمر كلّه متعلّق بدوائر عصبيّة هي نفسها المسؤولة عن الحبّ والكراهية، وتقيم في مركزين في المخّ هما: بوتامان وأنسولا. طبعًا أنا ما كنت لأطلق عليهما هذين الاسمين!
هذا ما أكّده علماء في لندن كوليدج البريطانيّة بعد سلسلة من الأبحاث والتجارب أدّت غلى اكتشاف المراكز المسؤولة عن ظهور هذه المشاعر عند الإنسان.
هذه الحقيقة العلميّة تبرّئ أيّ واحد منّا من تهمتي العشق والكره وتضع اللوم على خلل في هذين المركزين أو في أحدهما على الأقلّ. وبالتالي لا بدّ من أن ننتظر لاحقًا عقاقير وأدوية تسمح بمعالجة هذا الخلل، فنخفّف من حالة العشق عند أحدنا قبل أن تودي به إلى الجنون أو الانتحار، ونلغي نسبة الكراهية عند آخر قبل أن تدفعه إلى ارتكاب جريمة يروح ضحيّتها مثير كراهيته. وكما هي الحال في كلّ الأدوية والعلاجات والعقاقير، لا بدّ من أن نخشى وقوعها في أيدي من يستغلّها فيتلاعب بتركيبتها ويغيّر أهواء الناس ومشاعرهم على مزاجه وتبعًا لمصالحه.
بين الحب والكراهية شعرة، هذا ما يقوله الناس في بلادنا، وكم من علاقة حبّ يائسة تحوّلت ( بسبب البوتامان والأنسولا كما صرنا نعرف الآن) حقدًا أعمى قضى على كلا الطرفين. وهواة الفنّ السابع لا بدّ يذكرون "الحرب" التي دارت رحاها في قصر "آل روز" بين زوجين عاشقين/ عدوّين أدّى دوريهما مايكل دوغلاس وكاثلين تورنر، وروى قصّتهما في الفيلم محامي العائلة الذي لعب دوره داني دو فيتو. والفيلم الذي نال شهرة واسعة عام 1989 كان قد سبقه فيلم آخر عن تحوّل العشق جنونًا مدمّرًا في "جاذبيّة قاتلة" عام 1987 مع مايكل دوغلاس كذلك والبارعة غلين كلوز.
في نهاية القرن الماضي كان العلم قد اكتشف كذلك الجينة المسؤولة عن الخيانة الزوجيّة، وقلنا يومها: صار للخيانة عذر شرعيّ يقرّه الطبّ. ولا شكّ في أنّ الاكتشافات المقبلة ستزيل الستار عن كثير من الخلايا التي تسبّب أمراضًا نفسيّة وحالات عصبيّة أو في المقابل إبداعًا وعلمًا وفنًّا. والذين يملكون بعض المعلومات عن الطبّ الصينيّ مثلاً يعرفون تمامًا أنّه قال مثل ذلك منذ أكثر من أربعة آلاف سنة حين ربط بين ما يحصل في داخل الإنسان وما ينتج عنه من تصرّفات.
ما يهمّني في الموضوع أنّني رفعت عن نفسي، بتأكيد من العلم وبراءة ذمّة منه، المسؤوليّة عن حالَتي العشق واللاعشق كي لا أقول الكراهية. وفي انتظار العقار السحريّ الذي يعالج البوتامان والأنسولا في مخّي أرجو أخذ حالتي "المرضيّة" بعين الاعتبار.

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

ممثّلون فقراء في أدوار الثراء



ليس الفقر عيبًا وإن كان ليس هدفًا يطمح الإنسان إلى الوصول إليه؛ وستبقى حكمة الإمام علي بن أبي طالب ماثلة في أذهاننا حين نرى إلى الفقراء: لو كان الفقر رجلاً لقتلته... ستبقى ما دامت الأرض لمّا تمتلئ بعد محبّة وعدلاً وسلامًا وحقًّا. وليس فنّ التمثيل عيبًا بل هو من الفنون الراقية ما دمنا لا نتكلّم عن التمثيل بعقلنا ونظرنا وسمعنا، كما يمثّل المجرمون السفّاحون بجثث ضحاياهم. وليس الثراء مجرّد ملعقة من ذهب يأكل بها الأثرياء ما يعجز الفقراء عن شرائه، بل هو مستوى حياة وطريقة تصرّف وكلام ولياقة وجمال وذوق.
أمّا ما العلاقة بين الفقر والتمثيل والثراء فهذا ما سأحاول شرحه في أقلّ قدر ممكن من الكلمات المباشرة. فحين يكون الممثّل فقيرًا ويطلب منه أن يؤدّي دور ثريّ، فاحش الثراء، في مسلسل أو مسرحيّة أو فيلم، فعلى القيّمين على العمل الفنيّ أن يقوموا بإعداده خير إعداد ليؤدّي هذا الدور حتّى ينسى المشاهد أنّ هذا الممثّل الفقير الحال لم يدخل قصرًا في حياته، ولم يعرف أنّ الأثرياء يتصرّفون في قصورهم كما يتصرّف كلّ إنسان في بيته وليس كضيف يخشى أن يوقع الإناء فيكسره.
أنا لست من المدمنين على متابعة المسلسلات أيّا تكن جنسيّتها ما لم أكتشف من الحلقة الأولى أنّ هذا العمل يستحقّ أن أرهق نظري بمشاهِدِه وسمعي بحواره. ولأنني لست من الخبراء في البرامج التلفزيونيّة وخصوصًا بعد عصر الفضائيّات وازدحام المسلسلات الدراميّة على شاشاتنا، لا أستطيع أن أقول أنّ ما أكتبه عن المسلسل اللبنانيّ "بين بيروت ودبيّ" هو نقد متخصّص بل مجرّد انطباعات عاديّة لمشاهدة عاديّة لم تستطع أن تشاهد إلاّ بضع حلقات وبشكل متقطّع، خشية أن تفقد ما تبقّى من أعصابها وهي تتابع قصّة ليس فيها شيء من المنطق.
ولكن إذا وضعنا تمثيل كارمن لبّس وفادي ابراهيم وكارلوس عازار على حدة، لن يبقى في ذاكرتي عن هذا المسلسل إلاّ أنّ ابنة رجل الأعمال الملياردير كانت ترتدي منامة بعشرة دولارات، وقميصًا تائيّة (ت شيرت) بخمسة دولارات، وتحمل حقيبة يد من النايلون، وتتنقّل في قصر(ها) بحذاء يطقطق لأنّه يحتاج إلى كعبين جديدين، وليس لها، ولسواها من الممثّلين علاقة لا من قريب ولا من يعيد بحياة الأثرياء ولا بحياة أهل دبي.
إذا كان الإنتاج لا يستطيع تحمّل كلفة الحياة في القصور، فليكتب المؤلّفون قصصًا عن الفقراء والمرضى والمتسوّلين والمقيمين في العراء، فذلك أكثر احترامًا للفقراء والأثرياء وللمشاهدين على اختلاف طبقاتهم وفهمهم. خصوصًا أنّ ما يقال عن الملابس غير الملائمة لأدوار الممثّلين، يصحّ على المجوهرات والسيكار والسيّارات الفخمة والمطاعم الفاخرة والمشاهد الحميمة وإدمان المخدّرات.
يا جماعة، نحن نعلم أنّ الممثّلين والممثلاّت الذين تخرّجوا من الجامعات حديثًا لا يستطيعون تأمين الملابس والإكسوارات المناسبة لأدوارهم، عدا عن أنّهم لا يعرفون كيف تكون حياة من يطلب منهم تقليد حياتهم. فعلّموهم وثقّفوهم واسخوا عليهم وإلاّ فتوقّفوا عن إنتاج أعمال لا يملك المنتج المال الكافي لتنفيذها ولا يملك مخرجها السلطة الكافية لإدارتها ولا يملك أبطالها إلاّ النصوص التي بين أيديهم.
كان لمسلسلاتنا الدراميّة عهد ذهبيّ، وكان الممثّلون يقنعوننا بفقرهم ولو كانوا أثرياء ويقنعوننا بثرائهم ولو كانوا فقراء ويقنعوننا بإجرامهم ولو كانوا في براءة الأطفال، فرجاء لا تمثّلوا علينا بعد اليوم لأنّ المشاهد الذكيّ يعرف كيف يميّز بين ذهَب الموهبة الأصيلة وبين من ذهبت موهبته مع الريح، ولا تتبجّحوا بسيل الإعلانات، لأنّ المعلن الذكيّ هو الذي يعرف المستوى الحقيقيّ للمشاهدين.

السبت، 7 نوفمبر 2009

الموسيقى الكلاسيكيّة والأغنيات الوطنيّة والموت



وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة تحتار عند الأزمات السياسيّة في ما تبثّه من برامج وأغنيات. فهل دورها في المراحل الدقيقة إلهاء الناس عمّا يجري في غزّة أو لبنان أو اليمن أو العراق، وبالتالي دعوة الناس إلى متابعة الحياة كأنّ شيئًا لا يجري، أو أنّ من واجبها القوميّ العمل على تعبئة شاملة واستنهاض الهمم وبثّ روح المقاومة في الناس تضامنًا مع هذه الجهة أو تلك؟
الاتجاهات السياسيّة لكلّ مؤسّسة إعلاميّة تحدّد بلا شكّ نوع البرامج التي تبثّ والأغنيات التي تذاع واللهجة التي على الإعلاميّين استخدامها في تقديم الأخبار والبرامج السياسيّة عند وقوع أمر طارئ. ولذلك ترى الإذاعات أنّ الأغنيات الوطنيّة ومسرحيّات الأخوين رحباني خير مخرج في هذا الوضع الدقيق، أمّا التلفزيونات التي لم ترغب في الحديث على مدار الساعة عن الأوضاع الدقيقة في الوطن العربيّ فتختار الأفلام الوثائقيّة والبرامج التثقيفيّة لتعرضها على جمهورها في محاولة للهرب من مأزق قد تقع فيه إن اتخذت موقفًا واضحًا. غير أنّ العقل لا يستطيع إلاّ أن يسأل القيّمين عن تلك المؤسّسات عن هذا الميل المفاجئ في اتجاه الثقافة والتاريخ والعلم والموسيقى الكلاسيكيّة والأغنيات الوطنيّة في وقت تبدو فيه أعصاب الناس مشدودة ولا تحتاج إلى مزيد من الشحن "الوطنيّ" أو التعبئة "الثقافيّة" ؟ وأين كانت الثقافة قبل ذلك وهل تتعارض مع الحياة والفرح والسلام؟ وهل الوطن موسم، له بداية ونهاية، وبالتالي لا تذاع الأغنيات التي تتغنّى بأرضه وترابه إلاّ عندما يدقّ ناقوس الخطر وتتساقط القذائف على رؤوس الناس؟ وهل يعرف المسؤولون في الإعلام أنّ الموسيقى الكلاسيكيّة ليست محصورة بالحزن، وأكثرُ ما فيها، وما يبثّ غالبًا منها، وبسبب جهل فاضح، فرحٌ ومجد وانتصار وأعراس واحتفالات؟ وقد أحسنت إذاعة "صوت الشعب" اللبنانيّة صنعًا حين أعطت لبرنامج تثقيفي عن الموسيقى الكلاسيكيّة اسم "ما حدا مات" إذ جرت العادة في لبنان أن تبثّ وسائلُ الإعلام المرئيّة والمسموعة الموسيقى الكلاسيكيّة عند وفاةٍ تفرض الحداد الوطنيّ على البلاد. ومن المعروف أنّ هذا الخيار جاء كمهرب من التزام دينيّ رسميّ في حال بثّت صلوات لهذه الطائفة أو تلك، لأنّ الموسيقى الكلاسيكيّة محايدة وليست محسوبة على طائفة أو دولة أو حزب، وكذلك فيروز والأفلام الوثائقيّة والصور المتحرّكة. أمّا صباح فللفرح، ووديع الصافي فللجنوب وللمغتربين فقط وفي أغنيات محدّدة، وماجدة الرومي وباسكال صقر محسوبتان على فريق 14 آذار، وجوليا بطرس ومارسيل خليفة وأميمة الخليل وأحمد قعبور وخالد الهبر وشيخ إمام لجماعة 8 آذار. ويغيب الآخرون، كلّ الآخرين، في زمن الحروب والموت، كأنّهم أكثر هشاشة من أن يحتلموا خوفنا وغضبنا ويأسنا وأسئلتنا العميقة النابعة من عمق التجربة.
لا شكّ في أنّ المراحل الدقيقة والمصيريّة تتطلّب نهجًا إعلاميًّا خاصًّا، غير أنّه ليس من الثقافة في شيء أن نربط الموسيقى العالميّة الكلاسيكيّة بالموت، والأناشيد الوطنيّة بالحروب، والبرامج العلميّة بالحيرة أمام اتخاذ موقف. ونتساءل بعد ذلك لماذا ترفض ذائقتنا العامّة الثقافة "العاقدة الحاجبين" والمرتدية ثوب الحداد الأسود؟ ولا بأس إن شعرنا بأنّ الحياة مستمرّة وبأن لا خطر على الأمّة إن حكينا عن الحبّ في زمن الحرب، وإن لونّا أحلامنا في زمن الدخان والبارود، وإن كتبنا عن الفنّ في زمن الفتك. فبهذه نستمرّ.

الجمعة، 6 نوفمبر 2009

خيانة القارئ

Magritte
عندما كتبت هذا العنوان "خيانة القارئ" تساءلت وأنا أنظر إلى الحروف المطبوعة فوق الشاشة: ما الذي قصدته من هاتين الكلمتين ومن الذي يخون الآخر؟ هل الكاتب هو الذي يخون القارئ أم أنّ الخيانة هي من القارئ الذي أضيف إلى كلمة خيانة؟
ضجّ العالم الثقافيّ مؤخّرًا بالخبر المثير عن الأديب التشيكي ميلان كونديرا وذلك بعد نشر تحقيق صحافيّ يشير إلى أنّ هذا الكاتب العالميّ خان أحد مواطنيه ووشى به إلى النظام الشيوعيّ بتهمة التجسّس، فسجن الرجل عشرين عامًا مليئة بشتّى أنواع التعذيب والإذلال.
ومع أنّ كونديرا أصدر بيانًا ينفي فيه هذا الخبر، إلاّ أنّ وسائل الإعلام بدأت تطرح علامات استفهام كثيرة حول صورة الأدباء المخادعة، والطريف في الأمر أنّ الذين يكتبون في الصحف ويتعاطون الشأن الثقافيّ قد تطالهم التهمة نفسها بطريقة أو بأخرى، فالخيانة أنواع وهي تبدو عبر التاريخ نسبيّة تخضع للظروف والقوانين والقناعات وما يمكن أن يكون اليوم عملاً وطنيًّا أخلاقيًّا منسجمًا مع الواقع قد يكون في الغد غير ذلك تمامًا.

Magritte
إذا صحّ التحقيق الذي أعدّه ونشره آدم هاردليك بالتعاون مع بيتر ترنستك فهذا يعني أنّ كونديرا يعيش مع هذه "الخيانة" منذ 58 عامًا، وهي فترة طويلة من الأشغال الشاقّة وخصوصًا حين يكون المحكوم أديبًا عالميًّا توحي كتاباته بكلّ شيء ما عدا الغدر والخيانة والتهليل للأنظمة الديكتاتوريّة وهو يحيا منذ تلك الحادثة خائفًا طوال الوقت من افتضاح أمره. ومع ذلك فلا أعلم لماذا يفاجأ الناس في الاختلاف الطبيعيّ والمتوقّع بين الكاتب والعمل الإبداعيّ. ومن يستطيع أن يقول من المبدعين إنّه يشبه نصّه أو لوحته أو موسيقاه أو منحوتته أو مسرحيّته أو فيلمه، والحمد لله أنّ الأمر ليس كذلك، وإلاّ لكان العالم مكانًا قبيحًا لنحيا فيه.
Magritte
اعتبر اسكندر حبش في صحيفة السفير أنّنا نشهد سقوط بعض الكبار، وأعطى أمثلة عن سولجنستين الذي طالب بترحيل بعض الشعوب عن روسيا عند عودته إليها، والشاعر الألمانيّ غونتر غراس الذي كان يعمل مع النازيّين، وها هو كونديرا الشيوعيّ الحريص على أداء واجبه تجاه وطنه. غير أنّي لا أعرف لماذا لم يرد في المقالة نفسها أسماء كبار من العرب،ربّما سقطوا بالطريقة نفسها ولم يرغب أحد في فضحهم، على عادتنا في التستّر على عيوب بعضنا.
Magritte
في مرحلة من تاريخ الولايات المتحدة كانت العبوديّة قانونيّة فكرةً وممارسة، ولم يكن من يمتلك العبيد مجرمًا أو خارجًا عن القانون، ومع ذلك فلم يكن الضمير أو المنطق أو الدين أو الفكر ليرضى بالعبوديّة، ولكن الأمر يحتاج إلى أبطال أو قدّيسين لكي يستطيعوا إعلان بطلان القانون، والمبدعون ليسوا هؤلاء أو أولئك إلاّ في أعمالهم. هذه هي القاعدة وما سوى ذلك هو الشواذ. ولذلك يحفل تاريخ الإبداع على اختلاف وسائل تعبيره بمبدعين جبناء يمجّدون الشجاعة، ومثليي الجنس يكتبون أجمل النصوص عن الجنس الآخر، وخطباء وطنيين خانوا بلادهم، وقبيحي الشكل أجادوا في تصوير الجمال، وبخلاء يفيض الكرم من أدبهم، ومتحرّرات ثوريّات يتذللن للرجل.
Magritte
في بداية عملي الصحافي، وكنت أكتب باسم مستعار هو مي م. الريحانيّ ومن ضمن سجال نقديّ مع الإعلاميّ والشاعر زاهي وهبي عبر صفحات "النهار" كتبت نصًّا بعنوان " أسمعكم في مقاهي الحمراء وأكتشف الوجه المختبئ خلف الصفحات" (شارع الحمرا، شارع المقاهي حيث يلتقي المثقّفون) تحدّثت فيه عن خيبتي من اكتشاف عوالم الإبداع وأسفي لأنّني التقيت بمبدعين ألسنتهم كالمباضع في حقّ بعضهم. وما زلت حتّى اليوم أخشى الاقتراب من المبدعين في أيّ مجال لأنّني أفضّل صداقة النصّ الطويلة الأمد على لقاء عابر مع كاتبه، وجمال اللوحة على جنون راسمها، وانسياب الموسيقى على نظريّات الموسيقيّ.
Magritte
المتلقّي إذًا هو الذي يخون المبدع عندما يضع له هالة من القداسة فوق رأسه، وعندما يطلب منه أن يخون شخصيّته وينسى ماضيه ويتنكّر لأخطائه. ومع الأسف يقع المبدع في خديعة الصورة ويصدّق أنّه البطل الوحيد لرواياته وقصائده.
Magritte

الخميس، 5 نوفمبر 2009

الكتب والمتاحف والحياة

حين أصدرت كتابيّ الأوّلين: لأنّك أحيانًا لا تكون ورسائل العبور، كنت قد قرّرت ألاّ يكونا صالحين للمتاحف بل للحياة. كنت أتخيّل كتبي في حقائب اليد النسائيّة إلى جانب أقلام تخطيط الشفاه التي تخطّط في الوقت نفسه للقاءات، والمرايا التي تقول لكلّ واحدة: أنت أجمل النساء، وعلى طاولات المقاهي تشرب القهوة أو النسكافة أو الشاي ويتناثر عليها رماد السجائر وينتقدها رجال قرأت كلّ ما كتبوه وهم الذين علّموني الكتابة، أو هي على الطاولة إلى جانب السرير، أو تحت المخدّة، أو معرّضة للشمس والمياه عند شاطئ البحر، مبقّعًة بزيت الاسمرار ومملّحة بالرطوبة. كنت أتخيّل صفحات كتابيّ وقد كتبت عليها تعليقات القرّاء (لا يهمّ كم هو عددهم)، وآراؤهم وإضافاتهم ورسوماتهم الساذجة.
وحين سألني الناشر عمّا أريد لكتابيّ الجديدين، قلت له: الشكل نفسه لأنّ الهدف لا يزال هو نفسه. لا أريد الورق الفاخر، ولا الغلاف النيّق، ولا الحجم الباهر، لا أريد كتابًا للعرض في المكتبات تختاره سيّدات الصالونات لأنّ لون غلافه الجلديّ الصقيل يلائم لون الأثاث والسجّاد، بل كتابًا تتبادله الأيدي كالمنشورات، كالصحف اليوميّة، ولا يخشى صاحبه عليه من القراءة أو الغبار أو تقلّبات الزمن أو لصوص المكتبات الظرفاء، وهم دائمًا من الأصدقاء.
بعض الكتب، قلت للناشر، غلافها أجمل من مضمونها، وورقها يدفعك للبكاء على الأشجار التي تحوّلت في مجزرة رهيبة من غابة تعشش فيها الطيور إلى كتب يحتلّها الغبار، وثمنها يجبرك على التفكير قليلاً قبل الإقدام على مغامرة شرائها. لا أريد لكتبي يا ناشر كتبي أن يخاف الناس عليها بل منها، أن تضيء كلماتها ليل عقولهم، أن تقلق نومهم، أن تزعج سكينتهم، أن تثير حفيظتهم، أن تشعل غضبهم، أن تدفعهم لكي يقوموا ولو بعمل واحد مختلف عمّا اعتادوا على فعله كلّ يوم، وإلاّ فلن أكون أنا التي أكتب، ولن تكون كتاباتي هي الكتابات التي رغبت دائمًا في كتابتها.
*****
من تحقيق إخباريّ بثّته "العربيّة" عن المطالعة حفظت ما يلي: الأميركيّ يقرأ ما معدّله أحد عشر كتابًا في السنة، والبريطانيّ يقرأ ما معدّله سبعة كتب أمّا العربيّ فيقرأ ربع صفحة في السنة.
ربع صفحة في السنة؟ لا بأس، فلا شكّ في أنّ هناك قبيلة في مكان ما من العالم لا تقرأ كلمة واحدة طوال السنة، أمّا نحن فنقرأ في الفنجان، ونقرأ تحرّكات الكواكب، ونقرأ ما تخطّه الريح على الرمال، ونقرأ ما يرسله الناس إلى المحطّات الفضائيّة التي تبثّ الأغنيات فنسمع شعر عاصي الرحباني وأحمد رامي ونقرأ في أسفل الصفحة كلامًا سخيفًا يوجّهه شاب يبحث عن عمل لشابّة تبحث عن مغامرة.
نحن نقرأ الكلمات على لوحات الإعلانات، ونقرأ رسائل أصدقائنا عبر الفايس بوك والهاتف المحمول، ونقرأ ما تقوله الأبراج في الصحف، ونقرأ علامات الاشمئزاز على وجوه زعمائنا حين نطلب منهم تحقيق ما وعدونا به، ونقرأ ما يقوله ورق اللعب، ونقرأ ترجمات الأفلام.
نحن نقرأ إذًا، وليس هدفنا من القراءة أن نحقّق أرقامًا قياسيّة أو نسبق سوانا في الإحصاءات. نحن اخترعنا الحرف. ألا يكفي هذا الجهد؟ ونشرنا الكتب المقدّسة ليقرأها الآخرون لأنّنا نحفظ غيبًا ما فيها، فهل يجوز أن نأخذ دورنا ودور سوانا؟
*****
ومع ذلك، مصرّة أنا على الكتابة، ولو كان ما أكتبه ربع صفحة، قد يقرأها عربيّ في سنة وقد لا يقرأها أحد. ومصرّة على أن تكون كتبي، على عددها المتواضع، متواضعة الحجم والشكل تصلح للحياة، بوجهي الحياة المتكاملين: بالحبّ الذي فيها والكره الذي فيها، ولا تليق بالمتاحف الباردة حيث تخاف الأشباح من نفسها.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2009

بين القارئ والناقد



كيف ينجو الكاتب من تأثير الناس وأقلام النقّاد ليحافظ على استقرار واستقلال لا غنى له عنهما إن أراد الاستمرار في "معايشة" تلك النمرة التي اسمها الكتابة، والتشبيه هنا استعرته من الكاتب جبرا ابراهيم جبرا؟ ففي مجال الإبداع، على مختلف وجوهه ووسائله ومدارسه، غالبًا ما يقع الاختلاف الفاضح بين ما وجدته الجماهير الغفيرة (الفنّان فيلمون وهبي يسمّيها غفورة في أحد الأعمال الرحبانيّة) رائعًا ويستحقّ التهنئة والجائزة والتكريم، وما اعتبره النقد هابطًا وسيّئًا وغير قابل للحياة أو البقاء.
فكم من مرّة نجح فيلم عند شبّاك التذاكر، وسقط سقوطًا مريعًا في شِباك النقد والتاريخ، وكم من كتاب حقّق أعلى نسبة في المبيعات وانتشر بين الناس انتشار النار في أحراج لبنان خلال الصيف، ثمّ تبيّن أنّ شعبيّته لم تشفع له عند النقّاد والدارسين! وقس على ذلك في مختلف الأنواع الفنيّة الإبداعيّة، وفي كلّها يقع المبدع في فخّ التساؤل: من عليّ أن أرضي: الناس أم النقّاد؟ والمفارقة الطريفة في الموضوع أنّ المبدع نفسه لا يستطيع الإجابة بصدق على هذا السؤال لأنّ أيّ جواب يعطيه سيضعه في موقف حرج. فإن قال: لا أريد الجماهير التي تحبّ هيفاء وهبي وشبيهاتها قال له الناشر: إذًا لا تسألني عن المردود الماديّ لكتابك. وإن فكّر للحظة في أن يحظى بالانتشار الشعبيّ عيب عليه الأمر وقيل عنه: يكتب ليرضي الناس لا ليرشدهم.
ولذلك لم يستغرب الشاعر الكبير أدونيس حين قال له ناشر أحد كتبه أنّ نسخة واحدة بيعت من الكتاب طيلة العام، فأدونيس يعرف صعوبة شعره التي تعود في أسبابها إلى لغة خاصّة أصيلة وتراكيب عقليّة لا تصل بسهولة إلى القرّاء، ومع ذلك فهو ليس مستعدًّا للتنازل عن ذلك، ما أجبره - ربّما – على الانصراف إلى فنّ "الكولاّج" لتأمين مردود ماليّ محترم. وقد يكون نزار قبّاني من الشعراء القلائل الذين استطاعوا أن يوفّقوا بين الرقيّ الشعريّ والجماهيريّة الواسعة، من دون أن يعني ذلك أن لا تفاوت في المستوى بين قصائده أو أنّها لم تنل كلّها الحظّ نفسه في الانتشار وإثارة الإعجاب.
وفي غياب النقد الحقيقيّ الذي يجمع بين العِلم والموضوعيّة والأخلاق سيبقى المبدع راغبًا في قرارة نفسه في الاحتكام إلى عفويّة القرّاء والمشاهدين وإعجابهم العفويّ غير المدّعي، لأنّه بذلك يضمن على الأقلّ أن لا ضغينة تحمل قلم النقد ولا جهل يقرّر مصير الإبداع، ولا أصوليّة فكريّة إرهابيّة تضع رقيبًا فوق كتف كلّ كاتب أو فنّان أو مفكّر ليهمس في أذن كلّ منهم كلامًا يتزاوج فيه الترغيب بالراتب والترهيب من القصّ والمحو والإلغاء.
ومغرور ومدّع كلّ من يقول أنّه لم يرضخ لكلا الترغيب والترهيب في لحظة ما من لحظات إنسانيّته، وإلاّ لما استطاع كثير من الأدباء والشعراء والصحافيّين والفنّانين والفلاسفة والمفكّرين والعلماء أن يحافظوا على وجودهم ويضمنوا بقاءهم، ولكان شهداء الفكر والإبداع أكثر بكثير ممّا قد يخطر على بالنا.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009

"أنا في انتظارك ملّيت"

في انتظار غودو

1 - الشجرة العارية التي جلس عند جذعها أستراغون وفلاديمير بطلا مسرحيّة "في انتظار غودو" هي ما كان ينتظره الرجلان لو نظرا ورأيا. كان الرجلان موعودين بالمنتظَر الذي كان يعطي إشارات متباعدة إلى أنّه آت حتماً، ومع مرور الوقت، كان الانتظار يتحوّل مكانًا آمناً يخشى الرجلان الخروج منه لئلا يقعا في الفراغ، وصار الانتظار العقيم بديلاً من الشجرة التي كان ممكناً أن تكون خضراء مثمرة ظليلة لو انشغل المنتظران بتقليب تربة أرضها وتشذيب أغصانها وريّها، وهي التي لا تزال تحمل في نسغها بعض حياة. وهل يمكن أن تكون الشجرة استعادت الحياة في الفصل الثاني من المسرحيّة بعدما روتها أخبار الرجلين وحكاياتهما، عوضاً عن الماء، بالكلمات/ الأسئلة/ الشعر؟ وهل الرواية نوع من الريّ؟

*****

2- انتظار القطار أوصل القطار في مسرحيّة "المحطّة" للأخوين رحباني، ربّما لأنّ المنتظِر (بكسر الظاء) كان مستعداً للسفر، ولأنّ من بشّر بوصول القطار يتجوّل على الطرق مبشّراً بالحلم، مؤمناً به، يسبقه، ولأنّ القطار المنتظَر (بفتح الظاء) يحمل لا بدّ أكثر من مسافر، وينتظره أكثر من منتظِر.

*****

3 - عنصران أساسيّان نصل إليهما إذاً: الحركة والجماعة. عند بيكيت جمود وعند الرحبانيّين حركة (الحركة بركة). عند بيكيت رجلان قد يكونان رجلاً ومرآته، لو كان معه امرأة لانتظرا طفلاً وكوّنا مجتمعًا وهذا ما لا يؤمن به بيكيت، وعند الرحبانيّين قرية وعيد ولصوص ومتسوّلون وزوجات أي كلّ ما يمكنه أن يكوّن مجتمعًا (الجنّة بلا ناس ما بتنداس).

*****

4 - من الأدب الغربيّ، وصلت إلينا حكايات الأطفال حيث تنتظر المرأة وصول المخلّص: سندريلاّ انتظرت الساحرة الطيّبة ولم تتعلّم خياطة الملابس، ذات الجديلة انتظرت كي يطول شعرها ولم تتعلّم حياكة حبل، الأميرة النائمة انتظرت قبلة الأمير ولم تفعل شيئاً لأنّها في كلّ بساطة كانت... نائمة. ولعلّ هذا ما يميّز شخصيّة شهرزاد التي أتى خلاصها من رأسها وقراءاتها ومخيّلتها. في حكايات غربيّة أخرى أمير/ضفدع ينتظر الحبّ، ومارد قبيح ينتظر قبلة تزيل عنه السحر الأسود وتعيده شاباً وسيماً.

*****

5 - الشرق ينتظر المسيح المخلّص، المهدي المنتظر، عودة الراحلين في قمصان جديدة هي الأجساد المنتظِرة من يحلّ فيها لتنطلق في رحلة الانتظار من جديد. في الشرق مجتمع كامل ينتظر نجمًا يقود الرعاة المساكين والبدو الهائمين، عيونهم إلى السماء دومًا فضاعت الأرض.

*****

6 - في معجم ألفاظنا اليوميّة ترد كلمة الانتظار في شكل لم نعد نعيره اهتماماً: غرف الانتظار، انتظار المولود، انتظار الشفاء، انتظار الموت، انتظار قرع الجرس في المدرسة، انتظار وصول المسافر، انتظار راتب آخر الشهر، انتظار سيّارة التاكسي، انتظار الإشارة الخضراء، انتظار النادل في المقهى، انتظار نتائج الامتحان، انتظار الحبّ، انتظار عطلة نهاية الأسبوع، انتظار عطلة الصيف، انتظار جائزة نوبل... كأنّنا لا نفعل إلاّ الانتظار.

*****

Inbox (0) - 7: علبة البريد هي التي تغيّرت، الانتظار لا يزال كما كان مذ اختبرته أوّل امرأة. لم تعد علبة البريد أمام الباب، بل في غرفة النوم قرب السرير. ليس ثمّة خوف اليوم من أن ترصد الجارات الحسودات توقّف ساعي البريد أمام منزل الفتاة حاملاً رسالة من حبيب غائب، أو في أن تلتقط عيونهنّ دمعة عالقة على هدبها حين تعرف أن لا رسالة لها. صارت الرسائل تصل بسرعة البرق ومن دون صخب الرعد، ولكن الانتظار لا يزال كما كان، تختلط فيه المشاعر وتولد خلاله الأحلام وتموت الرغبات. لا تزال المرأة تنتظر، على رغم ثورتها وتحرّرها، أن يرسل إليها الرجل إشارة أو رسالة. ولا يزال الوجع كما هو حين تبقى علبة البريد فارغة.

*****

8 - بينيلوب لم تستقبل أوليس زوجها الذي انتظرته طويلاً، كان ذلك الذي وصل رجلاً آخر أغرمت به، وصودف أنّه كان زوجها.

*****

9- أنا في انتظارك "ملّيت" (ملأت) أيّامي بسواك، فنسيت أنّني كنت أنتظرك.
*****

* صحيفة النهار - الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2009

أحسد الذين لا يقرأون

فان غوغ

حين أقرأ مقالات الاقتتال الثقافيّ والسياسيّ المعلّقة في ساحات الوغى (ولن تكون في يوم ما من المعلّقات) وكلّها يدّعي الدفاع عن الفكر والحريّة، أتمنّى لو كنت من الذين لم يتعلّموا القراءة.
فكأنّ الصراعات المذهبيّة لا تكفينا، والخصومات الطائفيّة لم تقض على ما تبقى من وحدتنا، أو كأنّ المشاكل الاقتصاديّة والمخاوف من الإرهاب لم ترهق كاهل بلادنا، حتّى ينحدر "المثقّفون" إلى درك الشتائم المقذعة وأساليب الهجاء البذيئة، لتكتمل بذلك حلقة انهيارنا ونفقد الرهان على ما كنّا نعتقد أنّه حبل خلاصنا.
ويصحّ في هذه الحال أن نستعمل لغة الحرب التي بتنا نحن اللبنانيين نجيدها ونضع المعاجم في أصول استخدامها، ونقول إنّ المحاور مشتعلة والطرقات غير سالكة وغير آمنة وينصح بعدم التجوّل بين صفحات الصحف لئلاّ يصاب أحد العابرين بكلمة من هنا وصفة من هناك، ويذهب ضحيّة رغبته في المطالعة والاطّلاع على أحوال الثقافة والشعر والفكر والسياسة.
حين كنت أعمل في مجال التربية، كنت وكثيرين سواي نعترض على إقحام قصائد الهجاء في مناهج تعليم اللغة العربيّة ونسأل: ما الهدف من تعليم سيل من الشتائم لتلاميذ أغرار في أوّل سلّم الحياة؟ غير أنّ ما يجري على صفحات الجرائد هذه الأيّام ينذرنا بأنّ ما كنّا نحذّر منه ونعترض عليه صار اللغة اليوميّة، ليس فقط في البرامج السياسيّة، أو خلال برامج التوك شو الفنيّة والاجتماعيّة، بل بين شعراء ومفكّرين نتوقّع أن تكون نصوصهم في القريب العاجل مادة دراسيّة يتعلّم تلاميذنا من خلالها التحليل والنقد البنّاء والحسّ الجماليّ والسمو وقبول الآخر. وإذا كنّا لم نعد ننتظر من أكثر العاملين في المجال الفنّي أو السياسيّ (مع الأسف الشديد) أن يرتقوا بالتخاطب إلى مستوى حضاريّ يحترم رأي الآخر ويقارعه الحجّة بالحجّة، فلا يمكننا في المقابل إلاّ أن ننتظر ذلك من الشعراء والدارسين والنقّاد والمحلّلين.
ومن المؤسف أن يصل هؤلاء المتحاورون المتقاتلون إلى مرحلة التشهير ونبش القبور والتعريض بالحالة الاجتماعيّة والخلفيّة الثقافيّة وتبادل الاتهامات بالسرقة الأدبيّة كأنّ كلّ واحد منهم مصرّ على إلغاء الآخر مهما كان الثمن، وبكلّ الأسلحة غير المشروعة. لا بل مؤسف أن يتمّ كلّ ذلك باسم حريّة التعبير والرأي وفي صحف نتوقّع منها ألاّ تكون صفراء إلاّ من أثر الزمن الذي عتّق أطرافها ومع ذلك نرفض التخلّي عنها.
ولّت أيّام بيوت الحجر المنحوت وبات الجميع يقيم في منازل من زجاج، سهل كسرها وسهل أن نرى ما في داخلها، لذلك على المتراشقين بالاتهامات أن يتذكّروا في كلّ مرّة يرفعون فيها حجرًا ليرموا به الآخرين أنّهم انتزعوه من أساسات صروحهم التي باتت مهدّدة.

الاثنين، 2 نوفمبر 2009

العرب والسياسة

من يستطيع أن يرسم الحدود بين السياسة والجوع والإنسانيّة



هل كان الكاتب البريطانيّ جورج أورويل يتحدّث عن العرب حين قال: "في عصرنا ليس هناك شيء اسمه الابتعاد عن السياسة. جميع القضايا هي قضايا سياسيّة"؟
من المعروف بحسب الإحصاءات والدراسات أنّ الناس في العالم الغربيّ يبتعدون عن القضايا السياسيّة، وأكثرهم لا يعرف ماذا يجري خارج حدود بيته أو بلدته، ولا يعنيهم في شيء أن يسمعوا ماذا يجري في العالم ما دام لا يترك أثرًا على مسيرة حياتهم المبرمجة كالساعات السويسريّة. أمّا نحن فيصحّ علينا كلام جورج أورويل جملة وتفصيلاً، لأنّنا لا نستطيع فعلاً أن نفصل السياسة عن أيّ مظهر من مظاهر حياتنا اليوميّة، وما دامت اللغة العربيّة تجيز بعض الحالات الإعرابيّة الغريبة مراعاة لما وصلنا من هذه القبيلة أو تلك أو احترامًا لما اتفق عليه اللغويون في تلك البلاد أو بحسب رأي ذلك المرجع الدينيّ، فذلك يعني أنّ السياسة تحكمنا منذ أن تكوّنا في أحشاء أمّهاتنا.
ولذلك نعجب حين نسمع أحد المسؤولين في صحيفة ما يقول لأحد الصحافيّين: تستطيع الكتابة في كلّ المواضيع ما عدا السياسيّة منها. ألا يوجد للرياضة سياسة ووزير، وللتربية سياسة ووزير، وللسياحة كذلك، وللثقافة والدفاع والتجارة والفنّ والمواصلات، وما إلى ذلك من شؤون الحياة، فكيف يمكن كاتبًا أن يكتب ما لا علاقة له بالسياسة؟ كتابات ابن المقفع، وقصائد المتنبّي، ومواقف أبي نوّاس الشعوبيّة، كلّها تنبع من آراء في السياسة، وبائيّة أبي تمّام في مدح المعتصم موقف سياسيّ وطنيّ، ناهيك عن قصائد الأحزاب في العصر الأمويّ والهجاء بين الفرزدق وجرير والأخطل مثال معبّر عن ذلك. ولا ننسى العصر الجاهليّ حين كان بيت من الشِعر يرفع قبيلة وبيت آخر يحطّ من قدرها. وإذا قفزنا إلى العصر الحديث، ألا نشعر بالغبن الذي لحق بنزار قبّاني حين اعتبره كثير من النقّاد شاعر المرأة مع أنّ شعره السياسيّ لا يقلّ عظمة في السبك وقوّة في التعبير عن شعره الغزليّ؟ على كلّ حال، الدفاع عن المرأة في حدّ ذاته موقف سياسيّ معارض لما خضعت له من كبت وحرمان خلال عقود وقرون. وهل نستطيع أن نضع الخطّ الفاصل بين السياسة واللاسياسة في كتابات جبران ونعيمة ونجيب محفوظ وأدونيس وأنسي الحاج ومحمّد الماغوط ومحمود درويش وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهّاب البيّاتي وصلاح لبكي وسعيد عقل وفؤاد سليمان والأخوين رحباني ويوسف حبشي الأشقر والياس خوري وغيرهم ما لا يمكن حصره من الأدباء، أشعراء كانوا أم روائيّين أم مسرحيّين؟
حين يكون انتخاب المختار في إحدى القرى عملاً سياسيًّا تتداخل فيه عوامل كثيرة ويثير حساسيّات لا حصر لها، فكيف يمكننا إذًا التفكير في ما يجري في غزّة من دون أن نفكّر في القضيّة الفلسطينيّة وكيف تمّ التعامل معها منذ نشوء إسرائيل؟ وهل نستطيع أن نعزل الشهداء والجرحى والمعتقلين عن الخطّ السياسيّ العربيّ الذي لن نجد له في علم الرياضيّات صفة تفيه حقّه؟
حين تصفعني صورة طفل تحت الأنقاض التي خلّفها القصف في أيّ مكان، لا أستطيع أن أبقى ملتزمة سياسة الحياد، ولا أستطيع أن أشغل رأسي بالتفتيش عمّن كان السبب في المصير الذي آل إليه، لأنّ المنطق يقول إنّنا كلّنا مشاركون في صنع تلك الصورة، وإلاّ لما تكرّرت ملايين المرّات بلا خجل أو وجل.
يحاول الطفل أن يرفع رأسه من تحت الأنقاض لعلّ وجهه يعانق وجه الشمس ويغتسل بالمطر، أمّا الكبار فيبحثون عن حفرة يخفون فيها وجوههم خجلاً وجبنًا فلا يجدون سوى أحضان نسائهم.
(نشر هذا النصّ في صحيفة البلاد البحرينيّة خلال الحرب على غزّة)

الأحد، 1 نوفمبر 2009

لو كان عاصي الرحباني حيًّا!


فيروز وزياد الرحباني
أنا لا أريد المزايدة على أولاد عاصي الرحباني في معرفته ومحبّته، فأنا قطعًا لا أعرف عاصي الرحباني الأب بل أعمال الفنّان التي كشفت لي خفايا أفكاره وخبايا نفسه وعن ذلك سأسمح لنفسي بالكتابة.
عاصي الرحباني الذي تبنّى "غربة" و"زاد الخير" و"عطر الليل" و"هالة" و"وردة" ونظر بعين المحبّة إلى "زبيدة" و"مخّول" و"سبع" و"الشاويش" و"مختار المخاتير" و"نفنافة"، ودافع عن المحرومين والمظلومين وخلّد "فخر الدين" و"بترا" و"بعلبك" و"مشغرة" و"وادي التيم"، عاصي الرحباني الذي جعل فيروز تغنّي لـ"ريما" كي تنام، وحشد في أعماله المسرحيّة والسينمائيّة والتلفزيونيّة والإذاعيّة آلاف الشخصيّات التي أظهرها في أكثر لحظاتها جمالاً وحنانًا وخفّف قدر المستطاع من سيّئات البعض منها، حتّى لكأنّ الشرّ غير موجود في عالمه، هذا "العاصي" لم يكن ليضيق صدره بشابّ ليس من صلبه ولا من عائلته ولكان تبنّاه وأعطاه اسمًا ومنحه دورًا وأسدل الستارة على مسرحيّة الأبوّة والبنوّة التي تتناقل وقائعها الصحف، غاضًا الطرف عن نتائج المختبر وقرار المحكمة.

هلي الرحباني ابن عاصي وفيروز مع دلال حين كانت زوجة زياد وابنها عاصي
لا شكّ في أنّ المجتمع العربيّ بات على علم بقضيّة إنكار النسب التي رفعها الفنّان زياد الرحباني مطالبًا بشطب اسم الشابّ عاصي الرحباني من سجّل العائلة لأنّ فحص الحمض النووي، بحسب أقوال زياد للصحافة، أثبت أنّ هذا الشاب ليس ابنه. ولعلّها القضيّة الأولى من نوعها التي تظهر إلى هذا الشكل العلنيّ في لبنان، وتتهم فيها سيّدة بإنجاب طفل من غير زوجها، وبسبب ذلك يطالب طليقها المحاكم وبعد أكثر من عشرين سنة باعتبار الابن الذي كان نتيجة هذا الزواج لا يمتّ بصلة نسب له.
عاصي الرحباني مع ابنته ريما
وإذا كان من الطبيعيّ أن ينقسم الناس بين مؤيّد لزياد الرحباني المجروح في كرامته، ومتأسّف لوضع الابن ضحيّة هذا الزواج، ومتضامن مع الزوجة/الأمّ على اعتبار أنّ زوجها صاحب شخصيّة صعبة ولا يمكن العيش معه، فلا يعني ذلك أنّ الناس أنفسهم لم يتّفقوا على التساؤلات التالية: زياد محقّ في الدفاع عن عائلة الرحباني ووضع السدود أمام من يرغب في الانضمام إليها عن غير حقّ، مع العلم أنّ المحافظة على العائلة تصرّف غير متوقّع من زياد نفسه الذي كثيرًا ما سخر من آل الجميّل مؤسّسي حزب الكتائب بسبب وضعهم "العائلة" ضمن مثلّث الحزب بعد "الله والوطن".
عاصي الذي لا يَعرف اسمًا آخر له
ولكن ألم يشكّ في الأمر منذ ولادة الطفل الذي أعطاه اسم والده، وأخذ لهما صورة فوتوغرافيّة معًا؟ وهل أخفت الزوجة السيّدة "دلال" الأمر عن الجميع؟ وهل عاصي الابن كان على علم بحقيقة نسبه أم هو كان يشير إلى ذلك في أحاديثه الصحافيّة القليلة حين كان يعارض مقولة أنّ الفنّ وراثيّ، ويوضح أنّ موهبته في التصوير السينمائيّ لا علاقة لها بعائلة الرحباني؟أنا شخصيًّا لا تعنيني معرفة الأجوبة على هذه الأسئلة ولن يضيف اطّلاعي عليها إلى ثقافتي الرحبانيّة شيئًا مهمًا. ففي مجتمعاتنا الكثير من القضايا المحاطة بالسريّة والتكتم والتي لا نعرف شيئًا عن حقيقتها وإن عرفنا تمنّينا لو كنا لا نعرف.
زياد عاصي الرحباني
ما يعنيني من قضيّة وصلت إلى الرأي العام هو أن يترك المجال للشابّ الذي يحمل اسم "عاصي الرحباني" كي يتصالح مع نفسه واسمه ونسبه فيتابع حياته بمعزل عن هذه القضيّة، وإذا كان الوالدان أرادا أن يأكلا الحصرم فهذا شأنهما، ولكن لا يحقّ لهما أن يطلبا من هذا الشابّ أن "يضرس" بسببهما. والصحافة مدعوة إلى احترام ذلك كي لا تساهم في تشويش حياة هذا الشابّ الذي لم يعرف الاستقرار حتّى اليوم.

من عالم سائقي التاكسي 2

بيروت

كان سائق التاكسي يتحدّث عن مهنته كما تتحدّث امرأة عن اضطرارها إلى التحوّل عاهرة. قال إنّ الظروف أجبرته على ممارسة هذا العمل، وقال إنّه مجبر على التواصل مع مختلف أنواع الناس، وقال إنّ ما يراه ويسمعه يدفعه إلى اليأس من الحياة، أو على الأقلّ إلى القرف منها.
كان يريد أن يحكي، وأنا أحبّ أن أصغي. فكيف إذا كان الإصغاء يُسمعني كلام رجل يقودني إلى حيث أريد، ويتحدّث في الوقت نفسه عن الحياة وكيف قادته إلى حيث لا يريد. مشهد عبثيّ لا يمكن تفويت فرصة المشاركة فيه. غير أنّ الحكايات التي يرويها عن عالم الليل وحيوات الناس فيه كانت تحتاج إلى أكثر من توصيلة سريعة ومع ذلك كان في الإمكان بناء ذلك العالم بشخصيّاته وحكاياته من سيل الكلمات المتدفّق من فمه.
المرأة الصامتة هي أكثر قصّة تفاعل معها الرجل حتّى كدت أجزم أنّ دموعًا تترقرق في عينيه في كلّ مرّة يعيد سردها على مسمع أحدهم.
عندما ناداه عامل الهاتف، في تلك الليلة، على جهاز اللاسلكيّ ليلبّي الطلب ويحضر المرأة من حيث هي، لم يكن يعلم أنّه سيكون شاهدًا على حكاية لا تصلح للأولاد. والحكاية بدأت حين نبّهه الموظّف في مكتب التاكسي إلى أنّ المرأة التي سيقلّها إلى بيتها لن تقول كلمة واحدة، وأنّ رجلاً سيعطيه ظرفًا ورقيًّا فيه مبلغ من المال ليسلّمه إلى رجل آخر يقيم حيث ستنزل المرأة. وهذا ما حصل: صعدت المرأة وهي صامتة واجمة، انزوت في المقعد الخلفيّ وألصقت رأسها بالزجاج، ثمّ اقترب رجل وناول السائق الظرف المغلق. أصرّ السائق على أنّ من واجبه أن يتأكّد من أنّ ما في المغلّف ليس مخدّرات أو أيّ شيء آخر غير المال. فقبل الرجل. وحين تمّ كلّ شيء حسب التعليمات، انطلق السائق إلى حيث طلب منه أن يوصل المرأة. هناك، كان رجل آخر في الانتظار، فأسرع حين توقّفت السيّارة، وفتح الباب لكي تخرج المرأة الصامتة وقال لها: أسرعي، الطفل يبكي. ثمّ سأل السائق عن "الغرض" وحين استلمه فتحه ليتأكّد من المبلغ ودلف إلى المنزل خلف المرأة.
في مكتب شركة التاكسي، وجد السائق مجموعة من زملائه ينتظر كلّ منهم نوبة عمله، فشعر بأنّهم يتوقّعون منه أن يسألهم لحظة دخوله عليهم عن حكاية هذه المرأة، فلم يخيّب أملهم، وحين بدأ أحدهم بالكلام فهم السائق الحائر أنّ كلّ واحد منهم مرّ في هذه التجربة، وكلّ واحد يملك فصلاً من الحكاية.
ولكن ما أثار دهشة الرجل من ردّة فعله وردود فعل زملائه أنّهم كلّهم كانوا متعاطفين مع المرأة، وكلّ واحد منهم يتمنّى لو أنّ في إمكانه إنقاذها ممّا هي فيه. فليس شيء في كلّ قيل عنها يوحي بأنّها كانت تستمتع بمّا تفعله، بل بدت كأنّها مجرّد آلة تنفّذ الأوامر ولا رأي لها في الموضوع، أو كأنّها خنقت منذ زمن أحاسيسها ومشاعرها (إلاّ لحظة قيل لها أنّ طفلها يبكي) حتّى صارت على ما هي عليه من جمود وصمت هما أقرب إلى الموت منهما إلى الحياة. وكيف لا تفعل ذلك وزوجها يفرض عليها ممارسة الدعارة، ويرسلها في مهمّات إلى منازل في أماكن متفرّقة؟ ولكن ما لم يستطع أحد من السائقين الذين أقلّوها إلى حيث زبائنها أو أعادوها إلى منزلها أن يتأكّدوا منه هو إن كانت هي التي ترفض قبض ثمن جسدها أو إن كان زوجها هو من يفرض هذا التدبير.
يروي لي السائق أجزاء من الحكاية، وحين يصمت بعد عبارة: الله يستر على كلّ الناس، يترك لي من دون أن يعلم الحريّة الكاملة لتخيّل المرأة التي تهرع إلى طفلها، وتمارس أمومتها بعدما استنزف الآخرون أنوثتها وإنسانيّتها.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.